الخائن بيننا

الخائن بيننا

3 0

لم يتحرك آدم بعد سماع كلمات والده. ظل واقفًا في الممر السفلي للمستودع رقم 6، يحدق في وجه الرجل الذي قضى سنوات طويلة يبحث عنه، بينما كانت أصوات الحركة في الأعلى تزداد شيئًا فشيئًا. لم يعد السؤال بالنسبة لآدم هو أين اختفى والده، ولا لماذا عاش بعيدًا عنه كل هذه السنوات، بل أصبح السؤال الأصعب: من هو الشخص الذي خانه؟كان والده قد قال بوضوح إن الخائن شخص قريب منه، شخص كان يثق به، شخص يعرف تفاصيل مشروع 17 أكثر مما ينبغي. المشكلة أن الأشخاص الذين يمكن أن تنطبق عليهم هذه الصفات كانوا أمام آدم الآن.سامر.ياسين.وربما شخص آخر لم يظهر بعد.قال آدم: «أنت قلت إن الخائن موجود بيننا. أنا عايز أعرف مين.»نظر والده إليه وقال: «مش هنا.»رد آدم بغضب: «إمتى هتقولي؟ كل مرة بتطلب مني أستنى، وكل مرة بنلاقي نفسنا في مكان أخطر من اللي قبله. أنا مش هطلع من هنا قبل ما أعرف.»اقترب والده منه وقال: «لو قلت لك اسمه دلوقتي، ممكن نخرج من المكان وإحنا فاكرين إننا كسبنا، بينما الحقيقة إننا هنكون وقعنا في الفخ.»قال يوسف: «إيه الفخ؟»أجاب والد آدم: «الشخص اللي بنبحث عنه عايز آدم يشك في أقرب الناس ليه. لو بدأ يشك فيهم، هيبدأ كل واحد يدافع عن نفسه، وساعتها المجموعة هتتفكك.»قال آدم: «يعني أنت عايزني أثق فيهم كلهم؟»أجاب والده: «لا. عايزك ما تثقش في حد ثقة كاملة.»كانت الجملة أثقل من أي اتهام.تحركوا بسرعة نحو المخرج الخلفي، لكن قبل أن يصلوا إلى الباب، سمعوا صوتًا قادمًا من نهاية الممر.قال سامر: «استنوا.»توقف الجميع.ظهر شخص من الظلام.كان يحمل مصباحًا صغيرًا، وتقدم ببطء حتى ظهر وجهه.كان خالد منصور.قال آدم بدهشة: «خالد؟»أجاب خالد: «كنت عارف إنك هتوصل هنا.»قال آدم: «إنت اختفيت بعد الفندق.»رد خالد: «كان لازم أختفي.»تقدم والد آدم نحوه وقال: «إذن وصلت قبلي.»قال خالد: «وصلت قبل ما يوصلوا.»سأل آدم: «مين؟»نظر خالد إلى والده وقال: «الناس اللي بتدور عليك.»قال آدم: «إحنا محتاجين إجابات، مش كلام عام.»اقترب خالد من المجموعة وقال: «لو عايزين تعرفوا الحقيقة، لازم تسمعوا كل حاجة من البداية.»جلس الجميع في الغرفة الجانبية، بينما ظل خالد واقفًا أمامهم.قال: «من خمسة عشر سنة، مشروع 17 كان بيحقق في شبكة كبيرة. الشبكة ما كانتش مجرد مجموعة مجرمين، كان فيها أشخاص عندهم نفوذ وقدرة على الوصول إلى معلومات رسمية. والدك اكتشف إن حد من داخل المشروع بيسرب المعلومات. في البداية شك في نادر، وبعدها شك في رائد، لكن الحقيقة كانت أعقد.»سأل آدم: «مين كان بيسرب المعلومات؟»قال خالد: «ما عرفناش.»قال آدم: «إزاي؟»«لأن كل دليل كنا بنلاقيه كان بيوصل لشخص مختلف. مرة يبان نادر، ومرة رائد، ومرة شخص من خارج المشروع. كنا بندور على شخص واحد، بينما الحقيقة إن فيه أكثر من شخص.»قال يوسف: «يعني كانت شبكة داخل شبكة.»أجاب خالد: «بالضبط.»قال آدم: «وإيه اللي حصل ليلة اختفاء أبويا؟»نظر خالد إلى والد آدم.ثم قال:«الليلة دي كانت نقطة التحول.»ظل والد آدم صامتًا.تابع خالد: «في الليلة دي، والدك طلب مني أقابله في المستودع 17. قال لي إنه اكتشف اسم شخص خطير. لما وصلت، كان والدك بيتكلم مع شخص آخر.»سأل آدم: «مين؟»قال خالد: «ما شفتش وجهه بوضوح.»قال آدم: «لكن تعرف صوته؟»«أيوه.»«وصوته موجود في التسجيلات؟»أومأ خالد.«عندي تسجيل قديم.»رفع آدم رأسه.قال خالد: «لكن التسجيل مش معايا دلوقتي.»«فين؟»«في بيت نادر.»صمت آدم.قال يوسف: «بس إزاي هنروح بيت نادر وإحنا مش عارفين هو فين؟»أجاب خالد: «أنا أعرف.»قال آدم: «إذن نروح.»لكن والده أوقفه.«مش دلوقتي.»التفت آدم إليه.«ليه؟»قال والده: «لأن الشخص اللي أخد سامر عايزنا نروح هناك.»سأل آدم: «إزاي عرفت؟»أجاب والده: «لأن المكان ده كان معروفًا بين أفراد المشروع، لكن ما كانش معروفًا لأي شخص خارج الفريق.»نظر آدم إلى سامر.«إنت قلت إن نادر مات.»قال سامر: «كنت فاكر إنه مات.»رد آدم: «وأنت كنت مسؤول الأرشيف، إزاي ما تعرفش؟»قال سامر: «لأن خبر موته وصلني من جهة رسمية.»تدخل خالد وقال: «وده هو الخطأ اللي وقعنا فيه كلنا. صدقنا الأوراق.»نظر آدم إلى والده.«وأنت؟»قال والده: «أنا ما صدقتش.»«وعرفت إنه حي؟»«بعد سنوات.»«ليه ما قلتليش؟»أجاب والده: «لأن نادر لم يكن يبحث عني فقط. كان يبحث عنك.»ساد الصمت.قال آدم: «ليه؟»أخرج والده ورقة قديمة من جيبه.قال: «لأنك كنت المفتاح.»فتح آدم الورقة.كانت تحتوي على أسماء وتواريخ، وفي نهايتها جملة:«الطفل لا يعرف ما يحمله.»قال آدم: «أنا كنت بحمل إيه؟»أجاب والده: «مش شيء مادي.»«إذن إيه؟»«معلومة.»قال آدم: «أي معلومة؟»رد والده: «في ليلة اختفائي، كنت أنت موجودًا في البيت.»توقف آدم.«أيوه، كنت موجود.»«لكن قبل ما أخرج، كنت بتتكلم معايا.»حاول آدم تذكر تلك الليلة.كان صغيرًا، وكانت الذاكرة مشوشة.قال: «أنا مش فاكر.»أجاب والده: «كنت سألتني سؤالًا.»«إيه؟»قال والده:«سألتني: ليه الراجل اللي بييجي كل أسبوع بيبص لي من بعيد؟»تغير وجه آدم.بدأت ذكريات قديمة تظهر في ذهنه.رجل يقف بعيدًا عن المدرسة.سيارة سوداء أمام المنزل.رجل طويل كان يمر بالقرب منه ثم يختفي.قال آدم: «أنا فاكر حاجة.»اقترب منه والده.«إيه؟»قال آدم: «كان فيه راجل فعلًا.»«كنت تعرفه؟»«لا.»قال والده: «هو نادر.»رفع آدم رأسه.«كنت بتشوفه وأنا طفل؟»«أيوه.»«وإنت كنت عارف؟»«كنت أحاول أحميك.»ظل آدم صامتًا.ثم قال: «إذن نادر كان بيراقبني قبل ما تختفي.»قال والده: «مش نادر وحده.»«مين كمان؟»نظر والده إلى سامر.قال: «الشخص الثاني كان قريبًا منك أكثر مما تتخيل.»نظر آدم إلى سامر.قال سامر: «أنا كنت بحاول أحميك.»رد آدم: «بس إنت كنت بتراقبني.»«أيوه.»«وأنت كنت عارف نادر؟»صمت سامر.قال آدم: «سامر.»أجاب سامر: «أيوه.»«قابلته؟»«أكثر من مرة.»تدخل يوسف: «يبقى ليه أخفيت ده؟»قال سامر: «لأنني كنت أعمل لصالح والد آدم.»رد آدم: «وإزاي أعرف إنك ما كنتش بتعمل لصالح نادر؟»لم يجب سامر.وهنا قال والد آدم:«لأن سامر أنقذني في الليلة اللي اختفيت فيها.»نظر آدم إليه.«إزاي؟»قال والده: «لأن الشخص الذي خانني حاول التخلص مني، وسامر ساعدني على الخروج.»سأل آدم: «إذن مين الخائن؟»قال والده: «لسه.»ثم سمعوا صوتًا قويًا في الخارج.اقتربت خطوات من باب الغرفة.قال خالد: «لازم نتحرك.»خرجوا بسرعة من الممر، لكنهم فوجئوا بأن الطريق الخلفي لم يعد مفتوحًا.قال يوسف: «الباب اتقفل.»بدأ آدم يبحث عن مخرج آخر.لاحظ فتحة صغيرة في الحائط.قال: «هنا.»فتحها، فوجد ممرًا يؤدي إلى الخارج.خرجوا واحدًا تلو الآخر.وبمجرد أن خرج آدم، سمع صوت سيارة تبتعد.التفت.كانت سيارة سوداء.قال آدم: «دي نفس العربية اللي كانت بتراقبنا.»ركض نحوها، لكنه لم يستطع اللحاق بها.عاد إلى المجموعة.قال خالد: «كانوا هنا.»قال آدم: «عارف.»ثم وجد شيئًا على الأرض.ورقة.فتحها.كان مكتوبًا:«أنت تبحث عن الخائن، لكنك نسيت السؤال الأهم.»قلب آدم الورقة.وجد:«من الذي أخبرهم أنك وصلت إلى المستودع؟»نظر آدم إلى الجميع.ثم قال:«الليلة دي، محدش هيمشي لوحده.»قال يوسف: «ليه؟»أجاب آدم:«لأن الشخص اللي سرب مكاننا موجود قريب جدًا.»وفي تلك اللحظة، رن هاتف سامر.نظر إليه.كان رقمًا مجهولًا.رد.جاءه صوت رجل:«سامر... أنت تعرفني.»تغير وجه سامر.قال الرجل:«أنت أخطأت عندما أحضرت آدم إلى هنا.»ثم انقطع الاتصال.سأل آدم:«مين كان؟»لم يجب سامر.اقترب آدم منه وقال:«مين؟»قال سامر بصوت منخفض:«الشخص اللي كنت فاكره مات.»سأل آدم:«رائد؟»هز سامر رأسه.«لا.»قال آدم:«إذن مين؟»رفع سامر عينيه إليه.وقال:«نادر.»في اللحظة نفسها، وصلت رسالة إلى هاتف آدم.فتحها.كانت تحتوي على صورة واحدة فقط.صورة حديثة لوالده.وخلفه كان يظهر رجل يقف في الظل.كتب أسفل الصورة:«والدك معك الآن... لكن هل أنت متأكد أنه والدك الحقيقي؟»تجمد آدم.رفع عينيه نحو والده.لأول مرة منذ عودته، بدأ الشك يتسلل إلى قلبه.هل الرجل الذي أمامه هو فعلًا والده؟أم أن هناك سرًا آخر لم يخبره به أحد؟نظر آدم إلى الرجل طويلًا.ثم قال:«بابا... أنا محتاج أسألك سؤال.»أجابه والده:«اسأل.»قال آدم:«إيه اللي حصل لك في الخمسة عشر سنة اللي اختفيت فيهم؟»لم يجب والده.وكان صمته أخطر من أي إجابة.نهاية الفصل السابع عشر

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

المحقق ادم القضيه رقم002/لغز الغرفه الصامته

المؤلف محمد احمد سيف
2026/08/23 مستمرة
قائمة الفصول (22)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة