وبعدما حصل كل هذا روى لنا "رائد " المشهد الذي رآه قائلاً: كانت الغرفة أضيق مما ظننت... أو ربما أنا التي صرت أكبر من مساحتها الضيقة فجأة. الجدران لم تعد جدرانًا فحسب؛ صارت كائنات تتنفس معي... تقترب كلما حاولت الابتعاد. رائحة الرطوبة المشبعة بشيء معدني آسن تشبثت بي كجلد ثانٍ، حتى شعرت أنني أحمل الغرفة معي أينما ذهبت. الضوء الشاحب المتسلل من النافذة الصغيرة لم يكن نورًا بالمعنى الحرفي، بل كان أقرب إلى جرح في الجدار، يرشح منه لون باهت لا يدفئ ولا يريح.
على الطاولة الخشبية المهترئة، ما زالت الورقة الوحيدة ممددة بنفس وضعيتها منذ الأمس. لم ألمسها، لكنني متأكدة أنني رأيتها تتحرك، ولو مسافة لا تُقاس. كان في الأمر ما يكفي لإرباك العقل، لكن قلبي-ذلك الخائن المتهور-أصر على أن ما حدث لم يكن وهمًا. كانت الورقة تحمل شيئًا... شيئًا ينتظرني لأفتحه، وأنا أؤجل، ربما لأني أعرف أن ما بداخلها لن يمكنني إعادته إلى الصمت مرة أخرى.
ثم جاء ذلك الصوت... خطوات ثقيلة، موزونة، كأن صاحبها يقيس المسافة بينه وبيني بعدل متعمد. كانت الخطوات أبطأ من أن تكون عابرة، وأثقل من أن تنتمي لزائر عادي. توقفت فجأة. لم يطرق أحد الباب، لكن مقبضه ارتجف مرتين... كل ارتجافة تشبه سحبة نفسٍ من فم ضائع. ثم... صمت. صمت كثيف لدرجة أنني سمعت دقات قلبي تتباطأ، وكأنها تحاول التسلل من جسدي للاختباء.
حاولت أن أُبعد بصري عن الباب، لكن شيئًا في الزاوية أسرني... خلف الكرسي الممزق القماش، كان هناك خط أحمر رفيع، ممتد من أسفل النافذة حتى حافة الطاولة. لم يكن خيطًا من قماش، بل أثر دم جاف، باهت اللون، لكنه ما زال محتفظًا بقسوته. انحنيت قليلًا لأتبعه بعيني، لكنه اختفى فجأة تحت الظلال المتراكمة في الركن، وكأن الظلام نفسه قرر أن يبتلعه حتى لا أراه.
أقسم أنني سمعت همسًا... همسًا بعيدًا، لكنه واضح بما يكفي ليثبت أنه موجّه إليّ. لم أفهم الكلمات، لكنها كانت متكررة، بنفس الإيقاع... كما لو أن شخصًا ما يلقّن نفسه دعاءً أو لعنةً، لا أعرف. كان الخوف داخلي يتضخم، ليس لأنني سمعت الصوت، بل لأنني أدركت أنني لست وحدي منذ اللحظة التي فتحت فيها عيني هذا الصباح.
اقتربتُ من النافذة الصغيرة، مدفوعة بشيء لا أفهمه. مددت عنقي لأرى ما بالخارج، فرأيت الشارع خاليًا... إلا من كرسي خشبي مكسور وموضوع في منتصف الطريق، وكأنه ينتظر شخصًا ليجلس عليه. الغريب أنني لم أرَه أمس، ولم يكن هناك أي سبب لوجوده هناك الآن. كنت على وشك أن أشيح بنظري حين لاحظت أن ظل الكرسي أطول بكثير من حجمه، وكأن ضوءًا آخر، غير الشمس، يرسمه من جهة خفية.
في تلك اللحظة، أحسست ببرودة حادة تلتصق بظهري، برودة ليست من الجو، بل كأن أحدهم يقف خلفي مباشرة، يزفر هواءً معدني الرائحة على عنقي. لم ألتفت، لم أجرؤ... لكنني رأيت من زاوية عيني، على الزجاج، انعكاسًا باهتًا... شخصٌ يقف خلفي، ملامحه غير واضحة، وعيناه تبدوان كحفرتين فارغتين. وميض واحد، وكان قد اختفى، تاركًا ضبابًا خفيفًا على الزجاج، كأن نفسه ما زال عالقًا عليه.
عدت إلى الورقة. كنت أعلم أن لمسها قد يكون أسوأ قرار في حياتي... لكن فكرة تركها كانت أسوأ. مددت يدي ببطء، وفي اللحظة التي كدت ألمسها، اهتزت الأرض اهتزازًا خفيفًا، كأن شيئًا ما يخطو في أعماق هذا المكان... خطوة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لأشعر أنني أمام بدايةٍ لا رجعة منها.
كل شيء كان يراقبني: الجدران، الطاولة، الظل، وحتى الصمت نفسه. أشعر أن هناك خيطًا غير مرئي يربطني بشيء أكبر مني بكثير... شيء يقترب ببطء، لكن بثبات لا يرحم. وأياً كان هذا الشيء... لن ينتظر طويلًا قبل أن يطرق الباب مرة أخرى، أو ربما هذه المرة... لن يطرق. انتهى وصف رائد لمشهده.. ودقات الساعة توقفت عند هذا السؤال: هل رائد يقود نفسه للهاوية؟.. أم بالحقيقة للجنون! هل ما وصفه رائد كان حقيقة يراها الجميع؟ أم أنه نتيجة انهيار نفسي أو وهم؟ لا أحد أجاب. ربما لأن الحقيقة، أيًّا كانت، كانت أقرب مما ظننا جميعًا.
ترقبوا الفصل القادم🎥.
Lemar hamadi