لم يستطع آدم أن يتكلم لعدة ثوانٍ بعد أن أخبره سامر أن والده كان مرتبطًا بالبيت القديم. ظل واقفًا داخل القطار، والملف الأسود في يده، بينما كانت صورة والده موضوعة أمامه على المقعد. كان المكان الذي عاش فيه طفولته بالنسبة له مجرد ذكرى قديمة؛ بيتًا غادره والده في ليلة لم يفهمها آدم وقتها، وبعدها لم يعد إليه أحد. قال آدم بصوت هادئ: «إنت متأكد إن أبويا كان بيرجع للبيت ده؟» أجاب سامر: «مش بس كان بيرجع، كان عنده سبب يخليه يحتفظ بمفتاحه حتى بعد ما اختفى.» نظر آدم إلى ياسين وقال: «وإنت كنت تعرف؟» أجاب ياسين بعد لحظة صمت: «كنت أعرف إن البيت مهم، لكن ما كنتش أعرف إن والدك كان مخبي فيه حاجة.»عندما وصلوا إلى المحطة، نزل آدم من القطار واتجه مباشرة إلى السيارة. لم يسمح لأي شخص بإيقافه، ولم يسأل عن الطريق، لأنه كان يحفظه جيدًا رغم مرور سنوات طويلة. طوال الرحلة ظل يتذكر تفاصيل طفولته؛ الحديقة الصغيرة أمام المنزل، الشجرة التي كان والده يجلس تحتها، والباب الخشبي القديم الذي كان آدم يفتحه كل صباح قبل الذهاب إلى المدرسة. لكن أكثر شيء كان يتذكره هو غرفة في الطابق الثاني، غرفة منع والده آدم من دخولها تمامًا. كان يقول له دائمًا: «الغرفة دي مش للأطفال.» ولم يفهم آدم وقتها سبب ذلك، لكنه الآن بدأ يدرك أن تلك الغرفة ربما كانت تحتوي على جزء من الحقيقة.وصلوا إلى البيت بعد منتصف الليل. كان المبنى مظلمًا ومغطى بالغبار، والنوافذ مغلقة منذ سنوات. نزل آدم من السيارة واقترب من البوابة، ثم أخرج مفتاحًا قديمًا كان يحتفظ به منذ طفولته. أدخله في القفل، لكنه اكتشف أن الباب لم يكن مقفلًا أصلًا. نظر إلى يوسف وقال: «حد دخل هنا قريب.» دخلوا جميعًا، وكانت آثار الأقدام واضحة على طبقة الغبار الموجودة في المدخل. قال ياسين: «يبقى حد سبقنا.» رد آدم: «وأنا عارف مين.»صعد آدم الدرج ببطء، حتى وصل إلى الممر الذي يؤدي إلى الغرفة القديمة. توقف أمام الباب، ولم يفتحه مباشرة. وضع يده على المقبض، وشعر للحظة بأنه عاد طفلًا صغيرًا يقف أمام نفس الباب ويحاول معرفة ما يخفيه والده خلفه. قال يوسف: «جاهز؟» أجاب آدم: «لا... بس لازم أفتح.» أدار المقبض، فانفتح الباب بسهولة.كانت الغرفة فارغة تقريبًا. مكتب قديم، خزانة، وبعض الصناديق. لم يكن هناك شيء يبدو مهمًا، لكن آدم كان يعرف والده جيدًا؛ لو كان يريد إخفاء شيء، فلن يتركه في مكان واضح. بدأ يفحص الجدران والأرضية والأثاث، بينما بحث يوسف داخل الخزانة. أما سامر فظل واقفًا عند الباب، وكأنه يعرف شيئًا لكنه لا يريد قوله.لاحظ آدم وجود خدش صغير على الأرض بجانب المكتب. حرك المكتب قليلًا، فظهر تجويف في الأرض. انحنى وفتح الغطاء الخشبي، فوجد صندوقًا معدنيًا صغيرًا. قال يوسف: «لقيناه.» أخرج آدم الصندوق ووضعه فوق المكتب، لكنه لم يجد له مفتاحًا. أخرج سامر المفتاح الصغير الذي أعطاه له في المستودع وقال: «جرب ده.» نظر آدم إليه، ثم أدخل المفتاح في القفل. فتح الصندوق.كان بداخله دفتر قديم، وصورة عائلية، وشريط تسجيل صغير.أمسك آدم الصورة أولًا. كانت تجمعه بوالده عندما كان طفلًا، لكن خلفهما كان يظهر شخص آخر يقف بعيدًا. قرب آدم الصورة من الضوء، ثم تجمد مكانه.قال يوسف: «إيه؟»أجاب آدم: «ده نفس الشخص اللي ظهر في الصور القديمة.»كان الرجل نفسه الذي ظهر في صور مشروع 17، لكن هذه المرة كان واقفًا داخل بيت آدم، وكأنه كان يعرف العائلة منذ سنوات.نظر آدم إلى سامر وقال: «إنت تعرفه.»لم يجب سامر.كرر آدم: «تعرفه، صح؟»قال سامر أخيرًا: «أيوه.»«مين؟»تنهد سامر وقال: «اسمه نادر.»سأل آدم: «نادر مين؟»«نادر منصور.»رفع ياسين رأسه بسرعة.قال آدم: «منصور؟ زي خالد منصور؟»أومأ سامر.تدخل ياسين وقال: «خالد ونادر إخوات.»ساد الصمت.قال آدم: «وإنتوا مخبيين ده عني من البداية؟»أجاب سامر: «لأن نادر كان أخطر شخص في القضية.»فتح آدم الدفتر بسرعة، فوجد صفحات كثيرة مكتوبة بخط والده. معظمها كان يتحدث عن مشروع 17، لكن في منتصف الدفتر ظهرت جملة جعلته يتوقف:«الخطر الحقيقي ليس داخل المشروع... الخطر الحقيقي هو الشخص الذي دخل إلى بيتي.»قلب آدم الصفحة.كانت هناك خريطة للمدينة، وعليها أربع علامات.المكان الأول: المستودع 17.الثاني: المستودع 25.الثالث: محطة القطار.والرابع...بيت خالد منصور.قال آدم: «إذن والدي كان يعرف إن خالد مرتبط بالقضية.»رد ياسين: «خالد كان شريك والدك، لكن نادر كان مختلفًا.»سأل آدم: «إيه اللي عمله نادر؟»قال سامر: «سرق نسخة من ملفات المشروع، واختفى بعدها.»«وفارس؟»«كان يحاول الوصول إليه.»«والدي؟»«كان يحاول يحمي خالد.»نظر آدم إلى الدفتر مرة أخرى، ثم وجد صفحة مطوية في الخلف. فتحها فوجد رسالة بخط والده:«آدم، إذا كنت تقرأ هذه الرسالة الآن، فهذا يعني أنك وصلت إلى البيت بعد أن أصبحت قادرًا على معرفة الحقيقة. لا تثق في أي شخص يقول لك إنه يعرف كل شيء عني. الحقيقة ليست عند شخص واحد، بل موزعة بين الأشخاص الذين عاشوا معي تلك الفترة. ابحث عن خالد، لأنه الوحيد الذي يعرف لماذا اختفيت.»رفع آدم رأسه وقال: «خالد لسه عايش.»قال سامر: «غالبًا.»«وفين؟»نظر ياسين إلى الأرض.قال آدم: «ياسين.»رفع ياسين عينيه.«إنت تعرف.»أجاب ياسين: «آخر مكان عرفت إنه كان فيه... بيت أخوه نادر.»اتسعت عينا آدم.«نادر؟»أومأ ياسين.«خالد كان بيدور على أخوه.»في تلك اللحظة سمعوا صوتًا من أسفل المنزل.باب يُفتح.توقف الجميع.قال يوسف بصوت منخفض: «إحنا مش لوحدنا.»أطفأ آدم المصباح، وأشار للجميع بالصمت. بدأت خطوات تصعد الدرج ببطء. خطوة وراء خطوة، حتى توقفت أمام باب الغرفة.لم يتحرك أحد.ثم ظهر ظل شخص تحت الباب.قال صوت من الخارج:«آدم... لو أنت جوه، اسمعني كويس.»اقترب آدم من الباب.كان الصوت لرجل لا يعرفه.قال الرجل:«أنا مش جاي أؤذيك.»رد آدم: «إذن مين أنت؟»قال الرجل:«أنا جاي أقولك إن خالد في خطر.»سأل آدم: «فينه؟»صمت الرجل لحظة، ثم قال:«في المكان اللي اختفى فيه والدك.»تجمد آدم.«فين؟»جاء الرد:«المستودع رقم 17.»ثم اختفى الصوت.فتح آدم الباب بسرعة، لكنه لم يجد أحدًا في الممر.ركض إلى أسفل المنزل، وخرج إلى الشارع، لكنه لم ير سوى سيارة سوداء تختفي عند نهاية الطريق.عاد إلى الغرفة، وأمسك الدفتر.لكن شيئًا آخر كان قد ظهر.كان هناك ورق صغير أسفل شريط التسجيل لم يلاحظه من قبل.كتب عليه والده:«إذا اضطررت للعودة إلى المستودع 17، لا تدخل من الباب الرئيسي.»نظر آدم إلى سامر.ثم قال:«واضح إن القضية رجعت لنقطة البداية.»أجابه سامر:«لا يا آدم...»نظر إليه آدم.قال سامر:«القضية ما رجعتش لنقطة البداية... إحنا أخيرًا وصلنا للمكان اللي بدأت منه كل حاجة.»وفي تلك اللحظة، بدأ شريط التسجيل الموجود داخل الصندوق يعمل من تلقاء نفسه.خرج صوت والد آدم من السماعة:«لو سمعت التسجيل ده، يبقى الوقت انتهى.»ثم انقطع التسجيل.نظر آدم إلى الجميع.وكان يعلم أن الفصل القادم لن يكون مجرد بحث عن خالد.بل عودة إلى المستودع رقم 17، المكان الذي اختفى فيه والده لأول مرة.نهاية الفصل الحادي عشر
محمد احمد سيف