الفصل الرابع: محطة القطار القديمة
كانت الساعة تقترب من الخامسة صباحًا.
المدينة لم تستيقظ بعد، لكن آدم كان يقود سيارته بسرعة في الطريق المؤدي إلى محطة القطار القديمة.
إلى جواره جلس ياسين، صامتًا منذ أن غادرا المنزل.
لم يتحدث أي منهما.
كان كل واحد منهما يفكر في الرسالة الأخيرة.
"تعال إلى محطة القطار القديمة قبل شروق الشمس."
أما آدم، فلم يكن يفكر إلا في شيء واحد:
يوسف.
بعد دقائق ظهرت المحطة أمامهما.
كانت مهجورة منذ سنوات، ولم يعد أي قطار يتوقف فيها.
مبنى قديم، نوافذه مكسورة، واللافتة الموجودة فوق المدخل تكاد تسقط من مكانها.
أوقف آدم السيارة بعيدًا.
قال ياسين:
- "استنى."
نظر آدم إليه.
- "في إيه؟"
أشار ياسين إلى المحطة.
- "المكان هادي زيادة."
ابتسم آدم بسخرية.
- "إحنا بقينا بنخاف من الهدوء؟"
رد ياسين:
- "بعد اللي حصل في القضية الأولى؟ أيوه."
نزل آدم من السيارة.
أخرج هاتفه.
لا توجد رسالة جديدة.
دخل المحطة.
كان صوت خطواته يتردد في المكان.
على الأرض بقايا أوراق قديمة، وبعض المقاعد الخشبية المكسورة.
وصل إلى الرصيف الرئيسي.
وجد ساعة كبيرة معلقة فوق الحائط.
كانت متوقفة عند:
5:17
توقف آدم.
- "17 مرة تانية."
قال ياسين:
- "بدأت أكره الرقم ده."
واصل آدم السير.
ثم سمع صوتًا.
صفارة قطار.
توقف الاثنان.
نظر آدم إلى السكة.
لم يكن هناك أي قطار.
قال ياسين:
- "سمعتها؟"
- "أيوه."
ثم سمعا الصفارة مرة أخرى.
لكنها لم تأتِ من الخارج.
كانت قادمة من أسفل المحطة.
نظر آدم إلى ياسين.
- "المحطة فيها أنفاق؟"
أجاب ياسين:
- "حسب الخرائط القديمة، كان فيه نفق للخدمات."
بدأا البحث.
بعد دقائق، وجد آدم بابًا حديديًا خلف مجموعة من الصناديق.
على الباب لوحة صغيرة:
خدمات — ممنوع الدخول.
فتح ياسين الباب.
ظهرت أمامهما درجات تؤدي إلى الأسفل.
نزلا بحذر.
كلما نزلا، أصبح صوت الصفارة أوضح.
وصلوا إلى نفق طويل.
وفي نهايته ظهر ضوء خافت.
قال آدم:
- "يوسف ممكن يكون هنا."
تقدم بسرعة.
لكن ياسين أمسك بذراعه.
- "بهدوء."
- "لو يوسف هناك..."
- "ولو ده فخ؟"
نظر آدم إليه.
ثم قال:
- "يبقى هنكتشفه."
واصلا السير.
وصلوا إلى غرفة واسعة تحت الأرض.
كانت هناك طاولة في المنتصف.
وعليها ملف.
اقترب آدم.
وجد على الغلاف:
المشروع 17 — المرحلة الأولى.
فتح الملف.
كانت بداخله صور لأشخاص مجهولين.
لكن إحدى الصور جعلته يتوقف.
كان الرجل الذي يقف بجوار يوسف في الصورة الأخيرة.
الرجل الذي كان يرتدي بدلة سوداء.
قال آدم:
- "مين ده؟"
قال ياسين:
- "معرفوش."
نظر إليه آدم.
- "أنت تعرفه."
- "لا."
- "كذاب."
صمت ياسين.
ثم قال:
- "اسمه فارس."
- "فارس مين؟"
- "فارس نادر."
- "وظيفته؟"
- "كان واحدًا من أهم الأشخاص في مشروع 17."
سأل آدم:
- "كان؟"
- "اختفى بعد انهيار المشروع."
نظر آدم إلى الصورة.
- "وظهر دلوقتي مع يوسف."
قبل أن يكمل...
سمعا صوت باب يُغلق خلفهما.
استدار آدم.
كان الباب الذي دخلا منه قد أغلق.
ثم أضاءت مصابيح الغرفة دفعة واحدة.
ظهر شخص على شاشة معلقة في الحائط.
كان فارس.
قال:
- "صباح الخير يا آدم."
رد آدم:
- "أين يوسف؟"
ابتسم فارس.
- "أنت دائمًا تدخل في صلب الموضوع."
- "أين هو؟"
- "قريب."
- "لو لم أره خلال دقيقة..."
ضحك فارس.
- "لن تستطيع أن تفعل شيئًا."
ثم ظهرت صورة يوسف على الشاشة.
كان جالسًا في غرفة أخرى.
قال فارس:
- "يوسف بخير."
رفع آدم عينيه.
- "أريده الآن."
- "ليس بعد."
- "ماذا تريد؟"
صمت فارس لحظات.
ثم قال:
- "أريد الملف الذي معك."
نظر آدم إلى الملف.
- "أي ملف؟"
- "ملف والدك."
تجمد آدم.
- "إذن أنت تعرف والدي."
قال فارس:
- "أكثر مما تتخيل."
- "أين هو؟"
تغيرت ملامح فارس.
- "هذا السؤال هو سبب وجودك هنا."
ثم انطفأت الشاشة.
قال ياسين:
- "لازم نمشي."
لكن آدم لم يتحرك.
كان ينظر إلى الأرض.
لاحظ شيئًا صغيرًا تحت الطاولة.
مفتاح.
التقطه.
كان محفورًا عليه:
17-04
قال آدم:
- "المفتاح ده مش صدفة."
بحث عن قفل مناسب.
وجد بابًا صغيرًا في الجدار.
فتح الباب بالمفتاح.
كانت الغرفة خلفه مليئة بالملفات.
بدأ آدم يبحث.
وفجأة وجد ملفًا يحمل اسم:
محمد أحمد — سري للغاية.
توقف.
كان هذا اسم والده.
فتح الملف.
كانت الصفحة الأولى تحتوي على تقرير قديم.
قرأ:
"تم إخفاء هوية العميل بعد فشل عملية 17."
قلب الصفحة.
وجد صورة والده.
لكن تحتها كان هناك شيء آخر:
"العميل ما زال على قيد الحياة."
تراجع آدم خطوة.
همس:
- "أبي حي..."
قال ياسين:
- "آدم..."
لكن آدم لم يسمعه.
كان يقلب الصفحات بسرعة.
وجد عنوانًا:
آخر مكان معروف للعميل: ميناء المدينة.
ثم وجد تاريخًا:
قبل ثلاثة أشهر.
أي بعد انتهاء القضية الأولى.
قال آدم:
- "والدي كان في ميناء المدينة بعد كل اللي حصل."
رفع ياسين رأسه.
- "ميناء المدينة..."
- "أنت تعرف المكان؟"
- "طبعًا."
- "يبقى هنروح هناك."
لكن قبل أن يغادرا، سمعا صوتًا خلفهما.
تصفيق.
استدار آدم.
كان فارس يقف عند مدخل الغرفة.
لم يعد يظهر على الشاشة.
كان موجودًا أمامهما.
قال:
- "كنت أتمنى أن تصل إلى هذه المعلومة."
رفع آدم يده بحذر.
- "فين يوسف؟"
أجاب فارس:
- "في أمان."
- "هاتُه."
- "مش قبل ما تفهم."
قال آدم:
- "أنا فهمت كفاية."
ابتسم فارس.
- "لا... أنت لسه في أول الطريق."
تقدم فارس خطوة.
- "القضية الأولى كانت عن منظمة."
ثم أشار إلى الملف.
- "القضية الثانية عن عائلتك."
ساد الصمت.
ثم قال فارس:
- "وأنت لسه مش عارف الحقيقة الأهم."
سأل آدم:
- "إيه هي؟"
نظر فارس إلى ياسين.
ثم قال:
- "اسأل ياسين أين كان في الليلة التي اختفى فيها والدك."
التفت آدم ببطء نحو ياسين.
تغير وجهه.
لم يتكلم ياسين.
قال آدم:
- "ياسين؟"
ظل صامتًا.
- "كنت فين؟"
لم يجب.
اقترب آدم منه.
- "أنا سألتك سؤال."
أخفض ياسين عينيه.
ثم قال:
- "كنت هناك."
اتسعت عينا آدم.
- "فين؟"
رفع ياسين رأسه.
- "كنت آخر شخص شاف والدك قبل ما يختفي."
ساد الصمت.
وفي تلك اللحظة...
انطفأت الأنوار.
سمع آدم صوت فارس:
- "الآن بدأت القضية الحقيقية."
وعندما عادت الإضاءة...
كان فارس قد اختفى.
لكن يوسف كان واقفًا في نهاية النفق.
نظر إلى آدم.
ولم يقل شيئًا.
ركض آدم نحوه.
- "يوسف!"
أمسكه من كتفيه.
- "أنت كويس؟"
أومأ يوسف.
ثم نظر إلى ياسين.
وتغير وجهه.
قال يوسف بصوت منخفض:
- "إنت؟"
نظر آدم إليه.
- "إنت تعرف ياسين؟"
صمت يوسف.
ثم قال:
- "كنت أتمنى ألا أقابله مرة أخرى."
نظر آدم بين الاثنين.
وبدأ يشعر أن كل شخص حوله يخفي شيئًا.
وقبل أن يسأل أي سؤال...
وصل صوت فارس من مكبرات الصوت:
"الخطوة القادمة... ميناء المدينة."
ثم أضاف:
"هناك ستعرفون أين ذهب والد آدم."
انتهى التسجيل.
نظر آدم إلى يوسف.
ثم إلى ياسين.
وأخيرًا إلى الملف الذي يحمل اسم والده.
وقال:
- "هنروح الميناء."
لكن هذه المرة...
لم يكن آدم متأكدًا من الشخص الذي يمكنه الوثوق به.
نهاية الفصل الرابع
محمد احمد سيف