اللقطة الأولى🎬

اللقطة الأولى🎬

32 0

في دولةٍ هواؤُها ضبابٌ ورائحتهُ رمادٌ،

وبها أصواتُ طقطقة البنادق يُرفقها قصفٌ ممزوجٌ بصرخاتِ مواطنين فاقدينَ للسلام،

وبشرٌ عُزّل لا يطلبون إلّا الحياة الكريمة،

يستشهدون مُزهقي الأرواح فرحين باستشهادهم.

ومن بينِ رماد الحَرب والأبنية المهدمة وجثث البشر ودماء الأبرياء وصرخات النجدة،

خرج صحفيٌّ عَاصر حربًا لا ترحم طفلاً رضيعًا ولا تُبالي لامرأة ترملّت أو طفلٍ تيتم أو رجلٍ قُهِرَ أو أمٍ ثكَلى.

كانَ الصفحيُّ "رائد الأسود" مستعدًا أن يستشهد فدائاً لوطنه،

كانت شجاعته بمثابة ألف رجلٍ في زمنٍ قلَّ فيه الرّجال،

رغمَ التهديدات التي طالته من حكومته باغتياله أو اعتقاله، إلا أنه أصرَّ على تصوير وتوثيق المجازر وأحداث الحرب البشعة ليعلمَ كلّ العالم من أجرَمَ واختار السُّلطة بلا كرامة ومَن استشهد في سبيل الكَرامة.

كانَ الطاغية حاكم البلاد "حاتم" يمثّل في مسرحية بلهَاء،

عادى دولةً أخرى قد هددته سابقًا بأنها ستكون سببًا بتنحيّه عن منصبه حتى أصبحَ شعبه ضحيّةً لجهتين، ضحيّة لعداء تلك الدولة وضحيةً لعداء حاكمهم الّذي هو منهم ومن دمهم..

السؤال: كيف يطغى الإنسان على أرضٍ أشبعته حنانها منذ نعومة أظفاره؟ كيف يقسى على مسقط رأسه؟ كيف يهون عليه أن يراها خَرابًا مُتهالكًا؟ كيف يَرى أهله تتطاير أرواحهم كما تتطاير الأوراق الجافة في فصل الخريف!

كانت حرب أشبه بمسرحية ساخرة خيوطُها معقّدة، ومن ذهبَ ضحيةً لها شعبٌ بأكمله،

أصبحَ حُلُمُ الإنسان فيها كحقٍ متوفرٍ لكل إنسانٍ في الدول الأخرى.

الصَّحفيّ "رائد" كان يوثّقُ بكاميرته، أو بالأصح "سلاحه"، مشاهد الأطفال الذين قُطِّعوا لأشلاء والمدنيين الذين تتناثر دماؤهم على الأرض وكأنها أهون من الماء، وأُناسٌ أحياء بلا حياة.

كل من في هذه الدولة يعلم أنه: "من نجا استشهد".

تسيرُ في أرجاء البلاد، وجوهُ الناس شاحبة يملؤها السواد، يمشون على جثث بعضهم ويقول كل واحدٍ منهم بلا أي مشاعر تظهر على وجهه: ربما أكون قريبًا هُنا..

"هانت عليهم أرواحهم وما هانت، ولكن إنَّها حربُ الطُّغيان"،

كشَفَ كلٌّ حاقدٍ عن أنيابه وبدأ بنهش لحم الأبرياء ليسدَّ جوعَ كرامته وقلة مروئته،

وفي ليلةٍ نامَ بها رائد على مكتبه في مقرّ الصحافة مُنهكًا من توثيق عدّة مجازر طوال اليوم، فإذ بصديقه الصحفيّ "لؤي"

يوقظه بعجلَة وصوت متوتر قائلاً: اتصالٌ مهمٌ لك يا رائد، استيقظ بسرعة!

فهرعَ رائد من نومه وأخذَ الهاتف قائلاً: مرحبًا معكم الصفحيّ رائد من مقرّ الصحافة، هل هنالك مجزرة أخرى عليّ توثيقها؟

فإذ بصوت ثخين يرد: أنا معكَ من مركز الأمن، تقدّم بسرعة إلى المركز مئة وخمسة وستين دون أن تسأل أي سؤال.

وأغلق الأمن المكالمة تاركًا رائد في رَهبة وحيرة خانقة، ولكنه لم يتردد في لملمة أغراضه وتعديل ملابسه خارجًا من المكتب، فإذا بصديقه لؤي يمسكه من كتفه قائلاً: هل تريد الذهاب للسفاحين بقدميك؟ هل تعلم أنك مستهدف من قِبلهم؟

فقال رائد بوجه خالٍ من التعبير: إن لم أذهب بقدميّ سيقوم الأمن بجلبي لهم، وهم على أي حال يعلمون مكاني، ولكن أريد حل اللغز، لقد كانت هنالك الكثير من الفرص لهم ليقوموا باغتيالي أو أسري، لماذا لم يغتنموا هذه الفرص وقد قاموا باغتنام جميع الفرص التي صحّت لهم باغتيال الصحفيين غيري؟ لماذا قد يقومون بالاتصال عليّ واستدعائي بهذا الشكل بدلًا من أن يقوموا باعتقالي بشكل مُهين؟ أليس هذا غريبًا!

فتكلّم لؤي بصوت متوتر: بالتأكيد سيقومون بجعلك تنغمس بمخططاتهم السوداوية، ومن بعدها ستصبح مثلهم تمامًا.. فمن عاشر قوماً أصبح مثلهم وكأنه منهم،

فقال رائد بعصبية: كيف تجرؤ على قول هذا؟ أنا مستعد أن يقوموا بقتلي حرقًا ولا أن أمتثل لأعمالهم الخالية من الحياء، لن أكون خائنًا لبشرٍ وضعوا كل أمانهم بي!

...

وخرج رائد متجهًا للمركز مئة وخمسة وستين، في طريقه سقطت مئات الصواريخ وتمنّى لو أنه استشهد على الطّريق قبل أن يصل،

ولكن ليس كل ما نرجوه يتحقق، وصل رائد فاستقبله رجل أمن واصطحبه لوجهة غير معلومة..

وعندما وصل كان مكانًا سرّيًا رئاسيًا به شخصيات سياسية مهمة في الدولة ومقّربين من الرئيس، اصطحبه رجل الأمن للقاعة الرئيسية، كانت هناك طاولة كبيرة تتناثر عليها الأوراق والخرائط والمخططات وصور سياسيين ومساجين وبعض من أصدقاء رائد الصحفيين، وفي لوحة كبيرة على الحائط كانت صورة رائد مُعلقة في الأعلى، وتحت صورته صور لأشخاص تم الشطب عليهم، وعرف رائد في وقتها أنه سيكون ضحية مؤامرات تصل ببعضها البعض بخيوط معقدة، لا مفر ولا نجاة منها.

يا تُرى في الفصل القادم ما هو مصير رائد؟ وكيف سيرد؟ هل سيختار الموت بكرامة أم الحياة بلا شرف؟ وكيف ستستعمله الدولة كضحية من ضحاياها؟

ستعلمون هذا كله في اللقطة القادمة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أرشيف الدم تحت عدسة الجلاد

المؤلف Lemar hamadi
2025/08/12 مكتملة
قائمة الفصول (26)
الفصل 6: اللقطة السادسة🎬
2025/08/29
الفصل 1: اللقطة الأولى🎬
2025/08/12
الفصل 2: اللقطة الثانية🎬
2025/08/12
الفصل 3: اللقطة الثالثة🎬
2025/08/15
الفصل 4: اللقطة الرابعة
2025/08/18
الفصل 5: اللقطة الخامسة🎬
2025/08/18
الفصل 7: اللقطة السابعة🎬
2025/08/29
الفصل 8: اللقطة الثامنة🎬
2025/08/29
الفصل 9: اللقطة التاسعة
2025/08/29
الفصل 10: اللقطة العاشرة
2025/08/29
الفصل 11: اللقطة الحادية عشر🎬
2025/08/29
الفصل 12: اللقطة الثانية عشر🎬
2025/08/29
الفصل 13: اللقطة الثالثة عشر🎬
2025/08/29
الفصل 14: اللقطة الرابعة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 15: اللقطة الخامسة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 16: اللقطة السادسة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 17: اللقطة السابعة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 18: اللقطة الثامنة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 19: اللقطة التاسعة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 20: اللقطة العشرون🎬
2025/10/15
الفصل 21: اللقطة الحادية والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 22: اللقطة الثانية والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 23: اللقطة الثالثة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 24: اللقطة الرابعة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 25: اللقطة الخامسة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 26: 📼(الخاتمة) to stop📼
2025/10/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة