اللقاء الثاني

اللقاء الثاني

24 0

الفصل الثامن:اللقاءالثاني

نظرت إليه وقالت بصوت مرتجف:

ـ "لا… مستحيل! هو من رعاني بعد وفاة والديَّ، وكان صديق والدي المقرّب… يستحيل أن يقتل صديقه."

ضحك ليونارد بسخرية خافتة، ثم قال:

ـ "بل هذا سبب آخر ليقتله… الغيرة، والحقد، لأن صديقه كان أفضل منه."

ردّت بياتريس بانفعال:

ـ "حسنًا، إذاً لماذا رعاني طوال هذه السنوات؟"

أجابها بابتسامة باردة:

ـ "بكل بساطة… ليجعلك لا تشكّين به أبدًا."

نهضت بياتريس محاولة مغادرة المكان، مشوَّشة الأفكار، لكن ليونارد أمسك يدها برفق وقال:

ـ "ما رأيك أن نتناول الطعام أولًا، ثم تغادرين؟"

ابتسم ابتسامة خفيفة أربكتها، فترددت قليلًا ثم جلست مجددًا. أكملت وجبتها بصمت، على أمل أن يخبرها بتفاصيل أخرى، لكنه لم ينطق بكلمة طوال الوقت. وحين انتهيا، نهض قائلًا:

ـ "لقد استمتعت معكِ كثيرًا… أتمنى أن نلتقي مجددًا."

رجعت بياتريس إلى منزلها، فوجدت غراهام بانتظارها. قال لها بابتسامة أبوية:

ـ "عدتِ أخيرًا. هل أنتِ جائعة؟"

أجابت وهي تحاول التظاهر بالهدوء:

ـ "لا، شكرًا."

اقترب منها قليلًا وقال بجدية:

ـ "كيف سار بحثك اليوم؟"

خفضت عينيها وأجابت:

ـ "لم أجد ما كنت أبحث عنه."

نظر إليها مليًّا ثم قال:

ـ "بياتريس… هل بكِ خطب ما؟ هل أنتِ مريضة؟"

ابتسم بخفة وأشار إلى المقعد:

ـ "اجلسي يا ابنتي… لنتحدث قليلًا."

جلست وهي تحاول طرد أفكار ليونارد من رأسها، ثم قالت بعد لحظة صمت:

ـ "هل يمكنني أن أسألك شيئًا؟ كيف كانت علاقتك بوالدي؟"

تنهد غراهام طويلًا، ثم قال:

ـ "سأخبرك. عندما التقيت بوالدك لأول مرة كنتُ شابًا ضعيفًا، يخشى كل شيء… بينما كان هو العكس تمامًا، قويًا لا يعرف للخوف طريقًا. كنت إذا وقعتُ في مشكلة، أجد يده إلى جانبي دومًا. كان شامخًا لا ينكسر."

توقّف قليلًا ثم تابع:

ـ "بعدها تعرّف على والدتك، وقد شعرتُ حينها أنه سيحظى بحياة سعيدة معها. تخرّجنا معًا، وتقدّمنا للعمل سويًّا… لكنه كان دائمًا المتفوق. وكنتُ على الرغم من ذلك أفرح لنجاحه، فقد كان يحب عمله بصدق، وكذلك والدتك. كانا روحين نقيتين… يكمل أحدهما الآخر."

أطرقت بياتريس برأسها، تحاول إخفاء الحزن والشكوك التي بدأت تتسرب إلى قلبها. حينها ابتسم غراهام وقال:

ـ "هل أخبركِ بما حدث يوم ولادتك؟"

قال غراهام وهو يبتسم بمرارة:

ـ "حين علم والدك بخبر حمل والدتك، كان أسعد إنسان رأيته في حياتي. كان يوزّع ابتساماته على الجميع، وكأن الدنيا قد أُعطيت له كاملة. وعندما اقترب موعد ولادتك، رأيتُه ولأول مرة منذ عشرين عامًا من صداقتنا… قلقًا. لم يكن يعرف ماذا يفعل، كان مرتبكًا كطفل صغير. لكن عندما رآكِ، حين وُلدتِ، تغيّر كل شيء… كان كالملك وهو يجلس في أرجاء المشفى. والدك ووالدتك… أحباكِ كثيرًا، وكانا يحلمان بأن يريا أحلامك وطموحاتك تتحقق."

ثم تنهد وأردف:

ـ "أما اسمك، فقد اختاره كلاهما معًا… والدك اختار اسمًا، ووالدتك اختارت آخر… ثم جمعا الاسمين ليظهر اسمك: بياتريس."

تأثرت بياتريس، نظرت إليه بحزن وهمست:

ـ "شكرًا لك… على رعايتي."

ابتسم غراهام بحنوّ وقال:

ـ "هذا أقل ما يمكنني فعله من أجل صديقي العزيز… ومن أجلك أنتِ أيضًا."

ثم مدّ يده وربت على رأسها كأبٍ حنون، وأضاف:

ـ "اذهبي لتنامي قليلًا… وإذا أردتِ مساعدتي في بحثك، فقط أخبريني."

أومأت برأسها ثم قالت مترددة:

ـ "لكن… هل يمكنني سؤالك شيئًا؟ هل تعرف شخصًا يدعى كيرل أنيوبارك؟"

ارتسمت على وجهه ملامح استغراب واضحة وهو يجيب:

ـ "كيرل أنيوبارك؟ لم أسمع بهذا الاسم من قبل… هل هذا هو ما تبحثين عنه؟ إذا أردتِ، يمكنني أن أسأل أحدًا عنه."

هزّت رأسها بسرعة وقالت:

ـ "لا… لا داعي، يكفي هذا. شكرًا لك."

انسحبت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها وهي تهمس لنفسها:

ـ "إذن لم يرتبك… كنت آمل أن يظهر على وجهه ما يدل على علاقة بينه وبين الملف… لكن العكس تمامًا."

وفجأةً، بينما كانت بياتريس غارقة في أفكارها، تجمّدت عيناها على زاوية الغرفة.

هناك… أمامها مباشرة، كان يقف الشخص الأسود نفسه، ذاك الذي حاول قتلها في المرة الأولى. لم تكن هناك خطوات، ولا صوت لفتح باب… كأن الظلام نفسه قد تجسّد أمامها.

ارتجفت يداها وهي تحدّق به، ثم ما لبث أن اندفع نحوها بخطوات سريعة، أشبه باندفاع ريحٍ مظلمة. قبل أن تستوعب ما يجري، كان قد مدّ يديه القاتمتين ليطوّقا عنقها.

شهقت بياتريس وهي تشعر بالبرودة المميتة تخنق أنفاسها، راحت تصارع بجنون، تدفعه، تركله، وتصرخ محاولةً إبعاده. الأوراق المتناثرة من الملف 313 تساقطت على الأرض، تتطاير في الهواء وكأنها أشلاء سرٍّ ثقيل يحاول أن يبتلعها.

قلبها يخفق بجنون، عيناها تتسعان رعبًا… هل هذه هي النهاية؟ هل سيُغلق الملف على حياتها قبل أن تكتشف الحقيقة؟

2
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الملف 313

المؤلف ايلاف ايلاف
2025/08/01 مستمرة
قائمة الفصول (22)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة