القضيه التي بدأت قبل ادم

القضيه التي بدأت قبل ادم

3 0

لم يستطع آدم أن يستوعب الجملة التي قالها والده. ظل واقفًا أمام الحقيبة السوداء، ينظر إلى الملفات الموجودة بداخلها، بينما كانت كلمات والده تدور في رأسه بلا توقف: «أنت كنت السبب في أن القضية بدأت أصلًا.» لم يفهم ماذا يعني ذلك، ولم يعرف هل كان والده يتحدث عن شيء فعله آدم عندما كان طفلًا، أم عن سر أكبر ظل مخفيًا طوال هذه السنوات.أغلق آدم الحقيبة ببطء، ثم رفع عينيه إلى والده وقال: «أنا؟ إزاي أكون السبب؟ أنا كنت طفل.»تنهد والده وقال: «وده بالضبط اللي خلّى الموضوع أخطر.»اقترب آدم منه وقال: «أنا عايز الحقيقة كلها، من غير أسرار، ومن غير جمل ناقصة. كل مرة بتقولي جزء من الحقيقة وبعدين تسكت. أنا مش هقدر أكمل كده.»جلس والده على المقعد، وبدا عليه الإرهاق الشديد. قال: «قبل خمسة عشر سنة، كنت أحقق في قضية مختلفة تمامًا. القضية ما كانش لها علاقة بمشروع 17 في البداية. كانت قضية اختفاء ملفات مهمة من مكان حكومي. وقتها اكتشفت إن الملفات لم تختفِ، لكنها اتنقلت إلى مكان سري.»قال آدم: «ومشروع 17؟»«مشروع 17 ظهر بعد اكتشاف الملفات.»سأل يوسف: «إيه اللي كان في الملفات؟»نظر والد آدم إليه وقال: «أسماء، تحويلات، تقارير، وأدلة تثبت إن مجموعة من الأشخاص كانوا بيستخدموا معلومات سرية لتحقيق مصالحهم. لكن وسط كل ده كان فيه ملف واحد مختلف عن باقي الملفات.»قال آدم: «ملف إيه؟»أجاب والده: «ملف رقم 001.»نظر آدم إلى الحقيبة.«وده الملف؟»هز والده رأسه.«لا. الملف اللي في الحقيبة نسخة.»فتح آدم الحقيبة مرة أخرى، وأخرج الملف الموجود في الأعلى.كان الغلاف أسود، وفي منتصفه رقم واحد فقط.001.فتح الصفحة الأولى.وجد اسمه.آدم محمد سيف.توقف للحظات.قال يوسف: «إيه المكتوب؟»أجاب آدم: «اسمي.»اقترب سامر.قال: «ما تفتحش باقي الملف.»نظر إليه آدم بغضب.«ليه؟»«لأنك مش عارف إيه اللي جواه.»رد آدم: «وده سبب كفاية إني أفتحه.»بدأ يقلب الصفحات.الأولى كانت تحتوي على معلومات عن طفولته.المدرسة.المنزل.أسماء أشخاص كانوا قريبين من العائلة.ثم وجد صورًا له وهو طفل.صور أمام المدرسة.صور أمام المنزل.صور في الشارع.وصور لم يكن يعرف أصلًا أنها التُقطت.قال آدم: «كانوا بيراقبوني من وأنا صغير.»قال والده: «أيوه.»«ليه؟»«لأنهم كانوا يعتقدوا إنك شفت حاجة مهمة.»قلب آدم الصفحة.وجد تقريرًا مكتوبًا بتاريخ قديم جدًا.قرأه بصوت مرتفع:«الطفل شاهد الشخص المجهول ليلة اختفاء محمد سيف.»توقف آدم.ثم قال:«أنا شفت الشخص.»أجاب والده:«أيوه.»بدأت الذاكرة تعود إلى رأس آدم مرة أخرى.كان صغيرًا، يقف في الممر.والده يتحدث مع رجل.الرجل كان يحمل حقيبة سوداء.ثم سمع آدم صوتًا يقول:«الملف لازم يخرج الليلة.»سأل آدم:«مين كان الرجل؟»قال والده:«ما عرفناش وقتها.»«ولحد دلوقتي؟»«عرفناه بعد سنوات.»«مين؟»قال والده:«كمال.»ساد الصمت.قال آدم: «إذن أنا شفت كمال وأنا طفل.»«أيوه.»«وهو عرف إني شفته.»«أيوه.»«وعشان كده كان بيراقبني؟»«أيوه.»نظر آدم إلى الملف مرة أخرى.كانت هناك صفحة تحمل عنوانًا:«الذاكرة المحذوفة.»قال آدم: «إيه معنى ده؟»أجاب والده: «بعد الليلة دي، حاولنا نعرف بالضبط إيه اللي شفته. لكنك كنت صغيرًا جدًا، وذكرياتك كانت غير واضحة.»قال آدم: «بس أنا فاكر الصوت.»«وده أخطر شيء.»«ليه؟»قال والده: «لأنك مش بس سمعت صوته. أنت سمعت معلومة لم يكن المفروض أن يسمعها أي شخص.»اقترب آدم منه.«إيه هي؟»قال والده:«سمعت اسم المكان اللي كان الملف هيتنقل إليه.»فتح آدم عينيه.«أنا كنت أعرف مكان الملف؟»«وأنت طفل.»قال يوسف: «وعشان كده القضية كلها بدأت حول آدم.»أومأ والد آدم.«بالضبط.»ظل آدم صامتًا.ثم قال:«طيب لو أنا عارف المكان، ليه ما حدش سألني مباشرة؟»أجاب سامر:«لأنهم كانوا خايفين إنك ما تكونش فاكر.»قال آدم:«أو إن أبويا يكون خبّى الذاكرة.»نظر الجميع إلى والده.قال آدم:«إنت عملت حاجة عشان أنسى؟»أجاب والده بسرعة:«لا.»«متأكد؟»«أيوه.»«إذن ليه أنا مش فاكر؟»قال والده:«لأنك كنت طفلًا، والصدمة نفسها كانت كافية تخلي التفاصيل تختفي من ذاكرتك.»سكت آدم، ثم أغلق الملف.«أنا لازم أفتكر.»قال والده: «مش دلوقتي.»«ليه؟»«لأن محاولة إجبار نفسك على التذكر ممكن تخليك تخلط بين الحقيقة والخيال.»قال آدم: «أنا مش هسيب الماضي يفضل يطاردني.»وفي تلك اللحظة، رن هاتف سامر.نظر إلى الشاشة.رقم مجهول.لم يرد.رن مرة ثانية.قال آدم: «رد.»فتح سامر المكالمة.جاء صوت رجل:«سامر، حان الوقت.»سأل سامر: «مين؟»ضحك الرجل.«إنت عارف.»تغير وجه سامر.قال آدم: «حط السماعة.»فعل سامر.قال الرجل:«آدم معاك؟»نظر آدم إلى سامر.ثم قال بنفسه:«أيوه.»صمت الرجل للحظات.ثم قال:«إذن اسمعني جيدًا يا آدم. والدك لم يخبرك كل شيء.»رد آدم: «قول اللي عندك.»«في الليلة اللي اختفى فيها والدك، لم يكن وحده.»«مين كان معاه؟»«أنت.»تجمد آدم.قال الرجل:«كنت موجودًا داخل السيارة.»نظر آدم إلى والده.قال الرجل:«وأنت سمعت كل شيء.»انقطع الاتصال.قال يوسف: «ده مستحيل.»لكن آدم لم يرد.كانت هناك صورة واحدة في الملف تثبت أن الرجل قد يكون يقول الحقيقة.أخرج آدم صورة من الحقيبة.كانت لسيارة والده القديمة.وفي المقعد الخلفي...كان هناك طفل صغير.آدم.نظر إلى والده.«إنت قلت إني كنت في البيت.»صمت والده.قال آدم:«كنت في العربية.»قال والده:«أيوه.»«ليه كذبت عليّ؟»أجاب والده:«لأنك ما كنتش المفروض تفتكر.»«إيه اللي حصل في العربية؟»قال والده: «كنت أخدك بعيد عن البيت.»«ليه؟»«لأن المكان لم يعد آمنًا.»«وبعدين؟»«قابلنا شخصًا.»«مين؟»صمت والده.قال آدم:«كمال؟»هز والده رأسه.«لا.»«نادر؟»«لا.»«رائد؟»«لا.»قال آدم:«إذن مين؟»نظر والده إليه طويلًا.ثم قال:«الشخص الذي لم نعرف اسمه حتى اليوم.»ساد الصمت.ثم أضاف:«لكن أنت كنت أول شخص يراه.»قال آدم: «يعني أنا الوحيد اللي ممكن أتعرف عليه؟»«أيوه.»فهم آدم أخيرًا لماذا ظلوا يراقبونه طوال السنوات الماضية.لم يكن الهدف منه مجرد معرفة مكان الملف.كانوا يريدون معرفة ما يتذكره.قال آدم:«إذن أنا مش مفتاح الملف.»أجاب والده:«لا.»«أنا مفتاح معرفة الشخص.»أومأ والده.قال يوسف:«إذن لازم آدم يفتكر اللي حصل في الليلة دي.»قال سامر:«لكن قبل ده لازم نعرف مين بعت الحقيبة.»نظر آدم إلى الحقيبة.قال:«أنا عارف.»الجميع نظر إليه.«مين؟»أخرج آدم ورقة صغيرة كانت مخبأة في آخر الملف.كان عليها عنوان واحد:المحطة القديمة — الرصيف 4.قال آدم:«الشخص اللي بعت الحقيبة عايزني أروح هناك.»قال والده: «لا تذهب.»رد آدم: «لازم أروح.»«ممكن يكون فخ.»«أكيد فخ.»«إذن ليه هتروح؟»قال آدم:«لأن الشخص اللي بيعمل الفخ عارف إني هروح، وأنا عايز أعرف هو مستنيني ليه.»نظر والده إليه طويلًا.ثم قال:«أنت بدأت تفكر مثل المحقق.»ابتسم آدم وقال:«يمكن عشان القضية دي كانت بتستنانى من وأنا طفل.»في المساء، وصل آدم ويوسف إلى المحطة القديمة.كان الرصيف الرابع مهجورًا تقريبًا.لم يكن هناك سوى قطار متوقف في آخر المحطة.وجد آدم مقعدًا خشبيًا قديمًا.وفوقه ظرف.فتح الظرف.وجد صورة قديمة.لكن هذه المرة الصورة كانت واضحة جدًا.كان آدم طفلًا يقف بجوار والده.وخلفهما رجل مجهول.تحت الصورة كُتبت جملة:«أنت رأيته قبل الجميع.»قلب آدم الصورة.وكانت الصدمة الأكبر.على ظهرها اسم واحد:محمد سيف — آخر شاهد على الحقيقة.نظر آدم إلى يوسف وقال:«أبويا ما كانش آخر شاهد.»ثم وضع الصورة في جيبه.«أنا كنت الشاهد الأول.»وفي مكان بعيد، كان شخص يراقبهما من سيارة سوداء.رفع الهاتف وقال:«آدم وجد الصورة.»جاءه الرد:«وهل تذكر؟»قال الرجل:«ليس بعد.»جاء الصوت:«إذن اجعلْه يتذكر.»أغلق الرجل الهاتف.وفي اللحظة نفسها، تحرك القطار القديم ببطء، وظهر على إحدى نوافذه وجه رجل يراقب آدم.لم يكن آدم يعرفه.لكن الرجل كان يعرف آدم جيدًا.وقال بصوت منخفض:«الآن بدأت تتذكر يا آدم.»نهاية الفصل التاسع عشر

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

المحقق ادم القضيه رقم002/لغز الغرفه الصامته

المؤلف محمد احمد سيف
2026/08/23 مستمرة
قائمة الفصول (22)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة