ظلّ في قاعة المحكمة

ظلّ في قاعة المحكمة

42 0

> "لاتفتح هذا الملف....

إذا وصل بين يديك، مزّقه.

إذا قرأت أول صفحة، فلتصلِّ من أجل نجاتك.

كنت أظن أن الفضول صفة جميلة، شيء يدفعك لاكتشاف العالم… لكنني كنت مخطئة.

الفضول هو الحفرة التي حفرتها بيدي، ثم وقعت فيها، ولم أجد أحدًا يمدّ لي الحبل.

كل شيء بدأ بورقة… ورقة يتيمة، صفراء الحواف، مكتوب على زاويتها بخط باهت: الملف 313.

لم أكن أعرف أن تلك اللحظة ستكون الخطوة الأولى نحو نهايتي… أو ربما نهايتك أنت، إذا قررت أن تكمل القراءة."

الفصل الأول:ظلّ في قاعة المحكمة

> كانت قاعة المحكمة تضجّ بأصوات الجدل، أوراق تتطاير على الطاولات، وعيون تترصد كل حركة.

بياتريس جلست في الصف الأمامي، ظهرها مشدود، وعيناها تتنقلان بين المحامين وكأنها تراقب مباراة حياة أو موت.

على الجانب الأيسر، كان "المحامي غراهام" ينهض من مقعده، ملامحه صارمة، وصوته يجلجل في القاعة:

– "اعتراض، سيادة القاضي! ما يقوله الخصم ليس سوى افتراضات لا أساس لها من القانون!"

ضحك المحامي الآخر بسخرية:

– "افتراضات؟ بل حقائق موثقة، وأنت تعرف ذلك جيدًا يا غراهام!"

تبادلت الهمسات في القاعة، لكن بياتريس لم تلتفت، بل ظلت تحدق في غراهام… ذاك الرجل الذي كان أقرب إليها من أي أحد آخر، منذ أن فقدت والديها في حادث غامض قبل عشرة أعوام.

غراهام، الذي كان دومًا يقول لها: "في هذه المهنة، يا بياتريس، لا تبحثي عن العدالة… بل عن الحقيقة، فهما ليسا الشيء نفسه."

في تلك اللحظة، شعرت بياتريس بشيء غريب… نظرة من الصفوف الخلفية. التفتت بسرعة، لكن لم تجد سوى رجل يرتدي معطفًا رماديًا، يدوّن ملاحظات في دفتر صغير… ومع ذلك، هناك شيء في ملامحه جعل قلبها يخفق أسرع.

2

> استدارت بياتريس دون اكتراث، محاولة إقناع نفسها بأن ما رأته لم يكن سوى محض أوهام… ربما بسبب التوتر الذي يخيّم على هذه القاعة.

فجأة، دوّى صوت القاضي وهو يعلن بلهجة صارمة:

– "ترفع الجلسة، وتؤجَّل المرافعات إلى موعد لاحق."

ساد الصمت لحظة، قبل أن يبدأ الحضور بجمع أوراقهم ومغادرة مقاعدهم. كان المحامي غراهام أول من نهض، ملامحه متجهمة، وخطواته سريعة نحو الباب. بدا الغضب يشتعل في عينيه كمن يحمل سرًا لا يريد لأحد أن يقترب منه.

هرولت بياتريس خلفه، تنادي بصوت متردد:

– "أبي… انتظر!"

لكنه لم يتوقف، وكأن شيئًا ما أثقل كاهله ودفعه إلى تجاهل كل ما حوله… حتى هي.

> كان الممر المؤدي إلى بوابة المحكمة طويلاً وباردًا، تملؤه أصداء الخطوات المتسارعة. لحقت بياتريس بغراهام، تتأمل كتفيه العريضتين وهما يهتزان مع كل خطوة غاضبة.

– "أبي، ما الأمر؟" سألت بصوت منخفض، وهي تعلم أن شيئًا ما في تلك الجلسة لم يكن طبيعيًّا.

توقف فجأة، ثم التفت إليها بعينين غامقتين تحملان ثقل السنين، وقال:

– "بياتريس… أريدك أن تبتعدي عن هذه القضية."

ارتبكت، وكادت تسأله السبب، لكن غراهام قطع كلامها بنبرة لم تسمعها منه من قبل:

– "هناك ملفات… بعض القضايا يا ابنتي، لا تُفتح إلا بثمن باهظ."

لم يمهلها فرصة الرد، إذ مرّ بالقرب منهما رجل يرتدي معطفًا رماديًا طويلًا، لم تلمح من ملامحه سوى ابتسامة باردة. في يده ملف أسود، وعلى زاويته العلوية الرقم: 313… مرّ بجوارهما بخطوات ثابتة، دون أن ينظر إليهما.

شعرت بياتريس بقشعريرة تسري في جسدها، بينما ظل غراهام يراقب الرجل حتى ابتعد عن الأنظار، ثم همس وكأنه يحدث نفسه:

– "لم أظن أن الأمر سيعود بعد كل هذه السنوات…"

> كان الهواء خارج المحكمة محمّلًا برائحة المطر، والسماء الرمادية توحي بأن النهار لن يطول. تبعت بياتريس خطى غراهام وهي تحاول طرد صورة الرجل ذي المعطف الرمادي من ذهنها، لكن الرقم "313" ظل عالقًا في ذاكرتها كوشم لا يُمحى.

عند نزولها الدرج الحجري أمام المبنى، لمحت انعكاس وجهها في زجاج سيارة سوداء متوقفة على الرصيف… عيناها كانتا تحملان نفس الخوف الذي رأته آخر مرة في وجه والدتها، تلك الليلة التي سبقت الحادث.

هزّت رأسها محاولة إبعاد الذكرى، لكنها فشلت. كانت يتيمة منذ الخامسة عشرة، حين قُتل والداها الشرطيان في ظروف غامضة لم يُكشف عنها حتى اليوم. ومنذ ذلك الحين، أصبح غراهام هو ملاذها، ليس فقط كوصي قانوني، بل كأب لم تنجبه الدماء.

وفجأة، أحست بحركة خلفها. التفتت، فرأت نفس الرجل بمعطفه الرمادي يمر ببطء، وقد وضع الملف الأسود على حافة مقعد خشبي بالقرب من بوابة المحكمة، قبل أن يشعل سيجارة ويبتعد وكأنه ينتظر شيئًا ما… أو أحدًا ما.

لم تعرف كيف وجدت نفسها تقترب من المقعد، عينيها معلقتان بالرقم الأحمر البارز على زاوية الملف: 313. مدّت يدها نحوه، وأصابعها ترتجف.

> كانت أصابعها على وشك ملامسة الجلد البارد حين لاحظت شيئًا غريبًا… آثار بصمات داكنة على الغلاف، وكأن أحدهم أمسك به ويداه ملطختان بالدم.

تجمّدت في مكانها، حدقت في البصمات لثوانٍ بدت أبدية، قبل أن يقطع الصمت صوت ولاعة تُفتح وتغلق أكثر من مرة. رفعت رأسها، فوجدت الرجل بمعطفه الرمادي يقف على بعد أمتار، يراقبها من خلف سحابة دخان سجائره، ابتسامة خفيفة وغامضة ترتسم على شفتيه.

ارتجف قلبها، وتراجعت خطوة إلى الوراء، لكن عينيها ظلتا معلقتين بالرقم الأحمر: 313.

فجأة، جاء صوت غراهام من بعيد:

– "بياتريس! هيا بنا، المطر يزداد!"

التفتت نحوه للحظة، وعندما عادت بعينيها نحو المقعد… كان الملف ما زال في مكانه، لكن الرجل اختفى تمامًا، كما لو أن الأرض ابتلعته.

مدّت يدها مرة أخرى، قبضت على الملف… لكن مع أول لمسة، شعرت ببرودة حادة تسري في أصابعها، وبرائحة معدن ودم تختلطان في أنفها.

وفي تلك اللحظة، سمعت همسًا خافتًا من خلفها، بالكاد يُسمع، وكأنه يتسلل من بين قطرات المطر:

– "لقد بدأ الأمر…"

2
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الملف 313

المؤلف ايلاف ايلاف
2025/08/01 مستمرة
قائمة الفصول (22)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة