الراجل الذي عاد من الغياب

الراجل الذي عاد من الغياب

4 0

لم تمر الساعات التالية بشكل طبيعي على آدم؛ فمنذ أن وجد الصورة الحديثة لوالده والموعد المكتوب أسفلها، لم يعد قادرًا على التفكير في أي شيء آخر، فقد ظل السؤال يطارده طوال الطريق: كيف يمكن لرجل اختفى منذ خمسة عشر عامًا أن يظهر في صورة حديثة؟ وهل كان والده فعلًا قريبًا منه طوال هذه السنوات دون أن يعرف آدم؟ أم أن هناك شخصًا آخر يحاول دفعه إلى الاعتقاد بأن والده ما زال حيًا؟ كان آدم يعرف أن القضية أصبحت أكبر من مجرد البحث عن رجل مفقود، فقد تحولت إلى شبكة من الأسرار القديمة، وكل سر كان يقوده إلى سر أكبر منه.عاد آدم ويوسف وياسين وسامر إلى البيت القديم قبل شروق الشمس بقليل، لكن آدم لم يدخل مباشرة. وقف أمام المنزل ونظر إلى النوافذ المظلمة، وتذكر كل السنوات التي عاشها وهو يعتقد أن والده رحل ولن يعود. قال يوسف: «إنت متأكد إنك عايز تستنى للساعة تمانية؟ ممكن نرجع ندور في البيت دلوقتي.» رد آدم: «لو أبويا موجود فعلًا، يبقى هو عايزني أستنى للموعد. ولو حد بيحاول يعمل لنا فخ، فأنا عايز أعرف هو مخطط لإيه.» قال سامر: «المشكلة إننا مش عارفين مين صاحب الخطة.» نظر آدم إليه وقال: «وده اللي هنعرفه النهارده.»دخلوا المنزل وأغلقوا الأبواب والنوافذ، ثم بدأ آدم يفحص كل غرفة من جديد. هذه المرة لم يكن يبحث عن أدلة قديمة، بل كان يبحث عن أي شيء يدل على أن شخصًا عاش في البيت مؤخرًا. دخل المطبخ، فوجد كوبًا نظيفًا فوق الطاولة. فتح الثلاجة، فوجد بعض الأطعمة التي لا يمكن أن تكون موجودة منذ سنوات. توقف أمامها، ثم قال: «حد كان هنا قريب.» قال يوسف: «ممكن الشخص اللي حط الصورة.» رد آدم: «أو شخص كان عايش هنا.»اتجه إلى غرفة المعيشة، ثم وجد على الأريكة غطاءً مطويًا بعناية. رفعه فوجد تحته كتابًا قديمًا. فتحه، فوجد اسم والده مكتوبًا في الصفحة الأولى، لكن التاريخ كان حديثًا. قلب الصفحات حتى وصل إلى آخر الكتاب، فوجد ورقة صغيرة مكتوبًا عليها: «لا تبحث في الأماكن التي اختفى فيها والدك، ابحث في الأماكن التي عاد إليها.» قرأ آدم الجملة أكثر من مرة، ثم قال: «والدي ما كانش بيختفي... كان بيرجع.»قال ياسين: «يعني إيه؟»أجاب آدم: «لو الرسالة دي حقيقية، يبقى أبويا كان بيرجع للبيت كل فترة، وممكن يكون في مكان قريب طول الوقت.»نظر سامر إليه وقال: «ممكن.»رد آدم: «مش ممكن. أنا بدأت أصدق إن ده اللي حصل.»في الثامنة إلا ربعًا، طلب آدم من الجميع الاستعداد. وضع الدفتر والصورة والمفتاح على الطاولة، ثم قال: «لما الساعة توصل تمانية، محدش يتصرف من نفسه. لو ظهر أبويا، أنا اللي هتكلم معاه. ولو ظهر أي حد تاني، هنفضل هاديين لحد ما نعرف هو عايز إيه.» قال يوسف: «وأنت لوحدك؟» ابتسم آدم وقال: «مش لوحدي، أنتم هنا.»دقت الساعة الثامنة.لم يحدث شيء.مرت دقيقة.ثم دقيقتان.وبعد خمس دقائق، سمعوا صوت مفتاح يدور في الباب الخارجي.رفع آدم يده، فتوقف الجميع.انفتح الباب ببطء.دخل رجل يرتدي معطفًا داكنًا، وأغلق الباب خلفه.ظل واقفًا عند المدخل دون أن يتحرك.لم يستطع آدم رؤية وجهه بوضوح لأن الإضاءة كانت ضعيفة.قال الرجل: «آدم.»تجمد آدم.كان الصوت مألوفًا جدًا.تقدم الرجل خطوة إلى الأمام.ثم خلع المعطف.ظهر وجهه.لم يتحرك آدم.لم يستطع الكلام.كان أمامه الرجل الذي قضى خمسة عشر عامًا يبحث عنه.والده.قال الرجل بصوت منخفض: «كبرت يا آدم.»شعر آدم أن كل الأسئلة التي جمعها طوال السنوات الماضية اختفت فجأة، ولم يبق في رأسه سوى كلمة واحدة.«بابا؟»اقترب الرجل منه، لكنه توقف قبل أن يصل إليه.قال: «أنا آسف.»رد آدم بصوت مرتجف: «آسف؟ دي أول كلمة تقولها بعد خمسة عشر سنة؟»خفض والده رأسه.قال آدم: «فين كنت؟ ليه سبتني؟ ليه خليتني أعيش كل السنين دي وأنا فاكر إنك ميت؟»قال والده: «لأن لو كنت رجعت لك، كانوا هيقتلوك.»رد آدم: «مين؟»نظر والده إلى سامر وياسين.ثم قال: «الناس اللي لسه بتدور علينا.»سأله آدم: «وإنت كنت عارف إنهم لسه موجودين؟»أجاب: «أيوه.»«وعارف إن خالد عايش؟»«أيوه.»«وعارف إن فارس عايش؟»صمت والده.فهم آدم الإجابة.قال: «إنت كنت عارف كل حاجة.»أجاب والده: «مش كل حاجة.»«إمال إيه اللي ما تعرفوش؟»قال: «مين الخائن الحقيقي.»ساد الصمت.جلس الرجل على الكرسي، وكأنه لم يعد يملك القوة للوقوف.قال آدم: «احكيلي كل حاجة.»نظر والده إليه طويلًا.«قبل ما أختفي، اكتشفت إن مشروع 17 لم يكن مجرد مشروع سري. كان فيه شخص يستخدم المعلومات الموجودة فيه لمصلحته الخاصة. الشخص ده كان يعرف كل تحركاتنا، وكان عنده وصول إلى كل الملفات. حاولت أعرف مين هو، لكن كل مرة كنت أقرب للحقيقة، كان حد من فريقي يختفي.»قال آدم: «خالد؟»«خالد كان يحاول يساعدني.»«سامر؟»نظر والده إلى سامر.«سامر أنقذ حياتي مرة.»ثم نظر إلى ياسين.«وياسين أخطأ.»تغير وجه ياسين.قال آدم: «إيه اللي عمله؟»أجاب والده: «في ليلة اختفائي، ياسين أعطى معلومة لشخص ما كانش المفروض يعرفها.»قال ياسين بسرعة: «أنا ما كنتش أعرف إنه هيستخدمها ضدك.»رد والد آدم: «لكنها وصلت إليه.»سأل آدم: «مين؟»قال والده:«نادر.»اتسعت عينا آدم.«أخو خالد؟»أومأ والده.«نادر كان يعمل داخل المشروع من البداية، لكنه لم يكن الخائن الوحيد. كان مجرد حلقة في سلسلة أكبر.»قال آدم: «مين كان فوقه؟»نظر والده إلى الأرض.«رائد الشامي.»قال ياسين: «لكنه مات.»رد والد آدم: «رائد لم يمت في حادث.»ساد الصمت.قال آدم: «يعني إيه؟»«الحادث كان تمثيلية.»سأل يوسف: «إذن رائد لسه عايش؟»رفع والد آدم عينيه وقال:«لا.»توقف قليلًا.«رائد مات فعلًا، لكن بعد أن سلّم كل المعلومات لشخص آخر.»قال آدم: «مين؟»لم يجب والده.اقترب آدم منه وقال: «إنت قلت إنك هتقول كل حاجة.»قال والده: «الشخص ده موجود هنا.»نظر الجميع إلى بعضهم.قال آدم: «هنا؟ في البيت؟»أومأ والده.«كان هنا قبل ما أوصل.»قال يوسف: «مين؟»نظر والد آدم إلى الطاولة.كان هناك كوب خامس لم يلاحظه أحد.قال:«الشخص اللي كان بيراقبكم من البداية.»تراجع آدم خطوة.«مين؟»لكن قبل أن يجيب والده، انطفأت الكهرباء بالكامل.سمعوا صوت باب يُغلق في الطابق العلوي.قال والد آدم: «ما تتحركوش.»لكن آدم لم يستطع الانتظار.صعد الدرج بسرعة، وتبعه يوسف.وصل إلى الغرفة القديمة.كان الباب مفتوحًا.دخل آدم.لم يجد أحدًا.لكن على المكتب كان هناك ملف جديد.فتح الملف.وجد داخله صورًا لهم جميعًا.آدم.يوسف.ياسين.سامر.ووالده.لكن الصورة الأخيرة جعلت آدم يتجمد.كانت صورة لخمسة أشخاص يقفون أمام البيت.والصورة التُقطت قبل دقائق فقط.قال يوسف: «إحنا اتصورنا إمتى؟»لم يجب آدم.قلب الصورة.وجد جملة واحدة:«كنت أراقبكم من الداخل.»وفي أسفل الصورة اسم لم يتوقع آدم رؤيته.سامر.رفع آدم رأسه ببطء.كان سامر واقفًا عند باب الغرفة.نظر إليه آدم.وقال:«سامر... إنت كنت هنا طول الوقت؟»لم يجب سامر.ثم أغلق الباب خلفه.نهاية الفصل الثالث عشر

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

المحقق ادم القضيه رقم002/لغز الغرفه الصامته

المؤلف محمد احمد سيف
2026/08/23 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة