كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة والنصف ليلًا عندما توقفت سيارة آدم على بُعد مئات الأمتار من الميناء. لم يكن هناك أي شيء يتحرك في المكان سوى أضواء السفن البعيدة وصوت الرياح التي كانت تمر بين الحاويات المعدنية. أطفأ آدم المحرك، وبقي الجميع داخل السيارة للحظات دون أن يتحدث أحد. كان المستودع رقم 25 ظاهرًا من بعيد، مظلمًا وضخمًا، وكأنه مبنى مهجور لا علاقة له بكل الأسرار التي بدأت تحيط بهم. لكن آدم كان يعرف أن وراء ذلك الباب توجد إجابات ينتظرها منذ سنوات، وربما توجد أيضًا إجابة عن السؤال الذي لم يجرؤ على طرحه بصوت عالٍ: هل والده ما زال حيًا فعلًا؟
قال يوسف وهو ينظر إلى المستودع: «إحنا متأكدين إننا لازم ندخل؟» أجاب آدم: «لا، مش متأكدين.» نظر إليه يوسف باستغراب، فأكمل آدم: «لكن لو فضلنا واقفين هنا، مش هنعرف حاجة. الرسالة قالت إن سامر موجود جوه، والصورة اللي لقيناها بتأكد إن المكان مرتبط بوالدي.» تدخل ياسين من المقعد الخلفي وقال: «المكان ده كان أهم نقطة في مشروع 17، لكن اللي حصل هنا من خمسة عشر سنة خلّى كل واحد كان يعرف الحقيقة يخاف يتكلم.» التفت آدم إليه وقال: «وأنت كنت واحد منهم.» لم يرد ياسين، ففتح آدم الباب وقال: «يبقى الليلة دي هتتكلم.»
نزل الثلاثة من السيارة وتحركوا بحذر نحو المستودع. كانت البوابة الخارجية مفتوحة، ولم يكن هناك أي حارس. قال يوسف: «ده مقلق.» رد آدم: «كل حاجة في القضية دي مقلقة.» اقترب من الباب الرئيسي، فلاحظ أن القفل كان مكسورًا منذ فترة، لكن الباب نفسه كان مغلقًا من الداخل. وضع يده عليه ودفعه، فتح الباب ببطء، وظهر أمامهم مستودع واسع مليء بالصناديق المعدنية القديمة. أضاء آدم مصباحه وتحرك خطوة خطوة، بينما كان ياسين ينظر إلى الجدران وكأنه يستعيد شيئًا من ذاكرته. قال آدم: «كنت هنا قبل كده؟» أجاب ياسين: «أيوه.» «مع والدي؟» «أيوه.» «وخالد؟» «أيوه.» توقف آدم أمامه وقال: «يبقى ابدأ تفتكر.»
اقترب ياسين من أحد الجدران، ومسح الغبار عن لوحة معدنية صغيرة. ظهر رقم قديم: 17-25. قال: «المستودع ده كان جزءًا من المشروع، لكنه لم يكن مجرد مكان لتخزين الملفات. هنا كنا نعقد الاجتماعات السرية.» سأل يوسف: «يعني إيه؟» قال ياسين: «يعني إن الأشخاص اللي كانوا بيجوا هنا كانوا أهم من مجرد ضباط عاديين.» نظر آدم حوله وقال: «وأبي كان واحد منهم.» أجاب ياسين: «كان قائدهم.»
تقدم آدم إلى منتصف المستودع، ثم لاحظ شيئًا على الأرض. كانت هناك آثار أقدام حديثة فوق طبقة الغبار. انحنى وفحصها، ثم قال: «في حد كان هنا قريب.» رد يوسف: «ممكن يكون سامر.» قال آدم: «ممكن، لكن الآثار أكتر من شخص.» رفع المصباح وأشار إلى مجموعة من الآثار التي تتجه نحو غرفة جانبية. «خلينا نشوف.»
دخلوا الغرفة، فوجدوا طاولة عليها ثلاثة أكواب، أحدها لا يزال يحتوي على آثار مشروب حديث. اقترب آدم منه ولمسه، ثم قال: «لسه دافئ.» نظر يوسف إلى ياسين، وقال: «يعني كانوا هنا من وقت قريب جدًا.» أخرج آدم سلاحه وقال: «إذن لازم نتحرك بسرعة.»
فتحوا الباب التالي، فوجدوا ممرًا ضيقًا يؤدي إلى غرفة تحت الأرض. نزل آدم أولًا، ثم يوسف، ثم ياسين. عندما وصلوا إلى الأسفل، وجدوا بابًا حديديًا ضخمًا. وعلى الباب كانت توجد ثلاث علامات محفورة: غراب أسود، رقم 17، وحرف M.
توقف آدم أمام الحرف.
قال يوسف: «M زي محمد؟»
لم يجب آدم.
اقترب ياسين من الباب وقال: «ده الحرف اللي كان والدك بيستخدمه في الملفات السرية.»
نظر إليه آدم: «ليه؟»
قال ياسين: «كان بيستخدمه بدل اسمه الكامل.»
أخرج آدم المفتاح الذي وجده في الفصل السابق، وأدخله في القفل. دار المفتاح بسهولة، وكأن الباب كان ينتظره.
انفتح الباب.
في الداخل كانت هناك غرفة صغيرة، وفي منتصفها كرسي. وعلى الكرسي كان يجلس رجل ويداه مقيدتان.
قال آدم: «سامر!»
ركض نحوه.
رفع سامر رأسه بصعوبة، وقال: «كنت عارف إنك هتيجي.»
بدأ يوسف في فك القيود، بينما كان آدم يراقب الباب. سأل سامر: «مين عمل فيك كده؟» أجاب سامر: «مش مهم دلوقتي.» رد آدم: «لا، مهم جدًا.» قال سامر: «الأهم إنك ما زلت تملك وقتًا.»
ساعده يوسف على الوقوف، فقال سامر: «اسمعني يا آدم، لازم تخرجوا من هنا فورًا.» قال آدم: «قبل ما نخرج، هتقولي كل حاجة.» نظر سامر إلى ياسين، ثم قال: «ياسين يعرف أكثر مني.» التفت آدم إلى ياسين، لكن قبل أن يتكلم، دوى صوت قوي في المستودع فوقهم.
انفجار صغير هز المبنى.
سقط بعض الغبار من السقف.
قال يوسف: «إيه ده؟»
أجاب سامر: «عرفوا إنكم هنا.»
أمسك آدم بذراع سامر وقال: «مين؟»
رد سامر: «الناس اللي كنت بحاول أحميك منهم.»
بدأت أصوات خطوات تأتي من أعلى الدرج.
قال ياسين: «لازم نخرج من الباب الخلفي.»
لكن سامر أمسك بذراع آدم.
«استنى.»
أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا وأعطاه له.
«ده كان مع والدك.»
نظر آدم إلى المفتاح.
«كان معاه إمتى؟»
قال سامر: «في آخر مرة شفته فيها.»
«إنت قلت إنك ما كنتش تعرف هو اختفى إزاي.»
«كنت بكذب.»
تجمد آدم.
قال سامر: «والدك لم يختفِ أمامي. أنا ساعدته على الاختفاء.»
ساد الصمت.
نظر آدم إليه وكأنه لم يفهم ما سمعه.
«ساعدته؟»
أومأ سامر.
«والدك اكتشف أن شخصًا من داخل المؤسسة كان يبيع المعلومات للمنظمة. عرف إنهم وصلوا إليك، وعرف إنهم ممكن يستخدموك للوصول إليه. لذلك اتفقنا على خطة.»
قال آدم: «أي خطة؟»
أجاب سامر: «أن يختفي والدك رسميًا.»
«وكنتوا هتقولوا إنه مات؟»
«أيوه.»
«وليه؟»
«عشان يحميك.»
صرخ آدم: «أنا عشت خمسة عشر سنة فاكر إن أبويا مات!»
خفض سامر رأسه.
«عارف.»
«وأنت كنت عارف إنه ممكن يكون حي؟»
«كنت عارف إنه كان حيًا وقتها.»
توقف آدم.
«وقتَها؟»
لم يجب سامر.
قال آدم: «يعني إيه؟»
قبل أن يرد، جاء صوت من أعلى الدرج:
«سامر!»
تجمد الجميع.
كان صوت رجل.
ثم جاء صوت آخر:
«انتهى وقت الكلام.»
رفع آدم سلاحه، وقال سامر: «ما تضيعش وقتك، عددهم أكبر مننا.»
لكن آدم لم يتراجع.
بدأت أصوات الخطوات تقترب.
قال ياسين: «في مخرج خلف الغرفة.»
تحركوا بسرعة.
فتح ياسين بابًا صغيرًا خلف مجموعة من الصناديق، وخرجوا إلى نفق ضيق تحت الأرض. كان المكان مظلمًا، لكن سامر بدا وكأنه يعرف الطريق.
قال آدم: «إنت عارف المكان ده.»
رد سامر: «كنت هنا مع والدك عشرات المرات.»
توقف آدم لحظة.
«إذن أنت تعرف أين ذهب.»
قال سامر: «لو كنت أعرف، كنت أخبرتك.»
«أنت بتكذب.»
«لأ.»
«إذن ليه كل مرة تقرب من الحقيقة، تختفي إجاباتك؟»
نظر سامر إليه وقال: «لأن بعض الإجابات ممكن تقتلك.»
استمروا في السير حتى وصلوا إلى نهاية النفق. وجدوا بابًا يؤدي إلى جزء آخر من الميناء. خرجوا منه، لكنهم لم يجدوا أي سيارات أو أشخاص.
قال يوسف: «نجونا.»
رد ياسين: «لسه.»
نظر الجميع إليه.
قال: «اسمعوا.»
كان هناك صوت محرك يقترب.
ظهرت سيارة سوداء عند نهاية الطريق، ثم توقفت فجأة.
نزل منها رجل واحد.
لم يكن يحمل سلاحًا ظاهرًا.
كان يرتدي معطفًا أسود، ووقف بعيدًا عنهم.
قال سامر بصوت منخفض:
«هو.»
سأل آدم: «مين؟»
لم يجب سامر.
الرجل اقترب ببطء.
ثم قال:
«مساء الخير يا آدم.»
تجمد آدم.
كان الصوت مألوفًا.
ليس لأنه سمعه من قبل في الهاتف...
بل لأنه سمعه في تسجيل قديم تركه والده.
اقترب الرجل أكثر.
وقال:
«أبوك كان متأكد إنك هتوصل هنا يومًا ما.»
رفع آدم سلاحه.
«إنت مين؟»
ابتسم الرجل.
«اسأل سامر.»
نظر آدم إلى سامر.
لكن سامر لم يتكلم.
قال الرجل:
«أو اسأل ياسين.»
ثم أضاف:
«لكن الأفضل... تسأل نفسك سؤالًا واحدًا.»
توقف أمامهم.
«ليه والدك اختار يختفي عنك خمسة عشر سنة، رغم إنه كان يقدر يرجع؟»
ثم ألقى شيئًا على الأرض.
كانت ساعة والد آدم.
نفس الساعة التي قيل إنها اختفت ليلة اختفائه.
انحنى آدم والتقطها.
وكان خلفها نقش لم يره من قبل.
"إلى آدم... عندما تصبح مستعدًا للحقيقة."
رفع آدم رأسه.
لكن الرجل كان قد عاد إلى السيارة.
صرخ آدم:
«استنى!»
انطلقت السيارة واختفت بين الحاويات.
ظل آدم واقفًا، والساعة في يده.
قال يوسف: «إيه اللي مكتوب؟»
أعطاه آدم الساعة.
قرأ يوسف النقش.
ثم نظر إلى ياسين وسامر.
قال آدم:
«من النهارده، مفيش أسرار بينا.»
نظر إلى سامر.
«هتقول كل حاجة.»
ثم إلى ياسين.
«وأنت كمان.»
أخذ نفسًا عميقًا.
«لأننا مش بندور على والدي بس.»
نظر إلى الساعة.
«إحنا بندور على الحقيقة اللي خلت ثلاثة أشخاص يخفوا حقيقة واحدة لمدة خمسة عشر سنة.»
وفي مكان آخر من المدينة، كان الرجل الذي ظهر أمامهم يفتح هاتفه ويتصل بشخص مجهول.
قال:
«آدم وصل للمرحلة الثانية.»
جاءه صوت من الطرف الآخر:
«وهل عرف الحقيقة؟»
ابتسم الرجل.
«لا.»
ثم نظر إلى صورة قديمة أمامه.
كانت صورة والد آدم.
وقال:
«لكنه اقترب جدًا.»
نهاية الفصل السابع
محمد احمد سيف