الفصل الثالث: الشاهد الأخير
لم يغادر آدم مبنى رقم 17.
كان واقفًا في القبو، والملف القديم بين يديه، بينما تتردد في رأسه الكلمات التي سمعها قبل دقائق:
"لا تثق بي."
كان صوت يوسف بلا شك.
لكن لماذا قالها؟
ولمن كان يحذره؟
رفع آدم هاتفه وحاول الاتصال به مرة أخرى.
لا توجد إشارة.
نظر إلى شاشة الهاتف.
02:13 صباحًا.
كان قد مر أكثر من ساعة منذ وصوله إلى المبنى، لكنه شعر وكأن الوقت توقف.
أعاد النظر إلى الملف الذي وجده في الخزانة رقم 17.
كان الملف يحتوي على صور قديمة وتقارير مرتبطة بمشروع سري يعود إلى خمسة عشر عامًا.
لكن هناك شيء واحد لم يفهمه.
لماذا كانت صورة يوسف موجودة داخل الملف؟
يوسف لم يكن ضابطًا.
ولم يكن جزءًا من الشرطة.
فكيف ظهرت صورته في ملف سري قبل سنوات من بداية صداقته بآدم؟
أعاد آدم قراءة الصفحة التي تحمل صورة يوسف.
تحتها جملة قصيرة:
"المراقبة تبدأ عند بلوغ الهدف سن الخامسة عشرة."
توقف آدم.
ثم نظر إلى التاريخ.
الصورة التقطت قبل سنوات طويلة.
كان يوسف في الصورة طفلًا.
قال آدم بصوت منخفض:
- "إيه اللي كانوا بيراقبوه فيك؟"
سمع صوتًا خلفه.
- "السؤال ده أنا نفسي معرفش إجابته."
استدار آدم بسرعة.
كان ياسين يقف عند مدخل القبو.
هذه المرة لم يختفِ.
ولم يكن يحمل سلاحًا.
كان يقف بهدوء، وكأنه يعرف أن آدم لن يهاجمه.
رفع آدم المصباح نحوه.
- "أنت."
قال ياسين:
- "أيوه."
- "أنت اللي جبتني هنا."
- "لا."
- "أنت اللي خطفت يوسف؟"
هز ياسين رأسه.
- "برضه لا."
اقترب آدم منه.
- "إذن أنت بتعمل إيه هنا؟"
صمت ياسين للحظات.
ثم قال:
- "بحاول أمنعك من ارتكاب نفس الخطأ اللي ارتكبه والدك."
تغيرت ملامح آدم.
- "متجيبش سيرة والدي إلا لو عندك حاجة حقيقية تقولها."
أخرج ياسين صورة قديمة من جيبه.
أعطاها لآدم.
كانت الصورة لوالده وهو يقف أمام المبنى رقم 17.
لكن هذه المرة كان بجواره شخص آخر.
رجل مجهول.
وعلى ظهر الصورة جملة مكتوبة بخط والد آدم:
"إذا حدث لي شيء، لا تسلم الملف إلى سامر."
ظل آدم صامتًا.
رفع عينيه نحو ياسين.
- "من كتب الجملة دي؟"
- "والدك."
- "وأنت تعرفه؟"
- "كنت أعمل معه."
اقترب آدم أكثر.
- "كنت إيه بالضبط؟"
تنهد ياسين.
- "كنت واحدًا من أفراد الفريق."
- "فريق مشروع 17؟"
أومأ.
- "أيوه."
بدأت الصورة تتضح أمام آدم.
والده.
سامر.
ياسين.
مشروع سري.
ومبنى ظل مغلقًا لمدة خمسة عشر عامًا.
لكن شيئًا لم يكن منطقيًا.
قال آدم:
- "لو كنت واحدًا منهم، ليه فضلت ساكت كل السنين دي؟"
نظر ياسين إلى الأرض.
- "لأني كنت جبان."
صمت.
ثم أكمل:
- "أو يمكن كنت فاكر إن السكوت هيحميني."
- "من مين؟"
رفع ياسين عينيه.
- "من نفس الشخص اللي قتل باقي أعضاء الفريق."
تجمد آدم.
- "كم واحد مات؟"
- "أربعة."
- "والخامس؟"
لم يجب ياسين.
قال آدم:
- "والدي؟"
هز ياسين رأسه.
- "والدك لم يكن الخامس."
اقترب آدم خطوة.
- "إذن مين؟"
قال ياسين:
- "أنا."
ساد الصمت.
نظر آدم إلى ياسين بدهشة.
- "إنت؟"
ابتسم ياسين بحزن.
- "الناس كلها اعتقدت إني مت."
- "لكن أنت حي."
- "لأنني جعلتهم يعتقدون ذلك."
بدأ آدم يفهم لماذا كان الرجل يعرف الكثير عن المشروع.
قال:
- "إذن أنت كنت مختبئًا."
- "خمسة عشر سنة."
- "وليه ظهرت دلوقتي؟"
نظر ياسين إلى الملف.
- "لأنهم بدأوا يتحركون من جديد."
- "مين؟"
لم يجب.
قال آدم:
- "الغراب الأسود؟"
رد ياسين:
- "لا."
كانت الإجابة مفاجئة.
- "الغراب الأسود كان جزءًا من الصورة فقط."
تغير وجه آدم.
- "جزء؟"
- "المنظمة التي طاردتها في القضية الأولى كانت مجرد ذراع."
أغلق آدم الملف ببطء.
- "واليد؟"
قال ياسين:
- "أكبر مما تتخيل."
وقبل أن يكمل...
سمع الاثنان صوت محرك سيارة بالخارج.
نظر آدم إلى ياسين.
- "حد جه."
أومأ ياسين.
- "لازم نخرج."
صعد الاثنان الدرج بسرعة.
عندما وصلا إلى الطابق الأرضي، رأيا ضوء سيارات يتحرك خلف النوافذ.
قال آدم:
- "شرطة؟"
نظر ياسين من النافذة.
- "لا."
- "إزاي عرفت؟"
- "لأن الشرطة لا تطفئ أنوار سياراتها عندما تقترب."
أخرج آدم سلاحه.
ثم قال:
- "كام واحد؟"
نظر ياسين إلى الخارج.
- "ثلاث سيارات."
- "عددهم؟"
- "مش أقل من ستة."
قال آدم:
- "وأنت؟"
أجاب ياسين:
- "أنا عندي طريق للخروج."
- "وأنا؟"
ابتسم ياسين.
- "هتخرج معايا لو وثقت فيّ."
رد آدم:
- "أنا مش بثق فيك."
- "وده بالضبط اللي كان والدك عايزه."
فتح ياسين بابًا جانبيًا مخفيًا خلف لوحة قديمة.
دخل آدم خلفه.
كان هناك ممر ضيق يؤدي إلى خارج المبنى.
لكن قبل أن يخرج آدم، سمع صوتًا من الداخل.
صوت رجل يصرخ:
- "فتشوا المبنى!"
ثم بدأت أصوات الأقدام تقترب.
ركض آدم وياسين في الممر.
كان ضيقًا ومظلمًا.
وصلوا إلى باب حديدي.
فتحه ياسين.
خرج الاثنان إلى شارع خلفي.
كانت هناك سيارة قديمة متوقفة.
قال ياسين:
- "اركب."
صعد آدم.
انطلق ياسين بسرعة.
وبعد ثوانٍ، بدأت سيارة سوداء تلاحقهما.
نظر آدم إلى الخلف.
- "شافونا."
قال ياسين:
- "كنت عارف."
- "يمين!"
انحرفت السيارة إلى شارع جانبي.
لكن السيارة السوداء تبعتها.
قال آدم:
- "مين دول؟"
- "ناس مش عايزينك تعرف الحقيقة."
- "دي إجابة مش كفاية."
- "هتكون كفاية لما تعرف مين اللي بيمولهم."
استمر المطاردون خلفهما.
كان الطريق ضيقًا، والسيارة السوداء تقترب.
فتح آدم النافذة.
نظر إلى السيارة.
كان هناك شخص يجلس في المقعد الخلفي.
لم ير وجهه.
لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا.
وشم الغراب الأسود على يده.
قال آدم:
- "الغراب الأسود."
رد ياسين:
- "قلت لك إنهم مجرد ذراع."
وفجأة انحرفت سيارة المطاردين إلى شارع آخر.
اختفت.
هدأت المطاردة.
لكن آدم لم يشعر بالراحة.
بعد دقائق، أوقف ياسين السيارة أمام منزل قديم.
قال:
- "هنا هتلاقي أول إجابة."
دخل آدم المنزل.
كان المكان بسيطًا، لكنه مليء بالكتب والملفات.
أشعل ياسين المصباح.
ثم فتح خزانة.
أخرج صندوقًا خشبيًا.
وضعه أمام آدم.
قال:
- "ده كان ملك والدك."
فتح آدم الصندوق.
وجد بداخله ساعة قديمة، وبعض الصور، ومفتاحًا صغيرًا، وشريط تسجيل.
رفع آدم الشريط.
- "إيه ده؟"
قال ياسين:
- "آخر تسجيل تركه والدك قبل اختفائه."
توقف آدم.
- "اختفائه؟"
نظر ياسين إليه.
- "أبوك لم يمت يا آدم."
سقط الصمت في الغرفة.
ظل آدم ينظر إليه.
ثم قال:
- "إنت بتقول إيه؟"
- "بقول إنك قضيت سنين تصدق قصة لم تكن حقيقية."
أمسك آدم بالصندوق بقوة.
- "أثبت."
أشار ياسين إلى جهاز التسجيل القديم.
وضع آدم الشريط بداخله.
ضغط زر التشغيل.
صدر صوت تشويش.
ثم...
ظهر صوت والده.
هادئًا.
واضحًا.
حقيقيًا.
قال:
- "إذا كنت تسمع هذا التسجيل، فهذا يعني أنني لم أستطع العودة."
تجمد آدم.
أكمل الصوت:
- "يا آدم... عندما تكبر، قد تسمع أشياء كثيرة عني."
توقف التسجيل لثوانٍ.
ثم عاد الصوت:
- "لا تصدق أنني تركتك."
نظر آدم إلى ياسين.
كان ياسين يراقبه في صمت.
تابع التسجيل:
- "كنت أحاول حمايتك."
ثم جاء صوت طرق في خلفية التسجيل.
تغير صوت والده.
أصبح أكثر توترًا.
- "لقد وصلوا."
ثم سمع آدم جملة أخيرة:
"إذا عاد مشروع 17... ابحث عن خالد منصور."
توقف التسجيل.
ظل آدم صامتًا.
ثم قال:
- "خالد..."
كان الاسم نفسه الذي ظهر في نهاية القضية الأولى.
والآن يعود مرة أخرى.
قال ياسين:
- "أبوك كان يعرف أن خالد هو المفتاح."
سأل آدم:
- "أين خالد الآن؟"
نظر ياسين إليه.
ثم قال:
- "لو كنت أعرف، كنت أخبرتك."
وقف آدم.
- "إذن نبدأ من جديد."
- "من أين؟"
رفع آدم المفتاح الصغير الذي وجده داخل الصندوق.
كان عليه رقم:
17
ثم نظر إلى ياسين.
- "من المكان اللي بدأ منه كل شيء."
وفي اللحظة نفسها، وصل إشعار إلى هاتف آدم.
رسالة من رقم مجهول.
فتحها.
كانت تحتوي على صورة.
يوسف.
وكان واقفًا هذه المرة، لكنه لم يكن وحده.
بجواره رجل يرتدي بدلة سوداء.
وتحت الصورة جملة واحدة:
"إذا أردت استعادة صديقك، تعال إلى محطة القطار القديمة قبل شروق الشمس."
نظر آدم إلى الساعة.
كانت الرابعة وخمسين دقيقة صباحًا.
بقي أقل من ساعة على شروق الشمس.
أغلق الهاتف.
وقال:
- "أنا رايح."
أجاب ياسين:
- "وأنا جاي معاك."
نظر آدم إليه.
- "المرة دي... أنا اللي هطلب منك تثق فيّ."
ابتسم ياسين.
- "اتفقنا."
لكن آدم لم يكن يعرف أن الرسالة التي وصلت إليه لم تكن مجرد دعوة لإنقاذ يوسف.
كانت بداية أول مواجهة حقيقية في القضية رقم 002.
وفي مكان آخر، داخل عربة قطار مهجورة، جلس يوسف في الظلام.
رفع رأسه عندما سمع خطوات تقترب.
فتح رجل الباب.
قال يوسف:
- "آدم جاي، صح؟"
ابتسم الرجل.
- "نعم."
ثم وضع أمامه ملفًا أسود.
وعلى غلافه:
المحقق آدم — القضية رقم 002.
قال الرجل:
- "لكن عندما يصل... لن يكون آدم الذي تعرفه."
نهاية الفصل الثالث
محمد احمد سيف