ظل آدم واقفًا أمام والده، بينما كانت الرسالة على هاتفه مفتوحة أمام الجميع. كانت الجملة الأخيرة لا تزال واضحة على الشاشة:«والدك معك الآن... لكن هل أنت متأكد أنه والدك الحقيقي؟»لم يتحدث أحد.كان السؤال بسيطًا، لكنه هز كل ما كان آدم يعتقد أنه يعرفه. طوال السنوات الماضية كان يبحث عن والده، وعندما وجده أخيرًا، اكتشف أن هناك شخصًا يحاول التشكيك في هويته.قال آدم بصوت منخفض: «جاوبني يا بابا... إيه اللي حصل لك في الخمسة عشر سنة اللي اختفيت فيهم؟»ظل والده صامتًا.كرر آدم السؤال، لكن هذه المرة بصوت أقوى:«أنا استنيت خمس عشرة سنة عشان أعرف الحقيقة. مش هقبل إنك تسكت دلوقتي.»نظر والده إلى عينيه وقال: «أنا كنت أعرف إن اليوم ده هييجي.»قال آدم: «أي يوم؟»«اليوم اللي هتسألني فيه عن هويتي.»اقترب آدم منه.«إنت أبويا؟»صمت الرجل للحظات، ثم قال:«أيوه.»تنفس آدم بارتياح للحظة، لكنه لم يبعد عينيه عنه.«إذن ليه الرسالة قالت العكس؟»أجاب والده: «لأن الشخص اللي كتبها عايزك تشك في كل حاجة.»قال يوسف: «بس ممكن يكون عنده دليل.»التفت والد آدم إليه وقال: «عنده أدلة كثيرة، لكنها مش كلها حقيقية.»قال آدم: «طيب وريني الدليل الحقيقي.»أخرج والده من جيبه صورة قديمة جدًا.كانت صورة تجمعه بوالدة آدم وهو يحمل طفلًا صغيرًا.ناول الصورة لآدم.قال: «ده أنت.»نظر آدم إلى الصورة، ثم قال: «الصورة دي عندنا من زمان.»ابتسم والده.«لكن الصورة اللي وراها هي المهمة.»قلب آدم الصورة.وجد ورقة صغيرة ملصقة خلفها.كان مكتوبًا عليها:«آدم هو نقطة البداية... وليس الهدف.»قال آدم: «يعني إيه؟»أجاب والده: «يعني إنهم كانوا يعتقدون إنك مفتاح القضية، لكن الحقيقة إنك مجرد شاهد على شيء حصل وأنت طفل.»سأل آدم: «إيه الحاجة دي؟»قال والده: «في الليلة اللي اختفيت فيها، أنت شفت شخصًا يدخل البيت.»بدأت ذاكرة آدم تتحرك من جديد.باب يُفتح.صوت خطوات.رجل يتحدث مع والده.ثم سيارة سوداء.قال آدم: «أنا فاكر صوت.»«صوت مين؟»«كان بيقول لك: الملف لازم يخرج الليلة.»نظر والده إليه بدهشة.«إنت فاكر الكلام ده؟»قال آدم: «مش كله... بس فاكر الجملة.»تدخل سامر وقال: «والدك ما كانش متوقع إنك تفتكرها.»قال آدم: «إنت كنت تعرف؟»أجاب سامر: «كنت أعرف إنك سمعت شيئًا، لكن ما كنتش أعرف إيه.»قال آدم: «إذن الشخص اللي دخل البيت كان معاه الملف.»أومأ والده.«أيوه.»«ومين كان؟»صمت والده.قال آدم: «نادر؟»«لا.»«رائد؟»«لا.»«سامر؟»نظر سامر إلى آدم، لكنه لم يتحدث.قال آدم:«إذن مين؟»قال والده:«كان شخصًا من خارج المشروع.»سأل يوسف: «إيه اسمه؟»أجاب والد آدم:«كمال.»نظر آدم إلى ياسين.لاحظ أن وجهه تغير.قال آدم: «ياسين... إنت تعرف كمال؟»صمت ياسين.كرر آدم:«تعرفه؟»قال ياسين أخيرًا:«أيوه.»اقترب آدم منه.«مين كمال؟»أجاب ياسين:«كان مسؤول الاتصال بين مشروع 17 والجهة اللي كانت بتمول بعض عمليات المشروع.»قال آدم: «وليه ما سمعتش اسمه قبل كده؟»رد ياسين: «لأنه اختفى قبل ما تبدأ القضية رسميًا.»قال والد آدم: «كمال لم يختفِ.»نظر الجميع إليه.قال:«هو الذي كان يقود العملية من البداية.»ساد الصمت.قال يوسف: «بس ليه نادر ورائد كانوا ظاهرين في كل الأدلة؟»أجاب والد آدم:«لأن كمال كان يستخدمهم.»قال آدم: «وإنت كنت بتحاول توقفه؟»«أيوه.»«وهو اللي خلاك تختفي؟»«أيوه.»ثم أضاف:«لكن لم يكن وحده.»عاد آدم إلى الرسالة الموجودة على الهاتف.قال:«الشخص اللي بعت الرسالة عايزني أشك فيك.»أجاب والده:«لأنه يعرف أنك لو شككت فيّ، هتبدأ تدور على إجابات بعيدًا عني.»قال آدم: «وده ممكن يكون هو المطلوب.»«بالضبط.»في تلك اللحظة، رن هاتف يوسف.نظر إلى الشاشة.رقم مجهول.قال آدم: «رد.»فتح يوسف المكالمة ووضع الهاتف على السماعة الخارجية.جاء صوت رجل:«أنتم بتدوروا على كمال.»قال آدم:«أيوه.»«إذن اسمعوا كويس.»صمت الرجل لحظة.«كمال مش هو الشخص اللي لازم تخافوا منه.»سأل آدم:«مين إذن؟»قال الرجل:«الشخص اللي كان قريبًا من والدك أكثر من أي شخص آخر.»نظر آدم إلى سامر.ثم إلى ياسين.قال الرجل:«أنت عندك الإجابة قدامك.»انقطع الاتصال.قال يوسف:«واضح إنهم عايزين يوقعونا في بعض.»رد آدم:«أو بيقولوا الحقيقة.»نظر إلى سامر.«عايزك تجاوبني على سؤال واحد.»قال سامر:«اسأل.»«إنت كنت فين ليلة اختفاء أبويا؟»لم يجب سامر.قال آدم:«كنت معاه؟»«أيوه.»«وبعدين؟»«خرجت.»«لوحدك؟»صمت سامر.قال آدم:«سامر.»أجاب سامر:«لا.»تغير وجه آدم.«مين كان معاك؟»قال سامر:«شخص من المشروع.»«مين؟»قال سامر:«كمال.»ساد الصمت.قال آدم:«إذن إنت كنت تعرفه.»«أيوه.»«وقابلته بعد اختفاء أبويا؟»صمت سامر.عرف آدم الإجابة.قال:«قابلته.»أجاب سامر:«مرة واحدة.»«إمتى؟»«بعد اختفاء والدك بثلاثة أيام.»قال آدم: «وإنت أخفيت ده كل السنين دي؟»«لأن كمال هددني.»«هددك بإيه؟»قال سامر:«قال إنه لو تكلمت، هيكشف مكان والدك للناس اللي كانوا بيدوروا عليه.»نظر آدم إلى والده.ثم قال:«وإنت كنت عارف؟»أجاب والده:«نعم.»«وسبت سامر ساكت؟»«كنت أحتاجه حيًا.»تراجع آدم خطوة.كان يشعر أن كل إجابة تفتح عشرة أسئلة جديدة.وفجأة سمعوا صوت سيارة تتوقف أمام المبنى.نظر الجميع نحو النافذة.كانت سيارة سوداء.نزل منها رجل.كان يحمل حقيبة صغيرة.قال ياسين:«ده كمال.»اقترب آدم من النافذة.«متأكد؟»أجاب ياسين:«أيوه.»لكن والد آدم أمسك بذراع آدم وقال:«ما تخرجش.»«ليه؟»قال:«لأن كمال لا يعمل وحده.»سأل آدم:«مين معاه؟»نظر والده إلى السيارة.ثم قال:«نادر.»اتسعت عينا آدم.خرج الرجل من السيارة، ثم فتح الباب الخلفي.نزل رجل آخر.كان وجهه غير واضح بسبب الظلام.لكن آدم عرفه.نادر منصور.قال آدم:«هو حي فعلًا.»ثم سمعوا طرقًا على باب المنزل.ثلاث طرق متتالية.تبعها صوت رجل:«آدم... أنا عارف إنك جوه.»نظر آدم إلى والده.قال الرجل من الخارج:«لو عايز تعرف الحقيقة عن اختفاء والدك، افتح الباب.»ثم أضاف:«ولو ما فتحتش، هتفضل طول عمرك تصدق نصف الحقيقة فقط.»اقترب آدم من الباب.مد يده نحو المقبض.لكن والده قال:«آدم... مهما سمعت، لا تصدق أول كلمة يقولها.»توقف آدم.ثم فتح الباب.لكن لم يكن هناك أحد.كانت السيارة قد اختفت.وعلى الأرض أمام الباب كانت توجد حقيبة سوداء.فتحها آدم.وجد بداخلها عشرات الملفات.وفي أعلى ملف كان مكتوبًا:«القضية رقم 001 — آدم.»رفع آدم رأسه.قال:«إذن أنا كنت جزءًا من القضية من البداية.»نظر والده إليه.وقال:«لا يا آدم...»ثم أضاف:«أنت كنت السبب في أن القضية بدأت أصلًا.»نهاية الفصل الثامن عشر
محمد احمد سيف