المكان رقم 4

المكان رقم 4

6 0

لم ينم آدم تلك الليلة. جلس أمام المكتب في الشقة القديمة، ودفتر والده مفتوح أمامه، بينما كانت الساعة تقترب من الثالثة صباحًا. أعاد قراءة الجملة الموجودة في آخر صفحة للمرة العاشرة، لكنه لم يجد فيها شيئًا جديدًا: «إذا وجدت الدفتر، فهذا يعني أنني لم أستطع العودة. لا تبحث عني... ابحث عن الرجل الذي يملك المفتاح.» وضع آدم القلم على الطاولة وقال: «كل خطوة بنعملها بتقربنا من أبويا، وفي نفس الوقت بتخلينا نكتشف إننا كنا فاهمين كل حاجة غلط.» كان يوسف جالسًا على المقعد المقابل، فقال: «المشكلة إننا مش عارفين مين نثق فيه.» نظر آدم إلى ياسين الذي كان يقف بجوار النافذة، ثم قال: «عشان كده المرة دي محدش هيتحرك لوحده.»استدار ياسين وقال: «المكان رقم 4 مش سهل.» سأله آدم: «إيه اللي تعرفه عنه؟» أجاب ياسين: «كان واحدًا من الأماكن المستخدمة في بداية مشروع 17، لكنه لم يكن مستودعًا عاديًا. كان مركزًا صغيرًا لحفظ الأدلة التي لا يمكن وضعها في الأرشيف الرسمي.» قال يوسف: «يعني إيه أدلة سرية؟» أجاب ياسين: «أدلة على أشخاص لم يكن مسموحًا بذكر أسمائهم في التقارير.» سأل آدم: «وهل والدي كان يعرف المكان؟» قال ياسين: «والدك هو اللي أنشأه.»في اليوم التالي، بدأ آدم يراجع كل ما يملكه من معلومات. وضع الصور القديمة بجانب بعضها، ثم رتب أسماء أعضاء مشروع 17 وتواريخ اختفائهم. لاحظ أن هناك شيئًا مشتركًا بينهم جميعًا: كل شخص اختفى بعد أن اكتشف جزءًا من الحقيقة، لكن خالد كان الوحيد الذي ظهر بعد سنوات. كتب آدم اسم خالد في منتصف الورقة، ثم رسم حوله دائرة، ووضع بجانبه أسماء والده وسامر وياسين وفارس. بعد دقائق قال: «كل الطرق بتوصل لخالد.» رد يوسف: «أو شخص عايزنا نفتكر إن كل الطرق بتوصل له.» ابتسم آدم وقال: «وده بالضبط اللي هنكتشفه الليلة.»في العاشرة إلا عشر دقائق، وصلوا إلى المكان رقم 4. كان عبارة عن مبنى قديم خلف منطقة صناعية، تحيط به أسوار عالية وبوابة حديدية ضخمة. لم يكن هناك أي ضوء في الداخل، لكن الباب كان مفتوحًا. دخل آدم أولًا، ثم يوسف، ثم ياسين وسامر. قال سامر: «أنا أول مرة أدخل هنا من سنين.» رد آدم: «بس تعرف المكان كويس.» قال سامر: «كنت أعرفه زمان، لكن كل حاجة اتغيرت.» أضاء آدم المصباح وتحركوا داخل ممر طويل، وكانت الجدران مغطاة بعلامات وأرقام قديمة. توقف آدم أمام علامة محفورة في الحائط: 17-04، وتحتها حرف M. قال: «أبويا كان هنا.» أجاب سامر: «أيوه.»في نهاية الممر وجدوا غرفة صغيرة. كان بابها مفتوحًا، وفي الداخل مكتب وكرسيان وملف واحد فوق الطاولة. اقترب آدم ببطء، ثم فتح الملف. وجد عشرات الصور، بعضها لوالده، وبعضها لسامر وياسين وخالد، لكن في آخر مجموعة من الصور ظهر شيء لم يتوقعه أحد: صورة لآدم نفسه وهو طفل، وكان والده يقف بعيدًا عنه ويراقبه من سيارة متوقفة أمام المدرسة. أمسك آدم بالصورة وظل ينظر إليها طويلًا، ثم قال: «هو كان بيراقبني؟» أجاب سامر: «كان بيحميك.» رد آدم: «من إيه؟» قال سامر: «من الأشخاص اللي كانوا بيدوروا عليه.»قلب آدم الصورة، فوجد تاريخًا مكتوبًا خلفها، ثم وجد جملة بخط والده: «لم يقتربوا منه حتى الآن.» شعر آدم بثقل في صدره، لكنه تابع البحث. وجد صورة أخرى له في مكان مختلف، ثم ثالثة، ثم رابعة. كان والده يتابعه لسنوات دون أن يعرف آدم شيئًا. قال يوسف: «واضح إنه كان قريب منك أكتر مما كنت فاكر.» رد آدم: «بس ليه ما رجعش؟» لم يجب أحد.وفجأة سمعوا صوتًا من الغرفة المجاورة. لم يكن صوت خطوات هذه المرة، بل صوت شخص يتحدث. اقترب آدم من الباب، وسمع بوضوح: «كنت عارف إنك هتيجي يا آدم.» فتح الباب بسرعة، فوجد رجلًا يجلس في الظلام. أضاء آدم المصباح، وظهر وجهه.كان خالد منصور.وقف آدم أمامه للحظات دون كلام، ثم قال: «أخيرًا.» ابتسم خالد وقال: «أبوك كان دايمًا بيقول إنك هتكون أذكى منه.» رد آدم: «أنا مش جاي أسمع كلام عن والدي. أنا جاي أعرف هو فين.» قال خالد: «وأنا جاي أقولك إنك لو عايز توصله، لازم توقف البحث عنه بالطريقة اللي أنت ماشي بيها.»اقترب آدم منه وقال: «إنت عارف مكانه.» أجاب خالد: «أعرف آخر مكان كان فيه.» سأله آدم: «فين؟» قال خالد: «قبل أربعة أيام، كان في المدينة.» تجمد آدم، لأنه سمع نفس المعلومة من قبل. قال: «ومين كان معاه؟» نظر خالد إلى سامر، ثم إلى ياسين، وقال: «شخص واحد.» سأل آدم: «مين؟» أجاب خالد: «فارس نادر.»ساد الصمت.قال سامر: «فارس مات.» رد خالد: «الاسم اللي مات هو فارس نادر، لكن الشخص اللي بيستخدم الاسم ده دلوقتي شيء تاني.» قال آدم: «يعني مين اللي شفناه؟» أجاب خالد: «ده السؤال اللي لازم تجاوب عليه بنفسك.»وضع خالد ملفًا أمام آدم وقال: «افتحه.» فتح آدم الملف، فوجد تقريرًا قديمًا عن فارس. كانت هناك صورة له، وتاريخ ميلاده، وتاريخ اختفائه، لكن في آخر الصفحة ظهرت ملاحظة بخط يد والده: «فارس لم يمت. تم تغيير هويته.» رفع آدم رأسه بسرعة وقال: «إذن والدي كان عارف.» قال خالد: «والدك كان يعرف، لكنه لم يكن يستطيع كشف الحقيقة لأن فارس لم يكن يعمل وحده.»سأل آدم: «معاه مين؟»نظر خالد إليه طويلًا وقال: «الشخص اللي معاه مفتاح مشروع 17.»نظر آدم إلى المفتاح الذي يحمله.قال: «المفتاح ده؟»هز خالد رأسه.«مش المفتاح نفسه... الشخص اللي صنعه.»قبل أن يسأل آدم المزيد، سمعوا صوت سيارة تتوقف خارج المبنى. نظر خالد إلى النافذة وقال: «وصلوا.»قال يوسف: «مين؟»أجاب خالد: «الناس اللي كنت بحاول أهرب منهم.»اقترب آدم من النافذة، فرأى سيارتين تدخلان من البوابة. قال سامر: «لازم نخرج من الخلف.» لكن خالد قال: «أنا مش ههرب المرة دي.» ثم أخرج ورقة صغيرة وأعطاها لآدم.قال: «دي آخر حاجة تركها والدك عندي.»فتح آدم الورقة، فوجد عنوانًا.محطة القطار المركزية — الرصيف 3.وتحت العنوان:«إذا وصل آدم إلى هنا، أخبروه أنني لم أتركه بإرادتي.»توقف آدم عن التنفس للحظة.قال خالد: «والدك كتبها قبل اختفائه بأيام.»سأل آدم: «ليه ما ادتهاليش من زمان؟»أجاب خالد: «لأنني كنت أحتاج أتأكد إنك وصلت للمرحلة اللي تقدر فيها تعرف الحقيقة من غير ما تقع في نفس الفخ.»فجأة سُمع صوت زجاج يتحطم في الخارج.صرخ يوسف: «لازم نمشي!»تحرك الجميع نحو الباب الخلفي، لكن آدم توقف للحظة ونظر إلى خالد.«هتيجي معانا.»هز خالد رأسه.«لا.»«ليه؟»قال خالد: «لأن لو خرجت معاكم، هيعرفوا إنكم وصلتوا لي.»أمسك آدم بذراعه.«مش هسيبك.»ابتسم خالد وقال: «أبوك قال لي يومًا إنك هتقول الجملة دي.»ثم أضاف: «لكن دلوقتي لازم تسمعني. اذهب إلى الرصيف 3، وستجد شخصًا ينتظرك هناك. لا تثق فيه فورًا، حتى لو قال لك إنه يعرف والدك.»سأل آدم: «مين هو؟»لكن خالد لم يجب.كان قد أخرج من جيبه صورة صغيرة وأعطاها لآدم.قال: «لما تشوف الشخص، وريه الصورة.»نظر آدم إليها.كانت صورة قديمة لوالده يقف أمام محطة قطار، وبجانبه رجل لم يعرفه آدم.لكن في خلفية الصورة ظهر شيء جعل قلبه يتوقف.نفس الرجل الذي ظهر في الصورة التي وجدها في ملف مشروع 17.رفع آدم عينيه، لكن خالد كان قد ابتعد.قال آدم: «خالد!»التفت إليه.قال آدم: «هل والدي حي؟»صمت خالد للحظة، ثم قال:«آخر مرة شفته فيها... كان حيًا.»ثم أغلق الباب خلفه.خرج آدم ويوسف وياسين وسامر من المخرج الخلفي، بينما بقي خالد داخل المبنى.بعد دقائق، عندما ابتعدوا عن المكان، سمعوا أصوات سيارات تخرج من المنطقة.لم يعرف آدم ماذا حدث لخالد.لكنه كان يحمل الآن أهم دليل حصل عليه منذ بداية القضية.محطة القطار المركزية — الرصيف 3.وفي يده صورة الرجل الذي ربما كان يعرف مكان والده.أما المفاجأة الأكبر، فكانت عندما قلب الصورة.وجد على ظهرها توقيع والده:«إلى ابني آدم... إذا وصلت إلى هذه الصورة، فلا تبحث عني وحدك.»رفع آدم عينيه إلى الطريق وقال:«المرة دي، هنروح كلنا.»لكن بعيدًا عنهم، كانت هناك سيارة سوداء تراقبهم من مسافة بعيدة، وداخلها رجل يمسك هاتفًا ويقول:«آدم حصل على الصورة.»جاءه صوت من الهاتف:«إذن بدأت المرحلة الأخيرة.»نظر الرجل إلى محطة القطار من بعيد وقال:«لا... لسه فاضل شخص واحد لازم يقابله.»نهاية الفصل التاسع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

المحقق ادم القضيه رقم002/لغز الغرفه الصامته

المؤلف محمد احمد سيف
2026/08/23 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة