بعد سبع سنوات من الهروب، عاش رائد كظلٍ في الخارج، يتنقّل بين المدن البعيدة، مختفيًا عن الأنظار، يبتعد عن كل ما يذكره بماضيه الأسود.
لكن شيئًا ما دفعه للعودة، شعورٌ غامض بأن قوّة الدولة لم تعد قادرة على السيطرة عليه، وأن الوقت قد حان لمواجهة الماضي، أو ربما لإغلاق فصلٍ لم يُكتب بعد.
عند وصوله إلى مطار بلده، كان الجو مشحونًا بالروتين المعتاد للمسافرين، لكن قلبه كان ينبض بعنف.
كل خطوة نحو الخروج من الصالة شعرت وكأنها تحدٍ لكل الحواس، لكل الذاكرة التي حملها طيلة السنوات الماضية.
وفي اللحظة التي مرّ فيها بجهاز التفتيش، لاحظت مجموعة من الرجال يرتدون بدلات سوداء، عيونهم حادة، تحركاتهم محسوبة.
لم يتوقع رائد أن الدولة لم تنساه، وأن أعينها كانت تترصده منذ لحظة دخوله.
ابتسم داخليًا، محاولة أن يظهر كأنه مسافر عادي،
لكنهم اقتربوا سريعًا، محيطين به من كل جانب.
القبضة الحديدية للسلطة لم تعد خفية.
تم سحبه بعيدًا عن التدفق البشري، دون أن يصدر صوت احتجاج،
فهو يعلم أن المقاومة هنا لا معنى لها.
...
في غرفة منفصلة، حيث لا ضوء سوى لمبة خافتة، بدأ التحقيق بأسلوبه المألوف للقمع النفسي.
التوتر في الهواء كان ملموسًا،
الضباط يراقبون كل حركة، كل نبضة قلب، وكل انعكاس في عينيه.
سُئل رائد عن تفاصيل هروبه، عن كل تحركاته خارج البلاد،
وحتى عن حياته الجديدة التي حاول بناءها بعيدًا عن أعين الدولة.
صمت طويل خيّم قبل أن يجيب، صوته منخفض ومتحفّظ:
– "كنت أختبئ لأحمي نفسي… فقط هذا كل ما لدي."
لكن كل كلمة قالها لم تعد تخفي الحقيقة؛
الضباط يعرفون أنه ليس مجرد هارب، بل رجل يحمل أسرارًا يمكن أن تهزّ البلاد بأكملها.
...
بعد ساعات من التحقيق، تم نقله إلى زنزانة ضيقة.
لم يكن المكان مجرد غرفة اعتقال؛
كانت غرفة مصممة بعناية لتذكيره بكل شيء فقده، بكل الأشخاص الذين خانوه وبكل الأسرار التي لم يتمكن من حمايتها.
في الزنزانة، أخرج صورة قديمة له مع زوجته،
نظر إليها طويلًا،
تذكّر لحظات الهدوء، ضحكاتها، اللحظات التي كان يعتقد أنها ستخفي ظلاله عن العالم.
ابتسامتها على الورق كانت أحيانًا أقوى من كل الصرخات التي سمعها،
وأحيانًا كانت مصدر ألمه الأكبر، لأنه يعرف أن ما حدث لا يمكن عكسه.
جلس على الأرض، حاملاً الصورة بين يديه،
الذكريات تنهال عليه،
الجنون الذي كتمه طوال السنين بدأ يلوح من جديد،
لكن هذه المرة مع شعور بالخذلان العميق،
وكأن الدولة لم تكتف بالتحكم بمصيره، بل أرادت أن تجعله يشاهد مصيره بعينيه قبل أن يُنهي كل شيء.
...
وفي الخارج، كانت المدينة تعيش في صدمة.
خبر عودة رائد، الرجل الذي أصبح رمزًا للغموض والجنون،
انتشر بين الناس بسرعة كبيرة، كل وسيلة إعلام تغطي الحادثة، وكل محادثة بين المواطنين تنطوي على خرافة جديدة،
عن صحفي اختفى لعقود وعاد ليواجه الدولة والقدر.
لكن الحقيقة الوحيدة التي لم يعرفها أحد:
رائد لم يعد مجرد صحفي هارب، ولم يعد مجرد مريض نفسي،
كان رجلًا أدرك أن قوته، ذكاؤه، وجنونه يمكن أن يجعلوا العالم كله رهينة لوجوده،
حتى لو كان ثمن هذه السيطرة حياته هو التعذيب، الإهانة، أو الفقدان النهائي لكل ما أحبه.
...
الزنزانة باردة، الضوء خافت، الصورة بين يديه،
ورائد يشعر أن كل شيء انتهى، لكنه يعلم في أعماقه أن النهاية الحقيقية لم تبدأ بعد.
"العودة ليست دائمًا خيانة… أحيانًا هي بداية لأكبر عاصفة في حياتك."
Lemar hamadi