الرجل خلف الزجاج

الرجل خلف الزجاج

4 0

لم يتحرك آدم من مكانه بعد أن لمح وجه الرجل خلف نافذة القطار. ظل واقفًا على الرصيف الرابع، يحاول أن يتأكد مما رآه، لكن القطار كان قد بدأ يتحرك ببطء، والوجه اختفى خلف الظلام. ركض آدم عدة خطوات بمحاذاة القطار، ثم توقف عندما ابتعدت العربات عن الرصيف.قال يوسف وهو يقترب منه: «شفت مين؟»أجاب آدم دون أن يلتفت: «مش عارف.»«يعني إيه مش عارف؟»«شفت راجل جوه القطار، كان بيبص عليّ.»«عرفته؟»هز آدم رأسه.«لا.»ثم أضاف:«لكن هو عرفني.»ظل يوسف صامتًا.عاد آدم إلى المقعد الخشبي وأمسك بالصورة التي وجدها في الظرف. كانت الصورة القديمة ما تزال أمام عينيه؛ هو طفل صغير يقف بجوار والده، وخلفهما الرجل المجهول. طوال السنوات الماضية كان آدم يعتقد أن اختفاء والده هو بداية القصة، لكنه بدأ الآن يفهم أن اختفاء والده لم يكن إلا نتيجة لأحداث بدأت قبل ذلك بسنوات.قال يوسف: «إحنا لازم نرجع.»رد آدم: «لسه.»«إيه اللي لسه؟»أشار آدم إلى الظرف.«الظرف ده ما جاش لوحده.»فتح الظرف مرة أخرى، وأخرج محتوياته بالكامل. كانت هناك الصورة، وورقة صغيرة، وتذكرة قطار قديمة. قلب التذكرة بين أصابعه، ثم لاحظ رقمًا مكتوبًا بخط صغير على ظهرها.204.قال يوسف: «رقم إيه ده؟»أجاب آدم: «مش عارف.»ثم نظر إلى لوحة المحطة.كان هناك مكتب قديم يحمل الرقم 204.قال آدم: «يمكن نلاقي الإجابة هناك.»اقترب الاثنان من المكتب. كان مغلقًا، لكن الباب لم يكن مقفلًا جيدًا. دفعه آدم ففتح بسهولة.دخل.كانت الغرفة صغيرة، وفيها ملفات قديمة وأدراج معدنية. بدأ آدم يبحث في الأدراج، بينما كان يوسف يراقب الباب.بعد دقائق، وجد آدم درجًا يحمل الرقم 204.فتحه.لم يجد سوى ملف واحد.كان الملف أسود، وعليه اسم:محمد سيف.فتح آدم الملف بسرعة.كانت بداخله تقارير قديمة عن تحركات والده، لكن الصفحة الأخيرة كانت أهمها. كان هناك تقرير بتاريخ اليوم الذي اختفى فيه والده.قرأ آدم:«الساعة 8:15 مساءً: غادر محمد سيف منزله برفقة ابنه.»توقف.قال يوسف: «يعني الكلام اللي سمعناه صحيح.»أكمل آدم القراءة:«الساعة 8:40 مساءً: التقى محمد بالشخص المجهول.»تحتها:«الساعة 8:47 مساءً: حدث خلاف بين الطرفين.»ثم:«الساعة 8:52 مساءً: غادر الطفل السيارة.»رفع آدم رأسه.«غادرت العربية؟»قال يوسف: «يمكن حد نزّلك.»أعاد آدم النظر إلى التقرير.كانت هناك جملة أسفل الصفحة:«الطفل شاهد وجه الشخص المجهول، لكنه لم يعرف اسمه.»شعر آدم بصداع مفاجئ.بدأت صورة قديمة تظهر في ذهنه.كان داخل السيارة.والده في المقعد الأمامي.رجل يجلس بجانبه.ثم صوت الرجل:«لو خرج الملف، كلنا هنقع.»وصوت والده:«أنا مش هسلّمه.»ثم صوت باب السيارة.بعدها...فراغ.قال آدم: «أنا بدأت أفتكر.»اقترب يوسف منه.«إيه اللي افتكرته؟»قال آدم: «كان فيه راجل في العربية.»«مين؟»«مش عارف.»«صوته؟»«هادئ.»«شكله؟»أغمض آدم عينيه.«كان لابس ساعة.»«أي علامة تانية؟»صمت آدم.ثم قال:«كان عنده ندبة صغيرة فوق إيده.»فتح عينيه فجأة.«لا.»قال يوسف: «إيه؟»«أنا شفت الندبة دي قبل كده.»«فين؟»ظل آدم يفكر.ثم قال:«على إيد...»توقف.لم يكمل.لأنه تذكر شخصًا معينًا.سامر.قال يوسف: «سامر؟»لم يجب آدم.أخرج هاتفه واتصل بوالده.رن الهاتف.مرة.مرتين.ثلاث مرات.لم يرد.قال آدم: «مش بيرد.»حاول مرة أخرى.هذه المرة جاء الرد.لكن لم يكن صوت والده.كان صوت رجل آخر.قال:«كنت مستني المكالمة دي.»تجمد آدم.قال: «مين أنت؟»ضحك الرجل.«أنت قريب جدًا.»«فين أبويا؟»«والدك بخير.»«عايز إيه؟»«أريد منك أن تتوقف عن البحث.»قال آدم: «مش هتوقف.»«كنت متوقع.»«لو عايز توصل لي حاجة، قولها في وشي.»قال الرجل:«قريبًا.»ثم أغلق الهاتف.نظر يوسف إليه.«الصوت ده تعرفه؟»أجاب آدم:«أيوه.»«مين؟»قال آدم:«صوت الرجل اللي كان في القطار.»عاد آدم إلى الملف.كانت هناك صفحة أخيرة لم يلاحظها من قبل، وفي أسفلها توقيع صغير.ك. م.قال يوسف: «كمال؟»هز آدم رأسه.«ممكن.»لكن آدم لم يكن مقتنعًا.فجأة سمعا صوت سيارة خارج المحطة.نظر يوسف من النافذة.كانت سيارة سوداء توقفت أمام المبنى.قال: «في حد وصل.»أغلق آدم الملف.«نخرج من الباب الخلفي.»لكن قبل أن يتحركا، دخل شخص إلى المكتب.كان رجلًا طويلًا يرتدي معطفًا رماديًا.وقف عند الباب.قال:«آدم.»تراجع يوسف خطوة.أما آدم فظل ثابتًا.«مين أنت؟»قال الرجل:«أنا شخص كان يعرف والدك قبل ما تبدأ أنت تعرف معنى كلمة قضية.»«اسمك؟»«حسام.»قال آدم: «إنت من المنظمة؟»ابتسم الرجل.«المنظمة كلمة كبيرة.»«إذن إيه علاقتك بأبويا؟»قال حسام:«كنت شريكه.»تدخل يوسف:«فين محمد؟»نظر حسام إلى آدم.«لو عايز تعرف مكانه، لازم تسمعني للآخر.»قال آدم: «اتكلم.»أغلق حسام الباب.«والدك لم يختفِ لأنه كان يهرب من المنظمة. اختفى لأنه اكتشف أن المنظمة لم تكن أكبر خطر.»قال آدم:«كمال؟»هز حسام رأسه.«كمال كان مجرد منفذ.»توقف آدم.«منفذ لمين؟»أجاب حسام:«لشخص آخر.»«مين؟»«شخص لم يظهر اسمه في أي ملف.»أخرج حسام صورة قديمة ووضعها أمام آدم.كانت الصورة لخمسة أشخاص يقفون أمام مبنى مشروع 17.كان من بينهم والد آدم.وخالد.وسامر.ورائد.والشخص الخامس...كان وجهه ممسوحًا بالحبر الأسود.قال آدم:«مين ده؟»قال حسام:«الشخص الذي بدأ كل شيء.»«ليه وجهه ممسوح؟»«لأن والدك هو اللي مسحه.»«إمتى؟»«قبل اختفائه بيوم.»سأل آدم:«وليه؟»أجاب حسام:«لأنه اكتشف الحقيقة.»«إيه الحقيقة؟»قال حسام:«الشخص ده كان يستخدم اسمًا مستعارًا، وكان موجودًا في كل اجتماعات المشروع، لكنه لم يكن عضوًا رسميًا.»«اسمه الحقيقي؟»صمت حسام.قال آدم:«قول.»أجاب:«محمد سيف كان يسميه... الرجل صفر.»نظر آدم إلى الصورة.«الرجل صفر؟»«أيوه.»قال يوسف:«وليه صفر؟»أجاب حسام:«لأن كل شيء بدأ منه.»ظل آدم ينظر إلى الصورة.ثم لاحظ شيئًا صغيرًا.كانت يد الرجل الممسوح جزءًا منها ما زالت ظاهرة.وفي يده ساعة.ساعة سوداء.وفوق يده...ندبة صغيرة.شعر آدم بقلبه يتوقف للحظة.قال يوسف:«آدم؟»لم يرد.اقترب من الصورة أكثر.ثم قال:«أنا شفت الساعة دي.»سأل حسام:«فين؟»أجاب آدم:«في العربية.»قال حسام:«إذن ذاكرتك بدأت تعود.»«مين الرجل؟»قال حسام:«ما أعرفش اسمه الحقيقي.»«إنت كنت شريكي أبويا، إزاي ما تعرفش؟»«لأن والدك كان الوحيد الذي عرفه.»«وفين أبويا دلوقتي؟»نظر حسام إليه.«كان قريبًا جدًا منك عندما وصل إلى البيت القديم.»توقف آدم.«يعني إيه؟»«هو كان يراقبك.»قال يوسف:«مين؟»أجاب حسام:«والدك.»ثم تابع:«لكنه لم يكن يستطيع الاقتراب منك.»قال آدم:«ليه؟»«لأنه كان يعرف أن هناك شخصًا آخر يراقبك.»سأل آدم:«مين؟»قال حسام:«الرجل صفر.»وفجأة سُمع صوت ارتطام قوي في الخارج.التفت حسام نحو الباب.قال:«لازم نمشي.»سأل آدم:«مين بره؟»قال حسام:«اللي كنت بحذرك منه.»انطفأت أنوار المحطة.ساد الظلام.ثم بدأ صوت خطوات يقترب من الممر.خطوة...ثم أخرى...اقترب آدم من الباب.قال حسام:«ما تفتحش.»لكن آدم فتح.لم يكن هناك أحد.فقط ورقة موضوعة على الأرض.التقطها.كان مكتوبًا عليها:«تذكرت الساعة... الآن تذكر صاحبها.»رفع آدم عينيه.ثم نظر إلى حسام.قال:«إنت عارف هو مين.»صمت حسام.قال آدم:«إنت عارف.»أجاب حسام:«أعرف.»«مين؟»نظر حسام خلف آدم.ثم قال:«هو الشخص اللي كنت بتثق فيه أكثر من أي حد.»استدار آدم.كان يوسف يقف خلفه.ياسين لم يكن موجودًا.وسامر...كان هاتفه مغلقًا.نظر آدم إلى حسام.«تقصد مين؟»قال حسام:«ياسين.»تجمد آدم.قال يوسف: «مستحيل.»أجاب حسام:«أنا لم أقل إنه الخائن.»«إذن إيه؟»قال حسام:«ياسين يعرف الرجل صفر.»وفي اللحظة نفسها، وصل آدم إلى هاتفه إشعار جديد.فتح الرسالة.كانت من رقم مجهول.«لا تثق في حسام.»ثم وصلت رسالة ثانية مباشرة:«ولا تثق في والدك.»ثم رسالة ثالثة:«وابحث عن ياسين قبل فوات الأوان.»نظر آدم إلى يوسف.قال:«إحنا راجعين.»«فين؟»أجاب آدم:«لبيت ياسين.»لكن آدم لم يكن يعلم أن ياسين في تلك اللحظة لم يكن في بيته أصلًا.كان يقف داخل غرفة مظلمة، وأمامه رجل مجهول.قال الرجل:«هل أخبرتهم؟»أجاب ياسين:«لسه.»قال الرجل:«إذن حان الوقت.»رفع الرجل يده.ظهرت الساعة السوداء.وفوقها...الندبة الصغيرة.ثم قال:«خلي آدم يعرف الحقيقة كاملة.»نهاية الفصل العشرين

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

المحقق ادم القضيه رقم002/لغز الغرفه الصامته

المؤلف محمد احمد سيف
2026/08/23 مستمرة
قائمة الفصول (22)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة