لم يكن رائد حين خطا خارج حدود وطنه رجلاً حراً كما توهّم. كان جسده فقط قد تجاوز الأسلاك الحديدية ونقاط التفتيش، أما روحه فبقيت هناك، محاصَرة بين صرخات المعتقلين وظلال الزنازين. كان كل شيء من حوله غريباً: لغة الشوارع التي لا يفهمها تمامًا، لافتات ملونة لم يألفها، وجوه لا تعرف ماضيه ولا تحمل عنه سوى نظرة عابرة. ومع ذلك، كان يشعر أنه مكشوف، كأن العالم بأسره يراقبه.
في الفندق الرخيص الذي لجأ إليه، كانت الجدران رطبة، والمصابيح باهتة، لكن سريره الضيق بدا وكأنه مركب نجاة وسط بحر هائج. ومع ذلك، لم يمنحه النوم هدنة. كلما أغمض عينيه، اجتاحت رأسه صور الجثث: الوجوه المحطمة، العيون المطفأة، الجلود المتفحمة. كان يسمع همسهم كأنه صادر من وسادته، فيقفز مذعورًا، يبحث عن الكاميرا التي لم تعد معه، وكأنها وحدها قادرة على أن تمنحه براءة لم يعد يملكها.
في اليوم الثالث، قصد مقهى صغير في شارع جانبي. جلس في زاوية بعيدة، يراقب المارة عبر زجاج ملطخ بالندى. أراد أن يقنع نفسه بأنه بدأ حياة جديدة، لكنه لم يستطع. كل ضحكة سمعها بدت له كاستفزاز، كل وجه سعيد أشبه بخيانة لآلام الذين عايشهم. أخذ دفترًا مهترئًا من حقيبته، وبدأ يكتب. لم يكن يدوّن قصة صحفية كما اعتاد، بل اعترافات مبعثرة، كأنها محاكمات سرية لنفسه. كتب عن الرئيس الطاغي، عن الخديعة، عن الدماء التي غُسلت بأكاذيب نشرها للعالم… ثم توقّف. نظر إلى الكلمات بذهول: هل حقًا كان هو اليد التي منحت الشرّ صورته المضللة؟
لم يحتمل الجلوس أكثر. خرج إلى الشارع والبرد يلسع وجهه، وسار بلا وجهة. فجأة، سمع عزفًا لموسيقي عجوز عند الزاوية. كانت نغمات الكمان تنساب حزينة، فشعر بها تخترق قلبه. تذكر أمه البعيدة، التي لم يرها منذ سنين، وتساءل إن كانت ما تزال على قيد الحياة. دمعت عيناه بلا وعي، لكنه مسحها سريعًا، خائفًا أن يراه أحد ضعيفًا.
في الليلة نفسها، طرق باب غرفته رجل غريب بملامح شرقية. قدّم نفسه باسم "حسام"، وقال إنه صحفي معارض يعيش في المنفى. كيف وصل إليه؟ وكيف عرف اسمه؟ ارتبك رائد، لكنه سمح له بالدخول. تبادلا حديثًا متوتراً، وحين عرف حسام بعض تفاصيل ما عاشه رائد، انحنى نحوه وقال:
"العالم يحتاج شهادتك… تحتاج أن تروي ما رأيت، لا أن تختبئ."
لكن رائد انفجر ضاحكًا، ضحكة مرتعشة مليئة باليأس:
"أتظن أنني بريء؟ كنت جزءًا من لعبتهم، أنا من صوّر الجثث بيدي، أنا من نشر الأكاذيب للعالم… أنا لست شاهدًا، أنا مجرم مثلهم."
ساد صمت ثقيل. حسام لم يجد ردًا. ترك بطاقة صغيرة على الطاولة وقال قبل أن يغادر:
"حين تقرر التحدث، اتصل بي… قبل أن يبتلعك صمتك تمامًا."
بقي رائد وحيدًا تلك الليلة، يحدّق في البطاقة بيد مرتجفة. شعر أن العالم من حوله بدأ يفتح أبوابًا جديدة، لكن أي باب يعبره قد يقوده إلى هاوية أعمق. وبين لحظة وأخرى، كان يسمع صوتًا داخليًا يهمس: "الهروب لم ينته… الهروب لم يبدأ بعد."
Lemar hamadi