اللقطة الرابعة عشر🎬

اللقطة الرابعة عشر🎬

18 0

لم يكن رائد يتذكر تمامًا كيف وصل إلى هناك. آخر ما بقي في ذاكرته من المحكمة هو صوت القاضي يقرأ الحكم بنبرة خافتة، كأن كلماته لا تريد أن تُسمع. بعدها، كل شيء كان رماديًا أصوات تتداخل، وممرات طويلة تفوح منها رائحة مطهّرات ثقيلة، وأبواب حديدية تُغلق بصوتٍ يُشبه صفعة النهاية.

اقتادوه إلى غرفة صغيرة داخل المصحّة النفسية المخصصة للسجناء. الجدران بيضاء حدّ الإزعاج، لا نوافذ سوى فتحة ضيقة يمر منها ضوء بارد، يذكّره بمصابيح غرف التحقيق التي عاش تحتها يومًا. كانت الغرفة خالية إلا من سرير معدني وطاولة صغيرة ومرآة مشروخة في الزاوية.

جلس على السرير بهدوءٍ، يحدّق في الفراغ. على الجدار المقابل، كانت صورته مع ليلى معلّقة داخل ذهنه، لا على الحائط. أخذها معه بين أغراضه، صورة صغيرة مطوية الأطراف، فيها ابتسامة كانت ذات يوم سبب نجاته. أمسكها بين يديه وقال بصوتٍ مبحوح:

"ليلى… لو تعلمين كم خِفت عليكِ مني."

كانت الأيام تمر ببطءٍ قاتل. الصمت في الممرات يقطعه أحيانًا صراخ بعيد، أو ضحكة مجنونة تتردّد بين الجدران. كان يسمعها ويبتسم بخوفٍ، كأن صراخ الآخرين يذكّره بأنه لم يجنّ بعد… أو ربما أنه واحد منهم.

وفي اليوم السابع من مكوثه، قرر الأطباء نقله إلى غرفة مزدوجة، ليقاس استقراره النفسي بمشاركة أحد النزلاء. لم يعترض، بل شعر بأن الوحدة بدأت تلتهم صوته من الداخل.

دخل الغرفة الجديدة ليجد رجلاً خمسينيًا يجلس في الظل، نصف وجهه مخفي عن الضوء. كان يُدعى "مروان"، سجينًا قديمًا، قضى أكثر من عشر سنوات في المصحة بعد سلسلة جرائم غامضة لم يتحدث عنها أحد بصراحة.

قال له بابتسامة غريبة:

"أهلاً بالصحفي الشهير… كنت أتابع أخبارك قبل أن يُغلقوا عني التلفاز."

لم يُجب رائد في البداية. كان يتجنب العيون، لكنه شعر أن الرجل أمامه يرى ما لا يُقال.

قال مروان بعد لحظة صمت:

"أتعرف ما المشترك بيننا يا رائد؟ كلاّنا التقط صورًا لم يكن يجب أن تُلتقط… الفرق أنك التقطت بالكاميرا، وأنا بعيني."

ابتسم بسخرية، وضحك ضحكة قصيرة انتهت بسعالٍ خشن.

مرت الأيام، وبدأ الحديث بينهما يطول شيئًا فشيئًا. مروان كان كثير الكلام، يتحدث عن البشر وكأنهم تجارب فاشلة، وعن الألم وكأنه علمٌ قائم بذاته. لم يكن يتحدث كالمجانين الآخرين، بل كفيلسوفٍ فقد بوصلته.

قال له ذات مساء:

"الجنون ليس أن تسمع أصواتًا، يا رائد… الجنون أن تصدق أن الآخرين أسوياء."

ضحك رائد بخفوتٍ، لكنه شعر بأن الجملة علقت في صدره كشوكة.

منذ تلك الليلة، بدأ يكتب على قصاصات صغيرة تُهرّب له من أحد الممرضين. جمل قصيرة، غامضة، كلها تدور حول فكرة واحدة: أن الألم يصنع الوعي، وأن الوعي لا يُشفى.

مرت الشهور… ثم الأعوام.

كان رائد يتنقل بين غرف المصحة كظلٍّ تائه. تارة يوضع في جناح المراقبة، وتارة يُعاد إلى مروان بعد أن يُظهر استقرارًا زائفًا.

وفي كل مرة يعود فيها إليه، كان مروان يلقنه فكرة جديدة، أكثر ظلامًا من التي قبلها.

قال له مرة:

"حين ترى الإنسان وهو يُقتل مرارًا في صورك، يتشوه داخلك شيء لا يُصلح. أنت لم تَعدَ تَصوّر الموت… أنت أصبحتَه."

هذه الجملة كانت الشرارة التي غيّرت كل شيء.

منذ تلك اللحظة، لم يعد رائد يرى نفسه ضحيةً لما فعله… بل نتيجةً طبيعية للعالم الذي عاشه. صار يضحك أكثر، بصوتٍ عالٍ أحيانًا، كأنه يفهم سرًا لا يراه أحد.

الأطباء سجّلوا تدهورًا تدريجيًا في حالته. تغيّرت ملامحه، نظراته، حتى طريقته في الكلام. لم يعد يجيب على الأسئلة بعقلانية، بل بأسلوب فلسفي غامض:

"من أنتم لتحاكموا الجنون؟ لو رأيتم ما رأيت، لطلبتم الجنون بأيديكم!"

سبع سنوات مرّت. سبع سنوات من الصمت، والدواء، والممرات التي تفوح منها رائحة العزلة.

تغيّر كل شيء فيه. حتى صوته أصبح أبطأ، وأفكاره أكثر فوضى. لكن داخله كان شيء آخر يتكوّن — مزيج من الحقد، والدهاء، والضياع.

وحين جاء اليوم الذي فُتح فيه باب المصحة، خرج رائد بخطواتٍ هادئة، كما لو أنه لم يُغادر… بل عاد.

ملفّه الطبيّ أُغلق بعبارة باردة:

"المريض مستقرّ بما يكفي للإفراج المشروط."

لكن لا أحد علم أن رائد لم يخرج متعافيًا، بل أكثر مرضًا من أي وقت مضى.

خرج يحمل حقيبة صغيرة، وصورة ليلى، وصوت مروان يهمس في رأسه:

"العالم هناك يا رائد… ينتظر

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أرشيف الدم تحت عدسة الجلاد

المؤلف Lemar hamadi
2025/08/12 مكتملة
قائمة الفصول (26)
الفصل 6: اللقطة السادسة🎬
2025/08/29
الفصل 1: اللقطة الأولى🎬
2025/08/12
الفصل 2: اللقطة الثانية🎬
2025/08/12
الفصل 3: اللقطة الثالثة🎬
2025/08/15
الفصل 4: اللقطة الرابعة
2025/08/18
الفصل 5: اللقطة الخامسة🎬
2025/08/18
الفصل 7: اللقطة السابعة🎬
2025/08/29
الفصل 8: اللقطة الثامنة🎬
2025/08/29
الفصل 9: اللقطة التاسعة
2025/08/29
الفصل 10: اللقطة العاشرة
2025/08/29
الفصل 11: اللقطة الحادية عشر🎬
2025/08/29
الفصل 12: اللقطة الثانية عشر🎬
2025/08/29
الفصل 13: اللقطة الثالثة عشر🎬
2025/08/29
الفصل 14: اللقطة الرابعة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 15: اللقطة الخامسة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 16: اللقطة السادسة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 17: اللقطة السابعة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 18: اللقطة الثامنة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 19: اللقطة التاسعة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 20: اللقطة العشرون🎬
2025/10/15
الفصل 21: اللقطة الحادية والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 22: اللقطة الثانية والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 23: اللقطة الثالثة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 24: اللقطة الرابعة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 25: اللقطة الخامسة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 26: 📼(الخاتمة) to stop📼
2025/10/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة