كانت الليلة تغطي الشقة بضبابها البارد، وكأن الظلام نفسه يحشر كل الذكريات والكوابيس في الزوايا. رائد جلس على كرسي خشبي صغير قرب النافذة، يحدق في الشارع الخالي، يراقب الضوء الشاحب الذي يتسلل من مصابيح المدينة البعيدة. كل شيء كان هادئًا من الخارج، لكن داخله كان صخبًا لا يُطاق، كأن روحه ممزقة بين الماضي والحاضر.
أوراق متناثرة على الطاولة، بعضها يحمل صورًا للضحايا، وجوه مشوهة، عيون متجمدة في لحظة رعب، فكان يشعر وكأنهم يراقبونه من كل زاوية. حاول أن يغلق عينيه، لكنه لم يستطع؛ الأصوات، الهمسات، صدى صرخاتٍ لم يعرف أحد مصدرها، كانت تتدفق في رأسه بلا توقف.
ليلى كانت تدخل أحيانًا، تبتسم بهدوء، تحاول تهدئته بكلمات بسيطة، لكنها لم تفهم حجم العاصفة التي تختبئ وراء صمته.
– "رائد… كل شيء انتهى… أرجوك، لا تدع الماضي يقتلنا هنا."
ابتسم ابتسامة باهتة، لكنه لم يرد. عاد نظره إلى الصورة على الطاولة: رجل مكبل، وجهه مشوه، عيناه تحدقان فيه كما لو أنه يلومه على كل شيء. تذكر كيف التقط الصور تحت الضغط، كيف أرغم على أن يكون شاهدًا على الرعب، وكيف تحولت الصور إلى سجن داخلي لم يستطع الهروب منه.
كل حركة صغيرة من ليلى كانت تهدد توازنه. حين حاولت لمس إحدى الأوراق، ارتجف فجأة، يديه ترتجفان، صوته يرتفع:
– "لا تلمسي أي شيء! هذه حياتي… أنتِ لا تفهمين!"
ارتدت ليلى إلى الوراء، عيناها ممتلئتان بالخوف، لكنها حاولت أن تتكلم بهدوء:
– "أنا لا أريد أن أؤذيك… فقط أريد أن أساعدك."
لكن كلمتها كانت الشرارة. كل سنوات من الغضب المكبوت والخوف والانهيار النفسي انفجرت في داخله دفعة واحدة. نهض فجأة، يده ترتجف، عرقه يتصبب، قلبه ينبض بعنف. اقترب منها، كل خطوة كانت تصدم الهواء من حولها، وكأن الغرفة تضيق أكثر مع كل حركة.
– "أنتِ لا تفهمين!" صرخ. "كل شيء… كل شيء كان سيأخذ حياتي… وكان من المفترض أن أعيش معه وحدي!"
تراجعت ليلى، حاولت تهدئته، لكنها شعرت بقوة الهلع تتصاعد. كان يقف أمامها، عيناه متوهجتان، يده ترتجف، صوته يهتز. كل ذكرياته المظلمة، كل وجوه الضحايا، كل لحظة رعب عايشها، تجمعت في هذه اللحظة.
اقترب أكثر، وارتفع صوته:
– "لقد قتلوني قبل أن ألقاكِ… قتلوكِ أنتِ أيضًا!"
حاولت الصراخ، لكن صوته لم يسمع إلا لها، وصمت الشقة كان خانقًا. حاولت دفعه، لكنه لم يتوقف. كل جسده كان ينفجر بغضب، وكل ما في داخله من ألم متراكم وجد منفذًا واحدًا.
سقطت على الأرض، اصطدمت بالرواق، ارتطمت يداها، شعرت بحرارة الألم تتسرب في كل جسدها. حاولت أن تنهض، لكن يده أمسكت بها بعنف، هزها، صرخت:
– "رائد! توقف! أنت تقتلني!"
كانت الكلمات الأخيرة مجرد همسات في عاصفةٍ عميقة. انفجر كل شيء داخله، قلبه، عقله، روحه. كل الصور التي التقطها، كل المشاهد التي شاهدها، كل الضغوط التي عانى منها… كلها تترجم الآن في حركة واحدة، لحظة واحدة من جنون مطبق.
جلس بعدها بجانبها، يتنفس بصعوبة، يحدق في وجهها بلا حياة، يردد كلمات متقطعة:
– "لم أقصد… لم أقصد… سامحيني…"
الغرفة غارقة في صمت ثقيل، لا صوت سوى أنفاسه المتهالكة، وصوت قطرات الدم التي تتساقط ببطء على الأرضية. كل شيء متوقف، الزمن نفسه يبدو وكأنه تجمد، وكأن الجريمة التي ارتكبها لم تكن لحظة واحدة، بل تفريغ لسنوات من الألم والصور الملعونة التي رافقته كل حياته.
جلس هناك لساعات، يحدق في المكان، يكرر اسمه:
– "ليلى… ليلى…"
لكن لا حياة… ولا أي حركة. فقط صمت ثقيل، كالليل الذي يبتلع كل شيء، وكأنه يعلن أن هذه كانت البداية الفعلية لهويته الجديدة، لهويته التي تحولت إلى هاوية بلا عودة.
Lemar hamadi