الفصل العشرون: ظلّ الأب
وقفت بياتريس أمام الباب الخشبي القديم، تتردّد أن تطرقه، قلبها ينبض بشدّة.
لم تكن تعلم ما الذي دفعها للعودة إلى هذا المكان بعد كلّ ما حدث، لكنها أرادت أن تسمع الإجابة منه... من غراهام.فتحت الباب ببطء، ودخلت. كان يجلس إلى الطاولة، ينظر في أوراق مبعثرة أمامه، لم ينتبه لوجودها في البداية.
قالت بصوتٍ خافتٍ لكنه يحمل وجع السنين:
«كنتُ أعلم أنّني سأجدك هنا... كعادتك، غارق في أوراقك كأن شيئًا لم يحدث.»رفع رأسه ببطء، وعيناه تائهتان كمن استيقظ من حلمٍ ثقيل.
«بياتريس... ابنتي، لقد اشتقتُ إليك.»تقدّمت نحوه بخطًى متردّدة، ثم قالت بحدةٍ تخفي رجفة:
«اشتقتَ إليَّ؟ أم تشتاق إلى الكذب من جديد؟»صمتَ قليلًا، أطبق يديه على بعضهما وقال بصوتٍ متعب:
«ظننتُ أنكِ تجاوزتِ الماضي، يا بياتريس.»صرخت بغضبٍ مكتوم:
«كيف أتجاوزه وأنتَ تخفي الحقيقة عنّي؟ أنت تعرف كيف مات والداي، ومع ذلك تظلّ صامتًا! لماذا؟!»أدار وجهه عنها، كأنه لا يقوى على النظر في عينيها، وقال بهدوءٍ غريب:
«بعض الحقائق، يا صغيرتي، إن ظهرت... لن تُعيد أحدًا، بل ستحرق من بقي.»ارتجفت شفتاها، قالت بصوتٍ متهدّجٍ من القهر:
«كنتُ أظنّك ملاذي الأخير، يا غراهام... لكن يبدو أنك أكثر من جعلني تائهة.»نهض ببطء، نظر إليها بعينين غارقتين في الأسى، وقال همسًا:
«لو تعلمين ما حاولتُ حمايتك منه... لما قلتِ هذا الكلام.»تراجعت خطوة، نظرت إليه بريبةٍ وقالت:
«ماذا تخفي عني؟ ما الذي تخشاه إلى هذا الحدّ؟»لكنه لم يُجب، اكتفى بالنظر إلى الأرض، كأنّ كلماته علقت في صدره.
عندها شعرت بياتريس بأنّ وراء صمته أسرارًا أعظم من كلّ ما عرفته حتى الآن.
ايلاف ايلاف