اثر في الظلام

اثر في الظلام

7 0

لم يتحرك آدم من مكانه بعد أن اختفت السيارة في آخر الطريق، وظل ينظر إلى الساعة القديمة التي تركها الرجل أمامه، وكأنها تحمل الإجابة التي يبحث عنها منذ بداية القضية. كان سامر واقفًا بجانبه، بينما وقف ياسين ويوسف خلفهما، ولم يتحدث أحد لعدة ثوانٍ. قطع آدم الصمت أخيرًا وقال: «كفاية أسرار. من اللحظة دي، أي حاجة تعرفوها عن أبويا هتتقالي كاملة.» نظر سامر إليه وقال: «أنت مش مستعد تسمع كل حاجة.» رد آدم فورًا: «أنا مستعد من يوم ما بدأت القضية الأولى، بس أنتم اللي كل مرة بتقرروا إيه اللي أقدر أعرفه وإيه لأ.» لم يجد سامر ما يرد به، ففتح باب السيارة وقال: «نرجع للمكتب، وهناك هقولك كل اللي أعرفه.» لكن آدم هز رأسه وقال: «مش المكتب. المكان ده أكيد مراقب.» تدخل يوسف وقال: «عندي مكان آمن نقدر نتكلم فيه.» نظر آدم إليه، ثم وافق.

بعد حوالي نصف ساعة، وصلوا إلى شقة صغيرة قديمة في أحد الأحياء الهادئة. أغلق يوسف الباب جيدًا، ثم أطفأ هاتفه ووضعه فوق الطاولة. قال آدم: «ابدأ يا سامر.» جلس سامر أمامه، ووضع الساعة القديمة على الطاولة، ثم قال: «قبل ما أتكلم عن والدك، لازم تعرف إن مشروع 17 لم يبدأ بسبب الغراب الأسود. الغراب ظهر بعد بداية التحقيق، لكن المشروع نفسه بدأ بسبب قضية اختفاء ملفات من أرشيف الشرطة. في البداية اعتقدنا أن شخصًا يسرق معلومات بسيطة، لكننا اكتشفنا أن الملفات التي اختفت كانت مرتبطة بضباط وعمليات سرية وأسماء شهود.» سأله آدم: «ووالدي اكتشف الموضوع؟» أجاب سامر: «والدك كان أول شخص يربط كل الاختفاءات ببعضها. وبعد شهور من التحقيق، اكتشف أن هناك شخصًا داخل المؤسسة يملك صلاحية الوصول إلى الملفات قبل أن تختفي.» قال آدم: «مين الشخص ده؟» نظر سامر إليه وقال: «لم نعرف اسمه بشكل مؤكد، لكننا عرفنا شيئًا أخطر؛ الشخص لم يكن يعمل وحده.»

ظل آدم صامتًا، ثم قال: «طيب إيه علاقة خالد؟» أجاب سامر: «خالد كان أقرب شخص لوالدك في الفريق، وكان هو المسؤول عن متابعة الشخص الذي نشتبه فيه. وفي إحدى الليالي، أرسل خالد تقريرًا لوالدك يقول فيه إنه اقترب من معرفة الحقيقة. بعد ساعات اختفى خالد.» قال يوسف: «لكن خالد ظهر بعد كده.» رد سامر: «ظهر بعد سنوات، لكن وقتها كنا نعتقد أنه مات. المشكلة أن خالد عندما عاد لم يكن مستعدًا للكلام، وكان يعتقد أن هناك شخصًا يراقبه.» سأل آدم: «هل قابلته بعد رجوعه؟» صمت سامر قليلًا ثم قال: «مرة واحدة.» اقترب آدم منه وقال: «إمتى؟» أجاب سامر: «منذ حوالي شهر.»

رفع آدم رأسه بسرعة. «منذ شهر؟! وإنت كنت عارف إنه حي؟» قال سامر: «كنت أعرف أنه موجود، لكن لم أعرف مكانه الحالي.» رد آدم بغضب: «وليه ما قلتليش؟» أجاب سامر: «لأن خالد طلب مني ألا أخبرك.» سأل آدم: «ليه؟» قال سامر: «قال إنك لو عرفت مكانه، الأشخاص الذين يبحثون عنه سيعرفون أنك وصلت إليه، وساعتها هتكون أنت الهدف التالي.»

تدخل ياسين وقال: «خالد كان محقًا.» التفت إليه آدم وقال: «وأنت؟ إيه اللي تعرفه؟» نظر ياسين إلى الأرض وقال: «أعرف أن والدك لم يكن يهرب من المنظمة فقط، بل كان يحاول حماية شخص آخر.» سأل آدم: «مين؟» أجاب ياسين: «أنت.» وقف آدم من مكانه، وقال: «أنا؟» أومأ ياسين: «أبوك اكتشف أن خصومه بدأوا يبحثون عنك وأنت طفل، لأنهم كانوا يعتقدون أنك تملك شيئًا لا يعرفون مكانه.» قال آدم: «إيه هو؟» رد ياسين: «ما كانش شيء في يدك، كان شيء يخص والدك.» سأل آدم: «إيه؟» فقال ياسين: «دفتر.»

سكت آدم.

«أي دفتر؟»

قال ياسين: «دفتر صغير كان والدك يسجل فيه كل العمليات والمقابلات والأسماء. لكنه لم يكن مجرد دفتر ملاحظات. كان فيه نظام ترميز خاص، ووالدك كان الوحيد الذي يعرف طريقة قراءته.»

قال آدم: «فين الدفتر؟»

نظر ياسين إلى سامر.

هذه المرة لم يتكلم سامر.

فهم آدم أن هناك شيئًا يخفيانه.

قال بصوت أكثر هدوءًا: «فين الدفتر؟»

أجاب سامر: «مع والدك.»

«يعني إيه؟»

«آخر مرة شفته فيها كان الدفتر معاه.»

بدأ آدم يمشي داخل الغرفة، يحاول ترتيب المعلومات. والده اختفى، خالد اختفى ثم ظهر، فارس مات رسميًا لكنه ظهر أمامهم، وسامر يعرف أكثر مما قال، أما ياسين فقد ظل صامتًا خمسة عشر عامًا. كان كل شيء متشابكًا، لكن آدم شعر لأول مرة أن هناك خيطًا يمكن الإمساك به.

توقف فجأة وقال: «الساعة.»

نظر الجميع إليه.

رفع آدم الساعة القديمة وقال: «الساعة اللي ظهرت النهارده مش مجرد ذكرى. أبويا تركها لي، وعلى ظهرها رسالة. لازم يكون فيها شيء تاني.»

أخذ يوسف الساعة وبدأ يفحصها بعناية. قلبها، ثم ضغط على الجزء الخلفي منها، لكنه لم يحدث شيء. قال: «ممكن تكون مجرد ساعة قديمة.» رد آدم: «لا. الرجل اللي أعطاني إياها كان يعرف إنها مهمة.»

اقترب ياسين وأخذ الساعة منه. ظل يفحصها، ثم قال: «استنى.»

ضغط على طرف صغير في جانب الساعة.

انفتح الغطاء الخلفي.

ظهر تجويف صغير لم يكن واضحًا من قبل.

كان بداخله جزء من ورقة مطوية بعناية.

فتح آدم الورقة.

كانت عليها أرقام فقط:

4 - 11 - 17 - 25

قال يوسف: «أرقام المستودعات؟»

هز آدم رأسه.

«مش كلها. 4 و11 و17 و25... دي أرقام ظهرت في أماكن مختلفة خلال القضية.»

قال سامر: «والدك كان يستخدم الأرقام دي كعلامات.»

سأل آدم: «علامات على إيه؟»

أجاب سامر: «على طريق.»

نظر آدم إليه.

«أي طريق؟»

قال سامر: «الطريق الذي يؤدي إلى الشخص الذي كان يدير كل شيء.»

ساد الصمت.

قال آدم: «إذن إحنا كنا بندور على المنظمة غلط.»

أجاب سامر: «من البداية.»

في تلك اللحظة، صدر صوت طرق على الباب.

تجمد الجميع.

طرق الشخص مرة ثانية.

قال يوسف بصوت منخفض: «محدش يعرف إننا هنا.»

أشار آدم للجميع أن يلتزموا الصمت، ثم اقترب من الباب ونظر من العين السحرية.

لم ير أحدًا.

فتح الباب قليلًا.

لم يكن هناك أحد.

لكن على الأرض كان يوجد ظرف بني صغير.

التقطه آدم وأغلق الباب.

فتح الظرف.

وجد بداخله صورة حديثة.

صورة لثلاثة أشخاص يدخلون المبنى: آدم، يوسف، وياسين.

أما سامر فلم يكن في الصورة.

قال يوسف: «الصورة اتصورت من إمتى؟»

قلب آدم الصورة.

وجد التاريخ مكتوبًا خلفها:

اليوم.

ثم لاحظ شيئًا آخر.

في أسفل الصورة كان هناك عنوان:

مستشفى النور القديم.

قال ياسين: «ده مكان مهجور من سنين.»

سأل آدم: «إيه علاقته بالقضية؟»

أجاب سامر بعد صمت طويل: «والدك كان بيروح هناك.»

نظر آدم إليه.

«إمتى؟»

قال سامر: «قبل اختفائه مباشرة.»

قرر آدم الذهاب فورًا، لكن سامر أوقفه وقال: «لو رحنا هناك، لازم نكون مستعدين إننا نلاقي الشخص اللي كنا بندور عليه.»

سأل آدم: «مين؟»

قال سامر:

«الشخص الذي كان آخر واحد مع والدك قبل اختفائه.»

وصلوا إلى المستشفى بعد منتصف الليل بقليل. كان المبنى مهجورًا، والنوافذ مكسورة، والباب الرئيسي مفتوحًا. دخلوا بحذر، وكانت رائحة المكان قديمة، بينما كانت ممراته مظلمة تمامًا. قادهم سامر إلى الطابق الثاني، ثم توقف أمام غرفة تحمل رقم 11.

قال آدم: «11.»

أومأ سامر.

فتح الباب.

كانت الغرفة فارغة، إلا من مكتب صغير.

اقترب آدم منه، وفتح أحد الأدراج.

وجد دفترًا.

أمسكه.

كان الغلاف أسود.

وعليه حرف واحد:

M

نظر آدم إلى سامر.

«دفتر أبويا؟»

قال سامر: «أيوه.»

فتح آدم الصفحة الأولى، لكنه وجدها فارغة.

قلب الصفحة الثانية.

فارغة.

الثالثة.

فارغة.

ثم قال ياسين: «جرب تقلب الصفحات من الآخر.»

فعل آدم.

في آخر الدفتر وجد صفحة واحدة مكتوبة.

كانت تحتوي على جملة قصيرة:

«إذا وجدت الدفتر، فهذا يعني أنني لم أستطع العودة. لا تبحث عني... ابحث عن الرجل الذي يملك المفتاح.»

رفع آدم رأسه.

قال يوسف: «المفتاح اللي معاك.»

أخرج آدم المفتاح القديم الذي وجده في المستودع.

نظر إليه.

ثم لاحظ رقمًا صغيرًا محفورًا عليه.

4.

قال آدم: «المفتاح مش للمستودع 25.»

سأله سامر: «لأي مكان؟»

رفع آدم عينيه وقال:

«للمكان رقم 4.»

وقبل أن يتحرك أحد، سمعوا صوت خطوات في الممر.

خطوة...

ثم خطوة أخرى...

اقترب الصوت من الغرفة.

رفع آدم سلاحه.

توقف الجميع عن الكلام.

ظهر ظل شخص خلف الباب.

ثم سمع آدم صوتًا هادئًا يقول:

«لو عايز تعرف الحقيقة عن والدك، لازم تعرف الأول مين قتله.»

تجمد آدم.

كان الصوت مألوفًا.

فتح الباب ببطء.

لكن الغرفة أمامه كانت فارغة.

لم يكن هناك أحد.

فقط ورقة على الأرض.

التقطها آدم.

كان مكتوبًا عليها:

«المكان رقم 4 — غدًا، الساعة العاشرة مساءً.»

وفي أسفل الورقة اسم واحد:

خالد منصور.

نظر آدم إلى الجميع، ثم أغلق الدفتر وقال:

«المرة دي مش هنروح ندور على خالد.»

توقف لحظة.

«خالد هو اللي عايزنا نروح له.»

نهاية الفصل الثامن

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

المحقق ادم القضيه رقم002/لغز الغرفه الصامته

المؤلف محمد احمد سيف
2026/08/23 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة