وقف رائد، وقطرات العرق تتساقط من جبينه، تعكس ما يعتمل داخله من توتر وخوف.
تقدّم نحوه أحد السياسيين البارزين في الدولة، بخطوات بطيئة واثقة، واضعًا يديه خلف ظهره، وقال بصوت متعجرف يخترق الصمت:
- بالتأكيد عرفتَ لماذا استدعيناك إلى هنا.. وكغيرك من الصحفيين، ستؤدي أولًا دور الرجل الخارق، ثم تخضع لأوامرنا. أنصحك ألّا تُرهق نفسك بالمجادلة، فأنت في النهاية مجرد عميل مؤقت... وربما دائم.
رفع رائد رأسه قليلًا، ورد بصوت خافت يكاد يختفي بين الجدران:
- عميل؟
ابتسم السياسي ابتسامة ساخرة تحمل في طياتها تهديدًا مبطنًا:
- عميل مؤقت إن فكرت في خيانتنا، وحينها لن تبقى حيًّا. وعميل دائم إن أخلصت لنا. لكن في كل الأحوال... ستبقى عميلًا. اختر مصيرك بنفسك.
تحرك رائد ليجيب، لكن أحد رجال الأمن أوقفه بلهجة صارمة:
- هنا لا ترد على من هو أعلى منك شأنًا... استمع وأنصت.
في تلك اللحظة، ارتسمت على ملامح رائد علامات الهزيمة والانكسار... كأن الجدار الذي كان يسنده قد انهار فجأة.
...
كان رائد هو الرجل الذي قدّم عمره الغالي والنفيس في سبيل أن ينقل للعالم ما يحدث في بلده؛ الرجل الذي لم تفارقه كاميرته لحظة واحدة طوال الحرب، والذي لم ينحنِ يومًا أمام عدو، بل وقف صامدًا في قلب المعارك يوثّق الحقيقة بلا خوف أو رهبة.
واليوم، ذلك الجندي المخلص للشعب، صار رقمًا جديدًا في قائمة طويلة من الصحفيين والمدنيين الذين وقعوا في فخ الطغاة.
ومع ذلك... سيبقى اسمه محفورًا في ذاكرة كل من عرف ما قدّمه لشعبه.
...
اقتادوه إلى غرفة صغيرة في المقر الرئاسي السري؛ غرفة ضيقة تتوسطها طاولة مهترئة ومصباح خافت الضوء يتأرجح بخيوط كهربائية عارية.
جلس رائد على كرسي معدني بارد، وجلس أمامه سياسي آخر، راقب ملامحه برهة ثم قال:
- أعلم أن الرجال من طينتك لا تهمهم أرواحهم... لكنهم يهتمون بأرواح أهلهم.
صرخ رائد بانفعال:
- كل شيء إلا عائلتي!
ابتسم السياسي كمن وجد نقطة ضعفه:
- كنت أعلم ذلك... إذن ركّز جيدًا: إن كنت تريد لعائلتك أن تبقى بخير، فمهمتك واضحة. سنأخذك إلى سجون سرية، ستقوم بتصوير الجثث هناك، ثم تنشر للعالم أن الدولة التي تعادينا هي من ارتكب هذه الجرائم.
انخفض صوت رائد وهو يضغط على كلماته:
- جثث المدنيين الأبرياء الذين قتلتهم حكومتكم تحت التعذيب...
ضرب السياسي الطاولة بيده حتى ارتجّت:
- هذا الكلام لن أسمعه منك مرة أخرى! احفظه جيدًا: من فعل ذلك هو الدولة المعادية. كرره حتى يصبح جزءًا منك، حتى لا تفلت منك كلمة خاطئة أمام الإعلام. عبر كاميرتك، سترسل للعالم أن تلك الدولة سيطرت علينا، وأنها بنت سجونًا سرية لإخفاء آلاف الجثث!
ارتفع صوت رائد هذه المرة متحديًا:
- بمعنى آخر... تريدون مني أن أقول إن حكومتكم، التي تدّعي حماية شعبها، خضعت لتلك الدولة حتى تنال دعم العالم؟ أنتم وهم تستخدمون المدنيين دروعًا بشرية ضد بعضكم!
نظر السياسي إليه بخيبة أمل ممزوجة ببرود قاتل:
- هذه أول مرة يجرؤ أحد على التحدث معنا بهذه الطريقة... لكن في النهاية، ستخضع.
...
ومن ثم أُخذ رائد إلى أحد الأقبية السرية في البلاد...
كان الدرج طويلاً، يهبط إلى عمقٍ سحيق في باطن الأرض، أشبه بنفق شُيّد خصيصًا لابتلاع الجرائم في صمت.
رائحة تعفّن الأجساد كانت تسبق المكان، تتسلل من الأعماق إلى أنفاس الداخلين، تفوح من الكمّ الهائل للجثث المكدّسة هناك.
نزل رائد برفقة رجال الأمن، وجسده يرتعش وكأن عقله يهمس له بأنه لن يحتمل ما سيلقاه. وعند وصوله... ارتطم بصره بمشهد يفتح أبواب الجنون.
جثثٌ لبشرٍ ذاقوا أقسى أشكال التعذيب، مناظر تمنّى رائد لو أن ذاكرته تمحوها قبل أن يكتمل المشهد في ذهنه.
في تلك اللحظة، بكى قلبه قبل عينيه. أخرج الكاميرا من حقيبته بيدين مرتجفتين، وبدأ بالتصوير. لم تكن اللقطات متقنة؛ فدموعه كانت تعكر الرؤية، وذهنه كان يحلّق في عالم آخر يبحث فيه عن ظلّ سلام. ومع ذلك، واصل التصوير حتى حصل على صورٍ بدت مثالية لرجال الأمن، لكنها بالنسبة لرائد كانت وثائق شاهدة على وحشية البشر.
أبدانٌ نحيلة، ووجوهٌ غابت ملامحها تحت قسوة الألم، أجسادٌ منسية وأعينٌ مفتوحة برعب، كأنها تستغيث في اللحظة الأخيرة قبل الموت.
ومضت أيام رائد ثقيلة كالجمر، وكل يوم كان يُساق إلى موقعٍ سري جديد؛ كلها مخبّأة بين المدارس، والمنازل، والمستشفيات، وحتى في مراكز تُسمّى "حقوق الإنسان". كان يوثّق كل ذلك وفق سيناريو مزوّر، ثم يعود ليُحيّيه أبناء بلده الذين علقوا عليه آمالهم، ظانين أنه يعمل لكشف الحقيقة، غير مدركين أنه ربما في أي لحظة سيكون أحدهم ضحية لتلك المقابر، ورائد نفسه هو من يلتقط صورة جثته للعالم، بعد أن يغيّر هوية القاتل.
الحقيقة أن مخططات الدولة أعمق مما يتصور العقل. هناك شبكة معقدة من العملاء السريين، ورائد ليس سوى ترس صغير في آلة ضخمة، أشبه بخيوط عنكبوت مترابطة؛ انقطاع خيط واحد كفيل بانهيار الشبكة كلها.
مهام العملاء متصلة، وخطأ عميل واحد يعني سقوط المؤامرة. الهدف واحد: حماية سلطة الحاكم وردع الدولة المعادية، عبر إطلاق عملاء تم تلميع صورتهم أمام الناس، ليقوموا بتبييض سجلّ الحكومة الأسود، وتحويل أنظار الجميع نحو العدو الخارجي.
(أعلم أن وتيرة الأحداث تبدو بطيئة الآن، لكن في اللقطة الثالثة ستنفتح أبواب من الحقائق والأسرار، وتتفتت عُقدٌ لم تتخيلوا وجودها. هذا البطء ليس إلا تمهيدًا لعاصفة قادمة... ستصدر قريباً، كونوا على استعداد.)
Lemar hamadi