وبعد عامين
كان رائد قد استقر نسبيًا في مدينة أوروبية صغيرة. لم يعد وجهه يُرى في نشرات الأخبار كما في البداية، لكنه بقي يحمل شعورًا دائمًا بأن أحدًا ما يتعقبه.
في إحدى الأمسيات الشتوية، حين كان يجلس في مكتبة عامة يقرأ عن تاريخ التصوير الصحفي، اقتربت منه امرأة تحمل كتبًا في يدها. عيناها كانتا تحملان دفئًا لم يعرفه منذ زمن طويل. سألته بلباقة عن الكتاب الذي يقرأه، فابتسم بتردد وردّ بإيجاز. كان اسمها "ليلى"، لاجئة مثله، تحمل على كتفيها جراحها الخاصة.
لم يكن اللقاء عابرًا. منذ تلك اللحظة بدأت خيوط غامضة تنسج بينهما، خيوط لم يدرك رائد وقتها أنها ستغيّر مجرى حياته، وأنها ستأخذه نحو فصل جديد لم يتوقعه أبدًا…
لم يكن رائد يتوقع أن يجد نفسه ذات يوم واقفًا أمام مرآة صغيرة في قاعة بلدية أوروبية، يرتّب ربطة عنقه بتوتر. انعكاسه لم يكن كصورته التي يعرفها: رجل منهك، متعب، يلاحقه ماضيه. لكنه اليوم بدا وكأنه شخص آخر يحاول أن يبدأ من جديد. بجانبه وقفت ليلى، بثوب أبيض بسيط، بعينين تلمعان رغم الألم العميق الذي عرفته في حياتها.
الزواج لم يكن احتفالًا صاخبًا. بضع شهود من الجالية، قاعة صغيرة، كلمات رسمية مقتضبة، ثم توقيع على ورقة. لكن بالنسبة لرائد، كان الأمر أعمق من كل ذلك: كان يعني أن قلبه، المثقل بسنوات من الدم والصور الموجعة، وجد أخيرًا كتفًا يستند إليه.
في الأسابيع الأولى بعد زواجهما، حاول أن يعيش حياة طبيعية. استأجرا شقة متواضعة في بناية قديمة تطل على نهر، وكان صوت الماء المتدفق يخفف شيئًا من صخبه الداخلي. ليلى كانت تشعل ضوءًا أصفر دافئًا في غرفة الجلوس، تعد الشاي برائحة النعناع، وتحكي له قصص طفولتها في بلدها البعيد. كان يستمع أحيانًا بتركيز، وأحيانًا يشرُد في منتصف كلامها، لتعيده بلمسة يدها إلى اللحظة الحاضرة.
كانت ليلى تفهم صمته أكثر من كلماته. لم تسأله كثيرًا عن ماضيه، لكنها كانت ترى انعكاسه في عينيه: تلك الليالي التي يستيقظ فيها مذعورًا من كوابيسه، يتصبب عرقًا، يردد أسماء لا يعرفها أحد سواه. كانت تقترب منه بهدوء، تضع يدها على كتفه، فتراه يهدأ تدريجيًا وكأنها تسحب جزءًا من رعبه.
لكن رغم دفء الزواج، لم تختفِ أشباحه. كان أحيانًا يغلق على نفسه في غرفة مظلمة، يخرج كاميرته القديمة ويحدّق في عدستها ساعات طويلة من غير أن يلتقط صورة واحدة. تقول ليلى له:
– "أنت لم تعد بحاجة إليها… الصور قتلتك يومًا، دعها الآن تموت."
لكنه كان يبتسم ابتسامة غامضة، ويجيب بصوت خافت:
– "لا تموت الصور يا ليلى… إنها تبقى أحياءً آخرين."
وفي أحد الأيام، بينما كانت ترتب خزانته، عثرت على كومة أوراق ممزقة، مكتوب عليها بخط مرتجف شهادات عن التعذيب، وجمل مبتورة تشبه اعترافات. فهمت ليلى عندها أن جراح زوجها ليست مجرد ذكريات، بل سكينًا مفتوحًا يواصل النزيف داخله.
ومع ذلك، أحبته كما هو. قالت له ذات مساء وهي تضع رأسها على كتفه:
– "حتى لو كان العالم كله يراك مريضًا… سأراك أنا إنسانًا يبحث عن شفاء."
كان كلامها يذيب شيئًا في قلبه، لكنه لم يمنع تلك النظرة الغامضة التي تلمع أحيانًا في عينيه… نظرة تشبه وعدًا مجهولًا، وكأن الماضي لا يزال يهمس له من بعيد.
Lemar hamadi