لم ينطق آدم بكلمة واحدة طوال الطريق. كان يقود السيارة بسرعة ثابتة، وعيناه تتابعان الطريق أمامه، لكن عقله كان في مكان آخر تمامًا. كانت جملة حسام لا تزال تتردد في رأسه:«ياسين يعرف الرجل صفر.»لم يكن آدم مستعدًا لتصديقها بسهولة. ياسين كان معهم منذ بداية القضية، وكان دائمًا الشخص الذي يقدم المعلومات القديمة عن مشروع 17، وكان يعرف تفاصيل لم يكن يعرفها أحد تقريبًا. لكن المشكلة أن آدم بدأ يكتشف أن المعرفة وحدها ليست دليل براءة.جلس يوسف بجانبه، وظل صامتًا عدة دقائق، ثم قال: «آدم.»«نعم؟»«إنت مصدق كلام حسام؟»أجاب آدم: «مش عارف.»«يعني شاكك في ياسين؟»«أنا شاكك في كل حاجة.»نظر يوسف إليه وقال: «حتى في والدك؟»لم يجب آدم مباشرة.وبعد لحظات قال: «أبويا أخفى عني حاجات كتير. سامر أخفى عني حاجات. ياسين أخفى حاجات. كل واحد فيهم كان عنده سبب، وكل واحد بيقول إنه كان بيحميني. لكن في النهاية أنا اللي بدفع تمن الأسرار دي.»قال يوسف: «يبقى لازم نعرف الحقيقة بنفسنا.»أومأ آدم.«وده اللي هنعمله.»وصل الاثنان إلى منزل ياسين.كان البيت هادئًا تمامًا، والأنوار مطفأة.نزل آدم من السيارة، واقترب من الباب، ثم طرق ثلاث مرات.لم يرد أحد.طرق مرة أخرى.ظل الصمت.قال يوسف: «يمكن مش موجود.»نظر آدم إلى النافذة.«لو مش موجود، ليه الباب مفتوح؟»كان الباب فعلًا غير مغلق بالكامل.دخل آدم بحذر، وتبعه يوسف.كان المنزل مرتبًا بشكل غريب، وكأن صاحبه غادر منذ دقائق فقط. على الطاولة كان هناك كوب قهوة لم يبرد تمامًا، وكتاب مفتوح، وهاتف قديم.اقترب آدم من الهاتف.كان يعمل.ظهرت عليه شاشة تحتوي على تسجيل صوتي.ضغط آدم على التشغيل.جاء صوت ياسين:«لو أنت بتسمع التسجيل ده، يبقى أنا مش موجود.»نظر يوسف إلى آدم.استمر التسجيل:«أنا عارف إنك هتشك فيا، وعارف إنك هتفتكر إني الخائن. لكن الحقيقة مش بالبساطة دي.»توقف التسجيل فجأة.قال يوسف: «التسجيل اتقطع.»قال آدم: «أو اتوقف عمدًا.»بدأ يبحث في الغرفة.فتح الأدراج، ونظر داخل الخزائن، ثم وجد صندوقًا معدنيًا صغيرًا أسفل المكتب.كان مغلقًا بقفل رقمي.على الصندوق أربعة أرقام:0 - 1 - 1 - 7قال يوسف: «جرب 0117.»أدخل آدم الرقم.انفتح الصندوق.كان بداخله دفتر أسود صغير، ومفتاح، وصورة قديمة.أخذ آدم الصورة.كانت صورة لياسين وهو أصغر سنًا، يقف بجوار رجل لم يعرفه.قلب الصورة.وجد عبارة:«أول لقاء — 2009.»قال آدم: «قبل مشروع 17.»فتح الدفتر.كانت الصفحات الأولى مليئة بأسماء وأرقام، لكن في منتصف الدفتر وجد اسمًا متكررًا:الرجل صفر.وتحته ملاحظة:«لا يظهر إلا عندما تبدأ القضية في الانهيار.»قال يوسف: «دي أول مرة نشوف اسم الرجل صفر مكتوب بإيد ياسين.»أجاب آدم: «وده معناه إنه كان يعرفه.»قلب الصفحة التالية.وجد خريطة.كانت عليها علامات كثيرة، لكن واحدة منها كانت داخل المدينة.مكتوب بجانبها:المبنى 17.قال يوسف: «إيه المبنى 17؟»«مش عارف.»«يبقى نعرف.»لكن قبل أن يغلق آدم الدفتر، وجد ورقة مطوية في آخر الصفحات.فتحها.كان مكتوبًا:«إذا وصلت إلى هنا، فلا تبحث عن الرجل صفر... ابحث عن أول شخص عرفه.»نظر آدم إلى يوسف.«أول شخص عرفه.»قال يوسف: «ياسين.»هز آدم رأسه.«لا. ياسين عرفه في 2009. لكن ممكن يكون فيه شخص عرفه قبله.»وفجأة سمعا صوت سيارة أمام المنزل.أطفأ آدم المصباح.اقترب الاثنان من النافذة.توقفت سيارة سوداء.نزل منها رجل.كان يحمل حقيبة.قال يوسف بصوت منخفض: «ده حسام.»قال آدم: «مستحيل يكون هنا.»راقباه حتى دخل الرجل إلى المنزل.لكن عندما وصل إلى الغرفة، لم يكن هناك أحد.فتح حسام الباب وقال:«آدم؟»لم يرد.تقدم إلى الداخل.ثم قال:«أنا عارف إنك هنا.»ظهر آدم من خلف الباب.قال: «كنت مستنيك.»توقف حسام.«إنت ليه جيت هنا؟»قال آدم: «نفس السؤال ليك.»أجاب حسام: «عشان أنقذك.»ضحك آدم بسخرية.«كل الناس بتقول الجملة دي.»قال حسام: «لأنها الحقيقة.»«فين ياسين؟»«ما أعرفش.»«إنت اللي خليته يهرب؟»«لا.»«تعرف الرجل صفر؟»صمت حسام.قال آدم: «جاوب.»أجاب حسام:«أعرفه.»تقدم يوسف خطوة.«مين هو؟»قال حسام:«ما أعرفش اسمه الحقيقي.»رد آدم:«إنت بتكرر نفس الكلام.»قال حسام: «لأن محدش عرف اسمه الحقيقي.»«إذن إزاي تعرفه؟»أجاب حسام:«لأنني كنت واحدًا من الأشخاص الذين عملوا معه.»ساد الصمت.قال آدم: «إنت كنت من رجاله؟»«لفترة.»«وبعدين؟»«اكتشفت إنه لا يريد المال ولا النفوذ.»«أمال عايز إيه؟»نظر حسام إلى آدم وقال:«كان يريد شيئًا واحدًا.»«إيه؟»«أن يمحو القضية بالكامل.»قال يوسف: «إزاي؟»«كان يريد تدمير كل الملفات، وكل الأدلة، وكل الأشخاص الذين يعرفون الحقيقة.»قال آدم: «وعشان كده أبويا اختفى.»«أبوك كان أول شخص رفض مساعدته.»«وياسين؟»صمت حسام.«ياسين كان يعرفه قبل مشروع 17.»اتسعت عينا آدم.«إزاي؟»قال حسام:«كانوا يعرفون بعضهما منذ أن كانوا شبابًا.»شعر آدم بأن قطعة جديدة من اللغز بدأت تظهر.قال: «إذن ليه ياسين دخل المشروع؟»«عشان يراقبه.»«يعني كان جاسوسًا؟»«ليس تمامًا.»«إذن ماذا كان؟»قال حسام:«كان يعمل لحساب والدك.»سكت آدم.ثم قال:«إنت عايزني أصدق إن ياسين دخل حياة أبويا عشان يحميه؟»أجاب حسام:«في البداية، نعم.»«وفي النهاية؟»لم يجب.قال آدم:«حسام.»أجاب:«في النهاية، حدث شيء غيّر كل شيء.»«إيه هو؟»قال حسام:«ياسين وقع في يد الرجل صفر.»«يعني؟»«أُجبر على الاختيار.»«بين إيه وإيه؟»«بين إنقاذ والدك... أو إنقاذ شخص آخر.»قال آدم:«مين الشخص الآخر؟»نظر حسام إليه.«أنت.»تجمد آدم.«أنا؟»«أيوه.»«إيه اللي حصل؟»قال حسام:«الرجل صفر عرف إن والدك لديه نقطة ضعف.»«أنا.»«بالضبط.»ثم أخرج حسام صورة قديمة.كانت صورة لآدم وهو طفل.وخلفه رجل يقف بعيدًا.نظر آدم إلى الصورة.«نادر؟»قال حسام:«لا.»«كمال؟»«لا.»اقترب آدم أكثر.ثم لاحظ الساعة السوداء.والندبة الصغيرة.قال:«الرجل صفر.»أومأ حسام.«أيوه.»شعر آدم بقشعريرة.قال:«إذن هو كان يراقبني بنفسه.»«أحيانًا.»«وماذا كان يريد؟»قال حسام:«كان يريد أن يعرف ما الذي أخبرك به والدك.»«لكنني كنت طفلًا.»«وهذا ما جعله ينتظر.»قال يوسف:«ينتظر لإيه؟»أجاب حسام:«حتى تكبر وتبدأ ذاكرتك في العودة.»نظر آدم إلى الدفتر.قال:«إذن كل اللي حصل من البداية كان عشان ذاكرتي.»«أيوه.»فجأة رن الهاتف الموجود على الطاولة.نظر الجميع إليه.ظهر رقم مجهول.رد آدم.«مين؟»جاء صوت ياسين.«آدم... اسمعني كويس.»قال آدم: «فينك؟»«مش مهم.»«لا، مهم جدًا.»«أنا في مكان آمن.»«هل أنت مع الرجل صفر؟»صمت ياسين.ثم قال:«لا.»«إذن ليه هربت؟»«لأنني عرفت مين الخائن.»تجمد آدم.«مين؟»قال ياسين:«مش سامر.»نظر آدم إلى حسام.ثم قال:«مين؟»جاء صوت ياسين:«الخائن الحقيقي هو الشخص الذي كان مع والدك في السيارة ليلة اختفائه.»قال آدم:«مين؟»لكن قبل أن يجيب ياسين، انقطع الاتصال.حاول آدم الاتصال مرة أخرى.الهاتف مغلق.قال يوسف:«لازم نعرف مين كان في العربية.»فتح آدم الملف القديم بسرعة.بدأ يقلب الصفحات.وجد التقرير نفسه الذي قرأه من قبل.«الساعة 8:40 — لقاء محمد سيف بالشخص المجهول.»ثم لاحظ شيئًا لم يره من قبل.تحت التقرير كانت هناك ملاحظة صغيرة:«تم تسجيل المحادثة من داخل السيارة.»قال آدم:«التسجيل.»قال حسام: «إيه؟»«في تسجيل للمحادثة.»أجاب حسام:«لو التسجيل موجود، هنقدر نعرف صوته.»بحث آدم في الصندوق.وجد شريحة ذاكرة صغيرة.قال يوسف: «دي هي؟»أومأ آدم.«غالبًا.»أخرج آدم هاتفًا مناسبًا ووضع الشريحة.ظهر ملف صوتي واحد.اسمه:001_FINAL.ضغط آدم تشغيل.ساد الصمت.ثم ظهر صوت والده:«أنت عارف إن ده آخر لقاء بيننا.»وجاء صوت آخر.كان هادئًا جدًا.قال:«أعرف.»تجمد آدم.كان الصوت مألوفًا.مألوفًا جدًا.نظر إلى حسام.ثم إلى يوسف.ثم قال:«أنا أعرف الصوت ده.»توقف التسجيل للحظات، ثم جاء صوت الرجل:«لو رفضت، ابنك هو اللي هيدفع الثمن.»ثم صوت والد آدم:«لن تقترب منه.»وبعدها صوت ثالث.صوت لم يتوقع آدم سماعه.صوت سامر.قال سامر في التسجيل:«محمد، لازم نتحرك دلوقتي.»انتهى التسجيل.ساد صمت طويل.قال يوسف:«سامر كان في العربية.»نظر آدم إلى حسام.قال حسام:«أيوه.»لكن آدم لم يتكلم.كان يحاول استيعاب ما سمعه.ثم قال:«سامر كان مع أبويا.»وفي تلك اللحظة، وصل إشعار إلى هاتف آدم.رسالة واحدة:«الآن عرفت الحقيقة... لكنك لم تعرف بعد لماذا خان سامر.»ثم وصلت رسالة ثانية:«قابلني غدًا في المكان الذي بدأت فيه القضية.»كان المكان مكتوبًا أسفل الرسالة:المستودع رقم 17.رفع آدم عينيه.وقال:«المرة دي... مش هنروح عشان نبحث عن الحقيقة.»ثم أمسك الملف.«هنروح عشان نواجه اللي خبّاها.»نهاية الفصل الحادي والعشرون
محمد احمد سيف