اللقطة السادسة عشر🎬

اللقطة السادسة عشر🎬

16 0

سبع سنواتٍ مضت…

لم يكن الزمن في المصحة يُقاس بالساعات ولا بالشهور، بل بالوجوه التي تأتي وتذهب، بالصرخات التي تنطفئ في الممرات، وبالدواء الذي يذيب الذاكرة كما يذيب الملح في الماء.

في صباحٍ رمادي، دخل أحد الأطباء إلى غرفة رائد وهو يتفحّص ملفه القديم. نظر إليه وقال بلهجةٍ رسمية باردة:

"لقد قررت اللجنة الطبية الإفراج عنك يا رائد… حالتك مستقرة بما يكفي لتعود للحياة العادية، لكن تحت المراقبة."

رفع رائد نظره نحوه ببطء، كمن لم يفهم الكلمات بعد. ظلّ صامتًا لثوانٍ طويلة قبل أن يقول بصوتٍ أجشّ:

"أيعني هذا أني خرجت… حقًا؟"

أومأ الطبيب بإيماءةٍ مقتضبة وغادر.

جلس رائد على سريره يحدق في جدران الغرفة التي قضى فيها سنواتٍ من عمره، ثم أخرج من درجٍ صغير صورةً باهتة لزوجته. كانت أطرافها ممزقة وملطخة ببقعٍ صفراء. نظر إليها طويلًا، لم يعد يعرف إن كانت الصورة تبكي أم تضحك، لكنه شعر بشيءٍ يشبه الألم يتلوّى في صدره.

"أخرجتني لأعيش، لكنني متُّ منذ زمن."

حين خرج من بوابة المصحة، لفحته نسمة باردة فرفع رأسه نحو السماء. كانت المدينة كما تركها… رمادية، مزدحمة، ضوضاؤها تصمّ الأذن، لكن بالنسبة له كانت غريبة ككوكبٍ جديد.

السيارات تمرّ مسرعة، الأطفال يركضون نحو المدارس، المارة يحملون هواتفهم ويضحكون. العالم الذي عرفه صار نسخةً أخرى، أكثر ضجيجًا وأقلّ دفئًا.

سار في الشوارع بلا هدف، حقيبته الصغيرة على كتفه، خطواته بطيئة كأن الأرض ترفضه. حاول أن يتذكر الطرق القديمة، الأماكن التي كان يرتادها، لكن الذاكرة بدت كمرآةٍ مغبّشة، لا يرى فيها سوى شظايا من الماضي.

استأجر غرفة صغيرة في حيٍّ فقير على أطراف المدينة. الجدران متشققة، ورائحة الرطوبة تخنق الأنفاس. كان يقضي الساعات جالسًا على السرير يحدّق في اللاشيء، يسمع الأصوات من الشارع: بائع متجول، شجار بين جارين، طفل يبكي… لكنها كلها كانت بعيدة، كأنها تحدث في عالمٍ لا ينتمي إليه.

في الليالي، كان يسمع همساتٍ مألوفة في رأسه، نغمةٌ يعرفها جيدًا… صوت نادر.

"أترى يا رائد؟ عادوا إلى حياتهم كأنك لم تكن موجودًا. العالم لا ينتظر أحدًا."

"اصنع لنفسك معنى… قبل أن تبتلعك العدم."

يحاول تجاهله، لكنه لم يعد متأكدًا إن كان الصوت من عقله أم من الخارج.

أحيانًا يستيقظ فجأة في منتصف الليل، فيجد نفسه يكتب على الجدار عبارات غريبة لا يتذكر كيف خطّها:

"الظلام ليس غياب النور، بل عودته إليّ."

بعد أيامٍ من الضياع، وجد إعلانًا في أحد المقاهي الصغيرة: “مطلوب عامل توصيل بيتزا.”

نظر إليه طويلًا، ثم تمتم بابتسامة باهتة:

"حتى المجانين يحتاجون للعيش."

ذهب إلى المكان في صباح اليوم التالي. كان صاحب المطعم رجلاً في منتصف العمر، نظراته متفحّصة لكن طيبة. سأله عن اسمه وخبرته، فأجاب رائد بهدوءٍ غريب:

"كنت أكتب القصص… والآن سأوصلها مغلّفة في صندوقٍ من الكرتون."

ضحك الرجل دون أن يفهم المقصود، ثم عيّنه فورًا.

بدأ رائد العمل في الأيام التالية. يجول على دراجته في أزقة المدينة، يحمل البيتزا للزبائن بابتسامةٍ مصطنعة. كان يشعر ببعض الراحة في البداية، فالحركة اليومية تبعده عن صمته، والطرقات تملأ رأسه بأصواتٍ جديدة. لكنه في الوقت نفسه كان يرى الناس بطريقةٍ مختلفة.

كل وجهٍ يراه كان يبدو له مقنّعًا، خلف كل ابتسامةٍ نفاق، وخلف كل بابٍ حكاية مظلمة.

ذات ليلةٍ بينما كان يعبر الجسر عائدًا من عمله، وقف في منتصف الطريق، ينظر إلى انعكاس أضواء المدينة على سطح الماء.

قال بصوتٍ خافتٍ موجّهٍ إلى الظلام:

"كنت أظن أن السجن انتهى حين خرجت، لكن يبدو أنني حملته معي."

ثم سمع الصوت ذاته في رأسه:

"لا، يا رائد… السجن الحقيقي هو أن تظن نفسك حرًّا."

عندها فقط ابتسم — تلك الابتسامة الهادئة المريبة التي لم يعرفها منذ سنين.

لم يكن يدري بعد أن تلك الليلة كانت بداية الانحدار الأخير…

وأنّ عقله، الذي حاول النجاة لسبع سنوات، سيبدأ من الغد في كتابة فصلٍ جديد من الجحيم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أرشيف الدم تحت عدسة الجلاد

المؤلف Lemar hamadi
2025/08/12 مكتملة
قائمة الفصول (26)
الفصل 6: اللقطة السادسة🎬
2025/08/29
الفصل 1: اللقطة الأولى🎬
2025/08/12
الفصل 2: اللقطة الثانية🎬
2025/08/12
الفصل 3: اللقطة الثالثة🎬
2025/08/15
الفصل 4: اللقطة الرابعة
2025/08/18
الفصل 5: اللقطة الخامسة🎬
2025/08/18
الفصل 7: اللقطة السابعة🎬
2025/08/29
الفصل 8: اللقطة الثامنة🎬
2025/08/29
الفصل 9: اللقطة التاسعة
2025/08/29
الفصل 10: اللقطة العاشرة
2025/08/29
الفصل 11: اللقطة الحادية عشر🎬
2025/08/29
الفصل 12: اللقطة الثانية عشر🎬
2025/08/29
الفصل 13: اللقطة الثالثة عشر🎬
2025/08/29
الفصل 14: اللقطة الرابعة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 15: اللقطة الخامسة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 16: اللقطة السادسة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 17: اللقطة السابعة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 18: اللقطة الثامنة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 19: اللقطة التاسعة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 20: اللقطة العشرون🎬
2025/10/15
الفصل 21: اللقطة الحادية والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 22: اللقطة الثانية والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 23: اللقطة الثالثة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 24: اللقطة الرابعة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 25: اللقطة الخامسة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 26: 📼(الخاتمة) to stop📼
2025/10/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة