الفصل السادس : عشاء الكارثة

الفصل السادس : عشاء الكارثة

22 0

فتح آرثر باب غرفة التمريض بهدوء، فارتد ضوء خافت من شاشة الحاسوب على وجه كريستوفر، الذي كان منكبًا على بياناته.

على الشاشة، كانت المعلومة بارزة بوضوح:"لا يوجد سجل لمرضى القلب بين طلاب السنة الأولى."

قال آرثر بنبرة مهذبة:"المعذرة..."

استدار كريستوفر فورًا، نظر إليهم، ثم وقعت عيناه على يوما محمولًا على ظهر زاك.نهض من كرسيه دون أن يتردد وقال بهدوءٍ جاد:"ضَعْه على السرير."

اقترب زاك بخطوات محسوبة، ووضع يوما على السرير كما هو... حتى حذاؤه لم يُنزع.كريستوفر فتح أحد أدراج مكتبه، أخرج منه مقصًا طبيًا، وتوجه به نحو يوما.قص كم قميصه حتى الكتف، بعناية وخبرة،بينما وقف زاك وآرثر جانبًا، متجنبين إرباكه.

كانت عينا آرثر تراقبان كريستوفر وهو يعمل،في حين شردت نظرات زاك نحو شاشة الحاسوب، كأن شيئًا ما أثار فضوله.

حين أمسك كريستوفر بزجاجة المطهر استعدادًا لتعقيم الجرح،جاءه صوت يوما، ناعمًا، لكنه واضح:"انا أسف يوما..."

توقف الجميع للحظة،ونظراتهم تجمدت نحو الفتى المستلقي،عيناه نصف مغلقتين، كأنه يهذي بما لا يُفهم.فتح كريستوفر الدرج المجاور للسرير،وأخرج منه علبة أدوات صغيرة،في حين تابع يوما، بصوتٍ أقرب إلى الهمس:"ستتحرر قريبًا... أعدك، يوما..."

سكنت ملامحه... نام.سادت الغرفة لحظة صمت.كلٌّ منهم يحاول فك طلاسم تلك الجملة الأخيرة، لكن بلا جدوى.

قال زاك، بنبرة حائرة:"ماذا حدث له؟"نظر إلى آرثر... لكن الأخير اكتفى بهز رأسه، لا يملك جوابًا.

كان كريستوفر يعقم الجرح بهدوء حين قال: "أعطيته مخدرًا بسيطًا...لديه سلوك عنيف تجاه الأطباء،ولو استيقظ الآن، سيهرب من هنا فورًا."

جلس زاك على كرسي كريستوفر وكأنه صاحب المكان.رمقه آرثر بنظرة ممتعضة وقال بنبرة حازمة:"ماذا تفعل؟ أظهر بعض الاحترام."

لكن زاك، كما اعتاد، لم يتأثر.رفع ساقًا على الأخرى، وأسند ظهره باسترخاء، ثم قال بتهكم:"أستاذ كريستوفر... هل تمتلك الصلاحية لفتح سيرفرات المدرسة بعد إغلاقها؟"

لم ينبس كريستوفر بكلمة، ولم تزح عينه عن ذراع يوما التي كان يلفّها بالضماد.آرثر قرر أن يصمت، فاتخذ وضعية المستمع، بينما زاك تابع حديثه بثقة وهدوء يشوبه الخبث:"الفتى الذي ينام فوق هذا السرير... تم إدخاله للمدرسة بطريقة غير قانونية."

ظل كريستوفر صامتًا، يركز على ضماد الجرح.لكن زاك لم يكن بحاجة لرد، فقد بدأ صوته يأخذ نبرة أكثر خطورة وهو يقول:

"أنا أشك في عدد من العائلات، ومن بينها عائلتك، أستاذ.أنتم تملكون القوة المالية الكافية لفعل أشياء... مثل هذه.لكن لا يعني هذا أنني أتهمك، بالطبع..."

أنهى كريستوفر تضميد الذراع، ونهض من كرسيه ببطء.رفع عينيه نحو زاك،كانت نظرته... باردة. لا خوف، لا غضب، لا إنكار — فقط جليد.

ابتسم زاك لتلك البرودة، وكأنها أجابته بصمت.نهض من الكرسي وهو يقول بسخرية:"هيا بنا، قد أطرد من هنا قريبًا."

ثم توقف عند الباب، وألقى جملته الأخيرة بنبرة أخف من الهمس لكنها تقطع الهواء كالسكاكين:"لكن... سنرى من سيدخل السجن الشهر القادم.التحقيق لم يُخطئ حتى الآن."

غادر، وتبعه آرثر بصمت.تركوا كريستوفر واقفًا بجوار السرير، صامتًا.

لم يعد الأمر بحاجة إلى كلمات.زاك لم يطلق هذه الاتهامات عبثًا.كان يمتلك ما يكفي من الأدلة،وينتظر فقط إذن التفتيش كي يضع النقاط على الحروف.

بدأ كريستوفر يدرك — دخول يوما إلى حياتهم...لم يكن مجرد صدفة، بل بداية لعاصفة تهدد كل ما تبقى من عائلة بالكاد بدأت تتماسك من جديد.

.........

فتح يوما عينيه ببطء.ضوء خافت بلون الغروب تسلل من النافذة القريبة، مُفلترًا بستارة شفافة تخفي وهج الشمس المائلة للأحمر.

جدران المكان كانت أقرب لستائر الطوارئ في المستشفيات، تحيطه من كل الجهات، تخنقه دون أن تلمسه.

الألم... كان أول من استقبله عند استيقاظه.كأن الجسد لم يصبر لحظة دون أن يطالبه بالاهتمام.رفع ذراعه المثخنة بالجراح، فرأى كمّه ممزقًا حتى الكتف، وضمادات تلف مرفقه وكتفه بإحكام.

اتسعت عيناه، وارتفع صدره بانفعال.دون تفكير، نهض من السرير وأزاح الستارة جانبًا كما لو أنه يفتح باب زنزانة.وهنالك... كان الأستاذ كريستوفر جالسًا أمام مكتبه، يكتب على الحاسiب بهدوء مريب.

رفع كريستوفر رأسه بمجرد أن سمع الحركة، وابتسم برقة:"لقد استيقظت... الحمد لله أنك بخير. لا تُجهد نفسك كثيرًا، ضغطك كان منخفضًا جدًا عندما أحضروك، وكنت تهذي بكلام غريب. لذا... اضطررت لتخديرك حتى أتمكن من علاجك."

لكن يوما لم يسمع الكلمات كلها.تراجع خطوة إلى الوراء، أنفاسه تتسارع، صدره يهتز كأن قلبه يقرع داخله كالطبول.تغيرت ملامحه في لحظة — ليس ألماً... بل خوفاً.

كريستوفر وقف من مكانه بهدوء، وأزاح الكرسي جانبًا، واقترب بخطوات محسوبة.لكنه سرعان ما توقّف عندما لاحظ ارتعاش يوما.

لم يكن هذا رد فعل جسد يتألم، بل جسد يتذكّر.شيء أعمق من الجرح... شيء قديم.

منذ لقائه الأول بيوما، لاحظ كريستوفر كراهيته الشديدة للأطباء والمستشفيات.تذكّر حينها ذلك الرعب الصامت الذي اجتاحه عند ذكر والده لمختبر ليويامي...اسمه وحده كافٍ لتجمّد أي قلب.

إن كانت هناك سمعة أسوأ من ليويامي، فهي لبيراست... لكن يوما لم يكن يميز بينهما. كلاهما كانا جحيماً بالنسبة له.

ربت كريستوفر بلطف على كتف يوما اليسرى وقال بصوت خفيض، هادئ كمن يحاول تهدئة قنبلة على وشك الانفجار:

"اهدأ... لن أؤذيك، فقط سيطر على نفسك قليلاً."

لكن الكلمات، رغم حسن نيتها، لم تفعل سوى أن أجّجت النار.رأى كريستوفر كيف اتسعت عينا يوما، وكيف شدّت أنفاسه صدره كأنه يحبس بركانًا داخله.أدرك الطبيب أن هذا ليس وقت الاقتراب... فاستدار مبتعدًا، وتوجه بهدوء نحو الأريكة المقابلة لمكتبه.

كانت هناك حقيبة موضوعة فوقها. أمسكها كريستوفر بيده، لكن قبل أن يفعل شيئًا بها...سمع صوت الباب.

التفت على الفور —كان الباب مفتوحًا، والمكان... خاليًا.

في الخارج، كان يوما يهبط الدرج ببطء.وجهه محتقن باللون الأحمر، ويده اليسرى تغطي فمه، كأنه يمنع نفسه من لفظ شيء لا يجب أن يُقال.

نظرة سريعة إلى ثيابه تخبرك بالحكاية: ملابسه المدرسية ملطخة بالدم، كمّه الأيمن ممزق حتى الكتف، ويده اليمنى مغطاة بالكامل بالضمادات.

أخذ نفسًا عميقًا.لأي درجة... أصبح شكله مثيرًا للشفقة؟

وفجأة، يد دافئة أمسكت بكتفه. استدار يوما بفزع... لكن الابتسامة المشرقة التي قابلته أخمدت فزعه.كان آرثر. وراءه، صديقه الاستاذ المساعد،و يقف بكسل، يعبث بهاتف بطاريته قد ماتت منذ زمن.

يوما لم يُصدق صدفة لقائهما الآن، لكنه لم يعلّق.نزلوا معًا بقية الدرج، وآرثر يواصل سؤاله: "هل أنت بخير الآن؟ هل الألم خفّ؟"وكان يوما لا يجيب إلا بكلمة واحدة:"نعم."

وصلوا إلى بوابة المدرسة. وقفوا قليلاً عند المخرج، قبل أن يغادر الأستاذان. مدّ زاك يده، وربت على رأس يوما، ثم ضغط قليلاً على شعره بيده الكبيرة.

ابتسم، وقال بصوته اللطيف، الذي يحمل خلف خفته حكمة الحياة: "يا ولد... الحياة صعبة إذا خانك الآخرون. لكنها تصير أصعب لو خانتك صحتك.فقط... استمر في العيش."ثم أضاف هامسًا، بصوته العفوي:"...حتى تموت كما تريد."

تجمدت الدهشة على وجه الفتى، أي حكمة رخيصةٍ هذه.جاء آرثر من خلفه، وربت على كتفه ضاحكًا وقال:"لا تصدق هذا المغفل، حسنًا؟ أراك غدًا، يوما."

غادر الاثنان، بينما ظل يوما واقفًا وحده.ابتسم بهدوء — ربما البقاء هنا لشهرين... ليس خيارًا سيئًا كما كان يظن.

في مواقف المدرسة الأمامية، فتح زاك باب إحدى السيارات وانزلق إلى مقعد السائق.

جلس آرثر بجواره بسرعة، ربط حزام الأمان على الفور، بينما زاك وضع نظارته الشمسية على عينيه وقال بفخر وثقة:

"هل هو في الحضانة القريبة من الثانوية؟" أومأ آرثر برأسه بنعم، والعرق بدأ يتصبب من جبينه.

انطلقت السيارة بسرعة جنونية، وتركت خلفها إعصارًا صغيرًا من الرمال، كما لو أنها تطارد الريح.

................

في المدرسة، كان يوما لا يزال جالسًا على الدرج.وكالعادة، استيقاظه دائمًا متزامن مع شعوره بالألم.

وضع أحدهم يده على كتفه.استدار يوما ببطء، والتقت عيناه بعيني رييد.

بصوت هادئ مصحوب بخشونة خفيفة، قال رييد:"يوما... لماذا هربت من مكتب كريستوفر؟ لماذا تظن أنه سيؤذيك أصلاً؟"

ابتسم يوما ابتسامة صغيرة، وقال: "لو شرحت لك ما أعانيه لمئة سنة... لن تفهمني قط."

نهض من على الدرج، لكنه ترنّح قليلًا. مدّ رييد ذراعه، أمسك به من كتفه، وجعله يستند عليه.

سارا معًا إلى خارج المدرسة. السيارة كانت بانتظارهما. في المقاعد الخلفية كان سيزار منشغلاً بهاتفه، بالكاد لاحظ دخولهما — مما يعني أن الوضع "شبه آمن".

أما في الأمام، فكان ميشيل جالسًا بجانب مقعد السائق الفارغ. طبعًا... لو جلس ميشيل في الخلف، قد يعضه سيزار "عن طريق الخطأ"، مثلاً ف الإحتياط واجب.

فتح رييد باب السيارة ودخل أولًا، تَبِعه يوما بهدوء.داخل السيارة، كان سيزار يعبث بهاتفه، لكنه رفع رأسه لبرهة ليتفحص الداخل.

حين لمح يوما يرتدي سترة رييد البيضاء، ارتفعت حاجبه تلقائيًا... بدأ يشك — لا، بدأ يتأكد — أن رييد يهتم حقًا بهذا الفتى المزعج.

جلس يوما في مقعده وأخذ نفسًا عميقًا، ثم أمسك بصدره.أغلق عينيه بشدة... الألم هناك، في صدره، كما لو أن قلبه يحاول تمزيق قفصه الصدري.

تذكر كلمات زاك... عن الصحة والخيانة والموت باختيارك.حاول أن يتفاءل، أن يتماسك، أن يبتلع القلق.لكن صوت فتح الباب الأمامي للسيارة مزق هدوء اللحظة.

التفت، ولمح كريستوفر يدخل، يحمل الحقيبة التي كانت على الأريكة في مكتبه. في لحظة واحدة، سقط قلب يوما في معدته.

توسعت عيناه، وفتح باب السيارة فجأة واندفع خارجها كمن فرّ من قيدٍ خفي.

وقف يوما بعيدًا، وقد أسند ظهره على سور المدرسة.كان يلهث، يشهق وكأن الهواء يهرب منه.وجهه شاحب، أنفاسه ثقيلة، نظراته هاربة.

ركض الاخر نحوه وصرخ، صوته حاد وقلق:"ماذا تفعل؟ما خطبك ؟!"

فتح يوما عينيه بصعوبة، نظرة منهكة، صوته متهالك لكنه حاد:"اقفز معه إلى الجحيم... وبئس المصير لكما. لن أركب معه في نفس السيارة."

لم يكن يتوقع أي رد. لكنه نسي مع من يتحدث.في لحظة، اختفى رييد من أمامه.وقبل أن يستوعب يوما ما يجري... شعر بضربة قاسية تخترق معدته.شهق، وانحنى على نفسه، ثم سقط أرضًا.

لكنه لم يفقد وعيه.

فتح عينيه بصعوبة، فوقه وقف رييد، ملامحه باردة كالثلج، صوته منخفض لكنه مشبع بالغضب:"إذا لم تكن مستعدًا لمواجهة ماضيك، فلن تستطيع أبداً البقاء معنا.أتظن أنني لا اعرف من تكون؟".

في غرفة المراقبة الصغيرة، قرب بوابة المدرسة، لمح ضابط الأمن ما حدث.نهض بسرعة، فتح الباب، وخرج ليتفقد الوضع.

تجمّد الجميع داخل السيارة من شدّة الصدمة. كريستوفر قفز من مقعده وركض نحوهم وهو يصيح: "رييد! هل جننت؟! لما ضربته؟ لا تزد عليه أمراضًا فوق أمراضه!"

أبطأ خطواته وهو يقترب، عينيه على رييد الذي لم يُعره انتباهًا. كان يوما لا يزال على الأرض، يحتضن جسده من شدة الألم، يلهث بصعوبة.

اقترب منه رييد، جاثيًا بجانبه للحظة، ثم أمسك بياقة قميصه بعنف، ورفعه عن الأرض كما لو كان دمية.قال بصوت منخفض، لكنه مشحون بالتهديد:

"إسمعني جيدًا... لا تختبر صبري."

اقترب أكثر، عيونه نار متقدة:"كنت لطيفًا معك فقط لأنك مريض... فقط لأنك أعدته لي. غير هذا، أنا جحيم يمشي على قدمين."

شدّ قبضته على رقبة يوما حتى بدا كأن عنقه سيتحطم بين أصابعه. كانت أنفاس الفتى تنقطع، يداه تتخبط، وجهه يشحب.

لحظة ثقيلة... ثم، بهدوء غريب، خفتت نظرات رييد، وتركه.سقط الفتى على الأرض يتنفس بصعوبة، يسعل بعنف.

من بعيد، سيزار ابتسم... مشهد الفوضى هذا راق له.كريستوفر وقف مكانه عاجزًا، لم يصدق ما رآه.

ميشيل، الذي لم يتحمل أكثر، خرج من السيارة وركض نحوهم.بمجرد أن اقترب، دفع رييد بعنف وصاح، صوته انفجر كالبركان:

"هل فقدت عقلك؟! أمس كنت تدافع عنه، واليوم تكاد تقتله؟! هل سيزار مسح دماغك؟!"رفع يده ولكم بها، لكن رييد تفادى الضربة بمرونة، ثم أمسك بذراعه وأوقفه.

اقترب منه وجهًا لوجه، وقال بصوت منخفض يحمل وراءه قنبلة من التوتر:"لقد... طفح الكيل."

صمت لحظة، ثم أكمل، عينيه تعود لتلمع بالحدة:"لم أتخيل في حياتي أنني سأقول هذا..."

أبعد يد ميشيل عنه، ثم قال ببرود كالثلج:"كان لدى سيزار وجهة نظر حين ضرب رأسك."

تجمّد ميشيل في مكانه، وجهه مصدوم كأن صفعة غير مرئية لطمت قلبه.تسمرت عيناه، جسده تراخى، حتى أن كلماته خانته.

حدق في الأرض بصمت.لماذا؟من بين الجميع... لماذا قالها له؟هو من ظن دائمًا أنه أقرب إليه من أخيه سيزار.

لم يُعر رييد أي اهتمام لردّة فعل ميشيل، لم ينظر حتى نحوه.

كانت عيناه قد زاغتا نحو يوما، الذي نهض بصعوبة، يتأرجح كأن جسده لا يطيعه. لم يستطع الوقوف مستقيمًا، لكنه رفع رأسه، ونظر إلى رييد نظرة امتلأت بالكراهية.

ثم صرخ، صوته مشحون بالخذلان والغضب:"حسنًا... الآن تذكّرت أين رأيتني! ماذا تريد مني؟ ما الذي يجعلك متشبثًا بي بهذا الشكل؟! تبا لك... وتبا لمملكتك المستعمَرة الحقيرة، التي تكاد تقدّسك أنت وتلك الحثالة المسماة بعائلة يونازوكي!"ما إن أنهى كلماته، حتى انقبض صدره فجأة، خفق قلبه بقوة...وضع يده على قلبه، وركبتيه على الأرض، يحاول تنظيم أنفاسه التي بدأت تتقطع.

مد رييد يده نحوه، لكن يدًا أخرى أمسكته فجأة.كان ذلك ضابط الأمن، الذي صاح بصوت غاضب ملأ المكان:"ما الذي تفعله لهذا الصغير؟! أتجرؤ على ضربه وأنت من الصف الثاني؟! ما هذا التكبر؟!"

ثم نظر إلى كريستوفر، تأنيبه يجلجل:"وأنت يا أستاذ كريستوفر... ترى كل هذا وتقف ساكنًا؟! أهذا ما يفعله أطباء المدارس؟ من أعطاك ترخيص التعليم أصلاً؟!"

لحظة من الصمت ثقيلة...

ثم، من داخل السيارة، انطلقت ضحكة خفيفة، واطئة...سيزار.ضحكته المتحفظة، تحولت تدريجيًا إلى ضحكة مرتفعة، صاخبة، تزداد حدّة وتهكمًا كل ثانية.

استدار الجميع ونظروا إليه، ما عدا رييد، الذي ظلّ يحدق في يوما، ونفسه يحبس بداخله زوبعة.ضحكة سيزار بلغت ذروتها، قهقهة خبيثة تملأ الأجواء.

حينها... انفجر كريستوفر أخيرًا، الغضب تفجّر في صوته كالرعد:"اخرس، سيزار!!!"

صرخها من أعماقه، بصوتٍ خشنٍ حاد، جعل الجميع يرتجفون، كأن الصرخة نفسها صفعة.توقف كل شيء.حتى الضحك.حتى الزمن.

ما عدا رييد...الذي بقي ثابتا في مكانه، عينيه لا تبارحان يوما، كأن الزمن كله اختُصر في ذلك الفتى المنهك أمامه.

نظر سيزار من خلف النافذة، ابتسامة لامبالية على وجهه، وقال بنبرة سخرية باردة:"إسمع يا رجل... أنت تُثير الضحك فعلًا. تتظاهر بأن لديك إنسانية؟ لا أحد يمتلك واحدة حقًا."

الغضب اشتعل في وجه ضابط الأمن، قبضته شدّت على ذراع رييد الذي ما يزال واقفًا، غير مكترث.قال الضابط، والصوت يختنق في حنجرته من الغضب:"أتُراني يجب أن أجلس في السيارة وأشاهد، مثلك؟"

مال سيزار بجسده على باب السيارة، وأظهر ملامحًا شبه غبية، نبرة صوته تنضح استفزازًا:"على يسارك يقف الأستاذ كريستوفر... صاحب أفضل سمعة في المدرسة. لم يتدخل، يا ترى، لماذا؟"

تجمّد ضابط الأمن.القطع بدأت تتراص في ذهنه...السلطة، التسلسل الطبقي، من يكون من.يد رييد التي يمسكها بدأت تبث له الحقيقة كلها، كأنها وشم على جلده.

ببطء، وبانكسار، أفلت اليد .ثم، أمام الجميع، جثا على ركبتيه، صوته يرتعش:"أنا... أرجوك، اغفر لي، لم أكن أعلم، سموّك..."لكن رييد لم يلتفت له حتى.عيناه ما تزالان تراقبان يوما.

في الخلف، وقف ميشيل مشلولًا من الصدمة، غير قادر على استيعاب تسلسل الأحداث:

رييد يخنق صديقهم.كريستوفر... ينسحب بهدوء إلى السيارة، هاربًا من كل شيء.سيزار يضحك، وكأن كل ما يحدث لعبة يعرف نهايتها.

وأخيرًا، هذا الضابط الذي قبل لحظة كان يتحدث عن العدالة والشجاعة...الآن، ينحني على الأرض يطلب الغفران.

ضحك سيزار مجددًا، ضحكة هادئة هذه المرة، ثم رفع عينيه عن هاتفه وقال بصوت هادئ، ولكنه مليء بالسمّ:"كثيرًا ما تقولون إنكم تدعمون الأرض المحتلة، أليس كذلك؟ كذبة سمعناها في كل مكان. وصدّقها الأغبياء، طبعًا، بعد تلك الخُطبة السخيفة التي ألقاها المغفل كازوما."ثم أدار وجهه نحو يوما، وأكمل وهو يبتسم ابتسامة لا تحمل شيئًا سوى القرف:"ها هو ذا... ابن تلك الأرض، يتعرّض للإهانة من أمير نورثلاند... ولا أحد يفعل شيئًا."

أخفض ميشيل رأسه، عيناه تفرّان من مواجهة الحقيقة.

كلمات سيزار... كانت سكاكين.والأسوأ؟ أنه لم يكذب.بصمت، أغمض ميشيل عينيه.لم يحتج لأي إعلان.في قلبه، عرف أن الصداقة التي جمعته بـ رييد... قد انتهت.

أمسك رييد بطرف سترة يوما من الكتف، وسحبه لأعلى، جعله ينهض رغمًا عنه.في مملكة الأقوياء... لا مكان للضعفاء.وهذا هو قانون العالم هنا، ولا أحد يجرؤ على تغييره.دون أن يتبادل معه كلمة، جرّه نحو السيارة، فتح الباب، ودفعه إلى الداخل بقوة.ثم دخل خلفه، وأغلق الباب خلفهما بعنف...ارتجّ الزجاج وتناثر شرره كأنه يعترض على ما حدث. في الخارج، وقف ميشيل ينظر إلى ضابط الأمن المنهار، وقال بصوت ثقيل، مكسور:"كم يليق بنا التراب... هل تتفق معي؟"

لكن الرجل لم يرفع رأسه.الصمت كان الجواب الوحيد، وصوت الريح يملأ الفراغ.بخطوات خامدة، اتجه ميشيل نحو السيارة، وجلس بجانب شقيقه الأكبر، كريستوفر.نظر نحوه... لكن كريستوفر لم يبادله النظرة.ليس لأنه لا يريد.بل لأنه لا يستطيع.كيف ينظر رجل في عين أخيه بعدما صمت كجبان؟كيف يشرح أن ضميره أسوأ من أي صفعة؟كان صمته اعترافًا بكل شيء.

حرك كريستوفر السيارة، وغادرت المدرسة أخيرًا.وحين اختفت السيارة عن الأنظار، رفع رجل الأمن رأسه وأخذ شهيقًا عميقًا، كأنه نجا من موت مؤجل."لقد نجوت بأعجوبة..." تمتمها، ثم نهض وتمدد وكأن شيئًا لم يكن، وعاد إلى غرفة المراقبة.

أما في السيارة، فقد فتح يوما عينيه ببطء.ألم صدره خفّ قليلًا، لكن قلبه ما يزال ينبض بطريقة فوضوية.على يساره: رييد، الجدار الصلب الذي لا يرحم.على يمينه: سيزار، المختل المتحفز، الذي تثيره الفوضى.وأمامه: كريستوفر، الطبيب الذي يخيفه أكثر من أي مرض.

يوما يعلم الحقيقة جيدًا:إن حاول الهروب، سيُقتل.وإن حاول الدفاع، فأسنانه ستتكسر على جسد رييد قبل أن يُحدث خدشًا.حتى العضّ لم يعد خيارًا.

في نفسه، رفع الراية البيضاء.همس في داخله مستسلمًا:"شهرين فقط... لن يكون الانتظار صعبًا... أليس كذلك؟" حاول أن يواسي نفسه، متجاهلًا أن الزمن في حضرة هؤلاء...يمر كالعقاب، لا كعدّاد أيام.

وضع سيزار يده على رأس يوما، الأقصر منه، وجعله ينحني، مستندًا رأسه إلى رأس الصغير.حدق بعينيه المليئتين بالسخرية نحو رييد الذي كان يتطلع إلى النافذة، كأنه لا يعبأ بما يحدث.

قال بصوتٍ ساخر:"جميل، رييد... أخيرًا بدأت تظهر ألوانك الحقيقية."

لم يحرك رييد ساكنًا، لكنه لم يرد أيضًا، بينما وقف ميشيل متفرجًا، متمنيًا لو أن أخاه صامت وأعمى في تلك اللحظة.

استمر سيزار بالكلام بكلمات لا تحمل وزنًا سوى الضيق والازدراء:"يبدو أن رييد قرر ترك النفاق جانبًا... وأخيرًا صار يضغط على يوما كما يستحق."

ضغط سيزار على رأس يوما بقوة، حتى دفع الأخير ذراع سيزار بعيدًا عن رأسه، وقال بغضبٍ واضح:"أريكة، تراني أنا؟! إذهب للجحيم."

ابتسم سيزار ابتسامة مملوءة بالاحتقار، ثم شد شعر يوما بعنف، وردّ عليه ساخراً:"ومن سمح لك تدفع ذراعي عن راسي؟ أريكة ولا كيس ملاكمة؟ مين قال إني مهتم؟! إخرس."

وجه الإثنين تلاقت عيونهما، كانتا تكادان تمزقان بعضهما بالنظرات الحارقة التي لا تخلو من الكراهية.

توقف كريستوفر بالسيارة عند إشارة مرور، وقال بهدوء، وكأن قواه قد نفدت:"هذا يكفي يا سيزار."

لكن ذلك الهدوء لم يكن له تأثير، فسيزار لم يكن من النوع الذي يتوقف بسهولة.استمر الشجار والمشاحنات بينه وبين يوما حتى وصلوا إلى المنزل بطريقة ما.

خرج رييد أولًا، تلاه يوما بسرعة، وهو يفرغ كيسًا من الشتائم تجاه سيزار.لكن فجأة، أمسك رأسه وظهر على وجهه شحوب مفاجئ.

نظر حوله، ورأى كريستوفر ورييد يراقبان التغير الغريب في حالته.تمتم يوما لنفسه بهمس خافت:"اهدأ... أرجوك... ليس الآن..."

ضم نفسه، وأغلق عينيه، وبدأ يرتجف، كما لو أن بردًا قارسًا قد اخترق جسده.كان الجو باردًا، لكنه ليس بارداً لدرجة تُبرّد العظام.

قال رييد بنبرة حادة:"تحرك، ليما انت واقف؟"نظر يوما إليه بضيق، كان يريد أن يصرخ ويقذف عليه بأقسى الشتائم،لكن تبقى أنه مضطر للصبر... فشهران فقط... لا يستحق أن يهرب بيد أو قدم مكسورة.فاستسلم للأمر الواقع، تحرك ببطء نحو باب المنزل، ودخلوا جميعًا.

...................

في غرفة  يوما.

دون أن يطرق الباب، فتح ببساطة ودخل رييد إلى غرفة يوما.وجد الفتى مستلقيًا على السرير كأنه جثة هامدة، لم يبدل ملابسه، وكتفه يقطر دمًا، وكذلك مرفقه.تنهد طويلًا، واتجه نحو السرير، وضع يديه على ركبتيه، وأنزل ظهره ببطء قائلاً بهدوء:"أعلم أنك مستيقظ... لا تتظاهر بدور الميت."

فتح يوما عينيه ببطء، ونظر إليه بحدة:"لقد ضربتني ضربًا مبرحًا اليوم، والآن تأتي وتتظاهر باللطف؟ أنفصام شخصية لديك أنت."اعتدل رييد في وقفته، بنبرة حازمة:"قلت لك... لا تختبر صبري. وكانت هذه النتيجة... الآن لديك خياران."

اعتدل يوما من وضعية النائم المستلقي إلى وضع الجلوس المتربع، ونظر إلى رييد بعيون متعبة، مستعدًا لسماع قراره القاسي.تابع رييد:"الخيار الأول... تنزل وتتناول العشاء."ارتسم على وجه يوما تعبير قرف واضح، وازرق وجهه، لكنه لم يكن مهتمًا برييد الذي أكمل:"الخيار الثاني... تذهب لحجرة التدريب وتتدرب مع سيزار."

لم يزرق وجه يوما هذه المرة، لكنه أصبح ورقة رقيقة على وشك التمزق، إذ أن الخيار الأول بالنسبة له كان جحيماً، والثاني جحيمًا أكبر.تصنع يوما ابتسامة ضعيفة، وقال بأمل كاذب:"هل من خيارات أخرى يا سمو الأمير؟"

في آخر كلمة، تحول صوته إلى نغمة ألطف، ونظراته انقلبت إلى نظرات طفل صغير يكاد يبكي، لكن رييد لم يكترث، وجهه كان يقول بصراحة: لا.

فقد الأمل، أو بالأحرى لم يكن هناك أمل في الأساس. كان عليه أن يختار، وتناول العشاء كان الحل الأسلم.

نظر يوما إلى رييد بنظرة ترجي، لكنها لم تجد أي صدى.رفع رأسه وهو ينظر إلى السقف، وقال:"حسنًا، لقد فزت. سأتناول وجبة العشاء."

أشار رييد بإصبعه نحو الخزانة:"لا تنوي أن تنزل بهذا الشكل، بدل ثيابك... أنا أنتظرك في الخارج. أسرع."

خرج رييد من الغرفة، تاركًا يوما يتأمل وجهه في المرآة.نظر إلى ملابسه، ووجدها جيدة إلى حد ما، فلماذا عليه أن يبدلها إذن؟

كانت ثيابه ملطخة بالدماء، وقميصه ممزق حتى الكتف، وكتفه ومرفقه مضمدان. وسترة رييد البيضاء معلقة قرب الباب، لكنّ بياضها الناصع قد تلطّخ بقطرات الدم.

قفز الفتى من فوق السرير، واقفًا على الأرض بثبات. فجأة هبت في رأسه ذكرى لشخص ما، شعره زهري داكن يربط عصابة حول رأسه، وملامحه غير واضحة. وضع إصبعه على طرف شفتيه بابتسامة، وقال:"بدلًا من أن تستيقظ بشكل ممل.. جرب أن تقفز من على السرير وتنهض بهذه الطريقة، ألن يكون ذلك أكثر متعة يا يوما؟"انقبضت عينا يوما، وأمسك رأسه بتعب، ثم تمتم:"هل يعرف يوما هذا الشخص؟ على كل حال، الذكرى ليست لي."

تنهد وهو ينظر إلى السرير، ثم أبعد عينيه عنه واتجه إلى الخزانة. أخرج قميصًا أبيض بأكمام قصيرة تغطي الكتف وبنطالًا أسود، وارتدى ملابسه بهدوء، ثم خرج من الغرفة.

نزل يوما مع رييد عبر الدرج، متوترًا. لم يكن السبب أنه على موعد مع أول عشاء عائلي، بل لأنه كان متأكدًا في قرارة نفسه أن العشاء مع هذه العائلة المجنونة لن يكون طبيعيًا أبدًا.

الأبن الأكبر طبيب، الثاني هارب من مصحة للمرضى العقليين، والأصغر بلا حقوق في المنزل، يتعرض للاستقواء من القوي والضعيف على حد سواء، ومعهم رييد، أمير المملكة التي تتنفس رائحة الحروب.

طبعًا، لم يكن يوما يعلم لماذا يقيم أمير نورثلاند معهم في هذا المنزل. لم يكن المنزل بشعًا، بل على العكس، كان جميلًا وهادئًا، تحيط به حديقة واسعة خضراء تملؤها كل أنواع الزهور، وتوسطها نافورة مياه.

كانت مشكلة هذا المنزل، ببساطة، تكمن في ساكنيه. لا شيء يُقلق الزائر أكثر من أن يكون أولئك الناس هم أول من يلتقيه فيه.

فتح رييد باب غرفة الطعام ببطء. عين يوما ضاقت تلقائيًا؛ توقّع أن يرى والد ميشيل جالسًا في المنتصف، كما هي العادة. لكن المفاجأة كانت أن من تصدّر الطاولة الطويلة هو كريستوفر، كابوسه، الرجل الذي يبدو، في نظر "يوما"، أشبه بكابوسٍ مُجسّد، مهما حاول أن يتقبّله طبيبًا. أما سيزار، رغم جنونه، فقد كان في حكم المقبّلات مقارنةً بكريستوفر.

لم يُخفِ يوما امتعاضه. ارتسمت على وجهه نظرة فاضحة، تختصر كل شيء: "ما الذي تفعله هنا؟"رفع ميشيل يده ملوّحًا له، ثم دعاه بصوت بدا مُرحبًا على غير العادة:— "تعال، اجلس هنا."

كأن برودة غريبة اجتاحت أطراف يوما. علاقته مع ميشيل لم تكن سيئة تمامًا، لكنها أبعد ما تكون عن الثقة أو الود. لماذا دعاه للجلوس بقربه؟

ميشيل، من جهته، شعر أن محاولته هذه لم تُثمر. ربما عليه أن يجرّب أسلوبًا آخر.

رييد، في هدوء غير معتاد، سار نحو الكرسي المجاور لـسيزار وجلس بجانبه.في تلك اللحظة، اتّسعت عينا يوما كأن جنون هذا المنزل بدأ يتسلل إلى العاقل الوحيد أيضًا.

لكن بعد لحظة صمت، تحرّك يوما أخيرًا، واتخذ مكانه إلى جوار ميشيل. لم يكن يرغب في البقاء قرب "سيزار"، خاصة بعد ما حدث بينهما في السيارة عصر اليوم.

أما "ميشيل"، فقد طار قلبه فرحًا. أخيرًا، حقّق الخطوة الأولى نحو مصادقة "يوما".

بدأ الجمع بتناول الطعام. المائدة كانت عامرة بما لذّ وطاب، غير أن اثنين فقط بقيا بلا طعام في أفواههم: كريستوفر، ويوما الذي راح يحرّك الطعام أمامه بلا هدف.

واصل يوما خدعته الصغيرة، يعبث بالطعام أمامه دون أن يتذوق منه شيئًا. كانت رائحته وحدها كافية لتجعله يفقد شهيته، بل وتوازنه.

على الطرف الآخر من الطاولة، لاحظ سيزار أمرًا آخر... كريستوفر لم يأكل هو الآخر. لم يمدّ يده إلى الملعقة، ولا حتى حرّك طبقه. بدا وكأنه حضر إلى الغرفة بجسده فقط، كأنه يؤدي طقسًا شكليًا باردًا تحسبًا لما قد يحدث.

أسند سيزار مرفقه إلى الطاولة، مال برأسه قليلًا وهو يتكئ على يده، وقال بنبرة متكاسلة تتظاهر باللامبالاة:— لمَ لا تأكل؟ هل وضعت سُمًا في الطعام، أخي؟

كان صوته ساخرًا، لكنه مشوب بشيء من الحدّة الخفية.ميشيل التفت إليه على الفور، عيناه تشتعلان بسخط صريح، وقال بنبرة لم تخلُ من حدّة:— مالك تظن الناس جميعًا مثلك؟ يتنفسون على دموع الآخرين وآلامهم؟ أخي مستحيل أن يفعل ذلك.

رييد، الذي جلس بجواره، لم يخف دهشته من هذه الثقة المطلقة. أما سيزار فقد تقلّبت نظرته فجأة، وارتسم على وجهه ظل مخيف، ثم قال بنبرة باردة:— ومن طلب منك الكلام... يا صرصور؟

سقطت الكلمة كالصاعقة.ميشيل ويوما اقشعر بدنهما معًا، كأن صوتها خرج من كهف مظلم.وتردّد في أعماقهما ذلك المثل القديم: "إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب."

كريستوفر، وقد بدا عليه التعب، تنهد بهدوء، ثم أخرج منديلاً من جيبه ومسح جبينه المبلّل بالعرق. قال بصوت منخفض، لكن فيه ثقل الأيام:

— لقد فسخت خطبتي... هذا كل شيء. كفى شجارًا.

شهق ميشيل دون وعي. رييد بدا كمن صُفع في وجهه، يحدّق في كريستوفر بعينين متسعتين. حتى سيزار، الذي لا يعترف بأحد، بدت عليه ملامح استغراب خفيف.أما يوما، فبقي كالأطرش في الزفة، لا يعلم شيئًا مما يدور، ولا يبدو مهتمًا فعلًا بأن يعلم.

ثم، دون سابق إنذار، نهض ميشيل من مقعده.كانت حركته حادة كفاية لتُفزع من حوله، ثم رفع يده وضرب الطاولة بباطن كفه، وقال بصوت ارتجف فيه الحزن والغضب معًا: — لكن لماذا؟ لقد حاربتَ لأجلها كثيرًا... كانت حب طفولتك، أخي!

لكن الرد لم يأتِ من كريستوفر.

— اخرس.

جاء الصوت من سيزار، بحدةٍ قاتلة.

التفت ميشيل نحوه، وعيناه لا تصدقان ما سمعته أذناه.نظرات سيزار كانت تقول ما هو أوضح من الكلمات: إن فتحت فمك مجددًا، قد لا تبقى فيك عظمة سليمة.

يوما، رغم كرهه لكريستوفر، شعر بشيء يشبه الفضول. أراد أن يعرف السبب... أن يفهم. لكن فضوله خمد بسرعة، كمن قتله عمدًا.

وفي لحظةٍ خاطفة، تحوّل وجه الفتى. اختفت ملامحه، وكأن الحياة غادرت قسماته دفعة واحدة. بدا كجثة جالسة بين الأحياء.

.............

في مكانٍ ما، حيث السماء بلون الدم، كانت بقعة غريبة تتوسط المشهد؛ جرمٌ سماوي أسود، محطّم من منتصفه، تطوف حوله شظايا مكسورة كأنها أنياب مخلوق مات في صمت. من داخله، يتسرّب سائل أحمر قاتم، يطفو في بركة غير عميقة، تُشبه في سكونها جرحًا نازفًا لا يُريد أن يُشفى.

يوما كان نائمًا، وجسده مستلقٍ هناك، تحت ظل شيءٍ لم تُعرَف ملامحه بعد.اهتز جفنه، ثم فتح عينيه ببطء، كمن يعود للحياة من منفى طويل. وفي اللحظة ذاتها، سقطت قطرة دم على خده الأيمن.

لم يَصرُخ. لم يَجفِل.أمام وجهه، كانت تقف ذاته. أو ما تبقّى منها.جسد يشبهه حدّ التطابق، لكن عينيه فارغتان، كأن الحياة هجرت هذا القالب دون رجعة. قضبان معدنية تلتف على أطرافه، تتداخل في كتفيه وصدره وساقيه.وعلى صدره، نُقش الرقم: 152.

جلس يوما ببطء، ظهره مبتلّ بالسائل الأحمر. رفع يديه، لامس وجه جسده الآخر، ثم مال عليه، وأسند رأسه إلى جبينه، والابتسامة ترتسم على ملامحه كأنها وعد:

— لا تقلق... شهران فقط. أعدك أنني سأحرّرك.أنا أعدك... سنخرج من هذا القرف، يوما.

صوته كان هامسًا، لكنه مشحون بحزنٍ لا يُقاوَم. شدّ بيديه على وجه الجسد المقابل، ودموعه بدأت تنساب دون مقاومة.

بعد برهة، ترك يوما نفسه الأخرى، ونهض. عينيه أخذتا تطوفان المكان، ثم... سمعها.

زمجرة خافتة، خشنة، تنبع من عمق السماء. رفع بصره إلى الأعلى، وعيناه لم ترمشا.هناك، فوق صخرة عملاقة تقف خلف الجسد المُلقى، ظهر مخلوق.كان يُصدر أنينًا شبيهًا بصوت آلة صدئة تنزف غضبًا. شكله كابوسيّ.

جسد بشري، لكن رأسه... شيء آخر. عيناه جاحظتان، سوداوان، تقطران دمًا.أسنانه حادة، كأنها منشار صدئ.جلده مائل إلى البني، وله جناحان سوداوان كالليل، كثيفان بالريش. قرنان يخرجان من أعلى رأسه، يتوسط صدره حجر أحمر، يُشبه جرحًا متجمّدًا.

قدماه طويلتان، له في كلٍّ منهما إصبعان فقط. أما يداه، فبخمس أصابع، أظافرها سوداء، طويلة، كأنها خُلقت للتمزيق فقط.

لا يغطي جسده شيء سوى شعر كثيف يمتد من خصره إلى الأسفل.

يوما ظلّ واقفًا. لم يتحرّك.شيءٌ ما كان ينبض داخل صدره.قلبه؟ربما. لكن المؤكد أن عينيه التقت بعيني ذاك الكائن.

ولوهلة... ابتسم المخلوق.ابتسامة عريضة، مشوّهة، تشبه الضحك الذي تسمعه في كوابيسك حين تكون عاجزًا عن الهرب.

............................

فجأة، رفع يوما رأسه ثم هوى به على طاولة الطعام بقوة، صوت الاصطدام اخترق الهدوء، فاهتزت الأواني، وانسكب كأس الماء إلى جانبه.

رييد، الذي كان يجلس بمحاذاته، قفز من مكانه وقد ارتسمت على وجهه ملامح الذهول. — أجننت؟ ماذا تفعل؟

لكن يوما لم يجب، كان يلتقط أنفاسه بصعوبة، كأن صدره ضاق حتى كاد يختنق. الدموع كانت تتساقط، بلا صوت، بلا تفسير.

كريستوفر، الذي كان جالسًا في منتصف الطاولة، فصل بين الجهتين، نهض فورًا، واقترب منه. مدّ يده، ووضعها برفق على كتفه، وصوته جاء هادئًا، ناعمًا، لا يحمل سوى القلق: — يوما... هل أنت بخير؟ ما المشكلة؟ هل يؤلمك صدرك؟

عينا يوما التقتا بعينيه، لكنه لم يكن قادرًا حتى على التنفس، فضلاً عن الإجابة أو صدّ اقترابه. كريستوفر أمسك بذراعه، وأعانه على النهوض، ثم أشار إلى رييد أن يفتح باب الشرفة.وفعل رييد ذلك، دون تردد.

خرج به كريستوفر إلى الشرفة، وساعده على الجلوس على الأريكة الصغيرة، حيث الهواء البارد بدأ يتسلل إلى صدره.

هناك، هدأت شهقاته شيئًا فشيئًا، وعادت أنفاسه إلى طبيعتها، كمن خرج للتو من غرق طويل.

في الداخل، زفر سيزار بقوة، ورمى الملعقة في صحن المعكرونة أمامه، نبرة صوته مثقلة بالسخرية: — حتى وجبة العشاء مع أخي الجديد لا تكتمل دون دراما. إما رييد، أو أخي الكبير، أحدهما يجب أن يخطف المشهد.

لم يردّ عليه أحد.حتى ميشيل، الذي كان يقف أمام يوما عند الأريكة، انحنى يسأله بلطف عن حاله، وابتسامة خفيفة مرسومة على وجهه. بجانبه، وقف رييد يراقب بصمت، وفي مدخل الشرفة، ظل كريستوفر واقفًا، لا يقوى على الاقتراب أكثر.

يوما صحيح أنه متعب، لكن ما حدث في المدرسة مساءً لم يكن عابرًا. الخوف الذي يحمله تجاه كريستوفر لا يمكن إزالته بكلمة أو نظرة.كريستوفر قرر أن يصمت... سيترك الأمر للأيام، علّ يوما يفتح قلبه لاحقًا.

أما سيزار، فقد بدا كبركان يُكتم لفترة طويلة. لم يحتمل هذا التجاهل. لا أحد يعيره اهتمامًا، لا أحد يشاركه استياءه.ونهض، خطاه سريعة، تجاوز كريستوفر، وقف أمام رييد مباشرة،ثم أمسك بياقة قميصه، وقال بصوتٍ حادّ:— من أفسد إعداداتك؟ في المساء، كنت على حقيقتك. لماذا تعود الآن لنفاقك المعتاد؟

لكن ملامح رييد لم تتغير.لم يجب.في تلك اللحظة، انطلقت ضحكة خفيفة، خافتة... لكنها سرعان ما أصبحت واضحة.

نظر الجميع ناحية الأريكة.كان يوما قد هدأ، وجهه استعاد بعض لونه، وابتسامته تلك، التي لا تُفهم، ظهرت من جديد.

قال بصوت هادئ، لكنه محمّل بطبقات لا تُقرأ بسهولة: — أنت حزين لأنه يشفق عليّ؟ أم أنك حزين لأنه لا يرى لوجودك قيمة، كما يفعل معي؟

رييد أمسك بذراع سيزار، وأبعدها عن رقبته برفق. أما سيزار، فقد ابتسم... ابتسامة لا تنتمي للبشر.

وجه عيناه اتجه نحو يوما، وببطء اقترب من الأريكة. قال بصوت مكبوت، انفجر في آخر كلمة: — وجودك يجعلني أشعر بالخنقة!

ركل الأريكة بعنف، كأنما يفرغ غضبًا دفينًا بداخله. لكن قبل أن تتحرك الأريكة للطيران مع الفتى، أمسَك ميشيل يد يوما بقوة ومنعها من الانفلات.

كريستوفر سحب يد سيزار فجأة، وصاح بغضب: — هل جننت؟ ماذا تفعل؟ اذهب بعيدًا عن وجهي فورًا!

الغضب تفجر في صدر سيزار، ونظر نحو يوما بنظرة ثأر عميقة، كأنها تهدد بالقتل.

فجأة، تبدلت قرنية عين يوما أمام الجميع، أصبحت ذهبية، وتدلت منها خيوط سوداء كأنها تنساب من بؤبؤ عينه.

غطى يوما عينه بيده، ثم انطلق هاربًا من الغرفة، بل من المنزل المشؤوم بأكمله.

صُدم الحاضرون. فهم كريستوفر فجأة سبب تهديد والده ليوما في المختبر. هل يمتلك يوما قوى خارقة للطبيعة؟

رييد ركض خلفه بسرعة، وسيزار تلاه بحزم، بينما ميشيل وقف جامدًا، عاجزًا عن استيعاب ما حدث. كان يسأل نفسه: أليس يوما بشريًا؟ ماذا يجري هنا؟

في أعلى الجبل خلف منزل عائلة ميشيل، جلس رجل أمام المنحدر. يرتدي واقيًا يغطي فمه بالكامل، وشعره أزرق داكن تتلاشى بعض خصلاته نحو لون أزرق سماوي. يرتدي رداءً أسود يغطي قمة رأسه، وبقية جسده غير واضح، سوى وجهه وبشرته الباهتة. قفازاته تغطي يديه، وحواجبه حادة تعلو عينيه الخضراوين، التي لا يظهر فيها بياض، بل سوادٌ حالك. على وجهه تغطي عروق سوداء كبيرة واضحة..

عيناه تلتقطان منظر منزل العائلة بتركيز واهتمام غريبين، كما لو كان ينتظر شيئًا حاسمًا.

أغلق عينيه متجاوزًا البحر بعالم التخاطر، حيث وصلت روحه إلى سماء حمراء فوق المختبر. كان يجلس هناك، على كرسيٍ وحيد، شخص يشبهه يرتدي رداءً مماثلًا.

قال بصوت واضح، حازم: — استمر بمتابعة العينة دون أن تثير أي ضجة... بهدوء كقطرة المطر. ثم أضاف، تحذيرًا صارمًا:— أنا أحذرك يا زامنهوف.

فتح الرجل عينيه ببطء، ونهض فورًا، ثم قفز من قمة الجبل متجهًا نحو الغابة الكثيفة التي تحيط بالمنزل.

في ذلك الوقت، خرج رييد من باب المنزل، أمامه كان يوما يركض بسرعة. تذكر رييد للحظة ما جرى في المجمع السكني، وظهور ذلك المخلوق الدا مو توفير في المدرسة. تساءل في نفسه: هل ليوما علاقة بظهور الداموتوفير الذي كان يتكلم؟؟.

ضغط رييد على قدمه بقوة، وفور أن حررها وجد نفسه مباشرة خلف يوما.

أمسك بكتف الفتى، وعندما استدار يوما، وجه له لكمة قوية على وجهه، جعلته يتجمد في مكانه ثم يجلس على ركبتيه.

جلس رييد أمامه، وشد ياقته بقوة قائلاً بصوت حازم:

"نعلم جميعاً أنك لست طبيعياً، صدقني... لست مهتماً بذلك، لكن إذا عثر عليك المختبر، ستندلع حروب جديدة، وهذا آخر ما أريده أنا والآخرون."

وضع يوما يده على يد رييد، ونظر في عياده بنظرة تحدي: "أنت لن تفهمني، ولا أريدك أن تفعل. كن جزءًا من مهزلة حياتك لكن فكني منك. مختبر ليويامي لن يستطيع أن يؤذيني!" صاح بها، وأبعد يد رييد عن ياقة قميصه، لكنه بمجرد أن ابتعدت يدا رييد، انقض على رقبته محاولاً خنقه بقوة.

قال رييد بنبرة صارمة:"من أين لك بهذه الثقة أن المختبر لن يستطيع إيذاءك؟ فلماذا خفت في ذلك اليوم إذن؟"

أرخى رييد يديه عن رقبته، فأجاب يوما بصوت مهزوز:"حتى لو أجروا علي تجربة، فلن أتأذى. لكن وعدتُ بأننا سنلتقي، ولن أكون سبباً في تدمير هذا الوعد... المختبر خطير فقط لأنه سيقيد حركتي في المستقبل، لذلك أتحاشاه."

صرخ رييد ضيقاً: "لم أفهم كلمة من هرائك، لا تفهم وعليك أن تكون بائساً... فقط انقلع خارج ميدان حياته!"

قال رييد بغضب وزاد من ضغط يديه:"ضربتك مرة ولم تمت... لكن ضربي هذه المرة تقتل البشر وتهلك الوحوش."

اقترب من وجه يوما حتى كاد أن يصطدم به، اتسعت عيناه، وقال: "أنت لست طبيعياً، وأنا متأكد من ذلك. في ذلك اليوم، حين هاجمك الداموتوفير، تلاشى من حولك كأنه انفجار."

زاد من قوة ضغط يديه على رقبة الفتى حتى كادت تنقسم إلى نصفين.أغلق يوما عينيه، ومال إلى الجانب الآخر محاولاً إبعاد وجهه عن وجه رييد.قال بصوت مرتجف:"أنقذت أختك، صحيح؟ أطلق سراحي، وأقسم لك أنك لن تراني في حياتك مرة أخرى."

رغم ضغط رييد الشديد، لم تظهر على رقبة يوما أي جرح أو أثر خنق.

ترك رييد رقبته، فسقط يوما أرضاً.

لم يعترف يوما بأي شيء، كان الاستجواب فاشلاً بكل معنى الكلمة.لم يحصلوا منه إلا على تفاصيل غامضة لم يفهموا منها شيئًا، سوى احتمال أنه هو أو لا يكون.

اقترب الأكبر سنًا من أذن الفتى الذي كان يحاول أن يتنفس، وهمس له بشيء ما جعل عيني يوما تتسع وترعدان خوفًا...

أمال الأكبر سنًا قبّته، وبنظرة خبيثة قال:"بناءً على ردة فعلك، فهذا صحيح."

نهض رييد من على الأرض، ومد يده للفتى الذي كان يشد على العشب بيديه العاريتين."لن تبقى مكانك هنا ساكنًا، صحيح؟ إذن أنهض."رفع يوما رأسه، أمسك يد رييد ونهض.

أشار له بالتحرك، وفعل. بينما قال الأصغر بينه بين نفسه بصوت منخفض: "أقسم أن الوضع سيتبدل، وستندمون جميعًا... إنها مسألة وقت فقط."...

.............

داخل المنزل، كان ميشيل يغوص في أفكاره، يحاول تحليل يوما."بشري؟ لا يمكن أن يمتلك قوى فنون السيف وقوى فريا... هل هو ربما عميل سري؟ أو بطل خارق كما في الأفلام؟"

كريستوفر نظر إليه بنظرة تحمل مزيجًا من الحسرة والغيرة على بساطة تفكيره، لكنه بدأ يشعر بالخوف.

هل سيبلغ نورثلاند عن هذا؟ هل ستندلع الحرب بسبب ليويامي؟ بالطبع لن تسلم يوما من هذه العاصفة، خاصة مع الغموض المحيط بأبيه... مشكلة تلو الأخرى تثقل صدر كريستوفر، حتى بات يكاد لا يتنفس.

ثلاث مشاكل تكاد تقضي عليه:

1- المشكلة الأولى: إدارة المدرسة أكدت أنها لم تتلقَ أية بيانات عن تلميذ مصاب بمرض القلب، ما يعني أن دخول يوما للمدرسة كان بطريقة غير قانونية.

2- المشكلة الثانية: أكد كل من آرثر وزاك أن موجة القوى غير المستقرة التي أثارت هيجان قوى التلميذ جيمس كانت مصدرها يوما.

3- المشكلة الثالثة: والده هو من أحضر يوما وكفله بدون أوراق قانونية، وإذا تعرضوا للمساءلة، قد يدخل والده السجن، وهذا آخر ما يتمناه كريستوفر.

والده رجل كهل في السن، قضى ثلاثين عامًا من عمره وهو يربيهم ويوفر لهم حياة كريمة، وكان أحد أسباب رفاهيتهم التي يعيشونها اليوم. أخذ كريستوفر شهيقًا عميقًا، ثم أغلق عينيه ببطء وقال بصوت منخفض كاد يُسمع:"أبي، ثلاثون عامًا ضاعت من عمرك، ضاعت علينا... أقسم أنني سأحميك مهما كلف الأمر."استدار الصغير ميشيل بنبرة بريئة وصوت لطيف هادئ، متسائلاً:"هل قلت شيئًا يا أخي؟ لم أسمعك."

قرر كريستوفر في تلك اللحظة أن يحمل على عاتقه إثمًا كبيرًا، كارثة عظيمة بثمن باهظ.دخل سيزار الغرفة، وأوقف خطواته عند الطاولة. بنظرة قليلة الاهتمام، قال:"رييد، ذلك المزعج، أعطى يوما لكمة... كنت أتمنى أن أكون أنا من يفعلها شخصيًا، لكن لا بأس، سيعودان."

ثم توجه إلى ميشيل الذي كان جالسًا على الكرسي، وقال بنبرة مزيجة بين الويل والتهديد: "إياك، ثم إياك أن تخرج من فمك ما حدث هنا."

فتح الباب، وأمام أنظار الجميع دخل كل من يوما وريد. بدأ يوما يشعر بضيق حاد في صدره، حيث تخترقه أنظار الجميع، وكأنه يريد أن يموت هربًا من تلك النظرات التي تطلب تفسيرًا لا يملكه.

ابتسم ميشيل محاولًا تخفيف ثقل الجو المشحون الذي يشبه التفاح المسموم، وبدأ يتلعثم باحثًا عن موضوع يشغل به الجميع ويبعدهم عن تلك النظرات.

اقترب سيزار منه، متوقعًا أن ينشب شجار، لكنه فاجأ الجميع بتخطيه له، ثم قال بصوت منخفض، واضح، لكنه حاد النبرة:

"ابقَ بمشاكلك لنفسك، ولا تحشرنا فيها طالما تعيش معنا."

ثم توجه نحو الباب دون أن ينظر خلفه.

اتسعت عينا يوما من شدة ما سمع، واستدار بسرعة غاضبًا، وفجأة من العدم رفع ساقه ليكاد يكسر رقبة سيزار، لولا أن أمسكه من بجانبه وامسك ساقه بقوة.

فتح ميشيل فمه مندهشًا: "يا صاح، ألم يقولوا إنه بشري بحق السماء؟ ما هذا الحثالة التي أراها؟ أم أن هذه أضرار نفسية تصيب من يكون شقيق سيزار؟"

أما كريستوفر، فقد حاول إخفاء دهشته لكنه لم يستطع، فشدة الضربة كانت عالية لدرجة قد تكسر رقبة شخص ما، والأسوأ أن يد ريد قد اهتزت قليلًا، ما سبب صدمة تقريبية للجميع.

أنزل يوما ساقه التي كانت مثبتة بيد ريد، وأغلق عينيه، ثم قال بصوت مختلف عن صوته المعتاد: "بلا وقاحة، سيزار."

كان كلامه صادمًا للجميع، لكنه استمر بلا اكتراث:"أنا لم أتدخل في شؤونكم الخاصة منذ يومي الأول هنا... اختر كلماتك بعناية، هل تريد الخلاص مني؟ أقنع والدك أن يعتقني.".

استدرك الفتى ما ذا فعل، وأصيب بالشلل. دخل بالفعل في دائرة الشك، بل غاص فيها حتى كتم أنفاسه، وصاح في ذاته بأعلى صوت:

"كريستوفر هناك... يكاد يصاب بجلطة! ما نوع المشكلة التي أقحم والده نفسه فيها؟"

وبينما هو غارق في أفكاره، كان ميشيل ينظر إليه بعيون تلمع من شدة الإعجاب، بالنسبة له كان يوما بطلًا خارقًا لأنه رفع قدمه على سيزار.

أما رييد، فقد رمق يوما بنظرة غريبة لم يستطع فهمها، فهو لا يجيد قراءة لغة الإشارة بالأعين. والأخطر، أن من يقف أمامه هو سيزار، ونظرته تقسم ببتر ساق يوما...

تجاوز رييد يوما وسحبه من قميصه نحو الخارج، جرّه صعودًا من الدرج إلى باب غرفته، ودفعه لداخل الغرفه. صاح الأصغر بضيق وانزعاج:"ويلك يا حثالة، لما تعاملني بقلة احترام!"

أغلق رييد الباب في وجهه وتنهد باستسلام: كم يكره هذا المنزل وسكانه.التفت نحو الوراء وألقى بجسده فوق السرير، سمع صوت إشعار هاتفه. رفع وسادته البيضاء الناعمة وألقاها على الأرض. أسفلها كان هاتفه مفتوحًا، ووجد نفسه قد انضم إلى مجموعة باسم:

(معًا لطرد سيزار من المدرسة).

أصيب الفتى بصدمة كبرى من هذا الأحمق الذي أضافه للمجموعة، وتساءل كيف حصل على رقمه من الأساس. تلقى إشعارات أخرى تتابعت أمام عينيه...

أعضاء المجموعه: أكاني،روزا و ميشيل.

هاهي المحادثة قد كشفت له عن أعضاء المجموعة، لكنه لم يخرج منها. قرر أن يبقى معهم حتى يغادر المدينة بعد شهرين من الآن. لم يكن الأمر سيئًا، فقد يكون من الجيد أن يرسم معهم بعض الذكريات.

رمى هاتفه فوق السرير وألقى وسادته عليها، ثم وقف أمام المرآة الجدارية المقابلة لسريره. نزع قميصه وألقاه على الأرض، كاشفًا عن جسده. كانت عليه آثار ضرب بالسوط، وعلامات ندوب قديمة وبعضها حديثة.

وضع إصبع السبابة على عظمة الترقوة، يتفحصها بعناية كما لو كان ينتظر أن يظهر شيء ما. وفجأة، ومن العدم، ظهر الرقم 152 على سطح جلده في نفس الموقع.

أصيب يوما بدوار، وضع يده على رأسه وتنهد...

مع ذلك، النفس الذي أخرجه استنزف كل قواه، فلم يستطع أن يبقى واقفًا، وضع ركبته على الأرض.

بجوار يده كان قميصه، أمسك به وارتداه.

قال في نفسه: "إلى أن يحين موعد لقائنا يا هيرمان... لو كنت صادقًا ستكون هناك، أليس كذلك؟"

تردد صدى هذه الكلمات في أذنيه، مما جعله ينهض ويطفئ الأنوار.

أخذ نفسًا عميقًا، وبعثر خصلات شعره، ثم همس:"إلى أي مدى أنت غامض يا يوما... أتساءل من أنت."

أغلق عينيه، وصوته مرتعش: "هل سأستطيع... أن أتحدث معك قبل أن أموت؟"

_____///❀❀///______

حسابي على الانستقرام و أخر اخبار الرواية :rir_i152

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فريا

المؤلف RIRI
2025/07/10 مستمرة
قائمة الفصول (21)
الفصل 0: ماهي فريّا
2025/07/10
الفصل 01: المدرسة الجديدة
2025/07/10
الفصل 02: المغلوب عليه
2025/07/12
الفصل 03: الموكل عليه و عائلته
2025/07/15
الفصل 04: الفصل الرابع: الاختبار التشخيصي
2025/07/23
الفصل 05: الفصل الخامس: كتابة الأختام
2025/07/23
الفصل 06: الفصل السادس : عشاء الكارثة
2025/07/24
الفصل 07: الفصل السابع : التحقيق
2025/08/22
الفصل 08: الفصل الثامن: حكاية آلفاسانو
2025/08/22
الفصل 09: الفصل التاسع : حكاية آلفاسانو
2025/08/22
الفصل 10: الفصل العاشر: حكاية آلفاسانو
2025/08/22
الفصل 11: الفصل الحادي عشر: أسلحة و أسرار
2025/08/22
الفصل 12: الفصل الثاني عشر:المبنى القديم•
2025/08/22
الفصل 13: الفصل الثالث عشر: الغريب من دار الأوبرا
2025/08/22
الفصل 14: الفصل الرابع عشر: ليلة الاسبوع الأبيض
2025/08/22
الفصل 15: الفصل الخامس عشر:عطلة الأسبوع الأبيض
2025/08/22
الفصل 16: الفصل السادس عشر:عطلة الأسبوع الأبيض(2)
2025/08/22
الفصل 17: الفصل السابع عشر: عطلة الاسبوع الابيض 3(عين الشيطان تبصر)
2025/08/22
الفصل 18: الفصل الثامن عشر : عطلة الاسبوع الابيض 4(التردد)
2025/08/22
الفصل 19: الفصل التاسع عشر: التاريخ
2025/08/23
الفصل 20: الفصل العشرين: يد من ألماس
2025/08/24

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة