الفصل الثالث: ما كان يجب أن أراه
لم تستوعب بياتريس ما الذي حدث، ولا ما الذي يجري حولها. كانت الأفكار تتزاحم في رأسها المشوش. هرولت إلى الخارج، تسأل الموظفين بلهفة:
– "هل سمع أحدكم صوتًا من مكتبي؟"
لكن الجميع أجابوا بالنفي.
عادت إلى مكتبها بخطوات مثقلة، وجلست تضع رأسها على الطاولة، والعرق يتصبب من جبينها خوفًا من الرجل ذي الثياب السوداء. فجأة، دوى صوت الهاتف مجددًا. تجمدت في مكانها، تتساءل إن كان عليها الرد أم لا. تمالكت نفسها بصعوبة، ثم التقطت السماعة.
جاءها صوت المتحدث متوترًا وسريعًا:
– "لا تخبريني أنك فتحته… فتحته، أليس كذلك؟ لا تقولي إنني لم أحاول منعك."
ثم انقطع الاتصال فجأة.
وقفت بياتريس، وبحركة هستيرية راحت ترمي كل ما حولها، وهي تصرخ باختناق:
– "ما الذي يحدث؟! ما هذا؟!"
انفجرت بالبكاء، ولم تنتبه إلا على رجل يدخل مسرعًا، كان غيلبارت. قال بقلق:
– "بياتريس! ماذا حصل؟ ما بك؟"
رفعت بياتريس نظرها إليه، وعيناها تلمعان بالذعر:
– "غيلبارت… قل لي، ماذا أفعل؟ أنا واقعة في ورطة!"
اقترب منها وهو يحاول تهدئتها:
– "اهدئي الآن، وأخبريني ما الذي يحدث."
لكن قبل أن تنطق، رن الهاتف مجددًا. التفتت بياتريس برعب نحو الجهاز، ثم مدت يدها ببطء وأجابت. كان الصوت هذه المرة هادئًا، لكنه محمل بالتهديد… كان ليونارد:
– "لا تخبري أحدًا بشأن الملف… وإلا سيحدث ما لا يخطر على بالك."
ظلت بياتريس صامتة، تحدق في الفراغ. ثم التفتت إلى غيلبارت، وصوتها بارد وحاسم:
– "هل يمكنك الخروج من هنا… الآن؟"
ارتسمت الدهشة على وجهه:
– "لكن…"
صرخت فجأة:
– "أخرج!"
بعدما خرج غيلبارت، أمسكت بياتريس بأغراضها وغادرت المكتب على عجل. التفتت نحو موظفة الاستقبال وقالت بصوت منخفض:
– إذا سأل أحد عني، فقولي إنني لست موجودة.
ثم خرجت إلى الشارع، تتلفّت حولها بقلق. همست لنفسها:
– إلى أين أذهب الآن؟
خفضت نظرها نحو يدها، لتكتشف أن الملف ما زال معها. ابتسمت بسخرية وقالت:
– حقًا… كل هذا الجنون بسبب ملف؟
قررت الدخول إلى مقهى قريب، جلست إلى طاولة في الزاوية وطلبت فنجان قهوة. أخرجت ورقة وبدأت بترتيب أفكارها، محاولة إقناع نفسها أن الرجل ذو الرداء الأسود لم يكن سوى وهم من صنع خيالها المرهق.
وفجأة، جاءها صوت مألوف من خلفها:
– مرحبًا… ما الأخبار؟ أحسنتِ بعدم إخبار صديقك العزيز.
التفتت بياتريس بحدة، فإذا بليونارد يقف مبتسمًا. قالت له بنبرة حازمة:
– أنا جاهزة، قل لي الآن ما الذي يحدث.
ساد الصمت لثوانٍ، ثم أجابها وهو يبتعد:
– أعتقد أنكِ يجب أن تكتشفي كل الأمور بنفسك.
نهضت بياتريس مسرعة، وخرجت خلفه، لكن الشارع كان فارغًا… كأنه اختفى في الهواء. عادت إلى منزلها وقررت أن تضع حدًا لوساوسها. نظرت إلى الملف، وقالت لنفسها:
– لا وجود للعَنات… ولا للأرواح. كلها خرافات.
فتحت الملف بحذر، لكن ما رأته جعل الدم يتجمّد في عروقها… كان الملف فارغًا تمامًا. صرخت بياتريس بغضب:
– كل هذا… وهو فارغ؟!
رن الهاتف فجأة، أمسكت بالسماعة، وجاءها صوت ليونارد بضحك هستيري:
– عزيزتي بياتريس… الملف فارغ، أليس كذلك؟ حسنًا، الآن اذهبي لرؤيته مجددًا.
وقبل أن تتمكن من سؤاله عن المعنى، كان قد أغلق الخط.
> ركضت بياتريس نحو الملف، وانتزعت الغلاف بيد مرتجفة، لكن ما رأته هذه المرة جعل الدم يتجمّد في عروقها. شهقت، وأفلتت الملف من يدها كأنه جمرة، فتبعثرت أوراقه على الأرض. تراجعت خطوتين إلى الخلف، وعيناها متسعتان من الهلع، ثم اندفعت خارج الغرفة دون أن تلتفت خلفها.
ايلاف ايلاف