كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة مساءً عندما وصلت سيارة آدم إلى محطة القطار المركزية. أوقف السيارة بعيدًا عن المدخل الرئيسي، ثم ظل للحظات ينظر إلى المحطة من خلف الزجاج. كانت المحطة مزدحمة بالمسافرين، والقطارات تدخل وتغادر، والأصوات في كل مكان، لكن آدم لم يكن يرى أي شيء من ذلك. كان تركيزه كله على الصورة التي تركها خالد وعلى الجملة المكتوبة خلفها: «إذا وصلت إلى هذه الصورة، فلا تبحث عني وحدك.» وضع الصورة داخل جيبه، ثم التفت إلى يوسف وقال: «هننفذ اللي قاله خالد بالضبط، هنروح الرصيف الثالث مع بعض، ومحدش يتحرك لوحده.» قال يوسف: «وأنا متأكد إن الشخص اللي مستنينا هناك عارف إننا جايين.» رد آدم: «أنا كمان متأكد.»نزل الأربعة من السيارة واتجهوا إلى المحطة. كان سامر يمشي خلف آدم بصمت، بينما كان ياسين يراقب المكان بعناية، ويوسف ينظر إلى الوجوه المحيطة بهم. وصلوا إلى الرصيف الثالث، لكن لم يكن هناك شيء غريب. مسافرون ينتظرون القطار، موظفون يتحركون بين العربات، وبائع يقف بالقرب من أحد الأعمدة. قال ياسين: «مفيش حد واضح إنه مستنينا.» رد آدم: «يبقى لازم ندور على العلامة اللي تركها أبويا.»أخرج الصورة ونظر إليها مرة أخرى. كانت صورة قديمة لمحطة القطار، ووالده يقف في مكان محدد بجوار عمود حجري، وبجانبه الرجل المجهول. بدأ آدم يقارن الصورة بالمكان الحقيقي، ثم تحرك ببطء حتى وصل إلى نفس العمود. لمس سطحه، فوجد خدشًا صغيرًا على شكل حرف M. قال آدم: «هنا.» اقترب يوسف منه، وقال: «إيه ده؟» أجاب آدم: «علامة أبويا.» بدأ يفحص العمود، حتى وجد فتحة صغيرة أسفل الحافة. أدخل المفتاح الذي حصل عليه في المستودع، فانفتح جزء صغير من العمود وظهر بداخله ظرف أسود.أخرج آدم الظرف، لكنه لم يفتحه مباشرة. نظر إلى سامر وقال: «كنت تعرف عن المكان ده؟» أجاب سامر: «لا.» قال آدم: «والدي كان مخبي حاجات كتير عنكم.» رد سامر: «كان بيخفيها عنا عشان يحمي المشروع.» قال آدم: «أو عشان كان عارف إن واحد منكم هو الخائن.» لم يرد سامر.فتح آدم الظرف، فوجد بداخله بطاقة قطار قديمة، وتذكرة سفر لم تُستخدم، وصورة صغيرة لطفل يقف بجوار رجل يشبه والده. قلب الصورة، فوجد عبارة مكتوبة: «لا تثق في الصورة الأولى.» قال يوسف: «يعني إيه؟» رد آدم: «يعني إن الصورة اللي معانا مش كاملة.»نظر إلى البطاقة، فوجد رقمًا مطبوعًا عليها: 417. قال ياسين: «ده رقم عربة.» رفع آدم رأسه: «قطار؟» أومأ ياسين: «غالبًا.» نظر آدم إلى لوحة المواعيد، فوجد أن قطارًا سيغادر بعد عشر دقائق، وكانت إحدى عرباته تحمل الرقم 417 في نظام المحطة. قال آدم: «إذن أبويا كان عايزنا نركب القطار.»قال سامر: «أو كان عايز يخلينا نعتقد كده.»نظر إليه آدم وقال: «مش هنعرف غير لما نشوف.»ركبوا القطار قبل موعد المغادرة بدقائق. كانت العربة شبه خالية، واختاروا مقاعد متقابلة. جلس آدم بجوار النافذة، بينما جلس يوسف أمامه، وياسين وسامر في الجهة الأخرى. تحرك القطار ببطء، وبدأت المحطة تختفي خلفهم.قال يوسف: «لو الشخص اللي مستنينا موجود هنا، إزاي هنلاقيه؟»أجاب آدم: «هو اللي هيلاقينا.»وبعد دقائق، جلس رجل مسن في المقعد المجاور لآدم. لم ينظر إليه، وظل يقرأ جريدة قديمة.قال الرجل بهدوء: «أنت ابن محمد، صح؟»تجمد آدم.نظر إليه وقال: «إنت مين؟»ابتسم الرجل وقال: «كنت مستني السؤال ده.»أخرج آدم الصورة من جيبه ووضعها أمامه.نظر الرجل إليها، ثم قال: «كنت عارف إنك هتجيبها.»سأل آدم: «تعرف أبويا؟»أجاب الرجل: «عرفته قبل ما تكون موجود.»قال آدم: «فين هو؟»نظر الرجل حوله، ثم قال: «مش هنا.»غضب آدم وقال: «أنا مش جاي ألعب ألغاز.»رد الرجل: «وأبوك ما كانش بيلعب ألغاز. كان بيحاول يسيب لك طريق يوصل للحقيقة من غير ما يعرّضك للخطر.»سأل آدم: «إنت اسمك إيه؟»قال الرجل: «محمود.»تدخل سامر فجأة: «محمود؟»نظر الرجل إليه.«أنت لسه فاكرني يا سامر؟»تغير وجه سامر.وقف آدم فورًا.«إنت تعرفه؟»قال سامر: «أيوه.»سأل آدم: «مين هو؟»أجاب سامر بصوت منخفض: «كان مسؤول الأرشيف السري في مشروع 17.»نظر آدم إلى محمود.«إذن أنت تعرف كل الملفات.»قال محمود: «كنت أعرفها.»«والآن؟»«الملفات لم تعد عندي.»سأله آدم: «مين أخذها؟»قال محمود: «والدك.»توقف آدم.«أبي؟»«نعم.»قال محمود: «قبل اختفائه بأيام، والدك جاء إليّ وأخذ نسخة من أهم ملف في المشروع.»سأل آدم: «إيه الملف؟»قال محمود: «أسماء الأشخاص الذين كانوا يتعاملون مع المنظمة.»«وفين الملف دلوقتي؟»ابتسم محمود وقال: «مع الشخص الذي لم يستطع والدك الوثوق به.»نظر آدم إلى سامر.ثم إلى ياسين.ثم إلى يوسف.قال: «مين؟»لم يجب محمود.لكن قبل أن يتكلم، توقف القطار فجأة.انطفأت الأنوار.صرخ بعض الركاب.قال ياسين: «في حاجة غلط.»وقف آدم.ثم سمع صوتًا في آخر العربة.خطوات تقترب.قال محمود: «وصلوا.»سأل آدم: «مين؟»قال محمود: «الأشخاص الذين لا يريدونك أن تصل إلى والدك.»ظهر رجلان في نهاية العربة.اقتربا بسرعة.تحرك آدم ويوسف لحماية محمود، بينما وقف سامر وياسين في الجهة الأخرى.قال أحد الرجلين: «محمود، انتهى الوقت.»رد محمود: «الوقت انتهى من خمسة عشر سنة.»بدأ التوتر يزداد، لكن آدم لاحظ أن الرجلين لا يحاولان الاقتراب من محمود، بل كانا يراقبان سامر.فجأة قال آدم: «استنوا.»نظر الجميع إليه.قال آدم: «أنتم مش جايين عشان محمود.»لم يرد أحد.نظر آدم إلى سامر.ثم قال: «أنتم جايين عشانه.»رفع سامر عينيه.وفي اللحظة نفسها، قال أحد الرجلين:«سامر يعرف أين يوجد الملف.»تجمد الجميع.قال آدم: «أي ملف؟»لم يجب الرجل.نظر آدم إلى سامر.«إنت كنت مخبي الملف؟»قال سامر: «آدم، اسمعني.»«جاوبني.»«الملف مع شخص آخر.»«مين؟»صمت سامر.قال آدم: «مين؟»نظر سامر إلى محمود.ثم قال:«والدك.»ساد الصمت.قال آدم: «إنت قلت إنك مش عارف مكانه.»أجاب سامر: «لأني فعلًا مش عارف.»«لكن تعرف إنه معاه.»«آخر مرة شفته فيها كان الملف معاه.»قبل أن يكمل، عاد القطار للتحرك فجأة، وانطفأت الأنوار مرة أخرى.وفي الظلام، سمع آدم صوتًا قريبًا جدًا من أذنه:«أبوك مش في المكان اللي فاكره.»ثم عادت الإضاءة.كان الرجلان قد اختفيا.ومحمود أيضًا.نظر آدم حوله بدهشة.قال يوسف: «محمود اختفى.»لكن آدم لم يكن ينظر إلى المقاعد.كان ينظر إلى سامر.لأن في يد سامر شيئًا لم يكن معه قبل دقائق.الملف الأسود.اقترب آدم منه ببطء.قال: «إنت قلت إن الملف مع أبويا.»نظر سامر إلى الملف.ثم قال:«كان معاه.»رد آدم: «ودلوقتي معاك.»لم يجب سامر.فتح آدم الملف بسرعة، لكن الصفحات الأولى كانت فارغة.قلبها واحدة تلو الأخرى.وفي الصفحة الأخيرة وجد صورة.صورة لوالده.وخلفه مكان لم يره آدم من قبل.وعلى الصورة تاريخ حديث:2026/08/27وتحتها جملة واحدة:«أنا قريب منك أكثر مما تتخيل.»رفع آدم رأسه ببطء.وقال:«أبويا لسه عايش.»نظر سامر إليه، ولم ينكر هذه المرة.ثم قال:«أيوه.»توقف آدم.«وأنت كنت عارف.»أجاب سامر:«كنت أعرف إنه حي.»سأل آدم:«وفين هو؟»نظر سامر إلى النافذة، ثم قال:«في المكان اللي بدأت منه القضية كلها.»قال آدم:«المبنى رقم 17؟»هز سامر رأسه.«لا.»ثم أضاف:«بيته القديم.»رفع آدم رأسه فجأة.كان المنزل الذي عاش فيه طفولته.المنزل الذي ظن أن والده تركه إلى الأبد.لكن آدم لم يكن يعرف أن هناك غرفة واحدة في ذلك البيت لم يدخلها منذ اختفاء والده.غرفة أغلقها والده بنفسه قبل خمسة عشر عامًا.والآن...قد تكون تلك الغرفة هي المكان الذي خبأ فيه أكبر أسرار القضية.نهاية الفصل العاشر
محمد احمد سيف