لم يكن مرور الشهور على زواج رائد وليلى كافيًا لمحو الظلال التي رافقته. صحيح أنه بدا في بعض اللحظات زوجًا هادئًا يحاول التكيف مع حياة طبيعية، لكنه كان يخفي خلف ابتسامته ارتجافات داخلية، كأن قلبه غرفة مظلمة يغمرها الدخان، وفي أي لحظة قد يشتعل فيها لهيب جديد.
كانا يعيشان حياة متواضعة. شقة صغيرة تطل على النهر، بضعة جيران يعرفونهما من السلام فقط، ومقهى صغير أسفل البناية اعتادا النزول إليه مساءً. ليلى كانت تحب أن تحتسي القهوة في الخارج، بينما رائد كان يفضل الجلوس في ركن بعيد، متوجسًا من العيون التي تتنقل بين الناس.
كانت تضحك أحيانًا وتقول له:
– "أنت تتصرف وكأن العالم كله يتعقبك."
فيجيبها بابتسامة باهتة:
– "وهل أنتِ واثقة أنه لا يفعل؟"
كلماته كانت تُربكها، لكنها اعتادت على خوفه، كما اعتادت على سهراته الطويلة مع أوراقه وكاميرته القديمة. كان يكتب جملًا قصيرة على قصاصات مبعثرة، ثم يمزقها كأنه يخشى أن تُقرأ يومًا. أحيانًا كان يحدّق في صور قديمة محفوظة في حقيبة صغيرة تحت سريره، فتلاحظ ليلى أن ملامحه تتغير؛ من الحزن إلى الغضب، ومن الذهول إلى الابتسامة المرة.
مع مرور الأيام، أصبح رائد أكثر انعزالًا. أحيانًا يخرج فجأة ليعود بعد ساعات طويلة، متعبًا، متعرقًا، كأن الشوارع التي يمر بها تحمل صدى أصوات الماضي. أحيانًا أخرى، يجلس لساعات في الصمت التام، يحدق في الجدران كما لو كان ينتظر ظهور ظل ما، أو شخصًا من عوالمه القديمة.
ليلى بدأت تدرك شيئًا لم تخطر له على بالها: حياتها معه ليست كما تخيلت. كانت تحبه حقًا، لكنها لم تتوقع أن زواجها سيكون مع رجل يعيش بين حاضرها وماضيه المظلم. ومع ذلك، قاومت الخوف من فقدانه، وقررت أن تمنحه الأمان الذي لم يعرفه من قبل، محاولةً أن تمحو بعض الظلال التي تراكمت فيه.
غير أن شيئًا غريبًا بدأ يطفو على سطح العلاقة. في إحدى الليالي، استيقظت ليلى لتجده جالسًا قرب النافذة، يتحدث همسًا مع نفسه. اقتربت منه ببطء، فسمعته يتمتم:
– "لن يتركوني… لن يتركوني حيًا أبداً."
وضعت يدها على كتفه، فانتفض كأنه عاد من عالم آخر. نظر إليها بعينين حمراوين وقال بسرعة:
– "هل سمعتِ شيئًا؟ هل رأيتِ أحدًا قرب البيت؟"
حاولت تهدئته، لكنها رأت في عينيه خوفًا حقيقيًا جعلها ترتجف.
الأيام التالية حملت معها سلسلة من الانفجارات الصغيرة، كل واحدة منها كانت تكبر الصمت بينهما. كانت ليلى تحاول ترتيب بعض أوراقه الممزقة، فتحرك يدها على غير قصد ليقاطعها رائد بغضب:
– "قلت لكِ لا تلمسي شيئًا! هذه حياتي، أنتِ لا تفهمين شيئًا!"
تراجعت ليلى بخطوات مترددة، ونظرت إليه بذهول. لم يكن صوته عاليًا فحسب، بل كان مشحونًا بحدة لم تعرفها فيه من قبل. تلك اللحظة كانت الشرارة الأولى… أول مشكلة بينهما، صغيرة لكنها ثقيلة بما يكفي لتُحدث شرخًا خفيًا في جدار حياتهما الزوجية، شرخًا سيتسع أكثر فأكثر… حتى يبتلع كل شيء.
لكن الانفجارات لم تتوقف عند حدود المنزل. رائد بدأ يشعر بالخطر في كل مكان حوله، حتى في الأماكن المألوفة. أحيانًا يسمع خطوات خافتة خلفه، أو صوتًا غريبًا من الشارع، أو همسة لم يفهم مصدرها. كل شيء أصبح تهديدًا محتملًا. ليلى لاحظت أن الليل أصبح مصدر قلق مستمر له، وأن كل ضوء في الخارج يبدو له كعدو محتمل.
ومع مرور الوقت، بدأت التصرفات الصغيرة تصبح أكثر وضوحًا: صمت طويل عند سماع صوت الباب يُطرق، قفز مفاجئ من أصوات عابرة، شد أعصابها كل مرة يميل فيها إلى التفكير بصوت عالٍ وهو يردد كلمات غير مكتملة، يحدق في الهواء بلا سبب. كانت تشعر أن كل شيء يمكن أن ينفجر في أي لحظة، وأن كل كلمة يمكن أن تشتعل في وجهها كالشرر.
حتى الضحك أصبح نادرًا. ضحكاته كانت متقطعة، بلا سبب واضح، تتلاشى سريعًا لتفسح المجال للبكاء أو الصمت الطويل. وبدأت ليلى تدرك أن الخطر لم يكن خارج المنزل كما يعتقد رائد… بل يختبئ في داخله، في قلب الرجل الذي أحبته، في غرفة مظلمة مليئة بالأشباح.
وكل لحظة تمر، كان الشرخ بينهما يزداد. كان واضحًا أنه ليس مجرد خلاف عابر… بل بداية تراكمات خطيرة ستتحول إلى انفجار لا يمكن التنبؤ بعواقبه.
Lemar hamadi