ظل آدم واقفًا أمام سامر، والهاتف في يده، والصورة التي ظهرت على الشاشة لا تفارق عينيه. كان الرجل الموجود في الصورة يقف خلف والده وخالد منصور، وملامحه واضحة تمامًا هذه المرة، لكن المفاجأة لم تكن في وجهه فقط، بل في رد فعل سامر عندما رآه؛ فقد تغيرت ملامحه فجأة، وتراجع خطوة إلى الخلف وكأنه رأى شخصًا عاد من الماضي بعد سنوات طويلة. قال آدم بصوت حاد: «مين الراجل ده؟» ولم يجب سامر مباشرة، بل نظر إلى ياسين، ثم إلى يوسف، ثم عاد بعينيه إلى الصورة وقال بصوت منخفض: «ده المفروض يكون مات من خمسة عشر سنة.» اقترب آدم منه وقال: «أنا مش بسألك هو مات ولا لأ، أنا بسألك اسمه إيه؟» ظل سامر صامتًا لثوانٍ، ثم قال: «اسمه فارس نادر.» شعر آدم بقشعريرة تسري في جسده؛ كان الاسم نفسه الذي ظهر في ملف مشروع 17، وكان الرجل نفسه الذي قابلوه قبل ساعات في الميناء، الرجل الذي تحدث معهم وكأنه يعرف كل شيء عن والد آدم. قال يوسف: «بس الملف مكتوب فيه إن فارس مات سنة 2011.» نظر سامر إليه وقال: «لأن ده اللي كان لازم يتكتب.» رد آدم فورًا: «يعني إيه اللي كان لازم يتكتب؟ أنت بتقول إنكم زورتم ملف رسمي؟» اقترب سامر من الباب وأغلقه، ثم خفض صوته وقال: «مش كل حاجة حصلت في القضية القديمة كانت مكتوبة في الملفات الرسمية يا آدم، ولو كنت عايز تفهم اللي حصل لوالدك، لازم تسمعني للآخر من غير ما تقاطعني.»
جلس الجميع حول الطاولة القديمة داخل الأرشيف، بينما وقف سامر أمامهم وهو يحمل الملف الذي وجده آدم. قال: «مشروع 17 بدأ كتحقيق سري جدًا في شبكة كانت بتشتغل داخل وخارج مؤسسات الدولة، وكان هدفها الوصول إلى أشخاص يملكون نفوذًا وفلوسًا وقدرة على إخفاء الجرائم قبل ما تبدأ. والدك كان قائد الفريق، وأنا كنت مسؤولًا عن الجانب الأمني، وفارس كان مسؤولًا عن جمع المعلومات، أما خالد منصور فكان يعمل ميدانيًا. في البداية كنا نعتقد إننا بنحقق في منظمة واحدة، لكن بعد شهور اكتشفنا إن المنظمة مجرد جزء صغير من شبكة أكبر، وكل مرة كنا نقرب من رأس الشبكة كان شخص من داخل المؤسسة يسبقنا بخطوة.» سأل آدم: «وإيه علاقة الغراب الأسود؟» أجاب سامر: «الغراب الأسود ظهر بعد بداية المشروع بوقت قصير، وكنا فاكرين إنه العدو الحقيقي، لكن والدك كان أول واحد يشك إن الغراب الأسود مجرد واجهة تستخدمها جهة أخرى لإخفاء نفسها. المشكلة بدأت عندما اختفى أحد الملفات التي تحتوي على أسماء الأشخاص الذين كانوا يمولون الشبكة، وبعدها مباشرة مات أحد أفراد الفريق، ثم اختفى فارس، وبعدها بدأت الاتهامات تتوجه إلى والدك.»
رفع آدم رأسه وقال: «إنتوا اتهمتوا والدي بالخيانة؟» أجاب سامر: «بعضنا فعل ذلك، لكن أنا لم أصدقه.» رد آدم بغضب: «لكن الملف بيقول إن اسمه كان تحت المراقبة.» قال سامر: «لأننا اضطررنا نضع اسمه تحت المراقبة حتى نحميه، لكن الخطة فشلت.» سكت آدم قليلًا، ثم قال: «طيب ليلة اختفائه، إيه اللي حصل فعلًا؟» جلس سامر ببطء، وبدا عليه التردد لأول مرة، ثم قال: «والدك اتصل بي قبلها بساعات وقال إنه اكتشف الشخص الذي كان يسرب المعلومات، وقال إنه لن يذكر اسمه على الهاتف، وطلب مني مقابلته في الميناء. عندما وصلت، كان ياسين موجودًا، وكان خالد في طريقه إلينا، أما فارس فكان من المفترض أن يصل بعدنا. والدك دخل المستودع رقم 25 ومعه ملف، وبعد دقائق سمعنا صوت انفجار صغير من الداخل، وعندما دخلنا لم نجده. وجدنا فقط الساعة التي ظهرت في الصورة، وبعض الأوراق المحترقة، وآثار دماء. بعدها وصلتني تعليمات مباشرة بإغلاق القضية وإعلان وفاة الفريق بالكامل، وكان من بينهم فارس.» قال آدم: «مين أصدر التعليمات؟» نظر سامر إليه طويلًا ثم قال: «شخص أعلى مني.» سأله آدم: «مين؟» فرد سامر: «لو كنت أعرف اسمه وقتها، ما كنتش فضلت حيًا لحد النهارده.»
ساد الصمت داخل الأرشيف، ثم قال آدم: «بس أنت قلت إن فارس مات، والنهارده شفناه قدامنا.» هز سامر رأسه وقال: «أنا لم أقل إن الرجل الذي رأيناه هو فارس، قلت إن فارس نادر مات.» نظر آدم إليه باستغراب: «إيه الفرق؟» أجاب سامر: «الفرق إن شخصًا ما يستخدم اسم فارس نادر منذ سنوات، وأنا كنت متأكدًا أن الرجل الحقيقي مات في ليلة اختفاء والدك.» تدخل ياسين لأول مرة وقال: «سامر، كفاية.» التفت إليه سامر بغضب وقال: «أنت آخر شخص له الحق يقول لي كفاية، لأنك كنت تعرف الحقيقة وسكت خمسة عشر سنة.» رد ياسين: «سكت لأنهم هددوا عائلتي.» قال سامر: «وأنت صدقتهم.» ارتفع التوتر بين الاثنين، بينما وقف آدم بينهما وقال: «كفاية! أنا مش جاي أسمع خناقة بينكم، أنا عايز أعرف والدي فين.»
نظر سامر إلى آدم وقال: «لو والدك ما زال حيًا، فهناك احتمال واحد فقط.» سأله آدم: «إيه هو؟» قال سامر: «إنه هو اللي اختار يختفي.» لم يستطع آدم تقبل الجملة، فقال: «ليه؟» أجاب سامر: «لأنه اكتشف أن الشخص الذي يبحث عنه ليس مجرد عضو في المنظمة، بل شخص قريب منه جدًا، شخص يستطيع الوصول إلى كل تحركاته وملفاته، وكان والدك يعرف أن ظهوره سيعرضك للخطر، لذلك اختفى دون أن يخبر أحدًا.» قال آدم: «وأنت عرفت كل ده وسكت؟» قال سامر: «كنت أحاول أحميك.» رد آدم بغضب: «كل واحد بيقول إنه بيحميني، وفي الآخر كل واحد بيخبي عني الحقيقة!»
في تلك اللحظة صدر صوت قوي من الخارج، ثم اهتز باب الأرشيف، فنهض الجميع بسرعة. قال يوسف: «حد بيحاول يفتح الباب.» أخرج آدم سلاحه ونظر إلى سامر، لكن سامر أشار إليه أن يظل هادئًا. بعد ثوانٍ انفتح الباب، وظهر أحد أفراد الشرطة. قال: «المفوض سامر، لازم تيجي فورًا، حصلت مشكلة في المدخل.» خرج سامر معه، لكن آدم لم يتحرك. كان هناك شيء في الموقف لم يعجبه، فاقترب من الباب ونظر إلى الممر، ثم لاحظ أن رجل الشرطة لم يكن يرتدي شارة القسم المعتادة. قال آدم: «استنى!» لكن الرجل أمسك سامر من ذراعه وسحبه للخارج، وفي اللحظة نفسها أغلق الباب.
اندفع آدم نحو الباب وفتحه، لكنه وجد الممر فارغًا. اختفى سامر والرجل في ثوانٍ. قال يوسف: «إيه اللي حصل؟» رد آدم: «سامر اتخطف.» قال ياسين: «أو هو اللي خرج معاهم.» نظر آدم إليه بحدة وقال: «إنت لسه شاكك فيه؟» أجاب ياسين: «أنا شاكك في كل واحد فينا، لأن ده اللي علمتنا إياه القضية القديمة.» خرج الثلاثة من الأرشيف، لكنهم لم يجدوا أي أثر لسامر. اتصل آدم بالقسم، فجاء الرد أن سامر لم يطلب أي أحد لمقابلته، وأن كاميرات الممر توقفت عن العمل منذ عشر دقائق.
عاد آدم إلى غرفة الأرشيف، وبدأ يبحث بعصبية بين الملفات. قال يوسف: «إنت بتدور على إيه؟» أجاب آدم: «على سبب اختطاف سامر.» ثم وجد ورقة صغيرة سقطت من الملف القديم، رفعها وقرأها. كانت مكتوبة بخط والده: «إذا اختفى سامر، لا تبحث عنه في الشرطة... ابحث عن خالد.» ظل آدم ينظر إلى الجملة، ثم رفع عينيه إلى ياسين وقال: «خالد منصور هو المفتاح.» قال ياسين: «أيوه.» سأل آدم: «تعرف مكانه؟» لم يجب ياسين، لكن صمته كان كافيًا.
اقترب آدم منه وقال: «أنت تعرف مكان خالد.» قال ياسين: «أعرف مكانًا كان يمر به.» رد آدم: «وده كفاية.» قال ياسين: «المكان ده خطر.» ابتسم آدم ابتسامة قصيرة وقال: «من أول ما بدأت القضية وأنا داخل أماكن خطر.»
وقبل أن يغادروا، رن هاتف آدم.
رقم مجهول.
فتح الاتصال.
لم يسمع في البداية سوى صوت تنفس هادئ.
ثم جاء صوت رجل يعرفه آدم جيدًا.
صوت سامر.
قال بصوت متعب: «آدم... اسمعني كويس... ما تثقش في ياسين.»
ثم انقطع الاتصال.
نظر آدم إلى ياسين.
ولأول مرة منذ بداية القضية، لم يجد ياسين شيئًا يقوله.
لكن الهاتف رن مرة أخرى.
فتح آدم الرسالة الجديدة.
كانت تحتوي على صورة لسامر، ومكانه محدد على الخريطة.
وتحت الصورة جملة واحدة:
«إذا أردت إنقاذ سامر، ابحث عن خالد منصور قبل منتصف الليل.»
رفع آدم رأسه وقال:
«إذن نبدأ من خالد.»
لكن ما لم يعرفه آدم أن البحث عن خالد لن يقوده فقط إلى والده...
بل سيكشف له سرًا ظل مدفونًا لمدة خمسة عشر عامًا.
نهاية الفصل الخامس
محمد احمد سيف