الفصل التاسع:التعمق بالسر
فجأة اختفى كل شيء، وكأن الرجل الأسود لم يكن موجودًا قط. لكن بياتريس لم تستطع تجاهل الحقيقة… إحساس الخنق الذي اجتاحها كان واقعيًا إلى حد الرعب. وضعت يدها على عنقها المرتجف، تحاول استيعاب ما جرى.
رن الهاتف فجأة، اخترق صوته صمت الغرفة الموحش. نهضت بياتريس بخطوات مترددة نحو الطاولة، جلست ثم التقطت السماعة بصوت متقطع وهي تسعل:
– ألو…
جاءها صوت ليونارد هادئًا، لكنه يحمل قلقًا غريبًا:
– هل أنت بخير؟ صوتك لا يبدو طبيعيًا.
تجمدت بياتريس للحظة، ثم سألته بحدّة:
– كيف عرفت…؟
انخفض صوته أكثر، كأنه يهمس بسرّ:
– الكائن الأسود… أليس كذلك؟ هل ظهر لك مجددًا؟
شهقت بياتريس وقد اتسعت عيناها:
– كيف… كيف عرفت؟
قال بنبرة ثابتة كأنها حقيقة لا جدال فيها:
– كلما ظهر لك، كلما اقترب موعد موتك أكثر.
شعرت بياتريس بقشعريرة تسري في جسدها، وصوت قلبها يخفق كطبل في صدرها. لم تستطع الكلام للحظات، بينما تابع هو قائلًا:
– لكن… هل أنت بخير الآن؟
ارتبكت بياتريس. طوال لقاءاتهما السابقة لم يسألها ليونارد عن حالها قط… لماذا الآن؟ هل يكترث حقًا؟ أم أن وراء سؤاله ما هو أخطر؟
قالت بصوت خافت:
– نعم… بخير.
صمت للحظة، ثم قال ببرود غريب يختلط بجدية:
– أرجوكِ… اعتني بنفسك.
ثم انقطع الاتصال، تاركًا بياتريس غارقة في أسئلة لا تنتهي…
أغلقت بياتريس الخط، ثم تمتمت لنفسها:
– لعلّ ليونارد ليس بذلك السوء… رغم أنّ لقائي الأول به لم يكن مريحًا، وانطباعنا عن بعضنا لم يكن جيدًا. لكنّي شعرت اليوم أنّه شخص صالح، يحاول إخفاء طيبته خلف قناع من الغموض.
ابتسمت للحظة، ثم نهضت قائلة بحزم:
– حسنًا، الآن يجب أن أواصل البحث عن كيرل.
اقتربت من مكتبها، فتحت أحد الأدراج لتستخرج بعض الأوراق… لكنها تجمّدت فجأة. هناك ورقة لم ترها من قبل. التقطتها بسرعة، وعيناها تتسعان كلما قرأت ما عليها: "عنوان منزل – كيرل أنيوبارك."
شهقت بياتريس:
– ماذا؟! كيف وصلت هذه الورقة إلى هنا؟ ومن وضعها؟
لم تجد إجابة، فازدادت حيرتها. لكنها تماسكت، جمعت أغراضها وقررت أن تذهب إلى العنوان المكتوب مهما كان الثمن.
رحلت على الفور، حتى وصلت بعد ساعة إلى منزل قديم متهالك، جدرانه متشققة والنوافذ يعلوها الغبار. ترددت قليلًا، ثم رفعت يدها وطرقت الباب.
فتح لها رجل في الأربعين من عمره، ملامحه قاسية لكنها تحمل أثرًا من الإرهاق. حدّق فيها طويلًا، ثم قال بصوت واثق:
– بياتريس… ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟
تراجعت خطوة إلى الوراء، مصدومة:
– ك… كيف تعرف اسمي؟!
ارتسمت ابتسامة غامضة على شفتيه، وقال بهدوء:
– وكيف لا أعرفك…؟ رغم أنّك لا تعرفينني، لكنني أعرفك منذ زمن بعيد.
قال لها الرجل بنبرة حاسمة:
– ادخلي الآن، دعينا نتحدث.
دخلت بياتريس بخطوات مترددة، وجلست قبالته وهي لا تزال تنظر إليه بريبة. قال لها بهدوء:
– إذن، ما الذي أحضرك إلى هنا؟
حدّقت فيه ثم تجرأت لتسأله:
– كيف تعرف اسمي؟
ابتسم ابتسامة باهتة وأجاب:
– كنتُ صديق والدك في العمل.
تجمّدت بياتريس في مكانها، قلبها يخفق بعنف. لكن الخوف تسلل إليها حين خطرت ببالها فكرة: كيف لم يذكر غراهام هذا الاسم من قبل؟
تابع الرجل وهو يتأملها:
– أظن أنّك أدركتِ أن هويتي الحقيقية ما زالت مخفيّة.
قالت بتوتر:
– نعم… هذا صحيح.
– إذن، لماذا جئتِ إليّ؟
أطرقت بياتريس برأسها، ثم رفعت عينيها نحوه بجرأة وقالت:
– سأطرح عليك سؤالاً واحدًا فقط… هل ترى ذلك "الشخص الأسود" الذي يحاول قتلك؟
تبدّل وجهه فجأة، نظراته أصبحت أكثر حدّة، ثم قال ببطء:
– نعم، أراه… لكن كيف عرفتِ أنتِ بذلك؟
ترددت بياتريس، ثم همست:
– لا أعلم… لا أعلم ماذا يجب أن أقول. كل ما أعرفه أنني أحاول مساعدتك.
– مساعدتي؟! ومن مَن؟
نظرت إليه بارتباك شديد وقالت:
– لا يمكنني إخبارك الآن… ليس بعد.
ايلاف ايلاف