حين يهتزّ العالم بخبرٍ واحد
لم يكن هروب رائد حدثًا عابرًا. في اليوم التالي لاختفائه، تصدّرت صورته شاشات الأخبار العالمية. قنوات تلفزيونية وصحف كبرى وضعت عناوين صاخبة:
"الصحفي الذي فضح نفسه… واختفى!"
"أين رائد؟ بين خيانة الدولة وشهادة الدم!"
ذهلت الحكومة التي عمل لصالحها. اجتمعت لجانها الأمنية في غرف مغلقة، تبحث عن تفسير واحد: كيف تجرّأ الرجل الذي وثّق عذابات المعتقلين بأوامرها على الفرار؟ كانوا يرونه ملكًا بين أدواتهم، والآن صار خائنًا، شاهداً ضدهم. صدرت بيانات رسمية تتهمه بالعمالة للخارج، بينما جيوش إلكترونية ملأت مواقع التواصل بسيلٍ من الأكاذيب، تصفه بالجبان والمرتزق.
لكن في الجانب الآخر، كان العالم يراه رمزًا غامضًا. منظمات حقوقية رفعت صورته كمناضل صامت، ومقالات طويلة تحاول استقراء شخصيته. صار موضوعًا لبرامج حوارية، جدال بين من يراه بطلًا ومن يراه شريكًا في الجريمة. الغريب أن أحدًا لم يعرف مكانه. كل ما لديهم صورة قديمة، عيون منهكة خلف عدسة كاميرا.
أما رائد نفسه، فقد كان يتابع هذا كله من غرفة صغيرة في شقة مظلمة ببلد بعيد. كان التلفاز أمامه يعرض وجهه مرارًا، حتى صار يشعر كأنه مطارد داخل زجاج الشاشة. كلما انطفأ الجهاز، ظل صدى المذيعين يرن في أذنه. لم يعد يعرف من هو: البطل الهارب أم الخائن الصامت؟
الصحفي حسام زاره مرات متقطعة، يحاول إقناعه بأن يتحدث، أن يكشف ما يعرفه، لكن رائد كان يزداد صمتًا وانكسارًا. كان يعيش على حافة الجنون، يخرج قليلًا، يتجنب العيون، يكتب ثم يمزّق أوراقه.
مرّت الأشهر ثقيلة. كلما ظن أن العالم نسيه، عاد اسمه ليتصدر الأخبار. ووسط هذه الدوامة، بدأ ينهار من الداخل: يضحك أحيانًا بلا سبب، ثم يبكي كطفل بعد دقائق. يخاف من الطرقات على الباب، ومن نظرات الأطفال في الشارع. حتى انعكاسه في المرآة صار يخيفه، كأنه يرى نسخة أخرى منه تراقبه في صمت.
ومع كل يوم جديد، كان العالم الخارجي يزداد صخبًا: صرخات المراسلين، رسائل الإعلام المتدفقة من كل زاوية، مكالمات مجهولة على الهاتف، تهديدات وصور وفيديوهات تصل إلى بريده الإلكتروني. لم يكن الهروب مجرد اختفاء جسدي، بل صار حربًا إعلامية ونفسية، كل لحظة فيها تذكّره بمرارة ما فعله وما شهده.
في الشوارع، كان يسمع صدى اسمه في الأخبار المحلية والدولية، يقرأ التحليلات التي تناقش دوافعه، يراقب النقاشات بين من يقدّره ويصفه بالبطل، ومن يلعنه ويصفه بالخائن. حتى الجدران حوله كانت تبدو وكأنها تحمل صورته، تذكره بأنه لم يهرب من العالم فقط، بل أصبح جزءًا من كل زاوية منه، أسيرًا لكل نظرة وكل كلمة تقولها الصحافة عنه.
رائد كان يراقب نفسه كما لو كان مراقبًا خارجيًا. يرى كيف تتغير تعابير وجهه كل دقيقة، كيف ترتعش يده عند سماع صوت بعينه، كيف يتسارع قلبه بلا سبب واضح، ويغمض عينيه محاولًا الهروب من الواقع نفسه. كل صورة التقطها في الماضي، كل ضحية شهد عليها، كل لحظة خوف عاشها، تتراكم في عقله الآن وتنتظر أي شرارة لتنفجر.
الأيام امتدت، والليل أصبح أقصر والنهار أكثر صخبًا. المدن الأخرى، الحدود، كل المعلومات كانت تصل إليه كما لو أن العالم كله أصبح صوتًا واحدًا يصيح باسمه، يسائل ضميره، يذكّره بأن الهروب لم يحرره بل جعله أسيرًا في دوامة لا تهدأ.
حتى الأماكن التي يختبئ فيها لم تعد آمنة. الأبواب والممرات الضيقة، النوافذ المغلقة، كل زاوية وكل ظل أصبحت تذكره بأنه تحت المراقبة، بأن العالم لا ينسى، وأن اسمه صار علامة، رمزًا للرعب والخوف بالنسبة للبعض، وللأمل والصمود بالنسبة للآخرين.
وفي هذه اللحظة، جلس رائد في شقته الصغيرة، يحدق في شاشة التلفاز التي تعكس وجهه مرارًا، يسمع صدى صوته في الأخبار، يتذكر كل لحظة من حياته التي دُمرت، وكل صورة التقطها، وكل جثة شاهدها، وكل همسة تحذير تجاهه… وكل ذلك يجعل الهروب مجرد بداية، ليس نهاية، بل بداية مرحلة جديدة من الصراع النفسي، حيث العالم كله ضده وهو يحاول النجاة من ظل نفسه.
Lemar hamadi