بمجرد أن خرج رييد من الغرفة التي "يستعمرها" يوما مؤقتًا، نزل الدرج ببطء. خطواته لم تُحدث ضجيجًا، لكنها لم تكن بلا صوت أيضًا.فتح باب إحدى الغرف — غرفة جلوس، على ما يبدو.في الأعلى، ثرية كبيرة تتدلّى، مزينة بزجاجات شفافة تنكسر فيها أنوار الصباح الباهت.أسفلها، على أريكة رمادية، جلس صبي. شعره نيلي، رأسه مضمّد، وبعض الدماء القديمة تلون ضمادته.كان مسترخيًا، قدماه ممدودتان على الطاولة أمامه. يرتدي بيجامة نوم، وهاتفه بين يديه، أصابعه تتحرك عليه بلا اكتراث.
اقترب رييد وجلس على الكرسي القريب.بمجرد أن لامست قدمه الأرض، رمى الصبي الهاتف أرضًا بتنهيدة حارقة:"تبًّا لسيزار... كم أكرهه."
لم يُعلق رييد على الفور.مد يده نحو إبريق الشاي على الطاولة، سكب لنفسه كوبًا، تذوّق ببطء.ثم قال، بنبرة باردة:"إذًا هذه نهاية اشتباكك معه؟ لم تذهب إلى المدرسة أمس.
أتُصدّق أن كايتو أخبرني أن سيزار تشاجر مع فتاة أيضًا؟"فتح الصبي عينيه ببطء، تألم وهو يحاول الاعتدال في جلسته.مسح عرقًا لم يكن موجودًا، وقال بنبرة مريرة:"حتى الفتاة لم تنجُ من شرّه. أكرهه.
تتخيّل؟ المدرسة اتصلت. أبلغوا والدي أنني تغيبت.وإن لم يجدوا عذرًا مقنعًا... سيتم طردي."وجهه عبس.
كان صغيرًا، لكنه بدا كمن حمل على كتفيه كل لعنات صباح الأحد.قال رييد بهدوء:"اتّقِ شر سيزار. لا يمكنك أن تواجهه وجهًا لوجه...وحين حاولت، حصلت على هذه النتيجة."أشار بكوبه نحو الضمادة، دون أن ينظر إليه.عقد الفتى حاجبيه، الغضب يتسلل إلى وجهه كله — من العينين، إلى الفك، إلى الأصابع المشدودة.لكنه لم يرد.
لم يكن هناك ما يُقال.الضربة التي تلقّاها على رأسه لا تزال نابضة في ذاكرته، كما في جمجمته.غاب عن الوعي.وغاب عن المدرسة.
وغابت عنه فعاليات اليوم الأول — الشيء الوحيد الذي انتظره بشغف.مرّت نحو نصف ساعة.الجو في غرفة الضيوف كان ساكنًا، كما لو أن الجدران تتنفس ببطء.ثم انفتح الباب.
دخل رجل كبير في السن، يسند خطواته بعكاز خشبي داكن اللون،شعره النيلي الذي شابت أطرافه بالبياض أعطاه هيئة عتيقة، كأن الزمن مرّ عليه وتركه واقفًا بكل عناد.وجهه أبيض، تحيط به لحية كثيفة مشذبة بإتقان،ونظارات بإطار رفيع تلمع تحت الضوء.يمسك بذراعه رجل آخر — أطول منه قليلًا، أنحف، يرتدي بدلة رسمية بلون كحلي: الأستاذ كريستوفر، أحد معلمي المدرسة، المعروف ببروده ولغته الدقيقة.
بمجرد دخول الرجل الكبير، نهض رييد من مقعده.وكذلك فعل الفتى ذو الشعر النيلي، رغم آلامه الظاهرة.ثم انحنيا سويًا — انحناءة قصيرة، لكنها مملوءة بالاحترام.الرجل الكبير ألقى نظرة سريعة حوله.اقترب بخطوات بطيئة، ثم جلس على الأريكة الرئيسية.كريستوفر بقي واقفًا خلفه بصمت، كظلّ لا يزول.جلس الفتى النيلي الشعر من جديد، برفق.
أما رييد... فلم يتحرك. بقي واقفًا، كأنّ وجود الرجل الكبير ألغى الراحة من القاعة.تنهد الرجل، بصوت لا يحمل تعبًا بقدر ما يحمل ثقل السنين.ثم نظر إلى رييد، بنظرة مباشرة من خلف زجاج النظارة."أين يوما؟"أجابه رييد، بنبرة هادئة، مترددة قليلاً أمام وقار السؤال:"أمم... إنه في الأعلى، سيدي. سأذهب لإحضاره."ثم تحرك.الصمت بقي في الغرفة... لكنّه لم يكن مريحًا.
خرج رييد من الغرفة، بهدوء يليق بالمقام.أُغلِق الباب خلفه، وبقي الهواء في الغرفة مشحونًا — لكنه بلا صوت.ميشيل، الفتى ذو الشعر النيلي، التفت نحو الأستاذ كريستوفر، نظراته مليئة بالتردد والقلق."ماذا يكون يوما؟" سأل، وكأنه يختبر المدى الذي يمكن أن يصل إليه صبر أخيه الأكبر.كريستوفر، الذي لا يعرف معنى الشفقة، لم ينظر إليه إلا نظرة واحدة... ثم قال، ببرود يقترب من الإهانة:"وجبة غداء... هل أنت أحمق، ميشيل؟"العبارة أشعلت الفتى.قفز من على الأريكة، وجهه احمر، قبضتاه مشدودتان، وصوته ارتفع بانفعال مكتوم:"يكفيني سيزار يا أخي! لا تزد الهم عليّ هَمّين!أعلم أنه... فتى؟ أو فتاة؟ لا أعلم حتى!لكن ما الذي قد يفعله هنا... في منزلنا؟!"لحظة من الصمت.ثم رفع الرجل العجوز عينيه ببطء نحو ميشيل.نظرة واحدة، حادة، كافية لإسكات أي احتجاج.تجمد ميشيل مكانه، نظرته هربت إلى الأرض، جسده عاد إلى الأريكة، ببطء وتردد.قال الرجل العجوز بنبرة هادئة، لكنها مشحونة بما لا يُرد:"ميشيل كريستوفر... أخوك الأكبر. احترمه."ثم أردف، بعد وقفة قصيرة:"أما سيزار... ألم تكن أنت من بدأ الشجار؟تعرف طبعه، تعرف غضبه.عليك أن تدرك... أن لكل فعل ثمنًا، حتى إن كان مجرد كلمة."تحرك كريستوفر نحو إبريق الشاي، أمسكه بهدوء، وبدأ يسكب لوالده كوبًا دون أن ينبس بكلمة.لكن في عينيه... شيء انكسر."لم تخبرني قط أنك كفلت يتيمًا."قالها بهدوء، دون أن ينظر إلى والده.لكن لم تأته إجابة.الوالد ظل ساكنًا، نظرته إلى الفراغ... وكأن الإجابة ليست من حق أحد.أزعج الأمر كريستوفر — والده لا يُخفي عنه شيئًا... أو هكذا ظن.تنهد الرجل العجوز، تنهيدة طويلة، أثقل من عمره.
لكن قبل أن يقول شيئًا، قفز ميشيل من مكانه مجددًا — كمن فُتح في رأسه باب جديد:"لدينا أخت بالتبني؟!"قالها بانفعال، بعينين تتسعان من الذهول.لكن ما واجهه لم يكن جوابًا... بل نظرات.كريستوفر، الأب، حتى الظلّ خلفهم على الحائط — جميعهم نظروا إليه بنظرة واحدة:"ماذا قلت للتو؟..."
في الجانب الآخر من المنزل...فتح رييد أحد الأبواب، بيده الأخرى كان يحمل ثيابًا داكنة اللون، طيّها أنيق.دخل غرفة يوما دون أن يطرق.مدّ له الملابس مباشرة، كأنها أوامر لا تقبل التأجيل."ارتدِها. ستقابل والدك بالتبني الآن."قالها بنبرة جافة، ثم خرج.لا سؤال، لا تفسير، لا مساحة للتفكير أو حتى التقاط أنفاس.بقي يوما في مكانه، يحدّق بالملابس — كانت أكبر من مقاسه بكثير.لكنها نظيفة، وتفوح منها رائحة خفيفة من عطر رييد.
ارتداها بصمت، الأكمام طويلة قليلاً، البنطال واسع.لكن لم يكن هناك خيار.خرج من الغرفة.وقف أمام رييد، الذي أشار بيده نحو الدرج، دون أن ينبس بكلمة.بدأ يوما النزول.خطواته بطيئة، متوترة... لكن ثابتة.عيناه تتحركان في المكان، كأنه يدخل عالماً غريباً.فُتح باب غرفة الضيوف.دخل يوما، يتبعه رييد.عيونه اتسعت، ملامحه تغيرت فور أن رأى من يجلس هناك.الأستاذ كريستوفر."ماذا يفعل هنا؟"لم يقلها، لكن وجهه صرخ بها.كريستوفر لم يتحرك، لكن حدقتاه التقتا بعيني يوما — صلبة، دون رحمة، كعادته.وفجأة..."ليس... فتاة؟؟"خرجت الكلمات من فم ميشيل، كأنها لم تمر بالعقل أولاً.نزلت الجملة على الغرفة كالصاعقة.
التفتت كل الأعين نحوه، بعضهم ببطء، بعضهم بدهشة.كريستوفر رفع حاجبًا.
الوالد نظر إليه ببرود.
أما يوما... فقد تجمد.لو كانت النظرات سكاكين، لكان ميشيل الآن ممزقًا على الأرض. رييد أدار وجهه عنه، وكأنه لا يعرفه.أما ميشيل، فقد أراد أن يبلع لسانه، أو يقفز من النافذة، أو... يعض نفسه!أي شيء إلا أن يتحمل تلك النظرات.لم يقل أحد شيئًا.لكن الهواء في الغرفة صار أثقل... حتى من صمت العجوز.
قطع الصمت صوت الرجل العجوز، صوته متهدج لكن لا تخطئه الهيبة:"اجلس، يوما."نفذ يوما الأمر دون نقاش.جلس على إحدى الكراسي القريبة من منتصف الغرفة، بينما بقي رييد واقفًا بجواره، رغم أن المقاعد الفارغة كانت عديدة.قال الرجل العجوز، بنظرة ثاقبة شملت الجميع:"كريستوفر... ميشيل... يوما صبي كفلته منذ مدة.لم أبلغكما بالأمر لأن حالته النفسية كانت متدهورة جدًا.ولم أجلبه للعيش معنا، لأني أعلم جيدًا أن شقيقكما سيزار لن يتقبّله وسيتشاجر معه لا محالة."صمت الرجل، وبدت خطوط التعب على وجهه أكثر وضوحًا.لكن يوما أخذ نفسًا عميقًا، صوته خرج هشًّا... لكنه مليء بالإصرار:"سيدي... أتعبتك معي.شكرًا لك على كل شيء، لكن... أرجوك، انزع كفالتك ودعني أذهب في سبيلي."تسمرت العيون عليه.حتى الرجل العجوز نفسه، بدا مذهولًا لوهلة.ثم... نهض من مقعده، والغضب يشتعل في وجهه، نبرته احتدت:"محال!ما هذا الطلب العجيب؟هل تدرك ما تطلبه؟ ما الذي قد يحدث لك؟! هل تفهم حجم مسؤوليتك؟!"نهض يوما بدوره، عينيه دامعتان لكن صوته صارخ، جارح:"أمري لا يهمك!لا تتظاهر بأنك قلق عليّ!ظننتك ستوافق فقط لأن أبناءك هنا... لكنك لست سوى رجلٍ بلا عقل!"في لمح البصر، انطلقت يد كريستوفر نحوه، مزمجرة، حادة كالسيف.
كانت ستسحق وجه يوما... لولا أن قبض رييد عليها بقوة وأوقفها في منتصف الطريق.زمجر كريستوفر، عينيه مشتعلة:"لماذا منعتني يا رييد؟! ألم تسمع ما قاله؟!"لكن رييد بقي ثابتًا، صوته هادئ... كهدوء ما قبل العاصفة:"أعلم أنك غاضب.لكنه بشر، لا حول له ولا قوة.وأنت لا تعرف شيئًا عنه... وأنا كذلك.فكيف نحكم على من المخطئ؟"كانت تلك الكلمات كصفعة للعقل.ميشيل، الذي ظل حتى الآن ساكنًا في الزاوية، نهض بعينين متقدتين:"أتصدق أن والدنا إنسان سيء؟!"استدار رييد نحوه، وقال بهدوء أشد إيلامًا من أي صراخ:"من أنا، ومن أنت... لكي نحكم على شيء لا نعرفه؟هل كنت تعلم، أصلاً، أن لديك أخًا بالتبني؟"سقط الصمت مجددًا، لكن هذه المرة كان ثقيلاً... حادًا.ميشيل لم يجد ما يقول.أما كريستوفر... فأنزل يده، لكن نظراته نحو يوما باتت أسوأ — لم تعد فقط غاضبة، بل مُحتقِرة.يوما لم يحاول حتى أن يدافع عن نفسه.لم يكن يبحث عن إخوة، ولا أسرة، ولا قبول.كل ما أراده... الخلاص.الهرب.
تنهد السيد العجوز، ثم جلس ببطء على كرسيه، كأنما أثقله كل ما قيل. رفع رأسه وقال بصوت هادئ لكنه لا يخلو من الجدية:"ليهدأ الجميع، رجاءً... يوما، سأطرح عليك سؤالين فقط.إن أجبتني بصدق، فسأدعك ترحل."تنهد يوما، ثم عاد للجلوس على كرسيه، تحديق صامت ملأ الغرفة، وتبادل للنظرات القلقة بينه وبين رييد، وبين ميشيل وكريستوفر والسيد.سكت الجميع.حتى قطع العجوز هذا الجمود، وسأل:"من أنت؟ ومن أين أتيت؟"مرت ثوانٍ... لا إجابة.لكن فجأة، انطلق صوت ضحكة خفيفة من يوما.رفع الحاضرون رؤوسهم إليه بذهول، حتى السيد نفسه اتسعت عيناه قليلًا.رفع يوما نظره، وبنبرة خفيفة لكنها ثقيلة المعنى، قال:"لقد سألتني عن أمر لا يمكنني حتى التفكير فيه، فكيف أجيب؟أتعتقد أنني لا أعلم أنك تقرأ الأفكار؟"ثم اعتدل في جلسته، رفع قدمًا فوق الأخرى، وقال ببرود قاتل:"لديك شهران.إن لم تُخرجني من هذا المنزل... أحدكم سيموت، وبطريقة لن تفهموها."تبدلت ملامح كريستوفر بسرعة، وميشيل تمتم غاضبًا:"ما هذا الهراء؟ هل علينا أن نخاف من فتى بشري لا حول له ولا قوة؟"لكن يوما التفت إليه، عينيه تلمعان بلمحة من الظل:"صدق أو لا تصدق، في كل مكان أقمت فيه شهرين... احترق.توفي فيه أحد.اسأل والدك."الجملة كانت كصفعة.سرت موجة صمت كجدار من الريح الباردة، ثم قال العجوز بصوت خافت:"أنت تكذب."ابتسم يوما بسخرية مريرة:"سابع منطقة، يا سيدي.سبع مناطق، في اربعة عشر شهرا .سبع مصائب.أترى كل ذلك مجرد مصادفة؟"تجمد السيد.ميشيل، وقد أشعلت كلماته غضبه، صرخ فجأة:"يكفي! أنت تقلل من احترام أبي، من تظن نفسك بحق السماء؟!"لكن يوما لم ينظر إليه حتى، ولم يهتم لصرخته.
ومع لحظة التوتر القصوى، جاء صوت جديد، صفيق، مستفز.فتح الباب بقوة، دوى الاصطدام بخشب الجدار، وظهر شبح المشاكل بملامحه المعتادة.سيزار.صافره المشاكس سبق كلامه:"اجتماع عائلي... وفيه متطفلون؟ ولم يتم دعوتي؟هذه إهانة لوجودي."وضع رييد يده على رأسه بإرهاق واضح، تنهيدة ثقيلة أفلتت منه:"يا أهلاً بالمشاكل..."نظر الرجل العجوز نحو ابنه بنبرة ثقيلة تحمل كل الغضب المكبوت:"أتعرف كيف تُلقي التحيّة، سيزار؟"لكن سيزار لم يعره أي اهتمام.عيناه لم تفارقا يوما، خطواته تتقدّم بثبات نحو الأريكة حيث يجلس ميشيل، ووجهه لا يحمل سوى السخرية."أوه... مع تلك الفتاة من الأمس؟ كم هي غريبة هذه الحياة. والآن أنت في منزلي؟بصراحة... يكفيني شقيقاي وهذا المزعج الذي نربيه.
لا حاجة لنا بمقيمين إضافيين."يوما لم يتردد، نظر إليه بازدراء حاد، نبرة صوته حملت احتقارًا لا مواربة فيه:"لو كنت أعلم أن هذا منزلك، لما وطئت بابه من الأساس.لكن بما أنني لا أريد رؤيتك، وأنت لا ترغب بوجودي،فلماذا لا تُقنع والدك أن ينزع كفالته عني؟ وبهذا لن تراني حتى في المدرسة."تغيرت ملامح سيزار. تجمد وجهه لثوانٍ، وكأن الكلمات أصابته في نقطة لا يتوقعها.قال ببطء:"كفالة؟... إذن أنت أخي الصغير؟ يا سلام...وما زلت تتطاول؟ لما لم أُحسن تربيتك من البداية؟"سكت الجميع، الجو أصبح خانقًا، مليئًا بالتوتر.ثم... انفجر سيزار ضاحكًا.
ضحكة باردة، فارغة.نظر إلى والده بسخرية مليئة بالمرارة:"أنت كفلته؟ فعلًا؟ لما لم تخبرني؟ هل خفت أن أؤذيه؟رجل صالح، تهتم باليتامى بينما أولادك بالكاد تسيطر عليهم.تكفل الغرباء وتهتم بأمر رييد أكثر منّا؟يالك من رجل صالح يا أبي... ومقرف في نفس الوقت."
جملة سيزار الأخيرة كانت كالسهم، طعنت كل من في الغرفة.كان ميشيل قد شحب، كريستوفر عض على أسنانه، ووالدهم...نظر إلى ابنه نظرة لا تحمل فقط الغضب، بل خيبة أمل.أما رييد، فقد أنزل عينيه... يدرك أن ما سيأتي بعد هذه اللحظة... لن يكون سهلًا أبدًا.
"سيزااار!"صرخ بها كريستوفر، عينيه تقذفان شررًا، صوته قاطع كحد السيف.النظرة في عينيه كانت تقول كل شيء: الضرب قادم، لا مفر.لكن سيزار لم يرمش حتى، بل ابتسم، تلك الابتسامة الساخرة التي اعتادها الجميع، ورفع ذقنه بتحدٍ واضح:"أوه؟ أتريد أن تضربني؟ لأجل والدك؟ هيا، تعال... جرب، كريستوفر!وسأريك من يُضرب هنا حقًا. سأجعلك تنتهي بأسوأ حال من ميشيل...ومن يدري، قد يتبعكما رييد لاحقًا."
جو الغرفة تبدّل كليًا، التوتر في سقفه، الجميع بات يعلم...الاشتباك مسألة وقت فقط.لكن فجأة..."هذا يكفي!"قالها السيد جينسونر بنبرة غضب لم يسبق لهم أن سمعوها.نهض واقترب من يوما، قبضته تمسكت بكتف الفتى المرتبك بعصبية:"لديك خياران، يا يوما...إما أن تبقى تحت كفالتي، أو... ترحل بسلامتك إلى المختبر."..."المختبر."تلك الكلمة وحدها كانت كافية لتكسر يوما من الداخل.تلاشت كل ملامح التحدي من وجهه فجأة.
عينيه اتسعتا، أنفاسه بدأت تتسارع، العرق نزل من جبينه كالمطر.ذاكرته اختطفت اللحظة.ذلك الرجل... بالرداء الأسود...الكائن اللزج...ذلك الشيء الذي يشبه نجم البحر...يلتف، يتمدد، يُغرس في فمه رغما عنه، وصرخاته تخنقها أنفاسه الضعيفة.كان حينها لا يزال طفلًا... بالكاد في الثامنة من عمره.رفع يده ببطء، وكأنه يريد أن يمسك فمه مجددًا... أن يبعد ذلك الشيء...ابتعد عن السيد جينسونر مذعورًا، تراجع، تعثر... وركل الطاولة بالخطأ.تحطم إبريق الشاي... وانسكب السائل الحار... وصوت الزجاج المكسور ملأ الفراغ.
عين السيد جينسونر اتسعت."لا... لا... يوما مريض قلب!"ركض رييد نحوه، أمسك بكتفه محاولًا تهدئته، لكن يوما فجأة...تقيأ دمًا.سعل بقوة، ثم سقط على ركبتيه، أنفاسه ثقيلة... متقطعة... جسده يرتعش.كريستوفر لم يتردد، ركع بجانبه بسرعة، أمسكه من كتفيه،"اهدأ... يوما، فقط اهدأ..."لكن يوما كان خارج السيطرة،صراخه خرج مختنقًا من الألم والغضب والخوف:"لا تلمسني! لا تقترب!لا أريد المستشفى! لن أجعل أمثالك يجبرونني على شيء!!"كان الدم يلطخ ملابسه، ووجهه بات شاحبًا، ضعيفًا...لم يكن قادرًا حتى على الوقوف... وكاد يسقط من شدة الهزال،لولا يد رييد التي أمسكت به في اللحظة الأخيرة.ملابس رييد... باتت حمراء تمامًا.يوما يتنفس بصعوبة... شهيق، زفير، شهيق...عيناه نصف مغمضتين، يكاد يغيب عن الوعي.أما السيد جينسونر... فقد تجمد.الندم يرتسم على كل تجعيدة في وجهه.لقد قال الكلمة الخطأ.لقد لمس الجرح العميق.وأدرك متأخرًا... كم أذى هذا الفتى أكثر مما ساعده.ووسط كل هذا، صوتٌ باردٌ كالجليد:"هل ترى الآن؟"
قالها سيزار وهو يضحك، نظراته ملأى بالازدراء، وهو ينظر إلى والده."ترى مدى طبّيتك، أبي؟أعترف أنك جلبته هنا لا لتحميه... بل لتعذبه.أيها الخائن... القذر... الوغد... الحثالة."السكين انغرس.الكلمات مزّقت الأب قبل أن تُؤذي الفتى.الغرفة خيم عليها صمت رهيب...كل من فيها شعر بثقل الحقيقة التي قيلت، حتى وإن كانت ظالمة.
لكن يوما، وسط كل شيء... لا يزال يقاتل من أجل أن يبقى واعيًا.
ترك كريستوفر يوما على مضض، أنفاسه تغلي كمرجل من الغضب، وقبل أن يعي أحد ما يحصل، اندفع نحو سيزار، قبضته مشتعلة. لكن سيزار...تفادى الضربة بمرونة قاتل محترف،وفي اللحظة التي مرّت فيها قبضة كريستوفر إلى الحائط، تحطم الجدار كقطعة زجاج!الركام تساقط... والصوت دويّ كالرعد."سيزاااار!!"صرخ بها كريستوفر، وصوته محشو بالتهديد والجنون:"اغرب عن وجهي فورًا! وإلا... أقسم أنني سأقتلك!كيف تجرؤ؟! بعد كل ما فعله أبي من أجلنا...تقول هذا الكلام؟! يا حثالة البشر!"كان صوته يزلزل الغرفة.كريستوفر لم يعد يرى أمامه إلا الغضب.أما سيزار... فكان مبتسمًا، ابتسامة من لا يهاب الموت.أخرج من بين طيات سترته خنجرًا،قوته انبعثت كهالة ذهبية تنبض حوله،خنجر متوسط الطول، حاد كأنه خرج للتو من النار."هيا إذًا، اقتلني... يا أخي الكبير."قالها سيزار بصوت هادئ، فيه كل الاستفزاز الممكن.في تلك اللحظة...اشتدت حرارة الجو، وتكثف الصراع حتى أصبح ملموسًا في الهواء.حتى يوما، وهو بالكاد يقف بمساعدة رييد،
نظر إليهم وهو يتمتم بصوت متعب:"هل أموت من النزيف... أم من شظايا معركتكم التافهة؟"تمنّى أن يُغمى عليه... لكنه لا يزال واعيًا،
كل خلية في جسده تصرخ من الألم، لكن الغضب من حوله أعلى.
السيد جينسونر جلس في مكانه، لم يتحرك.وجهه محطم...كلمات سيزار مزقته إلى شظايا،لم تعد له قوة، لم يعد له صوت.أما كريستوفر... فقد فتح كتابه السحري.صفحات الكتاب تألقت بلون قرمزي غاضب،عيناه اشتعلتا بوميض غاضب، وقال:
"ستدفع ثمن وقاحتك... بعد كل تضحيات أبي،ترد له بهذا الغدر؟!"كانت نبرته لا تحتمل.لكن سيزار لم يتأثر... على العكس، ابتسامته ازدادت برودًا.
ثم...
انطلق!ركض كالسهم، خنجره يلمع بالذهب، يتجه مباشرة إلى قلب كريستوفر.وفي اللحظة نفسها،فتح كريستوفر دائرة سحرية أمامه،ضوءها انفجر في وجه سيزار، لكن الأخير لم يتراجع.واصطدم الاثنان.انفجار الطاقة كان هائلًا.ضغط القوة الناتج زلزل الغرفة،اللوحات سقطت من الجدران، النوافذ تحطمت كأنها من ورق،
والهواء امتلأ بالغبار، بالصراخ، بالطاقة المنفلتة...أخ ضد أخ.
دم ضد دم.
جروح قديمة تقاتل بألسنة النار.وبينهم...
يوما، ورييد، والسيد جينسونر،
كل واحد فيهم... يشهد على لحظة لا عودة منها.
فُتح باب الغرفة فجأة.كبير الخدم ظهر، وجهه مصدوم،الأصوات... الزجاج المحطم... كل شيء كان يشير إلى كارثة.في منتصف الفوضى،كان رييد يقف أمام يوما، يحميه بجسده،يمسك يده، وجسده كدرع، وجهه لا يبتعد عن وجه يوما المنهك.أما السيد جينسونر، فقد صرخ بصوت أشبه بالرجاء:"توقفا... أوقِفوا هذا الجنون حالًا!"لكن نداء الأب ضاع بين شظايا الغضب.سيزار لم يتوقف.عاد بخنجره إلى الهجوم.كريستوفر، بشراسة من فقد صبره،كسر دائرته السحرية الأولى، وفتح أخرى أقوى،قوتها أشرس، ضوؤها خافت قاتل.ثم...
من العدم.دخل ميشيل بينهما.صوته علا، يائسًا، مرتبكًا، لكنه حازم:"توقفا!"كانت هذه الكلمة كافية لتجمّد الاثنين... للحظة.كريستوفر تجمد.لكن سيزار...لم يستطع.اندفع، خنجره مغروز بالفعل في بطن ميشيل.توقف فقط عندما رأى الدم.سقط ميشيل على الأرض.عيناه المصدومتان تحدقان نحو الأعلى،وسيزار واقف... لا يتحرك، لا يمسكه، لا حتى يعتذر."ميشيــــــل!!"صرخة الأب كسرت جدران الغرفة. ركض جينسونر نحو ابنه الجريح، وخرَّ راكعًا، يحتضنه،
صوته متحشرج بالبكاء:"سيزار... إن كنت تكرهني، فاقتلني.اسكب كل غضبك علي...لكن لا تؤذِ إخوتك... أرجوك، لا أكثر!"كريستوفر، وقد تجمّد وجهه من الصدمة،أمسك بجسد ميشيل، ورفعه سريعًا،صوته كان مليئًا بالذعر:"كبير الخدم! جهّز السيارة! ميشيل ينزف!"هرع خارجًا،والسيد جينسونر خلفه،ينادي، يتعثر، يركض.وبقي...
يوما، متكئًا على رييد، وجهه شاحب، نظراته ثقيلة. كان الصمت أثقل من كل تلك الفوضى.نظر رييد إلى سيزار،لم يكن يتوقع شيئًا مما حدث.لكن الأدهى...سيزار كان يبتسم.ليست ابتسامة رضا...بل ابتسامة مكسورة، مشروخة،كأنها لا تعرف نفسها.قال يوما بصوت خافت، متردد:
"أنت... لست نادمًا؟"أجاب سيزار، ينظر مباشرة إلى يوما،نبرة صوته مريرة:"أعترف... أنا حزين لأنني طعنت أخي الصغير.لكنني سعيد... لأن هذا جعل والدي يخرج من المنزل."كلمات...
ضربت رييد كصفعة،
بينما يوما لم يظهر أي تغيير على ملامحه،كأن القسوة أصبحت مألوفة.استدار سيزار...وغادر الغرفة.تركها... مكسورة.بلا أبواب، بلا نوافذ، بلا أمل.
تنهد رييد بعمق، ثم غادر الغرفة بصمت، ويوما يتكئ على كتفه.صعدا الدرج معًا بخطوات متثاقلة،الهدوء كان ثقيلاً، لا يشبه السكون بل كأن الزمن نفسه يتحاشى الحديث.وأخيرًا، وصلا إلى غرفة يوما.فتح رييد الباب بيده اليمنى، بينما يده الأخرى لا تزال تمسك بـ يوما بحذر،كأنه يخشى أن يسقط منه... أن ينكسر.دخل الغرفة، وساعده حتى جلس على حافة السرير.بمجرد أن لامس السرير،تمدد يوما بالكامل، وكأن جسده استسلم أخيرًا.أطلق تنهيدة طويلة، مرهقة، مشوشة.ذلك السرير النظيف...أصبح ملوثًا بقطرات الدم،الدم الذي أغرق ملابس يوما...التي لم تكن سوى ملابس رييد."إذن... ماذا تريد أنت أيضًا؟"قالها يوما، صوته منخفض ومليء بالارتياب.لكن رييد لم يغضب.أجاب ببساطة، وهو يسحب كرسيًا ويجلس عليه، مقابله:"لا شيء. أيضًا ليس لديك شيء لأجله أسعى ورائك، مثلاً."توقف لثانية، ثم أكمل بنبرة شبه ساخرة، شبه فضولية:"ربما... لدي فضول.عن كيف تحدث ذلك الوحش، عن أمور لا يفترض بها أن تتكلم.لكن، صدقًا؟ لست مهتمًا كفاية لأجعلك تبرر شيئًا."
وضع يوما يده على وجهه،أنفاسه متقطعة، صوته خرج خافتًا، متشككًا:"أنت تكذب... ثم، أتظن فعلًا أنني سأصدق هذا الهراء؟"جلس رييد بهدوء على حافة السرير،نظره لم يفارق الأرض، كأنه يحاول ترتيب كلماته على بلاط الذاكرة."ليس لدي سبب لأكذب عليك، يوما..."قالها بصوت منخفض، لكنه صادق بما يكفي ليهزّ الهواء بينهما."سأقول لك لماذا اهتممت بك."
توقف، ثم رفع عينيه وأكمل، ببطء، بثقل:"في مملكتي... اللورد السابع لديه أخ.شاب ، قوي...أصبح كفيفًا."تنفس بعمق وكأنه يُبعد صورة ما عن ذهنه،ثم قال، بصوت خافت يكاد يكون غضبًا مكبوتًا:"داموتفير اقتلع عينيه.الوحش الذي فعل ذلك... كان يتكلم وقد يكون هذا مفتاحا لإعادة بصره.وأنا أعلم أنك تعرف السبب."رفع رييد نظره ليوما، مباشرةً، دون مواربة:"أريد الانتقام له.لا أعرف أخ اللورد شخصيًا...لكن أن تُسلب بصيرتك؟هذا لوحده جحيم."سكت.كان الصمت بعد حديثه كثيفًا... ليس كالصمت السابق، بل كصمت من ينتظر سقوط شيء كبير.ثم قال رييد، وكأن شيئًا بداخله تحرك فجأة:"وأنت... أنا متأكد أنني رأيتك من قبل.لكنني لا أستطيع أن أتذكر متى، ولا أين."توقف كل شيء بعد تلك الكلمات.الصمت أصبح سيد المشهد...كأن أحدًا خنق الهواء، وأمر الزمن بالتوقف.
بعد نصف ساعة من الصمت الذي لم يكسره أي منهما، أخرج رييد هاتفه وبدأ يضغط على الأرقام بهدوء. اتصل بشخص ما. "ميشيل بخير، لا تقلق. أغلقوا الجرح وهو نائم الآن في المستشفى. هل أغمي على يوما؟"سمع صوت الطرف الآخر من الهاتف، ثم رد: : "لا، مازال مستيقظًا."جلس يوما يراقب بتركيز، ثم سأل بهدوء، دون أن يقاطع المحادثة.تابع المتحدث سؤاله"وكيف حال سيزار؟"اجاب بتذمر "ذهب إلى غرفته... ذلك الأرعن."استمر الحديث لبضع دقائق بين رييد وكريستوفر، ثم دوى طرق على باب غرفة يوما.نظر رييد إلى الباب وأشار للشخص بالداخل، فدخل كبير الخدم.
ابتسم رييد له قائلاً: "سأتحدث معك لاحقًا، كريستوفر. وداعًا."وأغلق الخط.ثم توجه نحو كبير الخدم وسأله: "كيف يمكنني مساعدتك؟"انحنى كبير الخدم رفع رأسه بتردد ونظرات رجاء واضحة، تحمل في طياتها خوفًا من فقدان وظيفته. "سيدي رييد، أكره أن أزعجك، لكن السيد سيزار بدأ يتشاجر مع الخدم، خاصة الخادمات. هل يمكنك أن توقفه من فضلك؟"
نظر رييد إلى يوما ثم قال له بحزم:"لا تخرج من هنا، اتفقنا؟ لن تود أن تصطدم بسيزار الآن." نهض رييد وخرج مع كبير الخدم من الغرفة.....................................
تنهد يوما بعمق، ووضع رأسه على وسادته، غارقًا في نوم عميق لم يشعر معه بمرور الوقت. عندما فتح عينيه، كانت أضواء الغرفة مطفأة، وبدلاً من ملابسه السابقة، كان يرتدي بيجامة نوم سوداء. الستائر كانت مسدلة بإحكام، وعلى الطاولة بجانبه كانت تقف قارورة ماء وعلبة أدوية تشبه تلك التي حصل عليها بالأمس وفقدها في نفس اليوم.
شعر يوما بالتعب الشديد والجوع، لكنه لم يستطع تناول أي شيء، كان بحاجة لمغذي على الأقل. رأسه كان يؤلمه بشدة كأن انفجر. تذكر آخر مرة استخدم فيها المغذي كانت قبل يومين فقط.نهض ببطء من السرير، سكب لنفسه كوب ماء، شربه بصعوبة، ثم أغلق عينيه وهمس:— "حين أكون بخير، أنام... لكن حين أتألم لدرجة تجعلني أشعر بالجحيم، أستيقظ... لماذا؟"جلس على حافة السرير، صدره يوجعه، وأنفاسه متقطعة وثقيلة، وحرارته بدت مرتفعة. بقي في تلك الحالة حتى فتح رييد باب الغرفة، حمل كرسيًا قريبًا وجلس عليه، ونظر إلى يوما الذي كان قد فتح عينيه للتو.أصيب رييد بالدهشة، ثم ابتسم قائلاً:— "استيقظت! كم هذا مريح... أنت لم تأكل شيئًا منذ الصباح، هل أجلب لك شيئًا تأكله؟"ابتسم يوما بخفة ورد بنبرة متعبة:— "إن طلبت منك، هل ستجلب لي ما أريد؟"تغيرت ملامح رييد لحظةً من الدهشة، لكنه أجاب بثقة:— "سأحضر لك ما تريد."قال يوما بهدوء:— "أريد علبتين من المغذي."لم يستفسر رييد عن سبب طلب المغذي فقط دون طعام، بل خرج من الغرفة وعاد بعد عشر دقائق مع خادمة. جلبت المغذي، وقامت بتركيبه على عصا حديدية تشبه تلك الموجودة في المستشفيات.
وعندما أرادت حقن المغذي في يد يوما، أبعد يده بحزم قائلاً:
— "ابتعدي، أنا سأكمل الباقي."غضبت الخادمة من هذه الوقاحة، لكنها لم تنطق بكلمة، وخرجت من الغرفة. وفي داخلها، لم تبقِ شتمًا إلا ووجهته ليوما في سرّها.حقن يوما يده بالإبرة، ووصل سلك المغذي بحذر، ثم استلقى على السرير مجددًا. بعد نحو ساعة، نفذت إحدى علب المغذي، وشعر بتحسن ملحوظ؛ أصبح وجهه الشاحب أكثر إشراقًا قليلاً، لكن الضيق لم يفارقه. تساءل في سره: ماذا يفعل رييد هنا؟ ومتى سيغادر؟كان الجو غريبًا بعض الشيء، فرييد لم يثقل عليه بالأسئلة، ولم يطالب بمعرفة ما حدث أو كيف يعرف السيد جينسونر، ولم يضغط عليه بأي شيء.
يوما لم يرغب في رؤية آمال قد تتلاشى بسبب ثقته المهددة، ففضل الصمت والكتمان.عندما خفّ الألم واختفى، أغلق عينيه وغرق في النوم بهدوء، بينما خرج رييد من الغرفة بصمت.في صباح اليوم التالي، كان رييد يرتدي زيه المدرسي. بعد أن ارتدى سترته البيضاء، أخذ ربطته من فوق السرير وضبطها بعناية. رشّ القليل من العطر على كتفيه، حمل حقيبته، وخرج من غرفته. نزل الدرج، والتقت عيناه بعين سيزار الذي تجاهله تمامًا.قال كريستوفر بابتسامة متكلفة:— "صباح الخير، رييد."بادله رييد التحية بهدوء وهو يواصل النزول:— "صباح النور. كيف حال ميشيل الآن؟"نظر كريستوفر نحو الأرض متظاهرًا بالابتسامة:— "هو أفضل، سيتمكن من العودة للمدرسة الأسبوع المقبل... آسف عما حدث بالأمس."أجاب رييد باقتضاب:— "لا يهم. بعد عودتي من المدرسة، سأصحب يوما ليشتري زيًا جديدًا وبعض الأغراض."
بينما كان رييد يتجه نحو الباب، أوقفه كريستوفر متسائلًا:— "كم تحتاج من المال؟"
فتح رييد الباب دون أن يلتفت إليه وقال ببرود:— "لا أحتاج مالًا، أنا أمير... هل نسيت؟ هذا أمر بيني وبين يوما، صحيح أنه أخاك بالتبني، لكن عليك أن تصلح علاقتك مع سيزار قبل أن تبدأ بها مع يوما."
أغلق الباب خلفه، تاركًا كريستوفر يفكر في كلماته.............
بقي يوما ممددًا على سريره، رافضًا فكرة النهوض، كأنه يهرب من مواجهة الواقع، من مشاكله التي صادفها صدفة مؤخرًا، ولم تكن له أو تعنيه أصلاً. ظل في بيجامته حتى الساعة الثالثة مساءً، بلا حركة تُذكر، كأنه يطمح أن يصبح منافسًا لحيوان الكسلان.
فجأة، سمع صوت فتح الباب، كان رييد يدخل. يوما لم يكن يعلم من هو، فقد اتخذ وضعية المومياء وأغمض عينيه، متذمرًا بصوت خافت:
"من العاقل الذي يعيش مع سكان هذا المنزل؟"اقترب رييد من السرير، ووسط صمت الغرفة، كان يوما يسمع خطواته لكنه لا يراه ولا يعرف من هو. بدأ يفكر أن سيزار هو القادم، ربما ليقتله بسبب مشاكله مع روزا، المرأة التي لا تحب الظلم رغم شجاراتها. فجأة، سمع رييد يقول بحزم:
"أعلم أنك مستيقظ، لا تمثل النوم، انهض الآن!"فتح يوما عينيه ببطء، ونظر إلى رييد ببلاهة وامتعاض:"ظننتك ذلك المجنون سيزار... أيا كان، ما الذي تريده هنا؟"نظر إلى يد رييد التي كانت تحمل ملابس، ووضعها برفق على السرير بجانبه، ثم قال رييد وهو يتجه نحو الباب:
"بدل ملابسك، سنذهب الآن لنشتري لك أساسيات الحياة."تردد يوما قائلاً:"ولكن—"قاطعه رييد بصرامة:"سنذهب أنا وأنت فقط."
رغم بساطة الجملة، شعرت بأن قلب يوما يرتاح قليلاً. بالنسبة له، كريستوفر طبيب يكرهه بسبب مهنته، وسيزار إما مختل أو هارب من مستشفى المجانين أو على الأقل مجنون خفي، والسيد جينسونر لا يحبه أساسًا لأنه كفله وتسبّب له بمشاكل أخرى. أما ميشيل، فلم يكن لديه معه مشاكل شخصية حتى الآن.أغلق رييد باب الغرفة خلفهما، وفي رأس يوما فكرة انفجرت فجأة:
إن ذهبت معه واستغليت الزحام، قد أستطيع الهرب من ليويامي والعودة إليهم.. لكن هل هم ينتظرونني أم نسوا أمري؟.
بل أمره هو تمتم بها بهدوء.ارتدى الملابس التي أحضرها رييد، لم تكن على مقاسه تمامًا، القميص كان واسعًا قليلًا، والبنطال أطول قليلاً، لكنه لم يكترث. توجه نحو الباب، ووجد رييد واقفًا بجانبه ينتظره. قال بصوت هادئ:
"لنذهب."تقدم رييد نحو الدرج، بينما كان يوما يتفحص المنزل بعينيه، الذي بدا أنيقًا رغم ما حدث بالأمس.
لكن نظراته لم تكن نظرات ذهول أو إعجاب، بل كانت ذابلة، بلا حياة، كأن رغبته في رؤية الأشياء الجميلة أو الفاخرة قد تلاشت تمامًا.ما إن نزل الاثنان من الدرج حتى فتح باب المنزل، ودخل سيزار، رمق يوما بنظرة استحقار قائلاً ببرود:"ما تزال حيًا؟"لم يجب يوما على استهزاء سيزار بأي كلمة، تجاوز الأمر ماشياً خلف رييد، وخرج من المنزل.
أمامهما كانت سيارة سوداء، واضحة أنها جديدة، لكن يوما لم يأبه لأمرها، ركب في المقعد الخلفي بجانب رييد. جلس رييد بهدوء، وتحرك السائق، الذي كان شعره بني اللون، وكأنه يعرف الوجهة جيدًا.عمّ الصمت بينهما، صمت طويل يملأ الجو، لم يعرف كل منهما الآخر ليبدأ الحديث. رييد يدعي أنه رأى يوما سابقًا، ويوما يؤكد أنه لم يره من قبل. فمن نصدق؟
كسر الصمت السائق بنبرة مزاح قائلاً:"سمعت أن اللورد السابع سيرسل شقيقه الشهر المقبل إلى ليويامي. هل أنت متحمس، أيها الأمير؟ أعني، سمعت أن الفتى منذ أن أصبح كفيفًا، الإيند نايت لم يغيروا ترتيباتهم احترامًا لإنجازاته السابقة."لفتت هذه الكلمات انتباه رييد، ورد عليه بسؤال:"هل تعرف عمره بالضبط؟"دهش السائق من السؤال، ثم قال:"حسب ما أتذكر، عمره بين الرابعة والعشرين والخامسة والعشرين. وبالمناسبة، زملائه من الإيند نايت في مدرستك حاليا."
نجح ذلك في جذب انتباه يوما، فدخل في الحديث قائلاً:"هل هما آرثر وزاك؟"أجاب السائق بنبرة غريبة:"أجل، إنهما السيد آرثر والسيد زاك، وهناك أيضًا السيد لوغوانغ والسيد جبريل، وكذلك تسوروغي. ومع شقيق اللورد السابع، يشكلون الإيند نايت."عم الصمت مجددًا، ثم تابع السائق:"هناك بعض من كتبوا الأختام يرافقونهم، مثل السيد مارك وآخرين."سأل رييد هذه المرة:"هل هناك فتيات في الإيند نايت؟"أصاب الفضول يوما من السؤال، متذكرًا فتاة اسمها آيو، فسأل ببطء:"ما علاقتها بهم؟"رد السائق:"نعم، هناك فتاتان فقط." تمتم يوما بتأمل:"زاك أراد أن يكون مع تلك الفتاة التي اسمها آيو، لكن زميله في الفريق لوغوانغ معها، لذلك يتذمر... من كان يظن أن مشاكلهم بسيطة."
تغيرت ملامح يوما، وغطتها خيبة الأمل.تنهد رييد وهو يتكئ على ظهر الكرسي قائلاً:"أنت تعرفهم جيدًا."ضحك السائق وأجاب:"يمكنك أن تقول إنني معجب بهم. هل سمعت عن حادثة المجمع السكني التي حدثت قبل يومين؟ قتل أحد أفراد الإيند نايت ذلك الداموتفير الذي يتكلم. شرحه لأجزاء دقيقة، إنه موهوب ورائع وقوي..."
وصلوا أخيرًا إلى المجمع التجاري الكبير، حيث تتراقص أضواء اللافتات بين زحام الناس وصخب الأصوات. نزل رييد من السيارة، وألقى على يوما نظرة مليئة بالتوقع، وكأن يقول له: ماذا تنتظر؟
أخرج يوما يداه ببطء، كأنه يغادر عالمًا غارقًا في سراب الأفكار، شارد الذهن.
"هل ستظل جالسًا هنا؟" كررت كلمات رييد كصفعة أوقظت وعيه من غفلته. نظر إليه بسرعة، ثم قفز من السيارة ممسكًا بصدره، ووجهه يشوبه توتر خافت.تأمل رييد ملامحه بعينين حادتين، يسأله بصوت مخنوق: "هل أنت بخير؟"هز يوما رأسه بإيجاب، لكنه لم يبدُ مطمئنًا. نظر حوله بعينين متسائلتين، قبل أن يتجه بخطى سريعة نحو داخل المركز، تاركًا رييد واقفًا في صدمته."هل هو بخير؟" تساءل السائق بقلق، لكن رييد تجاهل السؤال، واندفع خلف الفتى وسط زحام المتسوقين والضجيج المتداخل.فجأة، توقف يوما في منتصف المجمع، كأن العالم كله تجمد حوله.
"أين أنا الآن؟" تمتم بصوت خافت، وهو يشعر بيد قوية تسحبه من الخلف. التفت بسرعة، ليجد رييد خلفه، عينيه تمتلئان بالغضب والقلق معًا.
"هل أنت أحمق لتذهب بعيدًا هكذا؟" وبخه رييد بنبرة صارمة، لكن يوما اكتفى بالاستماع، صامتًا، كما لو أن الكلمات في تلك اللحظة لا تستحق الرد.وبسرعة، اشتروا كل ما قد يحتاجه يوما، حملوا الأكياس الثقيلة متجهين إلى إحدى المقاهي داخل المجمع.لم يشرب يوما شيئًا من القهوة، صدره يؤلمه بخفة، وهو يعلم أن القهوة قد تمنعه من النوم، فاختار الامتناع.عندما وصلوا إلى المنزل، ودعهم السائق، ثم حمل رييد الأكياس.فجأة، سقط كوب القهوة من يد يوما على الأرض، تحطم الزجاج وتلاشى صوت السقوط بين صدى المكان.
دخل يوما بسرعة إلى المنزل، وركض نحو الدرج متجاهلًا نداءات كريستوفر، الذي نادى عليه عدة مرات دون جدوى.فور دخوله غرفته، أغلق الباب بقوة خلفه، وألقى بنفسه على السرير. قال بصوت مسموع، يغلفه الألم والضعف:"أعلم أن الحياة تكرهني... لكن هذه المرة فقط، أريد أن أنام. أتوسل لك، دعني أنام."غمر الفتى رأسه في الوسادة، كأنه يحاول دفن كل همومه هناك، ولحسن حظه، تمكن أخيرًا من الغفو.بعد ساعة، دخل رييد غرفة يوما بهدوء، وضع الأكياس على الطاولة، ثم خرج متسائلاً في نفسه:"ألا يحب طعم القهوة التي اخترتها؟ لماذا لم يقل ذلك فقط بدل أن يرميها؟"استيقظ يوما في صباح باهت، وجد في يده سلكًا مغذيًا. رفع رأسه عن الوسادة فجأة، وارتسمت على وجهه ملامح الفزع. نظر حوله، الغرفة كانت خالية تمامًا، لا أحد فيها سوى صدى الصمت.بعد لحظات، دخلت الخادمة التي طردها يوما سابقًا، تتقدم بخطى متثاقلة، ونفسها ثقيل، تقول بنبرة متعبة:"بدل ملابسك، سيدي. ستذهب إلى المدرسة اليوم، لا محالة."وقفت تنتظر، عينيها تراقبان تحركات يوما، مرتدية صبرًا مزعجًا، تنتظر أن ينهض ليبدأ بتنظيم السرير.
لكن حين التقت عيناه بها، كان في نظره احتقارٌ صريح، نظرة جعلتها تتجمد للحظة، تذكرت في تلك اللحظة نظرة سيزار القاسية.تراجعت بضع خطوات مترددة، صوتها يهتز بالتأتأة:"أ... أ... أستأذنك، سيدي."خرجت بسرعة، تاركة الباب مفتوحًا خلفها.همس يوما لنفسه، بصوت كالسُمّ:"غبية... كم أكره أمثالك... أغربي عن عيني، يا سافلة."أغمض عينيه ببطء، وأخذ نفسًا عميقًا يحاول به أن يسكّن العاصفة التي تعصف بداخله.
نظر يوما نحو الباب، حيث وقف رييد بثبات، عيناه تراقبان يوما بنفس النظرة التي كان يرمق بها الخادمة سابقًا. قال رييد بصوت يحمل تحديًا وثقة متزايدة:
"مزاجك اليوم عسلي... "اجابه الاخر بغضب شديد"ماذا الآن؟ بدأت تزعجني. ملتصق بي، ماذا تريد الآن؟"دخل رييد الغرفة ببطء وأغلق الباب خلفه. أغلق يوما عينيه، متوقعًا الأسوأ، لكن لم يحدث شيء في البداية.حتى شعر بيد تمسك كتفه بقوة.
فتح عينيه متوجسًا، ليجد رييد واقفًا قريبًا منه، وابتسامة غريبة ترتسم على وجهه، ابتسامة تنذر بالخطر.همس رييد بصوت حاد: "لا تعاملها بقسوة..."اقترب من وجه يوما، وصارح ببرودة قاتلة: "لأنني أنا من يعامل الخدم هكذا."صرخ فجأة، وسحب يوما من كتفه بعنف، ثم رماه بقوة نحو الباب.صدى الاصطدام الهائل كسر الباب إلى نصفين، ووقع يوما على الأرض ببطء.فتح عينيه متألمًا، ووجد من دخل الغرفة ليس رييد هذه المرة، بل سيزار.كان يضحك بتهكم وسخرية، صوته يملأ المكان بسخرية مريرة.
ركض رييد نحو يوما، جلس بجانبه وأمسك بكتفه بقوة، صرخ:"سيزار، يا حثالة! إنه مريض قلب! كيف تجرؤ على مهاجمته؟"اقترب سيزار بخطواته البطيئة الواثقة، مليئة بالعجرفة، وصفر في فمه كأنه إعلان تهديد:"يا رييد، أنت ضيف في منزلي... وهو أخي بالتبني. عليه أن يدفع ثمن بقاءه هنا بدون إيجار.ما علاقتك بالتفاهم بيننا؟"
فجأة، سحب أحدهم ذراع سيزار بقوة، وصفعه على خده صفعة مدوية جعلته يسقط أرضًا متأثرًا. كان كريستوفر، يده تمسك بياقة سيزار بحزم، وصوته يخرج محملاً بغضب لا يخفى:"سيزار، يا حثالة العالم والبشر... الفتى مريض قلب وبشري! هل لديك ضمير؟ أمي ماتت بنفس المرض!"دفع سيزار يد كريستوفر بعيدًا، وابتعد بخطوات متوعدة، نظراته تحترق بنار الانتقام، وكأنها تعد برد الصاع صاعين لأخيه الأكبر.نهض يوما ببطء، لا كأن الضربة تركت أثرًا عميقًا، بل كما لو أنه تحدى الألم، واستعاد توازنه بسهولة.نظر إليه كريستوفر بدهشة، صوته يرتجف:"كيف يمكنك أن تنهض؟"أجابه يوما بنبرة باردة، تحمل في طياتها بلادة مبالغ فيها:"لأنني حاولت أن أنهض... فنهضت بسهولة."وقف الجميع صامتين، ذلك الرد، الصادم والواضح، كان كفيلاً بإسكاتهم جميعًا.يبدو أن يوما قد كره هذا المنزل بعمق، منذ متى وهو يقدم إجابات واضحة وصريحة؟"أنت بخير... إذن لا مشكلة عندك بالذهاب إلى المدرسة."
قالها رييد وهو يراقب يوما بتمعن، بينما هز الأخير رأسه موافقًا بهدوء.كان التغيير المفاجئ في رأي يوما كفيلاً بأن يجعل بنفسجي الشعر يشعر بغربة واضحة، وكأن شيئًا غير معتاد قد حدث.تمتم يوما بصوت خافت، بالكاد سمعه الأخران:"على الأقل لن أبقى في هذه المصحة الخاصة بالمجانين."اتسعت عين كريستوفر فجأة، ضاقت حدقتاه كأنها تضيق تحت ضغط مفاجئ. انزعج بشكل واضح، ثم غادر المكان بسرعة، تاركًا خلفه صمتًا مثقلاً بالأسئلة.
يتبع.......
_____///❀❀///______
حسابي على الانستقرام و أخر اخبار الرواية : rir_i503
RIRI