( الرحيل بين ظلال الجدران)
لم يكن الليل في تلك المدينة سوى مرآة سوداء تعكس بواطن الخوف في صدور أهلها. شوارع فارغة، وجدران عليها شعارات بالية، تتقشّر منها الكلمات كما تتقشّر الوعود. وبين هذه الجدران، كان رائد يسير بخطوات ثقيلة، لا يعلم إن كان يقترب من الخلاص أم من النهاية.
منذ أيام وهو يعيش صراعًا داخليًا يوشك أن يفتك به؛ لم يعد يحتمل الصور المعلقة في رأسه ولا الأعين التي تلاحقه في كل مكان. تذكّر حين جلس ذات ليلة أمام مكتبه، يقلب الصور التي التقطها بأوامر الطاغية، جثث مشوّهة وأجساد أنهكتها أدوات التعذيب، كأنها تصرخ في عينيه: "أنت شريك في موتنا."
بات مقتنعًا أن لا سبيل له إلا الهرب. لكن الخروج من الدولة لم يكن رحلة عابرة؛ بل مقامرة كبرى. يعرف أن الطاغية يراقب أنفاس الصحفيين كما يراقب العصافير التي تحطّ على أسلاك الكهرباء. كل تحرّك محسوب، كل خطوة مراقبة. ومع ذلك، قرر رائد أن يغامر؛ فالبقاء لم يعد سوى موت مؤجل.
جلس مع صديقه الصحفي لؤي في مقهى معتم على أطراف العاصمة. تبادلا كلمات مقتضبة، محمّلة بأكثر مما تحتمل:
– "لقد قررت."
– "إلى أين؟"
– "إلى أي مكان… بعيدًا عن هنا."
– "هل تدرك ماذا يعني هذا؟ إن خرجت فلن تعود. وإن أمسكت بك أجهزتهم، لن يبقوا لك أثرًا."
صمت رائد وهو يضغط على كوب الشاي الفارغ بيد مرتجفة. كان يعرف أن لؤي محق، لكن الشرخ في داخله أعمق من أن يرمّمه الخوف، ويشدّ على صدره بأنفاس متقطعة، كأن كل زفرة قد تكون الأخيرة. لم يعد يفكّر إلا في النجاة، في اللحظة التي يستطيع أن يضع قدميه خارج حدود هذه الدولة التي التهمت روحه. كان عقله أشبه بمرجل يغلي، يترنح بين صور الجثث المشوهة التي وثّقها بعدسات الكاميرا، وصدى أصوات التعذيب التي لم تفارقه ليلًا ولا نهارًا، حتى غدت جزءًا من صمته.
في اليوم الموعود، دسّ جواز سفره المزوّر في جيبه الداخلي، وخرج متخفّياً، محاولًا أن يبدو عادياً وسط زحام المدينة. الشوارع كانت تزداد اختناقاً برجال الأمن، والعيون المرتابة تتنقّل فوق الوجوه كما لو أنها تفتش في الأرواح لا في الجيوب. ومع ذلك، لم يتراجع. كان يعرف أن التراجع يعني موتاً بطيئاً، وأن الخلاص-مهما كان مصيره بعده- أهون من أن يبقى رهينة بين يدي جلادٍ لا يعرف الرحمة.
اقترب من المعبر الحدودي، حيث تصطف الحافلات المتجهة إلى خارج البلاد. قلبه ينبض بعنف، كل نبضة كانت تشبه طرقاً على باب مجهول. جلس في الحافلة، متقرفصًا في المقعد الخلفي، يتظاهر بالهدوء، بينما عيناه تلاحقان كل حركة، وكل ظل. كان كل شيء يثير ارتيابه: شرطي ينظر طويلاً في وجوه المسافرين، كلب بوليسي يمرّ بجانب الحقيبة، امرأة تصرخ على طفلها… كل تفصيل بدا له وكأنه فخّ منصوب بانتظاره.
لكن الحافلة تحركت، وتسلل إلى داخله شعور هشّ بالانتصار. النافذة بجانبه صارت مرآة يرى فيها وجهه الشاحب، عيناه الغائرتان، وشعره المبعثر. لم يعد يشبه الصحفي الذي بدأ قصته يومًا بعدسة وكلمة، بل بات شبحًا يحاول أن يغادر أطلالاً لم تعد له.
ومع مرور الساعات، اقترب من النقطة الأصعب: التفتيش الأخير على الحدود. الجنود هناك معروفون بقسوتهم، وحسّهم الشديد تجاه أي حركة غير مألوفة. حين توقفت الحافلة، صعد ضابط شاب، يحدّق في الركاب واحدًا تلو الآخر. وقف أمام رائد لحظة، تطلع في وجهه، كأنه يحاول قراءة ماضيه من قسماته.
تجمّد الدم في عروقه، كاد ينهار، لكنه تذكّر نصيحة صديقه لؤي: "لا تُظهر خوفك، فالخوف أبلغ اعتراف." ابتلع ريقه بصعوبة، وأجبر نفسه على التحديق في النافذة كأن المشهد خارجها أهم من أي شيء.
مرّ الضابط دون تعليق، تاركاً خلفه عاصفة من العرق البارد على جبين رائد. وحين تحركت الحافلة مجددًا، غمره شعور غريب: نصفه فرح، ونصفه الآخر غارق في فخ جديد لم يدرك معالمه بعد.
فما ينتظره في الخارج لم يكن حرية مطلقة، بل بداية رحلة أكثر تعقيدًا، حيث سيُحاكم من جديد، لا أمام محكمة قضائية، بل أمام محكمة ضميره المثقل بالدماء والوجوه المشوهة التي لا تكفّ عن ملاحقته.
وكانت تلك الليلة، عند دخوله أول فندق رخيص في المدينة الجديدة، كافية لتذكيره أن الهروب ليس خلاصاً تامًا… بل مجرد استراحة قصيرة أمام عاصفة أكبر تتربّص به في الظل.
Lemar hamadi