الفصل السادس عشر:عطلة الأسبوع الأبيض(2)

الفصل السادس عشر:عطلة الأسبوع الأبيض(2)

17 0

كان يسير أمامي الآن، بقامته المعتادة، بذلك السيف الذي يُبرق كالرعد، وعينه التي خلت من المشاعر كعادتها في السنوات الأخيرة...

لكنه رغم كل هذا... لم يكن باستطاعتي أن أكرهه.مهما حاولت، ومهما أخبرني الآخرون أن ما آل إليه ليس من شأني... لم أستطع التخلّي عن الشعور بأن هذا الشخص كان في يومٍ ما، أكثر من مجرّد زميل أو صديق.سيزار... كان قطعة من ماضٍ ما زلت أحنّ إليه، رغم أنني أُخفيه خلف صمتي.

كان أول من سحبني من فوق الجرف حين هرب الأخرون، وآخر شخص دفعني نحو الجنون ونحن نركض بين أروقة بيت الرعب، نضحك ونحن نرتجف.

ما الذي حوّلك هكذا، يا سيزار؟لماذا تركتني وحدي أبحث عنك خلف أقنعة الوحشية والضياع؟والآن، ها أنت أمامي من جديد بنظرتك تلك التي عهدتك بها ... لا أعلم ما الذي أعادك، ولا إن كنت عدت حقًا، أم أنني فقط أتوهم.

لكنني أعلم شيئًا واحدًا فقط...

إن كنت تائهًا — سأكون خريطتك التي ترشدك ،

وإن كنت محطمًا — سأجمعك، قطعة قطعة وأعيدك لأصلك،

وإن كنت تحترق — سأحترق معك، فقط كي لا أتركك وحدك.

كانت خطواتهما تصدح بوضوح على الممرات المعدنية، صدى كل خطوة يطعن الصمت الذي يلف المكان. لم يعد لسيزار تلك الهالة الثقيلة التي كانت تحيط به، وكأنها خمدت مؤقتًا. لا هو يرغب بالكلام، ولا كازوما يجد في نفسه القوة ليكسر هذا الجدار من الصمت بينهما.

أثناء سيرهما، لمح سيزار غرفة بابها نصف مفتوح، فدخل دون أن ينبس ببنت شفة، وتبعه كازوما بخطى مترددة. كانت الإضاءة خافتة، بلونها البني الدافئ، تكشف عن ملابس موضوعة بعناية على الرف. التقط سيزار واحدة وبدأ بتبديل ملابسه. كازوما خرج ووقف خارج الباب، يحاول أن يقنع نفسه أن تغيير زي المستشفى أمر طبيعي في هذه الظروف في سفينه مليئه بالمجرمين. حسننا هذا سيزار.

خرج سيزار بعدها بقميص أبيض، وبنطال أسود، وحذاء جلدي يصل إلى ركبته، بدا كجندي ثائر يريد اشعال الحرب. قال وهو يعيد ترتيب ياقة قميصه:"أعتقد أن الفتاة التي تبحث عنها محبوسة في أحد السجون القريبة."اكتفى كازوما بهز رأسه بصمت.

تابع سيزار وهو يتجه صوب الممر:"نحتاج بعض المعلومات من أولئك الحمقى."

تردد في ذهن كازوما صورة سيرا وبيتر. قال بتحذير لم يخلُ من القلق:"اسمع... هناك اثنان من النخبة هنا. لن تستطيع هزيمتهما بسهولة. هذا خطر حقيقي."

لكن سيزار التفت إليه بعين لا تعرف التراجع، وقال بثقة باردة:"إما النصر... أو الموت. لطالما كان هذا شعاري."

شعر كازوما بشيء ينقبض في صدره. لم يستطع نسيان منظر سيزار حين كان ملقى على الأرض، جسده يتلقى الضربات من الأستاذ زاك بلا رحمة. لم يكن مستعدًا لرؤيته بتلك الحال مرة أخرى...

في الجهة المقابلة، كانت أكاني لا تزال جالسة في ركن الزنزانة، تائهة في دوامة من الأفكار. كانت تحاول، بيأس، أن تجد مخرجًا من هذا المأزق. كيف لها أن تهرب؟ كيف تنقذ كازوما؟ كل الطرق تؤدي إلى الهاوية.

ألقت نظرة خاطفة على من حولها. الفتيات الأخريات في الزنزانة لم يكنّ يشبهنها إطلاقًا. معظمهن يحملن ملامح قاسية، كأنهن خرجن للتو من عالم الجريمة. هي الوحيدة التي بدت "طبيعية" وسط هذا المكان المشؤوم. ارتجفت دون أن تدري، وابتلعت ريقها بصعوبة.

تمتمت بصوت بالكاد يُسمع:"يا رئيس... لو كنت تفكر تظهر الآن، فهذا أفضل وقت."

ولم تكد تُكمل جملتها حتى اهتز الباب المعدني بعنف، واصطدم رأس الحارس به بقوة، وتحطم الباب بصوت مدوٍّ.

اقشعر جسد أكاني من شدة الخوف، وتجمدت في مكانها، عيناها متسعتان تنتظر ما سيأتي بعد هذا الانفجار المفاجئ.

الغبار يملأ المكان، وأكاني اطلقت شهيقا.تراجعت نحو الجدار البارد، ركبتاها ترتجفان، عيناها تحاولان اختراق الضباب الكثيف القادم من بقايا الباب المحطم.

ظهر ظلّان. الأول مألوف...كازوما.

اتسعت عيناها بارتياح مؤلم:" يا رئيس..."لكن الراحة ذهبت في لحظة.

الظل الثاني خرج من بين الغبار. طويل، ذو هالة قاتلة، شعره فوضوي، وسيفه يشع شررًا.سيزار.

تجمدت الفتاة رعبا و خوفا.اختفى كل إحساس بالأمان، تسلّل الخوف كسمّ إلى عروقها.لماذا هو هنا؟ أهو من خطّط للخطف؟ هل خدع كازوما أيضًا؟

كازوما اقترب، انحنى إليها، مدّ يده وقال بصوتٍ خافت:"انهضي، جئنا نخرجك من هنا."

لكنها لم تتحرك، نظراتها متسمّرة على سيزار، جسدها يرفض الاقتراب طالما هو موجود.قالت بصوت مرتجف لكنها تحاول أن تبدو حازمة:"ماذا... ماذا يفعل هذا هنا؟ لم يكن معنا ....اهو يعمل مع المافيا؟!"

سيزار اكتفى بنظرة باردة، وكأنه لا يسمعها هو لا يعرف من هي أصلًا.

كازوما نظر لها برجاء، همس:"أكاني، ثقي بي، هو ليس عدوك الآن."

قالت بمرارة:"الآن؟! هل جننت؟ إنه إرهابي! انه المجنون الذي تسبب بطرد اخي و نبذه من العالم"

سيزار لم يرد، فقط سار أمامهما.لكن قبل أن يخرج من الغرفة، قال بجفاف:

"أنتِ حرة في البقاء هنا... أو الموت هنا مضيعة وقت هذه الفتاة. ماذا اتوقع من افكار كازوما الرهيبه . انقذ فتاة غبية."ثم خرج.

بقيت أكاني لحظة تتردد، تنظر إلى كازوما، ثم إلى الباب المفتوح، ثم زفرت بقهر ونهضت، أمسكت بذراع كازوما وقالت:

"إذا متُّ بسببه... سأطاردك حتى في قبري يا رئيس." ابتسم كازوما رغم الموقف، وسار بجانبها.

صوت الانفجار دوّى في أرجاء السفينة، جعل المعدن يرتجّ وكأن البحر نفسه انتفض.لكن الغريب أن بيتر وسيرا لم يظهرا.

هذا الأمر أربك كازوما قليلاً، بل في داخله شعر بشيء يشبه الارتياح المؤقت. لعلّهم ليسوا قريبين... أو لعلهم يظنون أن الضجيج مجرّد شجار بين السجناء.

صرخة مفاجئة!

قفزت سجينة من العدم، متجهة مباشرة نحو ظهر كازوما بسكين مسنّنة، وجهها مغطى بشعرها الاسود، وجنون الهجوم واضح في عينيها.

لكن سيزار كان أسرع.دفع كازوما جانبًا، سيفه ارتفع، حافّته حادة، مغطاة بشررٍ كالكهرباء، وتصدّى للهجوم قبل أن يصيب كازوما بلحظة.

أمسكت أكاني بالدرابزين المعدني للجسر، كادت تسقط، قلبها يكاد يقفز من بين أضلاعها، الدماء تجمدت في عروقها من شدّة الرعب.

صوت المرأة خلفهم خشن ومليء بالسخرية:"إذا لم تخنّي عيني، فأنت ابن جينسونر... سيزار بنفسه. سمعت عنك... تلك الندبة، وهذا الحرق. توقعتك أطول بصراحة."

لاعبت شعرها الأسود، ثم اندفعت بفأس ضخمة نحو سيزار، هدفها لم يكن قتله... بل أخذ سيفه، السيف الذي كانت الأساطير تهمس باسمه سيف عائلته العتيق.

صرخ كازوما بخوف حقيقي:"سيزار!!"

لكن سيزار لم يتحرك إلا حين آن أوان الصاعقة.توهجت يد سيزار، الضوء الذهبي انساب من جلده إلى سيفه، وظهرت على وجهه تلك النظرة الباردة التي لا توحي بشيء سوى: النهاية.

عينه الأرجوانية لمعت...اللهب المذهّب اندلع على نصل السيف، ومع أول احتكاك بين فأسها وسيفه، حدث الانفجار.

السماء انفجرت. السقف انفجر. الرعد صرخ. والنيران تراقصت في وسط المطر.

انهار الجسر المعدني تحت أقدامهم.

كازوما سقط. أكاني سقطت.

صراخ الرياح طغى على كل شيء، حتى على الخوف نفسه.

كازوما شعر بجسده يُسحب نحو الهاوية، كل شيء مرّ في لحظة: السجن، الدماء، سيزار، الفوضى.

ثم...

سقط ليس على الأرض، بل أكياس كبيرة وثقيلة كأنها محشوة بملابس أو قطن أو حتى طعام.

فتح كازوما عينيه بسرعة، وضع يده على رأسه، ثم تلفت بجنون."أكاني؟ أكاني!!"

سمع تأوّهًا خلفه.كانت أكاني ممددة، تمسك بظهرها، وتأنّ:

"آه... ظهري... أكره هذا... المكان... أكره سيزار والاسبوع الابيض و أنت أيضًا ..."

ابتسم كازوما بتنهيدة ارتياح، حتى في لحظة كهذه، بقيت أكاني كما هي... صوت الفضول... المتذمر دائمًا... وصديقة أخيه الاصغر"

هبط سيزار ببطء من أعلى الحطام، رعد المطر لا زال يتراقص من حوله، وخلفه سقطت جثة المرأة التي تجرأت على مهاجمته. لم يلتفت نحوها... كانت مجرد عقبة أخرى.عينيه لم تفارقا كازوما.

في تلك اللحظة، كان كازوما ينحني نحو أكاني، يتحسس كتفها ويطمئن عليها.بينما هي... كانت في عالم آخر، تتذمر وكأنهم في نزهة.

"أقول لك، ظهري يؤلمني، وهم أخذوا كل شيء! حقيبتي، الكاميرا، الهاتف، الساعة... كل شيء!"قالت ذلك بأسلوب يفيض بالضيق، كأن الحكاية كلها مجرد نزهة فاشلة انتهت بالسرقة.

كازوما زفر، صوته مثقل بالتعب:"أنا... منذ شجار الأمس لم أنم إلا بعد الثانية فجراً. ثم استيقظت باكراً لأن عائلتي أرغمتني على الذهاب إلى أرض المغامرات. والآن، نحن مخطوفان، وكتفي ينزف... ومع ذلك، لم أشتكِ."

حدّقت أكاني به باستغراب وقالت بصوت منخفض:"ألستَ من يلقي علينا دائماً محاضرات عن النوم المبكر؟ كيف لك أن تسهر؟"

زفر كازوما تنهيدة ثقيلة وقال: "كنت في المستشفى... أحاول زيارة أحدهم، لكنهم لم يسمحوا لي بالدخول لأنني لست من أفراد عائلته. وعدت للمنزل متأخرا وكان عندي أعمال تخص مجلس الطلبه أنجزتها لذلك تأخرت.."

لمعت عينا أكاني بغضب مكتوم، كان قلبها يخبرها أنه كان يقصد سيزار، وتلك الفكرة وحدها كانت كفيلة بإثارة حنقها. لكنها في ذات الوقت، شكّت... ربما كان يقصد روزا؟ الضحية الحقيقية في شجار الأمس.

أما سيزار، فلم يكن يعرف من تكون هذه الفتاة، ولم يهتم حقًا. لكنه بدأ يشعر بالضيق من وجودها، من حديثها، من صوتها.

راودته فكرة قديمة... أن يلقّنها درسًا قاسيًا، كما فعل مع روزا.لكنّه تراجع. لا يعرف السبب تحديدًا...

هل لأن كازوما حاول زيارته البارحة، رغم كل العوائق؟ هل لأنه، للمرة الأولى منذ زمن، وجد شخصًا لم يتركه رغم كل شيء؟

أبعد تلك الأفكار عن رأسه، لا ينبغي له أن يهتم لأمر أحد. تقدم خطوة، سمع كازوما صوت تلك الخطوه، استدار ونظر إليه. بدا بخير. نهض متفقداً حاله واقترب منه، وسأله بقلق: "هل أنت بخير؟"

لم يجبه تجاهله، توجه نحو أكاني بنبرة مرعبة: "أقسم لك، إذا سمعتك تتذمرين مجدداً، سأرميكِ في البحر لتتعشى عليك القروش."

صكت الفتاة أسنانها غضباً، وصاحت: "أنت لست ملزماً بإنقاذي أنا والرئيس، إذا كنت ستعايرنا بهذا!"

نهضت بسرعة، وسحبت ذراع كازوما بحدة وقالت: "أنا والرئيس نشكرك على إنقاذنا، لكننا لا نريد أن نراك مجدداً."

وقفها كازوما بحزم: "مهلاً، أنتِ مجنونة! أنا بلا سلاح، وقدرتكِ هنا لا تنفع. اعقلي يا فتاة، هذه ليست لحظة مناسبة للشجار ."

نظر إلى سيزار وقال بهدوء مشوب بالحدة: "وأنت أيضاً، هل تظن أن هذا وقت الشجار مع أكاني؟"

عصر سيزار يده بشدة، وقال بغضب مكبوت: "أنقذتها لأنك أردت هذا!"

تقدمت الفتاة نحوه، وصاحت بصوت مرتفع مملوء بالألم والغضب: "أنا لم أطلب منك شيئاً! أنت من تسببت بطرد أخي ورفضه من الجميع. لو كان عليّ الاختيار بين الموت وطلب مساعدتك، لاخترت أن أكون عشاءً لأسماك القرش!"

اشتعل غضب سيزار فجأة، وظهرت لمعة السيف في يده، لكنه تردد فجأة عندما رفع كازوما يده دفاعاً عن أكاني، مما جعله يتراجع عن قراره ويكبح انفجاره.

استدار سيزار، اختفى سيفه من يده كما لو لم يكن، وقال بصوت منخفض فيه شيء من الجفاء:"افعل ما يحلو لك... فقط لا تكن عائقًا."

رغم نبرته الحادة، كان في خطواته شيء من البطء، كأنما يحمل على كتفيه ما لا يُقال. لم ينظر للخلف، ولم يعلّق. لكنه لم يبتعد أيضًا.

أطلقت أكاني تنهيدة ضيق، وقبل أن تفتح فمها، همس لها كازوما وهو يراقب سيزار يبتعد: "حاولي أن تهدئي... هو لا يريد إيذاءك، فقط لا يحب أن يظن أحد أنه طيب."

رفعت نظرها إليه، والتقت عيناها بنظراته التي لم تحمل لومًا أو غضبًا، بل حكمة عمر أكبر من سنه، ونبض إنسان اختار أن يفهم بدلاً من أن يدين.ابتسمت بخفة، لا على شفتيها بل في قلبها، وقالت:"يا رئيس... أنت شخص رائع."

ثم لحقت به، تسير بجانبه بصمت. أما كازوما، فمسح على كتفه المتألم وتبع خطواتهما، بينما ظل سيزار متقدمًا قليلاً، لم يتكلم، لكن سرعته لم تتغير... وكأنه ينتظرهم لا كقائد، ولا كجلاد، بل كظلٍ ثقيل يحمل أكثر بكثير مما يقول..

على الكيس الذي سقط عليه كازوما، كانت هناك بقعة من الدماء بلونٍ أخضر داكن، لا يشبه دم البشر، بل يشبه دماء الداموتوفير.

........................

في الجهة الأخرى، داخل مدينة الملاهي، نزل كايرو من عجلة "فيريس" وهو يتلفت حوله. لم يجد كازوما عند الكراسي كما اتفقا، ولم يرد على اتصالاته. افترض تلقائيًا أنه ذهب ليجلس في المقهى مع والديه، فالساعة الآن تشير إلى الثانية ظهرًا، وقت الغداء.

دون أن يقلق كثيرًا، توجه كايرو إلى أحد مطاعم "أرض المغامرات والفضاء"، واختار وجبته المفضلة: برغر مع بطاطا مقلية وعصير مثلج طعام غير صحي كما يسميه أخوه الكبير، كازوما.

رغم ازدحام المطعم، كان محظوظًا بما يكفي ليجد طاولة تطل على قطار الماء. جلس، استرخى، واستمتع بغدائه وهو يراقب الانعكاسات المتراقصة للماء على الزجاج.

وبمجرد أن أنهى وجبته ودفع ثمنها، خرج من المطعم وهو يتساءل عن وجهته التالية. وبينما يسير، راح يتأمل العمال وهم يوزعون البالونات الملوّنة على الأطفال. ارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة، شعر بالراحة والطمأنينة. كان من الجميل أن يرى مشاهد الأمان والفرح في مثل هذه الأيام المضطربة.

توقف عن السير حين لمح من بعيد واجهة متجر هامستر. للحظة، استعاد ذكرى ما حدث قبل يومين في الثانوية، حين كانت روزا تتحدث بحماس عن هذا المتجر. قالت يومها إنها تحب أكواب القهوة التي يبيعونها، وإن تصميماتها لطيفة بطريقة مستفزة. لم تكن تلك المرة الوحيدة التي يسمع فيها عن هامستر؛ ميموري أيضًا ذكرته ذات مرة، مشيرًا إلى مدى شعبيته بين الفتيات.

ابتسم كايرو بخفة، ودخل المتجر بخطى واثقة.لم يلبث طويلاً في الداخل. خرج بعد دقائق وهو يحمل كيسًا صغيرًا أنيقًا تتدلى منه شريطة وردية ادخلها لداخل الكيس الورقي كي لا تسقط ارضا. في عينيه انعكست شرارة حماس طفولي. راح يتخيل ردة فعل روزا غدًا صباحًا حين ترى الهدية.

قرر أن يريح نفسه قليلًا فتوجه إلى معرض الأسماك، أحد أجمل الأماكن في أرض المغامرات والفضاء. عند دخوله، لم يستطع إلا أن يدهش بمشهد قطار الماء المار داخل الحوض الكبير، محاطًا بزجاج شفاف يمنع تسرب الماء.

أخرج الفتى نظارته ليتمعن بجمال الحياة البحرية المحيطة به. ألوان الأسماك تسبح بهدوء بين الشعاب والأعشاب البحرية، فتسحره حركتها الرشيقة. شعر فجأة ببعض القلق حين لمح سمكة قرش تسبح بالقرب من الحوض، لكنه سرعان ما هدأ نفسه متذكرًا أن المكان آمن تمامًا.

وضع الكيس الورقي على الطاولة المجاورة وبدأ يلتقط صورًا للأسماك، محاولًا أن يستمتع بتلك اللحظات الهادئة بعيدًا عن ضجيج العالم.

............

ميشيل كان متوترًا، وبجانبه ملك الجبناء يوما (آلفاسانو)، الذي كان يجمل باقة ورد بيضاء بعناية. رغم العلاقة السيئة التي تجمعه بسيزار، لا يزال هو أخاه الأكبر، وكان من واجبه زيارته.

أما يوما (آلفاسانو)، فلم يكن يرغب في زيارة سيزار، إذ يكرهه بشدة ولا يريد حتى رؤيته أو سماع اسمه. لكنه رضخ لإلحاح ميشيل، ليس بدافع القلق، بل لأنه ببساطة لا يريد البقاء مع رييد في المنزل.

دخل الاثنان إلى قسم العناية المركزة، وكان ميشيل يشعر بغرابة واضحة عندما رأى تجمع الأطباء وضباط الأمن أمام غرفة أخيه سيزار. اقترب ببطء وقال: "معذرة."

ارتبك الجميع للحظة، ثم أكمل ميشيل بثقة: "أنا ميشيل جينسونر، أتيت لزيارة أخي الكبير سيزار."

انهمر العرق من جبين الطبيب العجوز، وصدر منه بصوت متردد: "اسمع يا بني، حالة أخيك حرجة، والزيارة الآن فكرة سيئة."

دفعه الطبيب بلطف لكنه بحزم نحو الخارج، وكأنه يمنعه من التقدم أكثر. تبعه آلفاسانو بصمت.

اقترب الطبيب من آلفاسانو وقال مطمئنًا: "أخوك بخير، لكن الزيارة غير مناسبة الآن. رافقتكما السلامة."ثم غادر، تاركًا الصبيين في حالة من الدهشة والقلق.

لم يستوعب ميشيل سبب كل هذا القلق؛ فهو لم يرغب سوى في زيارة سيزار. منذ متى كان الأطباء يقلقون على أخيه بهذا الشكل؟ كل طبيب يزوره سيزار يتمنى لو تقاعد قبل أن يعالجه. أما آلفاسانو، فكان في وادي من الصدمة المؤلمة، يشعر بثقل العمر ينهار فوقه. قالوا عنه "شقيق سيزار" وكأنها تهمة ثقيلة. اجتاحه هبوط سريع، فأمسك رأسه بيديه محاولًا التماسك.

................................

على متن السفينة، كان حذاء سيزار الجلدي ملوثًا بالدماء، وكأنه شاهد صامت على المعارك التي دارت. لم يكن هؤلاء الأعداء من المافيا أبطالًا، بل كانوا مجرد عقبات سقطت واحدة تلو الأخرى. أما النخبة التي حدّثه عنها كازوما، فلم تظهر ولم يكن لها وجود يذكر.

وقف في غرفة المراقبة، يحاول بترقب أن يكتشف إلى أين تتجه السفينة، لكن كل المحاولات باءت بالفشل. أدرك أن عليه أن يصل إلى غرفة القيادة ليعرف وجهتهم الحقيقية.

تنهد بهدوء، دون أن يلتفت إليه أحد، ثم نظر بعين حادة إلى كازوما، الذي كان يمسك بقبعته الرياضية القديمة ويرتديها. لاحظ كتف كازوما، الذي بدا متألمًا من الضربة التي تلقاها عند كسر الباب. تلك اليد التي كانت تمسك كتفه بشدة أثارت فضوله.

تذكر ردة فعل كازوما حين وقف من الأرض، أمسكت يداه بكتفيه بلا تردد، وكأنه يتمسك بالحياة نفسها. تملكه شعور غريب، مزيج من الندم والامتنان، فقد كان كازوما، رغم قسوته وجفائه، الوحيد الذي لم يتخلَّ عنه.

اقتربت أكاني، بصفتها الصحفية الفضولية، وسألته بنبرة ملؤها القلق: "هل يؤلمك كتفك، يا رئيس؟"

نظر كازوما إليها، هز رأسه نفياً، لكن أكاني لم تتركه، أعادت السؤال بطرق مختلفة، محاولة أن تخترق حاجز الصمت الذي بناه.

"يا لك من مزعج، قل فقط إنها تؤلمك." قالها سيزار وهو يتظاهر باللامبالاة، فيما كانت أكاني تعض شفتها بغضب، متذمرة: ها هو ذا مجددًا يحاول إزعاجنا مجددا.

لم يرد كازوما على كلامه، بل استند إلى الجدار، وظهره ملتصق به، ثم جلس على الأرض فجأة، مما أثار قلق أكاني بشدة. هل هو متعب لهذه الدرجة؟ لقد تقيأ، يعاني من قلة النوم، وكتفه ما زال ينزف... هل سيغمى عليه هكذا فجأة؟

شعر سيزار بقلق خفيف يتسلل إليه، لكنه يكره أن يظهر اهتمامه بكازوما، خاصة أمام أكاني. كان يظن أن أكثر فتاة يكرهها هي روزا، لكن الآن بات يكره أكاني أكثر منها. كان يريد أن يرميها في البحر، لكنه يعلم أن ذلك قد يجعل كازوما ينقلب ضده.

خرج سيزار من غرفة المراقبة، ووقف عند الباب للحظة قبل أن يغادر. قال بصوت هادئ لكنه حازم: "سأذهب لجمع بعض المعلومات... سبق واتفقنا ألا تكون عائقًا. التزم بوعدك، وابقَ هذه الجرذ بجانبك."

أغلق كازوما عينيه دون أن يجيب، واستسلم للنوم الذي بدأ يغرقه في ظلمة عميقة.

كان هناك، بسيفه، يقتحم الظلال ويتنقل بين الأجساد كما لو كان يرقص معها الموت. حركاته خفيفة، دقيقة، لا تترك مجالًا للرد. عبر الجدار كالشبح، وأسقط رجال المافيا واحدًا تلو الآخر، دون أن يمسّه خدش.

مستواه القتالي كان استثنائيًا... لا أحد يجاريه سوى رييد.....

حاول أحد الرجال التسلل من الخلف لطعنه، لكن سيزار استدار في اللحظة الحاسمة، وركله بساقه بقوة أطاحت به. لم يقتله، بل أمسك بياقة سترته وجرّه نحوه، عينيه تلمعان ببرود قاتل.

"أين غرفة الربّان؟" سأل بصوت منخفض، لكنه مشبع بالتهديد. نظر إليه الرجل بعجرفة، وكأن الغرور سيحميه، لكنها كانت أغبى خطوة يمكن أن يتخذها.

ضربه سيزار بلا هوادة، قبضته تسقط عليه كالمطر، حتى بدأ الرجل يتوسل، صوته يرتجف: "إنها في الأعلى... قرب الشراع الرئيسي... عند المدفع..."

ابتسم سيزار ابتسامة جانبية ماكرة، وقال بنبرة لا تخلو من السخرية: "شكرًا." ثم، دون تردد، غرس سيفه في صدره. بلا ندم، بلا رحمة.

ترك الجثة خلفه، وتوجه نحو سطح السفينة، حيث كانت وجهته.

فجوة الانفجار التي أحدثها سابقًا لا تزال موجودة، كندبة على جسد السفينة. وعند باب غرفة الربّان، وقف رجلان يرتديان سترات مطرية ثقيلة، صامتين كالصخور. رغم الرعد، والبرق، والرياح العاصفة، لم يتحركا قيد أنملة.

كانا ينفّذان أمرًا مباشرًا من بيتر: لا تبرحا موقعكما . هذا ما قاله لهما قبل ان يغادر من على سطح السفينه.

كان الرجلان واقفَين عند باب غرفة الربّان، يرتديان قناعين من طراز "هانايا" : أحدهما أحمر، والآخر أخضر. جسداهما ساكنان، لكن خلف الأقنعة كان هناك شيء قاتم يتحفز.

فجأة، انطلقت قنبلة دخانية وسط العاصفة، لتغمرهما بسحابة كثيفة من الدخان، أربكتهما لوهلة. ومن بين الضباب، خرج سيزار كالطيف، ركل صاحب القناع الأحمر بكل قوة. لكن ما لم يتوقعه أن هذين الاثنين... كانا من مستوى آخر تمامًا.

تصدى الرجل للركلة ببرود، فيما اندفع الآخر—ذو القناع الأخضر—نحو سيزار بفأس ثقيل، كاد أن يشق جسده نصفين. لكن سيزار تراجع بخفة، خطواته خفيفة كراقص فوق حبل مشدود.

تنهد صاحب القناع الأحمر، ثم قال بصوتٍ بارد يحمل سخرية متعبة:

"يا ويحتاه... ماذا أرى؟ كاوس طلبك بالاسم، وتفعل هذا؟"

تجمدت ملامح سيزار. تحت زخّات المطر، بدأت قطرات الماء تختلط بتوتره. لم يجب، فقط عيناه اتسعتا، بدا وان فكرة خطرت على باله.

أدرك زميله أن الرسالة لم تصل، فاقترب بخطوة وأوضح بنبرة أكثر مباشرة: "دعني أشرحها ببساطة... كاوس، رئيس المافيا، طلبك بالاسم. أرادك أن تعمل عندنا."

عندها، ارتسمت صدمة واضحة على وجه سيزار، الندبة البارزة على عينه بدت أعمق في ضوء البرق الخاطف، والصوت القاصف للرعد الذي تزامن مع اتساع عينيه.

لكن اللحظة لم ترحم....

ضربة مفاجئة من صاحب القناع الأحمر حطمت ظهره وأطاحت به بعنف، فاصطدم بالشراع الكبير، الذي انكسر وسقط معه على أمواج البحر. تناثرت الأخشاب من حوله، وكل ما رآه كان السماء تمطر، والبرد يخترق جسده.

حاول أن ينهض وسط الفوضى، لكن الرجل ذو القناع الأخضر داس على رأسه، وضحك بسخرية تقطر قسوة:

"ربما... أراد كاوس أن يربيك ككلبٍ جديد له."

كلمات لم يكن يجب أن تُقال.

في تلك اللحظة، شيء ما انفجر داخل سيزار. الصمت في عينيه تحول إلى وهج، وبرق النور من جسده، صاعقًا الرجل الذي يعلوه.

صرخة ممزقة انطلقت من فم المقنع الأخضر، إذ اشتعل القناع، ثم الوجه تحته. جلد يحترق، ورعب يتآكل من الداخل. تراجع الرجل يصرخ تحت المطر، جسده يترنح، ثم فقد توازنه وسقط من على سطح السفينة.

وساد الصمت... سوى من هدير البحر، وصوت سيزار ينهض من تحت الحطام... مجددًا.

نهض سيزار من بين الحطام، تتصاعد من جسده تلك الهالة الغامضة... داكنة، خانقة، كأن الظلام قد تجسد حوله. صوت الرعد اخترق السماء، والبرق أضاء ملامحه التي غطتها الظلال، بينما الهالة التي تحيط به جعلت الهواء نفسه يرتجف.

شعر صاحب القناع الأحمر بقشعريرة تزحف على جسده. الآن فقط... فهم لماذا أراده كاوس بالاسم، لما أصر على جلب سيزار ليقابله هو شخصيا. لكن لا. لن يسمح بحدوث ذلك.

أن يُؤتى بصبي في الثامنة عشرة، ليتجاوزهم جميعًا ويقفز إلى أعلى سلم المافيا؟ هذا مستحيل.

ركض نحوه بكل عنف، وصرخاته تذوب في العاصفة، لكن سيزار كان قد رفع يده بالفعل. شرارة ذهبية انطلقت من جلده إلى نصل سيفه، تراقصت على المعدن كأنها كائن حي، ثم انطلق لمواجهته.

احتك سيفه بفأس الخصم، فتصدّع الفأس أولاً، ثم انفجر إلى شظايا، ومعه... ذراع الرجل.

صرخة الألم اخترقت العاصفة، لكنه لم يسقط. بعناد غبي، نهض مجددًا، يتقدم بقبضة دامية، يلكم، يصرخ بجنون: "يا لك من شقي وغد... مت فقط!"

كان سيزار يتفادى الضربات بسخرية، كمن يشاهد مسرحية هزلية ومستمتع. وفي لحظة حاسمة، لكمه في بطنه بكل ما أوتي من قوة، تبعتها ضربة بالقدم ارتطمت بوجهه وأطاحت به أرضًا. تراجع الرجل، مترنحًا بين الحياة والموت.

انحنى سيزار قليلاً، يبتسم بخبث، وعيناه تلمعان من تحت خصلات شعره المبلل:" أنا لا أقتل مصابًا... هذه ليست من شيمي."

أمسك بياقة سترته الممزقة، ورفعه كدمية خرقاء، ثم رماه في البحر وسط الأمواج المتلاطمة، دون أن يرف له جفن.

ومع صوت ارتطام الجسد بالماء... انتهى كل شيء.

للحظة، ساد الهدوء.

ثم خطا سيزار نحو باب غرفة الربان، كأن شيئًا لم يكن... عدا تلك الهالة التي ما زالت خلفه، تشهد أن وحشًا قد استيقظ.

فتح سيزار باب غرفة الربّان بهدوء مريب، لكن الخطوات التي دخل بها كانت تحمل عاصفة.

من دون أن يلتفت، قال الربّان بصوتٍ مشغول وهو يحدّق في الخرائط البحرية:

"قلتُ لكم... سنصل بعد ثلاثة أيام، لا تضايقوني الآن."

لكن لم يصله ردّ.

فقط يدٌ باردة كالحديد التفتت حول عنقه، ثم انفجرت عليه ضربات متتالية جعلت رأسه يرتدّ للخلف كدمية مكسورة.

"أوه! ما الذي يحدث!؟" صرخ الربّان، وهو يحاول فهم أي شيء. "لماذا؟!"

صوت سيزار اخترق الفوضى، غاضبًا، حادًا:

"قل لي... إلى أين تتجه هذه السفينة، يا عضو المافيا الحقير؟!"

ارتجف الشاب، الهواء خرج من رئتيه مذعورًا. لم يكن يتخيل أن يومه الأول بعد التخرّج من الأكاديمية البحرية سيكون بهذا الشكل. لقد خُطف من الميناء، ووجد نفسه فجأة ربّانًا لسفينة مافيا، محاطًا بمجرمين، وعالقًا في وسط عاصفة. والآن، هذا المخبول ينهال عليه بالضرب!

"أرجوك!" صرخ بصوت مبحوح. "أنا لست منهم! أقسم لك! لقد خَطَفوني! أنا ضحية!"

توقّف سيزار، يحدّق في وجهه المتسخ بالدم والذعر. ثم أفلت رقبته، ليسقط الشاب على الأرض يلهث.

مدّ سيزار سيفه نحوه ببطء... ليسطع نصل السيف الملطّخ بالدماء، كشاهد صامت على ما قد يحدث له بعد قليل ."إلى أين تتجه هذه السفينة؟" قالها بنبرة منخفضة لكن مرعبة. "لا تقل لي أيضًا أنك لا تعرف..."

الربان، واسمه ريان، بلع ريقه الجاف، ورأسه يرتجف، ونظره لا يستطيع أن يبتعد عن النصل المتلألئ.

"إلى... إلى بيونيري!" قالها بصوتٍ متكسر. "لكنني لا أعلم لماذا! أقسم لك! أنا فقط أُبحر بها كما قالوا لي!"

رمقه سيزار بنظرة قاتمة، ثم استدار نحو الجدار، حيث كان معطف مطري أسود يتدلّى. أخذه وارتداه بحركة واحدة، ووجهه مغطى بشعره المبلل والمطر يتكاثف بالخارج.

ثم أمره بصوت حاسم: "غيّر المسار فورًا. عُد إلى ليويامي."

تراجع ريان نحو الدفّة، قلبه ينبض بجنون، يداه ترتجفان وهو يدير العجلة بصعوبة. اللاسلكي مقطوع، الاتصال شبه معدوم، والعاصفة على وشك التهامهم.

همس لنفسه وهو يحاول التماسك: "يا إلهي... أهذا أسوأ حظٍ يمكن أن يُصيب إنسانًا؟"...

.......

فتح كازوما عينيه ببطء. السقف فوقه غريب، مختلف. لم يكن في غرفة المراقبة... بل في مكان أكثر دفئًا، وأكثر... إنسانيّة. شعر بشيء ناعم تحت رأسه. وسادة؟ رفع رأسه قليلًا، ليجد بطّانية خفيفة تغطّيه. منذ متى آخر مرة شعر فيها بالراحة؟ لم يتذكّر.

"استيقظت يا رئيس."

التفت نحو مصدر الصوت، ليجد أكاني تجلس غير بعيد، شطيرة بين يديها وفمها ممتلئ وهي تتحدّث بلا حرج. ارتبك للحظة، ثم بدأ ينظر حوله. كانت هناك غرفة مختلفه انيقه، وبالقرب منهم جلس رجل طبيعي امام جهاز الملاحه يقود السفينه، وجهه شاحب وعيناه تتراقصان خوفًا، بدا من النوع الذي يجد الرعب في مجرّد الصمت.

قبل أن ينطق، سمع خطوات تقترب.

التفت يسارًا، لتلتقي عيناه بعينين داكنتين تراقبانه بهدوء. سيزارعلى ركبته جالسٌ بقربه. هادئ كما لو أن كل شيء تحت سيطرته، يحمل علبة ماء بارد، رماها نحو احضانه بلا مقدمات. "قلت إنك لن تكون عائقًا..." قالها ببرود ثم نهض . "فلا تمت الآن، في عرض البحر... يا لك من ضعيف."

أخفى قلقه خلف نبرة ساخرة، كعادته.

ضحكت أكاني، بدأت تمسح فتات الشطيرة عن فمها:"ليتك فقط تُظهر رقّتك للناس بدلًا من هذا الأسلوب السمج."

ثم نظرت نحو كازوما وأكملت، وكأنها كانت تنتظر أن يفيق لتُخبره:

"حين عاد لغرفة المراقبة وجدك فاقدًا للوعي، سيزار حملك إلى غرفة الربّان بنفسه. وبعدها خرج وجلب الطعام، وبعض العُلب من صندوق الإسعافات. اعتنى بك... على طريقته طبعًا."

نظر كازوما نحو كتفه، ففوجئ بضماد نظيف يلفّه بعناية. الجرح تم تطهيره جيدًا... بيد تعرف ما تفعل. لم يتخيّل سيزار يربط له جرحًا، لكنه فعلها.

لم يقل شيئًا، فقط ابتسم. ابتسامة صغيرة، خفيفة، لكنها مشبعة بالدفء.

مهما حاول سيزار أن يُخفي إنسانيّته... ما تزال هناك.

فتح علبة الماء، رفعها إلى شفتيه، وأخذ رشفة طويلة. تسللت البرودة إلى حلقه الجاف، كأنها تطفئ نيران عطش قديم. شعر بانتعاش خفيف يسري في جسده، كأن الحياة عادت لتطرق أبوابه بهدوء.

"كم الساعة؟" سأل كازوما بصوت خافت، وهو يفرك عينيه بكفّه، يحاول طرد أثر النوم عن ملامحه.

أجابت أكاني بعد أن نظرت إلى ساعتها التي اعادها سيزار لها:"العاشرة مساءً."

توسّعت عينا كازوما فجأة، كأن صدمة خفية ارتسمت على وجهه.لقد تأخّر... كثيرًا. لا بد أن عائلتهما قد بدأت تشعر بالقلق، وربما أبلغوا الشرطة، أو الأسوأ... بدأوا يتخيلون السيناريوهات.

في مركز الشرطة، كان كريستوفر يصرخ في وجه الشرطي الذي حاول تهدئته، عبثًا. الغضب كان يغلي في صوته:

"كيف يمكن لطاقم طبي أن يكون بهذا القدر من الإهمال؟! لقد تركت المشفى فقط لأن البروفيسور استدعاني للمختبر، والآن... سيزار مختفٍ! مختطَف! ومن جماعة لا أحد يعرف عنهم شيئًا، لا اسمًا ولا هوية!"

في زاوية الغرفة، جلس الطبيب العجوز على كرسي متعب، يتمتم شتائم متقطعة وهو يهز رأسه.

"هذا الفتى... سيزار. لم يكن يومًا فأل خير على أحد. إن رفع كريستوفر قضية على المستشفى، فستُدفن مسيرتي كلها. ثلاثون عامًا من الجهد، تنتهي على يد مراهق أرعن؟"

في المقابل، جلس ميشيل على أحد الكراسي بجانب صديقه المقرّب، ملاصقًا له أكثر مما تسمح به المسافة الطبيعية، رغم أن الكرسي يتسع لأربعة. كلاهما كان يقاطع رييد، الجالس في الطرف الآخر كأن لا شيء يعنيه.

رييد، ذلك الشاب الذي تخلّى عن تفاعله مع الحياة منذ زمن، جلس واضعًا ساقًا فوق الأخرى، ملامحه باردة، ينتظر فقط اللحظة التي يُسمح له فيها بالعودة إلى المنزل والنوم.

الساعة تشير إلى الثانية عشرة منتصف الليل، والإرهاق بدأ يزحف على الجميع.

تنهد رييد بيأس، وهو يسند رأسه إلى الحائط البارد في مركز الشرطة. أمس فقط، شجارٌ ملحمي دمّر المدرسة وتركه مجبرًا على الاستماع لخطاب تهديدي مطوّل.

واليوم؟ سيزار مخطوف. ما هذه العطلة المدرسية المشؤومة؟ أهي إجازة للراحة أم فيلم أكشن من إنتاج رديء؟

زفر بقوة، ثم أدار رأسه ببطء، كمن يبحث عن شيء يُنسيه قليلاً ما يدور في رأسه. لكن ما لفت نظره لم يكن شيئًا... بل أحدًا.

رجل في أوائل الأربعينيات، ملامحه حادة لكن مطمئنة، يقف بجانب زوجته عند شباك البلاغات. كان يتحدث بهدوء، يشرح شيئًا ما للشرطي، لكن رييد لم يكن يركّز على كلماته... بل على وجهه.

"يشبه كازوما... لدرجة غريبة."

رييد اعتدل قليلًا في جلسته، فجأة شعر أن ذهنه استعاد نشاطه.ربما... هذا ليس مجرد يوم فوضوي آخر

كسر ألفاسانو الصمت و سرق انتباه الجميع، واضعًا يده على فمه وقال بنبرة تحمل تهكّمًا طفيفًا:

"أنتم قلقون على سيزار؟ أنا شخصيًّا... قلقي على من اختطفه. المسكين، لعله الآن يُعاني."

خرجت ضحكة مفاجئة من ميشيل، سرعان ما كتمها حين لمح نظرة كريستوفر النارية التي أُطلقت نحوه كتهديد صامت.

وضع أحد رجال الشرطة يده على كتف كريستوفر، نبرته مترددة كأن الكلمات تعاند لسانه:

"سيد كريستوفر...سيزار صبي ناضج."

تلك الكلمة الأخيرة ـ ناضج ـ خرجت منه كأنها شوكة في الحلق، قيلت بصعوبة أثارت في صدر كريستوفر شيئًا يشبه الخيبة. ارتخت ملامحه، انحنت نظرته للأسفل، وكأنها أول مرة يُدرك كم بات شقيقه بعيدًا عنه.

تابع الشرطي، محاولًا تلطيف الأمر:

"اسمعني... أخوك قادر على استخدام قواه، لذلك هدِّئ من روعك. من هذه النقطة، الشرطة ستتولى الأمر. مثل هذه الأخطاء تحدث في كل مكان، لا حاجة للتصعيد."

لكن كلماته، رغم نعومتها، كانت كالأظافر على جدار واهٍ؛ محاولة مستميتة لتجنّب أي فضيحة. همس في داخله كريستوفر: ليست المشكلة في الخطأ، بل في من يستهين به.

ومن حوله، لم يكن أحد يكترث حقًا. الحقيقة التي لا يُقال عنها شيء... أن اختفاء سيزار ليس خسارة في نظرهم، بل راحة.

هو عبء تخلصوا منه، بصمت..

الأجواء هنا متوترة. وبينما في مكانٍ آخر يُسمع شهقٌ خافت يطلب العفو والغفران، يجلس "هو" بثبات مريب في قلب مكتب المدير الأنيق، كما لو أنه نُحت من صخر.

الجلد الأحمر للأريكة التي جلس عليها يعكس دفئًا مزيفًا، يقابله على الطاولة كوب قهوة تنبعث منه رائحة مرّة، وطبق كعك فاخر لا يجرؤ أحد على لمسه.

أمام هذا الحضور الجليل، جلس مدير المدرسة متخشب الملامح، يتكلم كثيرًا ولا يقول شيئًا. وخلفه، وكيله المتعرّق، ينظف نظارته كل دقيقتين كأن الرؤية ستنقذه من المصير.

"الشجار بين الطلاب أمر طبيعي... وروزا أيضًا أخطأت، لا يمكننا إنكار ذلك."

قال المدير كمن يحاول أن يبني حائط دفاع من كلمات هشّة. لم يكن يعلم، أو لعله تناسى، أن من أمامه يقرأ كل تجعيدة على وجهه. كل تلعثم في نبرته. كل كذبة ملفوفة بورق رسميّ.

الوجه المقابل لا يتغير، لكن شرايينه السوداء بارزة، كأنها تنذر بعاصفة قريبة. لم يأتِ إلى هنا إلا لهدف واحد: أن ينتزع حق ابنة أخيه، لا بالكلام... بل بما يلزم.

وفجأة، قطع الصمت صوت الوكيل المرتجف، وكأنه وجد نفسه على حافة الهاوية:

"سيد... آلفاهايم... هل ترغب بكأس عصير؟"

لم تكن مجرّد دعوة، بل كانت استغاثة مقنّعة... أو محاولة يائسة لتأجيل ما لا يمكن تفاديه.

يتبع.....

..........................

سبحان الله و بحمده سبحان الله العظيم

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فريا

المؤلف RIRI
2025/07/10 مستمرة
قائمة الفصول (21)
الفصل 0: ماهي فريّا
2025/07/10
الفصل 01: المدرسة الجديدة
2025/07/10
الفصل 02: المغلوب عليه
2025/07/12
الفصل 03: الموكل عليه و عائلته
2025/07/15
الفصل 04: الفصل الرابع: الاختبار التشخيصي
2025/07/23
الفصل 05: الفصل الخامس: كتابة الأختام
2025/07/23
الفصل 06: الفصل السادس : عشاء الكارثة
2025/07/24
الفصل 07: الفصل السابع : التحقيق
2025/08/22
الفصل 08: الفصل الثامن: حكاية آلفاسانو
2025/08/22
الفصل 09: الفصل التاسع : حكاية آلفاسانو
2025/08/22
الفصل 10: الفصل العاشر: حكاية آلفاسانو
2025/08/22
الفصل 11: الفصل الحادي عشر: أسلحة و أسرار
2025/08/22
الفصل 12: الفصل الثاني عشر:المبنى القديم•
2025/08/22
الفصل 13: الفصل الثالث عشر: الغريب من دار الأوبرا
2025/08/22
الفصل 14: الفصل الرابع عشر: ليلة الاسبوع الأبيض
2025/08/22
الفصل 15: الفصل الخامس عشر:عطلة الأسبوع الأبيض
2025/08/22
الفصل 16: الفصل السادس عشر:عطلة الأسبوع الأبيض(2)
2025/08/22
الفصل 17: الفصل السابع عشر: عطلة الاسبوع الابيض 3(عين الشيطان تبصر)
2025/08/22
الفصل 18: الفصل الثامن عشر : عطلة الاسبوع الابيض 4(التردد)
2025/08/22
الفصل 19: الفصل التاسع عشر: التاريخ
2025/08/23
الفصل 20: الفصل العشرين: يد من ألماس
2025/08/24

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة