الفصل الثاني – التحذير الأول
كانت قطرات المطر تتساقط بسرعة أكبر، تختلط بوجه بياتريس حتى لم تعد تميّز إن كان ما يبلل وجنتيها ماءً أم دموعًا. قبضت على الملف بقوة، محاولة تجاهل البرودة التي تسري في أطرافها، وهرولت نحو غراهام الذي كان ينتظرها عند السيارة.
فتح لها الباب دون أن ينتبه لما تحمله في يدها، لكن قبل أن تدخل، انشق صمت الشارع بصوت فرامل حادة.
سيارة سوداء توقفت على بعد أمتار، نافذتها الخلفية انخفضت ببطء، ليطل منها وجه مجهول… كان يرتدي قناعًا أبيض بلا ملامح.
لم تسمع أي كلمة، لكن شيئًا في عينيه خلف ثقوب القناع جعل قلبها ينقبض.
ألقى من النافذة ورقة صغيرة، لتسقط أمام قدميها مباشرة، ثم انطلقت السيارة واختفت في زحمة الشارع.
انحنت بياتريس تلتقط الورقة بيد مرتجفة، وعندما فتحتها، وجدت عليها جملة مكتوبة بخط أحمر:
"أعيدي الملف… قبل أن يبتلعك هو."
رفعت نظرها إلى غراهام بارتباك، لكنها لم تجد الكلمات لتشرح ما حدث، فاكتفت بإخفاء الورقة في جيب معطفها.
شيء بداخلها كان يقول إن ذكر هذه الرسالة الآن...قد يغير كل شيء.
نظر إليها غراهام وقال بنبرة متسائلة:
– "ما الذي حدث للتو، بياتريس؟"
تسمرت بياتريس في مكانها، ثم تمالكت نفسها وأجابت بسرعة:
– "لا شيء يا أبي… لا تشغل تفكيرك بي. أخبرني الآن، ماذا حدث بشأن القضية؟"
صمت غراهام للحظات، ثم قال وهو يشيح بنظره:
– "لا تذكريني بها… قد أخسرها."
اتسعت عيناها دهشة:
– "لكن لماذا؟ أنت لا تخسر عادة!"
أجاب وهو يزفر بعمق:
– "لا أعلم… لقد رتبت كل الأمور، حسبت خطوات القضية بدقة، لكن حدث خلل ما… ويجب أن أكتشفه. لا تقلقي، سأفوز بها."
ابتسمت بياتريس محاولة التخفيف عنه:
– "حسنًا… إن فزت، سأعزمك على حسابي."
ضحك غراهام قليلًا وقال:
– "إذن، الأمر محسوم… لن أخسر."
بعد أن عادا إلى المنزل، قالت بياتريس وهي تخلع معطفها:
– "أبي، سأذهب إلى غرفتي للاستراحة."
أجاب غراهام وهو يتجه نحو المطبخ:
– "حسنًا، سأعد الفطور، وعندما يجهز سأناديكِ."
دخلت بياتريس غرفتها، وبيدها الملف، ووضعته على الطاولة وهي تحدق فيه. قالت في نفسها: "هل يجب علي حقًا فتحه؟ أم عليّ إرجاعه؟ وما سر تلك الورقة؟"
ترددت طويلًا، ثم قررت إرجاعه إلى مكانه دون فتحه.
خرجت من غرفتها قائلة:
– "أنا ذاهبة، أبي."
نظر إليها غراهام باستغراب:
– "لكن الفطور سيجهز بعد قليل! إلى أين ستذهبين؟"
قالت بتوتر:
– "نسيت عندي روز هذا الملف… سأعيده وأعود."
رد غراهام بعد لحظة صمت:
– "حسنًا… اذهبي إذن."
غادرت المنزل وبدأت تركض بأسرع ما يمكن، محاولة نسيان كل شيء وعدم التورط أكثر.
وحين وصلت إلى المكان الذي وجدت فيه الملف، وضعته في مكانه بسرعة. لكن فجأة، دوّى خلفها صوت رجل يقول:
– "إذن… أعدتهِ. لم أتوقع ذلك، في الحقيقة."
التفتت بياتريس بسرعة، لتجد الرجل نفسه، صاحب المعطف الرمادي. ابتعدت خطوة للخلف وقالت بحدة:
– "من أنت؟ ماذا تريد مني؟ ولماذا تفعل كل هذا؟"
ابتسم الرجل قليلًا وقال:
– "حسنًا… اسمي ليونارد سيلفاندر، وأنا أحاول مساعدتك لكشف الحقيقة."
قالت بياتريس بارتباك:
– "أي حقيقة؟"
اقترب خطوة وقال بصوت غامض:
– "الحقيقة أنكِ تعيشين في وهم. هل حاولتِ العثور على قاتل والديك؟"
صرخت بياتريس:
– "وما علاقتك أنت بالأمر؟"
ابتسم بسخرية وقال:
– "إذن… أنتِ لا تريدين الملف."
صرخت بياتريس مجددًا:
– "لا أريد شيئًا! لا تقترب مني ولا من عائلتي!"
ثم استدارت وركضت مبتعدة عنه، حتى عادت إلى المنزل، وقلبها يخفق بقوة.
عادت بياتريس إلى المنزل وهي تحاول تهدئة أنفاسها، أغلقَت الباب خلفها بسرعة وكأنها تريد حجب العالم الخارجي.
خلعت معطفها ورمته على الكرسي، لكن شعورًا مزعجًا ظل يلاحقها… إحساس بأن عينين تتبعان كل خطوة تخطوها.
اقتربت من النافذة بحذر، رفعت الستارة قليلًا، فتجمّد الدم في عروقها…
على الرصيف المقابل، كان هناك رجل يقف تحت المطر، ملامحه مخفية في الظل، لا يتحرك، لا يتكلم، فقط يراقب.
وقبل أن تحاول تحديد من يكون، مرّت سيارة سريعة وحجبت الرؤية للحظة، وحين انقشعت… كان قد اختفى.
فتح غراهام الباب بهدوء، وقال مبتسمًا:
– "هيا، تعالي لتتناولي طعامك."
أجابته بياتريس وهي تحاول استعادة أنفاسها:
– "أبي… لم آكل بعد."
ابتسم وقال:
– "كنت بانتظارك."
وفي صباح اليوم التالي، بينما كانت أشعة الشمس الباهتة تتسلل من بين الغيوم، قال غراهام وهو يرتدي معطفه:
– "بياتريس، أنا ذاهب اليوم لمتابعة القضية."
ردّت وهي ترتب أوراقها:
– "وأنا أيضًا، لدي قضية لأتابعها."
رفع حاجبيه متسائلًا:
– "قضية معقدة؟"
هزّت رأسها مبتسمة:
– "لا، ما دمت في بداية مسيرتي، أختار القضايا البسيطة."
أومأ موافقًا:
– "حسنًا إذن."
وعند وصولها إلى مكتبها، جلست على مقعدها وبدأت تتفحّص الملفات واحدًا تلو الآخر. فجأة، تجمدت أنفاسها… أمامها مباشرة كان الملف ذاته، 313، بنفس الرقم الأحمر الصارخ على زاويته.
شعور بالبرودة تسلّل إلى أطرافها، ويدها ترددت قبل أن تلمسه، وكأنها تلمس شيئًا حيًّا يراقبها
فجأة، رنّ الهاتف.
تجمّدت بياتريس في مكانها، لم تفهم ما الذي يحدث، ثم مدّت يدها بتردد وأجابت:
– "ألو… من معي؟"
جاءها صوت رجولي غامض عبر الخط:
– "ألم تُعجبكِ الهدية الموضوعة على مكتبك؟"
شهقت بياتريس، ثم صاحت بعصبية:
– "ماذا تريد؟! ابتعد عني… واتركني وشأني!"
ضحك المتصل بخفة باردة وقال:
– "لا يجب أن تتحدثي هكذا مع منقذك."
ثم أغلق الخط فجأة.
شعرت بياتريس بالارتباك والخوف، لكنها تمالكت نفسها، وقررت أن تفتح الغلاف أمامها.
وحين فعلت، سقطت منه ورقة بيضاء. التقطتها وقرأت ما كُتب عليها بخط أحمر واضح:
"ما كان يجب عليكِ فتحه… صلّي من أجل نجاتك."
لم تكد تستوعب الكلمات، حتى فُتح الباب بعنف.
دخل رجل ضخم يرتدي السواد، اقترب منها بسرعة خاطفة، وأمسك بعنقها بقوة، وبدأ يخنقها.
صرخت بياتريس وهي تحاول التملص، رمت كل ما حولها محاولة إبعاده، لكن قبضته كانت كالفولاذ.
عيناها امتلأتا بالدموع، وشعرت بأن أنفاسها تتقطع. أغمضت جفونها بقوة، تنتظر النهاية…
لكن حين فتحتها، وجدت نفسها وحيدة في الغرفة.
لا أثر للرجل، ولا لأي فوضى… وكأن شيئًا لم يحدث.
كانت الرسالة ما تزال على المكتب أمامها، في نفس الموضع… تلمع كلماتها الحمراء تحت ضوء المصباح.
ايلاف ايلاف