وبعد التحقيقات الطويلة، وبعد أن سمع رائد كل تفاصيل أفعاله مسجلة على الورق، وكل شهادات الخبراء النفسيين التي درست سلوكه، جاء اليوم الحاسم. كانت الجلسة مغلقة، بعيدًا عن أعين الرأي العام، كما أرادت الدولة. لم يكن الهدف فضحه للعالم، بل ضمان أن العدالة تأخذ مجراها دون أن يضيع حق أي طرف أو يُستخدم اسمه أداة للجدل.
جلس رائد في المقعد المعدني، يحدق في الأرض. كان يعرف أن كل خطوة، كل حركة من محاميه، كل ورقة تقدمها المحكمة، لن تغير الحقيقة البسيطة التي يعرفها هو وحده: أنه مريض نفسي، محطم داخليًا، غير قادر على التحكم في نزعاته بعد سنوات من الضغط، العزلة، ومواجهة صور الموت المستمرة.
رفع القاضي رأسه، صوته صارم وواضح:
– "بعد مراجعة كل الأدلة، وبعد استشارة اللجنة الطبية المتخصصة، تبين أن رائد… يعاني من اضطراب نفسي شديد مرتبط بصدمات متكررة تعرض لها خلال عمله كصحفي موكل بمهام سرية ضد إرادة الضحايا… ونتيجة لذلك، تُقرر المحكمة إيداعه في مشفى الأمراض النفسية للسجناء، تحت إشراف كامل، لضمان العلاج وحماية المجتمع."
جلست الكلمات في صدر رائد كالصاعقة. لم يصرخ، لم يرفع صوته، لكنه شعر كما لو أن كل شيء ينهار حوله. لم يكن هناك غضب، بل شعور عميق بالخيبة، بالخيانة، بالألم الذي تراكم طوال سنوات: سنوات من العمل في الظل، سنوات من الهروب، سنوات من العيش بين الظلال.
حين نقلوه إلى مشفى الأمراض النفسية، كانت الرحلة صامتة، إلا من أصوات العربات المعدنية وصرير الأقفال، وصوت خطوات الحراس الثقيلة. كل خطوة كانت تقربه من غرفة لا يعرفها بعد، غرفة سيقضي فيها أيامه محاطًا بالغرباء، بأشخاص يمرون بتجاربهم المظلمة أيضًا.
عندما دخل الغرفة المخصصة له، كانت صغيرة، شبه فارغة، ذات جدران رمادية، نافذة صغيرة تسمح بضوء خافت بالكاد يضيء المكان. على الطاولة، وضع رائد صورة صغيرة كانت في جيبه: صورة له مع ليلى، زوجته. لم يستطع أن يمنع نفسه من النظر إليها، وعيناه تملؤهما دمعة واحدة تكاد تجف في الحال، لكنه شعر بثقلها في قلبه.
نظر إلى الصورة طويلاً، يتذكر ابتسامتها، صوتها، حنانها الذي أحاط به منذ أول لحظة في زواجهما، ثم تدحرجت أمامه صور كل اللحظات السعيدة التي لم تعد ممكنة الآن. كانت الصورة بالنسبة له نافذة إلى عالم ضائع، عالم لم يعد يحق له الوصول إليه.
جلس على السرير المعدني، ممسكًا بالصورة، يحس بثقل الندم يغمره. تذكر كل تفاصيل حياته منذ الهروب من دولته، الهروب من الحرب، من الصور، من الأشباح التي حملها، وصولًا إلى اللحظة التي فقد فيها السيطرة على نفسه وارتكب الجريمة التي أوصلته إلى هنا. كل لحظة من الماضي أصبحت له درسًا وحجرًا في سلسلة لا تنتهي من الألم النفسي.
مع مرور الأيام في المشفى، بدأ رائد يلتقي بأطباء نفسيين ومختصين، يحاولون فهم حالته النفسية، تقديم العلاج والدعم، لكنه كان يعلم أن إصلاح ما تهشم داخله ليس بالأمر السهل. كل ذكرى، كل صدمة، كل صورة كانت له نافذة إلى الجنون الذي عاشه سنوات طويلة.
ومع ذلك، هناك شيء غريب بدأ يحدث. الغرفة الصغيرة، الصمت الثقيل، الضوء الخافت، لم يكن مجرد سجن داخلي، بل مساحة لإعادة التقييم. جلس رائد لساعات طويلة يحدق في الجدران، يحاول فهم ذاته، كل ضغوطه، كل خيانات الماضي، كل قراراته. ومع كل يوم، بدأ يلاحظ تراجع الارتجافات، تراجع الانفعال، شعور غريب بقدرة بسيطة على التوازن الداخلي، رغم كل الألم.
لكن صورة ليلى بقيت دائمًا أمامه، رمزًا للحنين، للألم، وللخسارة التي لا يمكن تعويضها. كان ينظر إليها، وفي عينيه مزيج من الألم، الحزن، والندم العميق. كل لحظة يراها فيها تذكّره بأن حياته لن تعود كما كانت، وأنه يجب أن يعيش مع العواقب، وأن العلاج النفسي قد يكون آخر فرصة له ليظل إنسانًا على الرغم من كل ما ارتكبه.
وفي الليالي الطويلة، عندما تسكت كل الأصوات في المشفى، كان رائد يهمس لنفسه:
– "ليلى… أنا هنا، أحاول النجاة… أحاول أن أظل أنا… حتى لو ضاعت كل شيء آخر."
كانت هذه الكلمات بمثابة بداية جديدة، بداية صامتة، لكن مليئة بالرهبة، بداية لإعادة بناء حياة ربما لن تكون كما يريد، لكنها على الأقل محاولة للخروج من الظلال، ومواجهة حقيقة نفسه، ومواجهة العدالة الداخلية التي فرضتها الدولة عليه، بعيدة عن أعين العالم.
Lemar hamadi