اللقطة التاسعة عشر🎬

اللقطة التاسعة عشر🎬

12 0

كان كل شيء في المدينة يسير بإيقاعٍ مملٍّ ورتيب: أصوات السيارات، الباعة، ضجيج الأرصفة، نباح الكلاب في الأزقة البعيدة…

لكن داخل رأس رائد، كان عالمٌ آخر يصرخ.

عالمٌ لا تهدأ فيه الأصوات ولا تنام فيه الذاكرة.

بدأت علامات الانكسار تظهر عليه بوضوح، رغم محاولته المستمرة لإخفائها.

كان زملاؤه في العمل يلاحظون شروده المتكرر، ونظراته الطويلة إلى لا شيء.

أحيانًا يجلس في زاوية المطعم بعد انتهاء دوامه، يحدّق في النار داخل الفرن كأنها تكلمه.

ذات ليلة، سمعه أحدهم يتمتم بصوتٍ خافت:

"النار تعرف الحقيقة… لأنها تأكل الجسد دون أن تسأل من المذنب."

لم يعد يرى في عمله مجرد وسيلة للعيش.

بل صار يجد فيه فرصة للمراقبة… للتعرّف على الوجوه التي تخفي خلف ابتسامتها شيئًا من القبح الذي يعرفه جيدًا.

كان يحتفظ بدفترٍ صغير يدوّن فيه عناوين الزبائن الدائمين، ملاحظات عابرة عنهم:

"المرأة في الطابق الثالث — تعيش وحدها. تكره الهدوء. تبتسم للغرباء أكثر مما يجب."

"الرجل الأصلع في الشقة 12 — لا ينظر في العيون. صوته حاد، رائحته خانقة."

"الطفل الذي يفتح الباب بدل والده — يبدو خائفًا دائمًا. ما الذي يخفيه الأب؟"

في البداية كان يسجّل هذه التفاصيل بعفوية، لكن مع مرور الأيام، بدأ يشعر بأن كل بيتٍ من هذه البيوت يخفي سراً، وأن المدينة ليست سوى واجهة أنيقة لفسادٍ عميق.

وفي كل مرة يكتب ملاحظة جديدة، كان يسمع في داخله همسًا يقول له:

"هؤلاء هم المرضى الحقيقيون… وليس أنت."

صار الليل موعده المفضل للخروج.

كان يسير في الشوارع كأنها ملكه، يتأمل النوافذ المضيئة من بعيد، ويقول في نفسه:

"كم من جريمة تُرتكب خلف كل ضوءٍ هادئ؟"

ذات ليلة، مرّ قرب مقهى مزدحم، فسمع مجموعة شبانٍ يضحكون بصوتٍ مرتفع، يتحدثون عن فضيحة أحد السياسيين.

توقف للحظة، ثم ابتسم بمرارة وقال همسًا:

"الفضائح لا تلوث أحدًا… إنها فقط تُسلّي العميان."

عاد إلى غرفته تلك الليلة، وفتح حقيبته القديمة، الحقيبة التي لم يلمسها منذ خروجه من المصحّة.

كانت فيها الكاميرا التي التقط بها صور الجثث قبل سنوات.

حين لمسها، شعر برجفة تسري في جسده.

العدسة كانت باردة، لكنها بدت له كعينٍ بشرية تنظر إليه وتقول:

"ما زلتَ ترى، أليس كذلك؟"

جلس على الأرض، أخرج الصور القديمة، تأمل الوجوه المشوّهة، الندوب، آثار السلاسل، الرعب في عيون الموتى.

ثم قال بصوتٍ مبحوح:

"كل هؤلاء لم يلقَ لهم أحد نظرة رأفة… حتى أنا لم أفعل."

تسلل الغضب إليه، لكنه لم يكن غضبًا على الدولة أو البشر، بل غضبًا على "السكوت".

شعر أن العالم بأكمله متواطئ، وأن العدل كلمة اخترعها الجبناء ليقنعوا أنفسهم أنهم بشر.

في تلك الليلة، كتب في دفتره جملة واحدة:

"حين يصمت العالم عن الألم، يصبح القتل شكلاً من أشكال العدالة."

ومن هنا بدأت الفكرة تتشكل.

في البداية كانت مجرد ومضة، ثم صارت خيالًا متكررًا، ثم صوتًا حقيقيًا.

صوتٌ خافتٌ يقول له كل ليلة:

"رائد، أنت ترى ما لا يراه الآخرون… ألا يجب أن تُعلّمهم؟"

بدأ يراقب زبائنه أكثر من أي وقتٍ مضى.

يختار بعناية من يبدو منهم “باردًا”، من يتعامل معه بتعالٍ أو بلا مبالاة.

لم يكن يكرههم، لكنه كان يشعر أن كل واحدٍ منهم “جزء من الخطأ” الذي يجب إصلاحه.

صار يعود متأخرًا إلى البيت، يكتب ملاحظات جديدة، يربطها بخيوط وهمية كأنها خريطة جريمة لم تُرتكب بعد.

وذات مساء، بينما كان ينظف حقيبته، سقطت صورة قديمة لوجهه مع ليلى.

وقف مشدوهًا أمامها، شعر بوخزٍ في صدره، كأن الصورة تسأله:

"إلى أين وصلت؟"

رفعها أمام عينيه، ثم قال ببطء:

"كنتِ أول الضحية… لكنكِ كنتِ أنقى من أن تُفهمي."

ثم وضع الصورة في الدرج وأغلقه بعنف.

في تلك اللحظة، شعر أن شيئًا في داخله انكسر تمامًا.

لم يعد يهمه أن يكون إنسانًا جيدًا أو سيئًا، بل فقط أن “يكون شيئًا” في هذا العالم الذي تجاهله طويلًا.

وفي الليلة نفسها، وقف أمام المرآة طويلاً، يحدّق في انعكاسه.

الضوء الخافت جعل ملامحه غريبة، مشوهة قليلاً.

ابتسم، ثم قال لصورته:

"أنا لا أقتل من أجل الكره… بل من أجل الإصلاح."

ضحك بعدها ضحكة قصيرة، حادة، كأنها خرجت من حنجرة شخصٍ آخر.

وفي قلب تلك الضحكة، وُلد الوحش أخيرًا.

ذلك الوحش الذي ظلّ حبيس عقله لسنواتٍ طويلة، ينتظر اللحظة المناسبة ليظهر.

وفي تمام الساعة الثالثة فجرًا، كتب في دفتره آخر سطرٍ لتلك الليلة:

"كل شيء جاهز. غدًا… سأطعم القطط."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أرشيف الدم تحت عدسة الجلاد

المؤلف Lemar hamadi
2025/08/12 مكتملة
قائمة الفصول (26)
الفصل 6: اللقطة السادسة🎬
2025/08/29
الفصل 1: اللقطة الأولى🎬
2025/08/12
الفصل 2: اللقطة الثانية🎬
2025/08/12
الفصل 3: اللقطة الثالثة🎬
2025/08/15
الفصل 4: اللقطة الرابعة
2025/08/18
الفصل 5: اللقطة الخامسة🎬
2025/08/18
الفصل 7: اللقطة السابعة🎬
2025/08/29
الفصل 8: اللقطة الثامنة🎬
2025/08/29
الفصل 9: اللقطة التاسعة
2025/08/29
الفصل 10: اللقطة العاشرة
2025/08/29
الفصل 11: اللقطة الحادية عشر🎬
2025/08/29
الفصل 12: اللقطة الثانية عشر🎬
2025/08/29
الفصل 13: اللقطة الثالثة عشر🎬
2025/08/29
الفصل 14: اللقطة الرابعة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 15: اللقطة الخامسة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 16: اللقطة السادسة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 17: اللقطة السابعة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 18: اللقطة الثامنة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 19: اللقطة التاسعة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 20: اللقطة العشرون🎬
2025/10/15
الفصل 21: اللقطة الحادية والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 22: اللقطة الثانية والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 23: اللقطة الثالثة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 24: اللقطة الرابعة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 25: اللقطة الخامسة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 26: 📼(الخاتمة) to stop📼
2025/10/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة