الفصل الرابع: الاختبار التشخيصي

الفصل الرابع: الاختبار التشخيصي

21 0

ترك يوما الغرفة بصمت، دون أن يلتفت إلى الخلف. دخل بهدوء، سحب ملابسه من الخزانة كمن ينفذ طقوس الهروب الأخيرة، ثم أغلق على نفسه باب الحمام — أو ما تبقّى منه. باب غرفته لم يعد يصلح للإغلاق أصلًا؛ سيزار، في نوبة من جنونه المعتاد، كان قد حوله إلى شظايا متناثرة برمية واحدة فقط.

بدّل ملابسه، سعل بخفة، ثم وقف أمام المرآة. تطلع إلى عينيه، إلى الهالات الثقيلة التي حفرتها ليالٍ بلا نوم، وإلى التعب الذي لم يعد يتكلف عناء التخفي. أحد أكبر مخاوفه تحقق الآن، وها هو في مواجهة هادئة مع مصيره. عليه أن يرسم خطة هروب مثالية — لا مجال للأخطاء. إما أن يفر من هذا المنزل، أو يُدفن فيه على يد سيزار... أو أولئك الذين يطاردونه بصمت منذ مدة.

خرج من الحمام، فوجد رييد ينتظره، كعادته. تنهد بملل، ومشى معه نحو السيارة، يحاول إقناع نفسه بأن الأمور قد تسير على ما يرام... لكنها نادرًا ما تفعل.

وبمجرد أن وصلا إلى السيارة، استقبلهم كبير الخدم بابتسامة مصطنعة ووداع مختصر، كأنه يعلم أنهم لن يعودوا. فتح رييد الباب الأمامي، لكن يوما تراجع فجأة وصرخ:

— "محال! لن أركب مع هذا المجنون!"

كان سيزار جالسًا في المقعد الخلفي، يرمقه بنظراته الشهيرة... تلك النظرات التي تجمع بين الاحتقار والسخرية، كأن العالم كله لا يساوي عنده أكثر من رماد.

1

مد رييد يده مشيرًا نحوه، بصوته المعتاد الهادئ:— "إسمع، أنا معك في السيارة. لن يقترب منك. يمكنك أن تثق بي."

رمقه يوما بنظرة لا تخلو من القرف، لكنه صعد على مضض، وجلس بجانبه.رييد، الآن، صار بين النارين. بين سيزار ويوما. علاقة سيزار به بالكاد يمكن وصفها بالكراهية — إنها أسوأ من علاقة القطط بالكلاب، كما يقول يوما دائمًا.

كلاهما يتفادى النظر في عيني الآخر، يعرفان أن أي اتصال مباشر قد يشعل فتيل النهاية.

ويوما؟ لو خُيّر، لفضّل أن يترك رييد يقتل سيزار دون أن يرف له جفن.

كم تمنى يوما لو يظل هذا الهدوء الهش قائمًا، مجرد دقائق أخرى فقط، حتى يصلوا إلى وجهتهم... أو إلى مهرب.السيارة التي تقلّهم لم تكن مركبة، بل صندوقًا مغلقًا تتناثر فيه قنابل الغضب والصمت، واحدة تلو الأخرى.

حتى السائق، ذاك الذي لا يد له في شيء، بدا كأنه يختنق بأنفاسه، يتصبب عرقًا، يضبط قبضته على المقود مرارًا وتكرارًا.

ثم فجأة، ارتطم كفٌ على زجاج المقعد الأمامي بقوة. قفز السائق مذعورًا، التفت بعينين مذعورتين نحو النافذة، فإذا به... ميشيل.

كان يلوّح له بعجلة، يشير إلى الباب المجاور.فتح الرجل الباب بصمت، فدخل ميشيل بسرعة، رمى حقيبته أولًا، ثم زحف إلى مقعده، يحاول تثبيت حزام الأمان بتوتر. أغلق الباب خلفه دون أن ينبس بكلمة.

رييد، الذي لم يكن يتوقع قدومه، التفت إليه والقلق يتسلل إلى نبرته:— "أليس من الأفضل ألا تذهب للمدرسة اليوم؟"

ابتسم ميشيل، كأن شيئًا لا يحدث حوله، وقال بصوت خافت:— "لا بأس... أشعر بالملل في المنزل. رأسي أفضل، وكريستوفر يعلم أنني ذاهب."

بينما استمر هو ورييد في تبادل كلمات خفيفة، كانت أشبه بمحاولة يائسة لخلق جو طبيعي...جلس سيزار في الخلف، عينيه على هاتفه، أصابعه تتنقل ببرود، كما لو كان في كوكب آخر،عينه رقت،ثم عادت لصلابتها.

لكن شيئًا ما تغيّر في ملامحه فجأة.شيء صغير — ربما نبرة، أو حركة — جذب انتباهه، جعله يختلس نظرة جانبية نحو يوما.

كان يوما يتمتم لنفسه، بصوت لا يسمعه أحد، لكنه ينساب من بين شفتيه كخطة مكتوبة على عجل:— "حسنًا... سأهرب بمجرد أن تتوقف السيارة. سأبقى في فناء المدرسة، حتى يختفوا. الهروب... خير من مئة أحمق يترقبني."

نظرات سيزار توقفت عليه للحظة أطول مما ينبغي.وكأن كل الكلمات التي نطقها يوما — والتي ظن أنها لا تُسمع — وجدت طريقها إلى أذنه... دون أن يلتفت.

وصلوا أخيرًا.فتحوا أبواب السيارة وكأنهم يفتحون أبواب نجاتهم.السائق، الذي ظل طوال الطريق يبتلع قلقه مع كل إشارة مرورية، تنفس الصعداء، ثم انطلق مبتعدًا بسرعة غير مبررة، يفرّ كأن الفوضى نفسها تطارده.لم يترك خلفه إلا غبارًا رماديًا وكأن السيارة تبخّرت في الهواء.

سبقهم يوما نحو مبنى المدرسة، خفيف الخطى، ثقيل النوايا. كما خطط تمامًا، بقي في الفناء الخارجي، واختبأ خلف شجرة متآكلة الأطراف، يراقب بهدوء دخول الطلاب والمعلمين واحدًا تلو الآخر.وحين خف الزحام، تنفست ملامحه ابتسامة باهتة، مزيج من النصر والتحايل. حان وقت الهروب.

خطا نحو الباب الخارجي بخفة، كأن الأرض تحته ليست سوى خشبة مسرح، وفجأة...يد قوية أمسكت حقيبته، وجذبته إلى الخلف بقوة.— "أيها الحقير الـ—"

انقطع صوته، كأن الهواء ذاته خانه.التفت بعصبية، ليجد نفسه وجهًا لوجه مع الأستاذ المساعد... زاك.

ذاك الرجل ذو الشعر الأبيض الذي بدا كأنه لا يعرف من الحياة سوى ما يتلقاه من إشعارات هاتفه. يضع نظارته الشمسية فوق رأسه، يرتدي قميصًا لا يليق بأستاذ، ويملك حضورًا يُربك حتى أكثر الطلاب وقاحة.

لحظة صامتة مرت، شعر فيها يوما كأنه تلقى صاعقة، ليس بسبب القبض عليه... بل لأنه شتم أستاذه قبل ثانيتين.نظر إليه زاك، ملامحه هادئة، لكن في عينيه وميض لا يُقرأ بسهولة، ثم قال بنبرة تجمع بين المزاح والتحذير:

— "اتبعني، أيها المشاغب...في المرة القادمة، اهرب أثناء الحصة الثانية أو الثالثة. عادة ما أكون متأخرًا، مثل الآخرين الذين لا يحبون البدايات."

ضحك بخفة، ثم استدار دون أن ينتظر تعليقًا.أما يوما... فكل خططه انهارت في لحظة. ليس لأن الهروب فشل، بل لأن زاك، بنظراته الرمادية، بدا وكأنه يعرف كل شيء.

مشى زاك بخطواته المعتادة، الواثقة، فيما تبعه يوما كريشة تتلاعب بها الريح.هش، مطأطئ الرأس، تتدلى من عينيه هالات لم تحاول حتى أن تتخفى.

كل ما فيه كان يوحي بانكسار صامت، ذلك النوع الذي لا يصدر صوتًا، لكنه يملأ المكان بثقله.

ضحك زاك فجأة، كأن شيئًا طاف برأسه وقال:— "كم أنت محظوظ، يا فتى... أنت بشري."

رفع يوما عينيه ببطء، شاحبًا، ثم ضحك باستهزاء:— "وما الجميل في هذا؟ لا أملك حتى القدرة على الدفاع عن نفسي."

توقفت خطوات زاك.ظل صامتًا لحظة، ثم قال، وصوته أكثر عمقًا من المعتاد:— "صدقني... إنها نعمة، أن تكون ضعيفًا."

صمت.ثم أردف، ببطء، وكأن كل كلمة كانت تخرج من أعماق لم يزرها منذ زمن:

— "منذ ست سنوات... كنت شخصًا مختلفًا. مهملًا، مستهترًا، أمتلك قوة لا أستطيع أن أستخدمها بالشكل الصحيح. ظننت أنني قادر على حماية كل شيء... لكنني كنت سببًا في خسارة كل شيء.أعز من عرفت... دفع ثمن غبائي."

مرر يده فوق صدره كمن يربت على ذكرى قديمة، ثم ضحك بخفة باهتة:— "فقط... لو لم أملك تلك القوة، ربما ما زال ضميري نائمًا الآن."

التفت نحو يوما، وابتسم:— "ياللغرابة... صرت معلمًا يسرد تجاربه لطلابه."ثم تابع سيره نحو الصف، بخطوات أقل خفة هذه المرة، كأن الذكرى أثقلت ظهره للحظة.

أما يوما... فظل مكانه، عالقًا بين خطوتين، يحمل صدى الكلام في صدره، لا يعرف كيف يصنفه: وعظ؟ اعتراف؟ أم مجرد نداء عابر من رجل أنهكته الذاكرة؟

وقف يوما أمام باب الصف، يرفع يده بتردد ويدفعه ببطء.استقبلته نظرة آرثر الحادة، عينان كأنهما تشقّان الأجساد قبل الأرواح.

— "متأخر؟" قالها بسخط، ثم دخل دون انتظار رد.

تغيّرت ملامح يوما للحظة، ثم جاء صوت آرثر من خلفه، هادئًا لكنه لا يحتمل النقاش:— "الحمد لله على السلامة... سمعنا بما حدث لك.

عودة حميدة. اجلس على مقعدك، وتعال إلى مكتبي أثناء الاستراحة، اتفقنا؟"

هز يوما رأسه بلا كلمة، وجلس.أما النظرات الفضولية التي انهالت عليه من كل جانب، فقد كادت تخترق ظهره، لكنها لم تمنعه من الاستمرار.لكن عندما لمح ذلك الفتى جالسًا إلى يسار كايرو، علم أن الأمر انتهى.

ميشيل، الذي ينظر إليه بعجب واضح،كان قد جاء معه، فلو كان معه، لماذا تأخر إذن؟أما يوما، فقد شتم حظه الذي جعله في نفس الصف مع ميشيل... لكن روزا لم تكن خلفه،ربما تغيّبت، ولم يتهم يوما بالشيء.

نظر نحو زاك، الذي عاد ليلعب بهاتفه بلا مبالاة،أما آرثر، فقد التفت إلى ميموري، وقال بهدوء:— "آنسة ميموري، لطفًا، وزعي هذه على الطلاب."

نهضت ميموري، التقطت الأوراق من الطاولة أمام آرثر،وتوجهت إلى الصف، توزع الأوراق واحدًا تلو الآخر،ابتدأت من مقعدها، بتأنٍّ، كأنها تقسم الأدوار بين جدران الفصل.

اخذ آرثر، بشعره الأشقر الذي انعكس عليه ضوء الصف، نفسًا عميقًا، ثم قال بنبرة جادة:

— "اليوم، سأختبر قدراتكم في حل المشكلات.لا أريد من أحد أن يكتب لي حلاً توعويًا، كأننا في عرض تثقيفي.الموقف هو كالتالي:

تُختَطَف، ويُطلب منك رقم أحد والديك من أجل الفدية...لا تكتب لي حلًا سلميًا هشًا قد ينجح أو لا.أريد سيناريو كامل، تتخيل فيه نفسك داخل الحدث:كيف ستشعر؟ ماذا ستفعل؟ ما الخيارات الحقيقية المتاحة لك؟"

كانت نبرته حادة لكنها عادلة.مرّت ميموري إلى جوار يوما، ووضعت الورقة أمامه دون أن تنظر إليه.ثم اتجهت إلى المقاعد خلفه، ووضعت ورقة أخرى على طاولة روزا الفارغة، دون أن تبدي أي تعجب.

— "أنا لا أطلب هذه المهمة كي أتعبكم بلا مقابل،" تابع آرثر،ثم رمق التلاميذ بنظرة حادة:— "خمس درجات إضافية على هذه الورقة.إن قصّرتم في اختبار أو واجب لاحق، سأعوضها لكم. لكن... فقط إن كنتم جادين اليوم."

لمعت العيون، وبدت إشارات الارتياح تتسلل إلى الملامح.في هذه اللحظات المتقلبة من حياة الطلبة، بدا آرثر، ذو الشعر الأشقر، كأنه ملاك لا معلم.

بدأت الأقلام تنشط على الورق.الرؤوس منحنية، والكتابة متواصلة، كلٌ يرسم طريق نجاته من ذلك السيناريو المظلم.كلّهم... ما عدا يوما.

ظل صامتًا، لا يمسك قلمه، عينيه على الورقة لكنها ليست هناك.وكأنها مرآة، لا صفحة، يرى فيها انعكاسًا لشيء أعمق من مجرد سؤال.

آرثر بدأ يتنقل بين المقاعد، يعطي ملاحظات خفيفة، يربت على أكتاف متوترة،يبتسم في وجوه تحاول أن تظهر الثقة، بينما زاك — بشرف المعلم المساعد — جلس غير مكترث، يعاود العبث بهاتفه كما لو أن المهمة لا تعنيه.

ثم فجأة، رنّ هاتف آرثر.التفت نحو الشاشة، بدا الاسم واضحًا: تسوروغي.

نظر إليه لثانية، ثم خرج من الصف، دون أن يقول شيئًا.زاك، كأنه تلقى إشارة صامتة، تبعه بهدوء، وأغلق الباب خلفه.

بقي الطلاب، يكتبون، كما لو لم يحدث شيء. استمروا في سرد قصص نجاتهم، متجاهلين أن اثنين من أكثر الرجال غموضًا في حياتهم خرجوا معًا فجأة.

أما يوما... فظل يحدق في الورقة،كأن الحكاية التي يُطلب منه كتابتها قد حدثت فعلًا،وأن الكتابة، بالنسبة له... ليست تمرينًا، بل تذكيرًا.

هناك، فوق الشجرة الكبيرة الخضراء، المقابلة لنافذة الصف مباشرة،كانت فتاة ذات شعر بني قصير تتسلّق بعزم واضح، خطواتها مدروسة، رغم عبثية ما تفعل.كانت تحاول الوصول إلى النافذة، تقترب من الغصن، تميل بجسدها، ومدّت يدها بحذر لفتح النافذة دون أن تُحدِث صوتًا.

كان يوما قد لمحها بطرف عينه...عينيه اتسعتا، أطرافه تصلبت، والمشهد أمامه بدا كأنه مشهد وثائقي نادر.فقد تأكد الآن — وبلا أدنى شك — أن روزا تنتمي لسلالة "القرود الملكية" بلا منازع.

وبطريقة ما...نجحت.فتحت النافذة، وتسللت إلى الداخل بخفة لا يمتلكها إلا مَن اعتاد هذه الجرائم.دخلت دون أن ينتبه لها أحد، سوى يوما وميموري، اللذين شهدا هذه الملحمة الصامتة من بدايتها.

جلست روزا على مقعدها، التقطت الورقة،ثم همست ليوما وهي توجه عينيها إليه:

— "أنت، سأستجوبك بعد الحصة...الآن، ما الذي يفترض بي أن أكتبه هنا؟ وهل أخذوا الحضور؟"

التفتت ميموري، بشعرها الأسود المتدرج نحو الأخضر، ونظرت إليها:

— "لا، لم يأخذوا الحضور بعد."ثم شرحت لها المطلوب.

عندها بدأت روزا تسجل اسمها وتكتب على الورقة، بتركيز مفاجئ،بينما كان يوما لا يزال يحدّق بها، عاجزًا عن فهم كيف وصلت، أو كيف نجت من الفضيحة... أو كيف جعلته يبدو كالمؤدب الزائد عن الحد.

.........

خارج الصف، أمام الباب...

كان آرثر واقفًا، هاتفه في يده، يتحدث بنبرة جادة،— "إذاً، بعد شهر من الآن؟ سنجتمع؟ ألا ترى أن المدة قصيرة؟"

لم يكمل.

سُحب الهاتف من يده دون إذن.زاك، بشعره الأبيض ونظرته المتهكمة، أمسك بالهاتف وتحدث بلا اهتمام بنظرات آرثر القاتلة:

— "اسمع، تسوروغي... لستَ مهمًا، لا تأتي، لا بأس. لن نحزن، صدقني.لكن... لوغوانغ سيحضر، صحيح؟ ومعه آيو؟"

قالها زاك بنبرة لم تخفِ العبث، وهو يتجاهل التوتر الذي بدأ يتجمع في كتفي آرثر،وكأن هذه المكالمة تخصه وحده، وكأن كل ما قاله للتو، لم يكن إلا محاولة لإشعال نار قديمة لم تنطفئ بعد.

في أحد المطاعم الهادئة، حيث كانت أشعة الشمس تتسلل برفق من خلف النوافذ الواسعة، جلس شاب ذو شعر بني، تتدلى خصلة منه فوق عينه التي تجاورها شامة صغيرة كأنها توقيع لا يتكرر. أمامه كأس من عصير التوت، لا تزال قطرات البرودة تتكثف على سطحه الزجاجي.

أسند كتفه إلى ظهر الكرسي، وأشعل سيجارة بتروٍ، ثم قرّب الهاتف من أذنه. صوته خرج بخفة تحمل شيئًا من التهكم المعتاد:

"يوه... الناس تكبر، وأنت ما زلت عالقًا في عمر السابعة عشرة. لا تقل إنك ومارك اتفقتما ضدي؟"

ضحك بخفوت، ثم أكمل:"على أي حال، الكل قادم... حتى آيو . أفكر بجلب مارك معي، ربما يتعلّم بعض الذوق من هيبكي."

بدت ملامحه مرتاحة وهو يعقد ساقًا فوق الأخرى، كأنّ كل هذا ليس سوى بروفة للقاء أكبر، أعمق.

على الطرف الآخر من المكالمة، كان الصوت الآخر يضحك، وتحت الضحكة ظلّ صدى الذكريات يمر. ثم قاطعه صوت ثالث، حادّ ومتعجّل. آرثر. سحب الهاتف من يد زميله الأبيض الشعر، صوته يحمل نفاد صبر لا يخطئه أحد:"جبريل؟ هل سيأتي؟ سمعت أنه في بيونيري هذه الأيام."

أجاب البني الشعر بعد لحظة، وأطلق دخان السيجارة ببطء: "سيأتي. قال إنه لن يتخلف. وأخبر زاك أن يهدأ، لوغوانغ وعد أن يحضر آيو بنفسه. لوغوانغ قد يكون مزعجًا، لكنه لا يكذب في هكذا أشياء."

ثم، بصوت أقل حدّة، قال آرثر:"أتمنى فقط أن تمر هذه الليلة دون دراما. كلمت ميرا... قالت إنها ستحاول الحضور إن انتهى حفل التخرج في موعده."

انتهت المكالمة، وأغلق آرثر الخط بهدوء.

أما صاحب الشعر البني، فوضع هاتفه على الطاولة بجانب المزهرية الصغيرة التي تضم زهورًا حمراء، ثم أسند وجهه إلى راحة يده، وابتسم.

ابتسامة هادئة، لكن في عمقها كان هناك سؤال لا يُقال... من منا تغيّر، ومن بقي كما هو؟

.........

تبادل آرثر وزاك النظرات بصمت ثقيل، ذلك الصمت الذي لا يحتاج إلى كلمات ليفضح ما تخفيه العيون.كان زاك يبتسم... تلك الابتسامة التي تُشبه قناعًا هشًا، خلفه عينا رجل منهك، لا بريق فيهما، لا حياة.تردد آرثر قليلًا، ثم تنفّس بعمق، كمن يجمع شتات شجاعته، وقال بصوت ناعم لكنه واثق:"زاك... أنا أعلم أن ضميرك ما زال ينهشك. كلنا كنا طائشين في بدايات العشرين، نرتكب الحماقات معتقدين أننا خالدون."

كلمات آرثر تلك لم تمر مرور الكرام، زاك تغيّرت ملامحه للحظة، ابتسامة ساخرة ارتسمت على وجهه، كأنها رد فعلٍ دفاعي:

"ثم ستقول لي الجملة الكلاسيكية... 'ليس ذنبك، كلنا نتهور'، أليس كذلك؟"

ضحك بخفة مريرة، وأكمل بنبرة خافتة:"كلماتك لن تغيّر شيئًا. على الأقل ليس نظرتي لما تبقى من هذه الحياة."

خطا زاك نحو النافذة الطويلة في الممر، فتحها بهدوء، وترك الهواء ينساب نحوه، يحرك خصلات شعره الأبيض كأنما يمسح شيئًا عالقًا في صدره.

عينيه تابعتا الساحة الخارجية للمدرسة، حيث الطلاب ينتشرون بين الأشجار ومقاعد الاستراحة... عالم مستمر، لم يتوقف لحظة.

ثم بصوت أشبه بالاعتراف، بصوت يحمل ثقلًا لا يُرى:"هل تعلم أنني فكرت في الانتحار؟ الجميع علم بذلك وقتها. لكن بعد أن هدأت العاصفة، فكرت... من أكون حتى أموت؟ لا شيء يُنهيه الموت. حتى لو عاد الزمن وكررت فعلتي..."

استدار ببطء، ونظر لآرثر بعينٍ واثقة، تلك الثقة التي تولد بعد الألم، لا قبله.ثم فتح ذراعيه كمن يعانق السماء أو يتحدى القدر، وابتسامة غريبة – هادئة ومجنونة – ترتسم على وجهه:"سأرمي بحياتي عن طيب خاطر... فقط إن كان ذلك من أجل آيو. حينها فقط، سأستحق أن أموت."

كان آرثر يحدق في زاك كما يحدق الطبيب في مريض قرر التبرؤ من علاجه.تنهد، رفع حاجبيه بنفاد صبر وقال بنبرة حاسمة،"كفاك هراء يا زاك، أخرج من أمامي وارجع إلى الصف... لديّ حصة لأُكملها."

ابتسم زاك، ابتسامة من يعرف أن وجوده نفسه يثير الصداع، ثم تحرك نحو الباب.لكن، ما إن أمسك آرثر المقبض ليفتحه، حتى مر زاك بجانبه وتقدّمه بخطوات. للحظة، لاحظ آرثر ذلك التفاوت غير المعتاد... زاك بدا أطول منه بكثير.

توقف للحظة، يراقب ظهر صديقه يغادر إلى داخل الفصل، وترددت في ذهنه عبارة ثقيلة:"كيف كنا... وكيف أصبحنا؟"

أخذ نفسًا عميقًا، ثم أعاد القناع المهني إلى ملامحه ودخل الصف بخطى هادئة.

لكن ما إن دخل، حتى وقعت عيناه على فتاة تحاول أن تبدو بريئة أكثر من اللازم... روزا، ذات الشعر البني القصير، تجلس بهدوء مبالغ فيه.رفع صوته بحدة مفاجئة:"روزا ألفاهايم... قفي حالاً."

الدم جمد في عروقها، كأن صوت آرثر كان صفعة في منتصف وجهها.هل رآها؟ هل لاحظ كيف تسللت من الشباك كقردة محترفة؟

وقفت بتوتر واضح وهتفت وهي تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه:"نعم سيدي... الحاكم الأستاذ آرثر!"

دوى ضحك مكتوم في أرجاء الفصل، يوما كان أول من انهار ضاحكًا، والبقية تبعوه وكأنهم وجدوا في ارتباكها نكتة مجانية.

لكن آرثر صفق بيده مرة واحدة، بقوة جعلت الصمت يعمّ المكان في ثانية.تقدم بخطى بطيئة نحو مكتبه واتكأ عليه، ثم قال بهدوء مرعب:"اعرضي عليّ حلك الأول في التقرير."

لحظة صمت مرّت، ثم تنفّست روزا بارتياح... لم يكتشف شيئًا.

في الخلف، ميموري زفرت من شدة التوتر.العملية الاستخباراتية التي نفذتها روزا لدخول الصف دون أن تُكتشف نجحت... بالكاد.

أمسكت روزا بورقتها، رفعت رأسها بثقة مصطنعة وقالت:"الحل الأول... أخبرهم أنني ابنة أخ عمي، وإن لم يفلح الأمر، فالأوسم فيهم سيكون زوجي، وبذلك أتمكن من الهروب لاحقًا."

عمّ صمت قصير، قبل أن ينفجر الصف مجددًا بالضحك.حتى آرثر، رغم الجدية التي حاول الحفاظ عليها، لم يمنع ابتسامة صغيرة من التسلل إلى زاوية فمه.

عمّ الفصل ضحكٌ فوضوي، تسلل أولاً من الزوايا قبل أن ينفجر في الوسط، بينما وقف زاك مذهولاً تمامًا.

شعره الأبيض بدا في تلك اللحظة وكأنه شاحب أكثر من المعتاد، ولسانه عالق بين أن يضحك أو يعلق أو... ينفجر. كاد أن يقول شيئًا، لكنّ الكلمات تخلّت عنه فجأة، فبقي واقفًا هناك مثل بساط مبلل بالمطر.

أما آرثر، فاحمر وجهه حتى بدا وكأنه سينفجر من الإحراج.صرّ على أسنانه وقال بنبرة غاضبة مخلوطة بالخذلان:"روزا ألفاهايم... قلنا حل منطقي، لا سيناريو من رواية رومانسية خارقة!"

تنهد، وأغمض عينيه محاولًا استعادة سيطرته على عقله وأعصابه، بينما روزا هبطت على كرسيها وكأنها تتمنى أن يتحول إلى حفرة تبتلعها فورًا.

بدأ آرثر يجول ببصره بين الوجوه، يبحث عن ضحية جديدة.لكنّ الجميع تحوّلوا فجأة إلى منحوتات حجرية، لا أحد يتنفس، لا أحد يتجرأ حتى على النظر ناحيته. كانت وجوههم تقول بصمت: "ليس أنا... أرجوك، ليس الآن."

ثم وقعت عيناه على وجه بدا هادئًا أكثر من اللازم."كايرو، إسمك صحيح؟ قف وقل لي، ماذا كتبت؟"

وقف كايرو بثقة نسبية، ممسكًا بورقته بإحكام، وقال بصوت متزن:

"نعم أستاذ، أنا كايرو. الحل الأول... أنا سياف. كل ما أحتاج معرفته هو إن كان بين الخاطفين هيرون أو فارس. هؤلاء فقط قد يعقّدون هروبي.لو لم يكن هناك هيرون أو فرسان، سأفك قيدي... إن كان حبلًا، سأحكه بالأرض حتى يتمزق. وإن كان قيدًا معدنيًا، سأستخدم قواي.ثم أهرب من المكان... وبصراحة، لم أكمل باقي التفاصيل بعد يا أستاذ."

ساد صمتٌ قصير، تلاه ابتسامة خفيفة من آرثر.أومأ له وقال:"أحسنت، كايرو. هذا ما أردته بالضبط. تفكير تحليلي، ووضع احتمالات. أكمله وسلّمه لي لأعتمد الدرجة."

جلس كايرو، وبدا عليه الرضا.

الطلاب من حوله كانوا ينظرون إليه بإعجاب، بعضهم مذهول من رده، والآخر يتمنى لو كتب شيئًا نصف منطقي على الأقل.

أما يوما، فقد رمق روزا بنظرة جانبية فيها مزيج من السخرية والذهول، وكأنه لا يصدق أنها نجت بتلك الإجابة المريبة... تقريبًا.

بينما كان الفصل قد بدأ يستقرّ مجددًا بعد إجابة كايرو، رُفعت يدٌ صغيرة في الزاوية بهدوء. كانت إحدى الطالبات تحاول أن تتجاوز خجلها، وبمجرد أن أشار لها آرثر بالكلام، وقفت وتحدثت بصوتٍ خافت:"أستاذ... هل أنت من الإيندنايت؟ الفرقة المتخصصة في طليعة قتلة الجذوع؟"

توقفت الكلمات في الهواء لوهلة.آرثر لم يُجب على الفور، نظر إلى الأرض قليلاً كأنما يستعيد شيئًا من الماضي، شيء ثقيل، لا يُقال بسهولة.أما زاك، الذي كان يراقب صديقه من طرف عينه، فقد لاحظ التردد... وسكوت آرثر لم يدم طويلًا.

"نعم." قالها أخيرًا بهدوء، ثم تابع:"أنا، والأستاذ المساعد زاك، كنا من الطليعة. تحديدًا من الفئة التي ذكرتِها."

بمجرد أن نطقت الحقيقة، تلألأت أعين الطلاب بالدهشة، وسرت همسات الإعجاب كتيار كهربائي بين الصفوف.

روزا، كعادتها، قفزت من على كرسيها كما لو أن تياراً فعلياً ضربها:"هل صحيح أنكم لا تنامون الليل؟ وأنكم تأكلون الأخضر واليابس؟!"

تحول وجه آرثر إلى لونٍ أشبه بلون الطماطم في لحظة، لكن زاك، بروحه الساخرة المعتادة، أجابها دون أن يرمش:

"لا يا روزا، ننام الليل أحياناً. لكننا نسهر كثيراً. ولهذا أنا وأنتِ تأخرنا اليوم."شهقت روزا بصوتٍ عالٍ وكأنها اكتشفت سرًا عظيمًا، بينما لمعت عيون بعض الطلاب بطريقة لا تُبشّر بالتركيز على الدرس.

آرثر ابتسم على مضض، وقال بنبرة خفيفة فيها نبرة تحذير خفية:"لاحظتُ فعلاً أنك لم تكوني في الصف حين خرجت. بما أنه الأسبوع الأول، سأتغاضى عن التأخير... للطلاب فقط. أما أنت، زاك؟ لا تتوقع شيئًا."

قهقه بعض الطلاب بخفوت، بينما رفعت ميموري يدها بهدوء ثم وقفت وسألت:"أستاذ... هل صحيح أنكم تتعاملون مع وحوش الجذوع المميزة؟ التي... تتكلم؟"

نظر إليها آرثر بجدية، وهز رأسه بإيجاب دون كلام.وساد صمت مهيب في الصف، حتى يوما نفسه رفع حاجبه بتفاجؤ.

كانت الحقيقة أكبر من ما تخيله الجميع.الإيندنايت ليسوا فقط جنوداً في طليعة الجبهات... بل شهوداً على أكثر أسرار العالم وحشيةً وعمقاً.

أخذ الأشقر كتيب الحضور وخرج قلماً من جيبه، وقال بنبرة صارمة:"حسناً يا طلاب، حان وقت التحضير. رجاءً، ركزوا جيداً حتى لا أخطئ."

ساد الصمت في الصف، وبدأ ينادي الطلاب واحداً تلو الآخر، حتى أتم تحضير الحضور بالكامل. رغم كل الأحداث التي وقعت، ظل آرثر وفياً لوعده، فلم يعاقب روزا على تأخرها، وسمح لها بالبقاء دون مساءلة.

لكن أشيب الشعر كان مختلفاً تماماً؛ حدق في النافذة التي دخلت منها روزا، كأنه تائه في عالم آخر، أفكاره مشوشة تدور حول شيء أو شخص بعيد.

بعد الانتهاء من التحضير، واصل الجميع أداء الاختبار التشخيصي، ثم طلب منهم آرثر أن يصطفوا لتسليم أوراقهم واحداً تلو الآخر. ولم تخلُ العملية من بعض الفوضى المعتادة، لكن النظام عاد سريعاً.

أثنى آرثر على صاحب الشعر الأسود، كايرو، مشيداً بتنظيم موضوعه وتكامله، وكذلك على ميموري التي كانت كما هو متوقع، تعكس انتماءها لعائلة عريقة تصنع السيوف.

أما روزا، فقد طلب منها التركيز أكثر في الكتابة، وصحح لها بعض الأخطاء بعناية، بينما نبه ميشيل صاحب الشعر الأزرق إلى أن بعض حلولَه لم تكن منطقية، مثل اقتراحه وضع أخيه سيزار مكانه عند الخاطفين حتى يموت هو، وهو أمر لم يلقَ قبولاً من الأستاذ.

وصل دور يوما أخيرًا، وكم تفاجأ آرثر حين نظر إلى الورقة التي سلمها—كانت فارغة، لا شيء مكتوب عليها سوى كلمة واحدة: "لا شيء." رفع آرثر رأسه، والتقى بعيون يوما قائلاً ببطء:"لكن لماذا؟ لماذا لم تكتب شيئًا؟"

لم يرد يوما، وسط ضجة الطلاب التي ملأت الفصل، سمعه آرثر يقول بهدوء:"أستاذ، أنا يتيم، بلا عائلة، بلا وطن... من سيهتم لأمري إن مت؟ أو تم اختطافي؟ هل ستهتم الشرطة أصلاً؟"

اهتز قلب آرثر من هذه الكلمات، كأنها كسرت شيء عميق داخله. تلعثم للحظة، كأنه فقد القدرة على الكلام، بينما يوما لم يرغب في البقاء هناك أكثر. دفع بأعصابه ونهض ببطء، متجاهلًا صمت الفصل كله.

تقدم طالب آخر للأمام، ومازال آرثر مذهولاً، لكنه سرعان ما لبس قناع الابتسامة من أجل بقية الطلاب. لاحظ زاك كل هذا، لكنه لم يتحرك.

مرت دقائق، ورن الجرس معلنًا نهاية الحصة، لكن زاك لم يتحرك للخروج، فقط آرثر خرج من الصف.

حينها قرر زاك أن يتحرك بكسل، قائلاً بصوت خافت:"شباب، اليوم آرثر سيدرب طلاب الصف الثالث والثاني، لكنه سيكون متفرغًا لكم. بما أن موادكم الدراسية لم توزع بعد، قررت إدارة المدرسة منحكم هذا الأسبوع كأسبوع تمهيدي، يعني أغلب تدريباتكم ستكون على فريّا فقط."

استدار وجلس على كرسي الأستاذ، وأضاف بابتسامة قاسية:"الفناء مشغول اليوم، كما ذكرت... إذا تحدثوا ببطيء، أو إخرسوا. لكم الخيار، وليس الطماطم."

تصنم الطلاب بذهول، وبدأوا يتهامسون، بينما عاد زاك إلى هاتفه، وكأن شيئًا لم يحدث.

روزا بدأت تنقر على ظهر يوما بخفة، فالتفت الفتى بنظرة مليئة بالانزعاج وقال:"ماذا الآن؟ ما مشكلتك يا روزا؟"

اقتربت منه وهمست في أذنه بصوت منخفض:"دعنا نهرب من الحصة."

لمعت عين يوما بفكرة ناجحة، ربما الهروب من الحصة هو الخطوة الأولى لتحقيق خطته الأكبر: الهروب من المدرسة ثم من ليويامي، ليعيش الحرية التي لطالما حلم بها ولم يرها قط. لكن تردد وقال:"لكن... كيف هو هنا؟"

ابتسمت روزا ابتسامة عريضة، مليئة بالثقة، وقالت:"أوي، من تظنني لأتركه دون حساب؟"

في تلك اللحظة، على الشجرة القريبة من النافذة، حيث تسلقت روزا قبل قليل، كان عصفور صغير مشغولاً ببناء عشه. مدت روزا يدها نحو العصفور، ونفخت عليه برقة. فجأة، بدأ العصفور يرقص ويقفز بسرعة، وضرب زجاج النافذة بأجنحته.

ارتبك التلاميذ، بينما أُصيب زاك بالدهشة من صوت ارتطام العصفور بالقماش الزجاجي القوي. نهض ميشيل من مقعده بسرعة، وفتح النافذة. اقتحم العصفور الصف، ورفرف بجناحيه بنشاط حتى وصل إلى طاولة زاك، وبدأ يرقص ويغرد بألحان غريبة وجميلة.

كانت ملامح زاك تعبر عن اندهاش حقيقي، بينما التلاميذ تجمعوا حول الطاولة بفضول ودهشة. كان نادرًا أن ترى عصفورًا يرقص ويغني هكذا—حقًا كانت هذه واحدة من عجائب الدنيا السبع، حتى أن زاك لم يستطع إلا أن يحدق مع الجميع.

في خضم الفوضى، تسللت روزا ويوما بهدوء نحو الخارج، وبدأا يركضان في الممر بسرعة، مستمتعين بهذا الإنجاز الصغير الذي قد يكلفهما مخالفة، لكنهما لم يهتما. وصلا إلى الدرج ونزلا بسرعة كما لو أن الهروب مسألة حياة أو موت.

لكن عندما أرادت روزا أن تستدير لأخذ المنعطف المؤدي إلى باب المدرسة، اصطدمت فجأة بشخص ما. أمسكت رأسها من الألم، وصرخت بنبرة غاضبة:"يا أعمى، هل..."

لكن لسانها تعقد عندما رأت من أمامها. كان كازوما، رئيس مجلس الطلاب، آخر شخص يرغب الهاربون في رؤيته أو مواجهته.

وصل يوما ونظر بدهشة، ثم قال بتنهيد:"أنت مجدداً؟ هل أعادتِ سترة سيزار؟ ولماذا تركضين في الممر؟ ولماذا أنت متجهة إلى الخارج؟ طلاب السنة الأولى ليس لديهم حصص خارجية اليوم."

كانت نبرة كازوما حادة، وصارمة، وهنا أدرك يوما أنه سيتلقى مخالفة لا محالة.

لكن روزا، بثقة لا تتزعزع، نظرت مباشرة في عيني كازوما وقالت:"أنت لا تعرف حتى أي صف أنا فيه، أليس كذلك؟"

تعجب يوما وكازوما معاً، فأجاب كازوما وهو يهز رأسه:"نعم، لا أعرف من أي صف أنتِ."

وبلحظة، وكأن الزمن توقف، أمسكت روزا بذراع يوما وسحبته بقوة، وبدأت تركض بسرعة كبيرة، تاركة خلفها سحابة من الغبار.

كازوما وقف مذهولاً، في صدمة من تصرف روزا غير المتوقع.

غضب كازوما بشدة، لكن لم يكن بيده حيلة. كان يعلم أن اللحاق بروزا ويوما سيجعله يتأخر عن الحصة، ولكنه أقسم في نفسه أنه سيتتبعها، سيدخل صفوف السنة الأولى، ولن يتركها تفلت منه ما دام على قيد الحياة.

اتجه نحو الخارج بسرعة، حتى وصل إلى مكان التجمع حيث كان آرثر يحضر الطلاب. في تلك اللحظة نادى آرثر على كازوما، الذي أجابه فوراً. بمجرد انتهائه، خاطب آرثر الجميع قائلاً:

"شباب وآنسات، بعد شهر من الآن ستُقام حفلة تخرج في مدرستكم، وقد ينتقي مسؤول طليعة قتلة الجذوع بعضكم للعمل هناك. أنتم الخريجون قريباً، وبمجرد انتهاء هذه السنة قد يلتحق بعضكم بالطليعة. الراتب هناك يكفيكم لتعيشوا حياة رغيدة، لكني كمن يعمل هناك، أنصحكم ألا تستخفوا بالأمر، فالموت قد يأتي في أي لحظة. أراكم كإخوتي الصغار، لذلك أنصحكم."

سادت لحظة من الرعب والخوف بين بعض الطلاب، إلا أن ذلك الفتى الأشقر ، لم تهتز ثقته أبداً. كما فعل سيزار، الذي بدا واضحاً أنه لم يعجبه حديث الأستاذ آرثر.

بينما كان آرثر يقلب صفحات كتابه بيده، وقف مع الطلاب في الفناء الخارجي وسألهم:"شباب وآنسات، كم منكم صنع ختمًا مع ساحر أو سياف؟"

لم يتلقَ أي رد، كأنهم في صحراء قاحلة، فتنهد مبتسمًا وقال:"لا بأس، أنتم ما زلتم صغارًا... ربما صغارًا جدًا."

....

عند نقطة الأندية في المدرسة، وصل روزا ويوما وهما يلهثان من شدة الركض. كان يوما يمشي ببطء، يحاول أن يهدئ أنفاسه ويخفض من سرعة نبضات قلبه المتسارعة. بجانبه، روزا التي لم تفقد انتباهها، توقفت فجأة عندما وقع بصرها على لوحة معلقة أمام أحد الأندية.

كانت اللوحة تحمل اسم "نادي الصحافة". قالت روزا بنبرة مليئة بالحماس وكأنها تعلن عن كنز ثمين: "انظر، هذا هو نادي الصحافة المشهور في المدرسة، معروف بدقته ومعلوماته الصحيحة عن الطلاب والأساتذة، وحتى الدائمين والمساعدين والمدير ونائب المدير وموظفي النظافة."

أضافت بابتسامة: "تصدق أن الأساتذة أنفسهم يأتون إلى هنا؟ ويقال إن مديرة النادي الحالية طالبة من الصف الأول، درست في القسم الإعدادي في مدرستنا، اسمها هاماساكي أكاني."

تحدثت روزا بنبرة ثقة وكأنها تروي معلومة مؤكدة، مما جعل يوما يتذكر يومه الأول عندما أخبرته بأنها أجرت بحثًا. أدرك في تلك اللحظة أنها لم تكن تكذب، بل كانت صادقة تمامًا.

مسح يوما عرق جبينه وهو يتمتم بقلق:"روزا... أنتي تبالغين، هذا مجرد نادي طلابي، وليس مركز استخبارات عالمي."

لكن روزا لم تكن تسمع، أو بالأحرى لم تكن تعير أي اهتمام لتوتره، كانت تنظر إلى الباب بلمعان في عينيها يشبه شرارة نار متقدة.

قالت بحماسة تكاد تُشعل المكان:"دعنا فقط ندخل ونسأل سؤالًا واحدًا. لن نخسر شيئًا، أليس كذلك؟"

كان يوما على وشك الاعتراض، لكن روزا لم تمنحه تلك الفرصة. هو في قرارة نفسه تمنى لو كانت مبالغتها مجرد مزحة، فهو لا يريد أن يُعرف، لا يريد أن يُذكر، لا في جريدة ولا في تقرير داخلي. يرغب أن يبقى مجرد ظل يمر في الممرات دون أن يلاحظه أحد. وإن كان هذا النادي خطيرًا كما تقول، فهو فعلاً في ورطة ويجب أن يسرع بخطته للهروب.

دون أي مقدمات، مدت روزا يدها وفتحت الباب.لكن المفاجأة كانت أبعد مما توقعه الاثنان.

نادي الصحافة لم يكن غرفة مهملة كما في أغلب المدارس. بل كانت غرفة فسيحة، يغمرها ضوء طبيعي ناعم، يتوسطها طاولة ضخمة بلون الخشب الداكن تحيط بها كراسٍ من النوع الفاخر. في الجانب الآخر من الغرفة، كان يوجد مكتب منفصل أكثر أناقة، يفترشه جهاز حاسوب حديث وشاشة إضافية عملاقة.

وخلف المكتب... جلست فتاة.

شعرها زهري وقصير، وتضع على أذنيها سماعة كبيرة تغطي نصف رأسها. عيناها الخضراوان كانتا تحدقان في شاشة الحاسوب بتركيز لا يُكسر، أصابعها ترقص على لوحة المفاتيح بخفة ساحرة وكأنها تعزف سيمفونية رقمية.

كانت مستغرقة في عملها لدرجة أنها لم تلاحظ دخول روزا ويوما، أو بالأحرى، لم تهتم.

وقف الاثنان متجمدين عند الباب، وكأنهما دخلا إلى مركز قيادة سرّي وليس ناديًا مدرسيًا. همس يوما دون أن يحرك شفتيه كثيرًا:

"...أوه لا، لقد أخطأنا العنوان. هذه غرفة مديرة الاستخبارات فعلًا."

لكن روزا كانت منبهرة أكثر من أن تقلق، فتلك الفتاة خلف المكتب لم تكن إلا هاماساكي أكاني.

تبادل يوما وروزا نظرات سريعة قبل أن يتقدما نحو الفتاة التي تجلس خلف المكتب، وروزا تتقدم أولاً بابتسامتها المعتادة وقالت:

"آآآ صباح الخير، أنا روزا ألفاهايم."توقفت الفتاة ذات الشعر الزهري عن الكتابة على الحاسوب، ورفعت رأسها بهدوء نحو الزائرَين. رمقت روزا بنظرة متفحصة قبل أن تبتسم وتقول بنبرة مائلة للسخرية:

"يا سلام... أنتي مجددًا، ولكن هذه المرة في نادي الصحافة."نظر يوما فورًا إلى روزا، وعيناه تطرحان السؤال: "أتعرفينها؟"

أما روزا فحدقت قليلاً في وجه الفتاة ثم قالت بإدراك مفاجئ:"أوه! أنتي الفتاة اللي سكبت عصيرها على وجه سيزار ذلك اليوم، صح؟"

ضحكت الفتاة ضحكة قصيرة، ثم وقفت واقتربت منهما بثقة وقالت:"أكاني هاماساكي. من الشعبة B. تشرفت بلقائكما."

ثم التفتت إلى يوما وأردفت بنبرة وكأنها تقرأ من ملف سري:"روزا ألفاهايم، ويوما... الطالب الذي تسبّب تسجيله في المدرسة بالكثير من المتاعب. الوحيد في المدرسة بلا اسم عائلة، أليس كذلك؟"

بالنسبة لروزا، بدت أكاني لطيفة بعض الشيء، وإن كانت غريبة الأطوار.لكن يوما، لم يستسغ طريقتها ولا الحديث عنه بتلك الطريقة، وكأنها تسلّط الضوء على ما يحاول إخفاءه. يبدو أن الفتاة تعرف أكثر مما يجب.

لاحظت أكاني ملامح الانزعاج على وجهه، فابتسمت وقالت بنبرة مطمئنة:"لا تقلق، نحن لا نحقق في ملفات الطلاب. نحن نهتم فقط بما يحدث في المدرسة، الأخبار والتحركات، ليس أكثر."

ارتاح يوما قليلاً بعد هذا التوضيح، شعر بأن كتفيه أصبحا أخف وزنًا. جلس على مقعد خشبي بجوار روزا، التي كانت لا تزال تراقب المكان بفضول.

وفجأة، دون مقدمات، قال يوما بنبرة هادئة ولكن مباشرة:"ما أسهل طريق للهروب من المدرسة؟"

رمشت روزا بدهشة والتفتت نحوه بسرعة، كما لو أنها صُبّ على وجهها دلو ماء بارد. هذا السؤال لم يكن متوقعًا حتى منها. للحظة شعرت بما شعر به الأستاذ آرثر حين واجهته بإجاباتها الغريبة سابقًا.

أما أكاني، فلم تهتز على الإطلاق. وكأنها اعتادت هذا النوع من الأسئلة.ردّت بهدوء، وهي ترفع حاجبًا واحدًا:

"أسهل طريق هو عبر الفناء الخارجي، لكن لا أنصح به الآن. طلاب الصف الثالث يتدربون هناك مع الأستاذ الجديد، آرثر. غدًا، بعد الاستراحة، سيكون الفناء فارغًا... وهذا أنسب وقت للهروب."

بقي كل من روزا ويوما في مكانهما، في صمت ثقيل وصدمة غريبة.

لم تكن الطريقة التي قالت بها أكاني الأمر فقط هي ما صدمهما، بل طبيعة الرد نفسها... وكأنها كانت تتحدث عن وصفة كعك، لا خطة هروب من مؤسسة تعليمية مشددة.

تبادلت روزا ويوما النظرات بسرعة، نظرة تقول: "هل سمعنا نفس الشيء؟"بينما أكاني لا تزال واقفة بنفس البرود، وملامحها لا توحي بشيء سوى الحياد الكامل، كأن ما قالته لتوّها ليس إلا خبراً عادياً من نشرة الطقس.

روزا، التي عادةً ما تكون لسان الفريق، لم تجد ما تقوله للحظات. أما يوما، فقد وقف مذهولًا، لا من المفاجأة بل من البساطة المطلقة التي أجابت بها أكاني على سؤال جريء كهذا، كأن سؤال: "كيف أهرب من المدرسة؟" أمر روتيني يُسأل كل يوم في نادي الصحافة.

وأخيرًا، نطقت روزا بصوت منخفض:"لحظة، هل هذا... طبيعي هنا؟ أن يسأل أحدهم كيف يهرب من المدرسة ويُجاب عليه وكأنه يسأل عن موعد الغداء؟"

ضحكت أكاني ضحكة قصيرة، ثم أشارت بأصبعها نحو أحد الكتيبات الموضوعة على الرف القريب وقالت:"نحن في نادي الصحافة، لا نحكم على الأسئلة، نحن فقط نعرف الأجوبة. لدينا خرائط، تقارير، جداول الحراسة، مواعيد التنظيف، وكل ما يتعلّق بحركة المدرسة... بعضنا يحب أن يعرف، هذا كل ما في الأمر."

اقتربت من الطاولة وسحبت أحد الملفات الرقيقة وقالت لهما:"طبعًا لن أساعد أحدًا فعليًا على الهروب، نحن لا نخالف القوانين... لكن، لو كنتما من النوع الفضولي، فهذه خريطة المبنى كاملة، نشرتها الإدارة مع كتيب الترحيب قبل عامين. لا شيء غير قانوني فيها."

قدّمت لهما الورقة. كانت خريطة حقيقية بالفعل، تفصيلية بشكل غريب، كُتب على أعلاها "الهيكل التنظيمي الداخلي لمبنى أكاديمية ليويامي"، وفيها كل الطوابق والمخارج، وحتى الممرات الجانبية المغلقة.

أخذ يوما الخريطة وكأنها كنز، قلبها سريعًا ثم نظر نحو أكاني:"ولماذا تُخبريننا بهذا؟ أليس من المفترض أن تبلغي عنا؟"

ضحكت أكاني مرة أخرى، بنبرة أكثر هدوءاً:"قلت لك، نحن لا نحكم، ولسنا من مجلس الانضباط. ومهما كانت خطتكم، لا أظنها ستنجح بسهولة، المدرسة أذكى مما تبدو. لكن... الفضول فضيلة، أليس كذلك؟"

همست روزا ليوما وهي تبتسم:"لقد أصبحت أحب نادي الصحافة."

أما يوما، فنظر إلى أكاني نظرة حذرة، لكنه قال في نفسه:"ربما... هذه الفتاة أخطر من آرثر نفسه."

ارتسمت ابتسامة خافتة على وجه يوما، وكأن كلمات أكاني منحت روحه أملًا ولو ضئيلاً في الخلاص. لكن في المقابل، عبست ملامح روزا فجأة وقالت بنبرة حازمة:"لا أريد أن يفخر بي عمي فقط لأنني هربت وخيّبت آماله الكبيرة بي."

التفت إليها يوما، وتغيرت ملامحه. كشر قليلاً، وقال بلهجة جافة:"أنتِ من تريدين البقاء... أما أنا فلا. لا أريد أن أبقى هنا."

نظرت روزا مباشرة إلى عينيه، وكان فيها قلق صادق، وقالت وقد ارتفع صوتها قليلًا:"لا، يا أحمق! ستدمر حياتك! ما هذا الغباء؟!"

بينهما، كانت أكاني تقف بلا تعليق، تراقب المشهد بهدوء غريب وهي تمضغ علكتها، شاهدة لا تتدخل.

تنهد يوما ببطء، ثم قال بصوتٍ منخفض ولكن حاد:"حياتي مدمّرة منذ البداية، روزا. لا أريد أن أبقى هنا، أكره هذه المدرسة... ولم آتِ إليها برغبتي."

تجمدت روزا مكانها، ولم تستطع الرد فورًا. في تلك اللحظة، تذكرت شيئًا لطالما تجاهلته رغم وضوحه... بطاقة يوما المدرسية، وما كُتب فيها.

يوما... مريض قلب.يوما... من مملكة أوفر سموك المحتلة.يوما... الغريب الوحيد بينهم.

دوى صوت صفير خفيف في أرجاء المكان، فالتفت الثلاثة بسرعة نحو باب نادي الصحافة المفتوح. هناك، متكئًا على طرف الباب، وقف صاحب الشعر الأشيب، مرتديًا نظارته الشمسية التي رفعها فوق رأسه وساعة فاخرة على معصمه—زاك، الأستاذ الذي لا يمكن خداعه.

ابتسم لهم بخفة وقال بنبرة ساخرة:"يا سلام... هاربان من الشعبة A، وهاربة من الشعبة B. هل ظننتما أنني لم ألاحظ ما فعلتماه يا صغاري؟ حين سيطرت روزا على العصفور، وحين زحفت معها يا يوما؟ إنه استهزاء واضح بفرسان الطليعة... أو لنقل: بمعلمكم."

تجمدت ملامحهم في لحظة، ثم تبادلوا ابتسامات متوترة خفيفة. مال يوما بجسده نحو أكاني وهمس ساخرًا:"أنتِ أيضًا هاربة يا حثالة؟ كنت أعتقد أنك خرجتِ بإذن رسمي..."

ردت أكاني بنفس النبرة الهمسية، دون أن تنظر إليه:"إذا كنتَ تعتبر الهارب حثالة... فمرحبا بك، نحن ثلاثة الآن."

اقترب زاك منهم بخطوات بطيئة وثابتة، حتى وقف مباشرة أمامهم. كانوا مثل الأقزام بجانبه، وهو ينظر إليهم من أعلى بابتسامة واسعة، قبل أن يقول بنبرة لاذعة ومرحة في آنٍ واحد:

"ستكتبون مخالفة طبعًا، يا أطفالي الأعزاء."تجمدت روزا، وكذلك أكاني. الموقف كان أخطر مما تخيلوا. فهم ما زالوا في الأسبوع الأول، وكتابة مخالفة تعني الطرد الفوري من المدرسة... لا مجال للعب هنا.

لكن يوما، وبهدوء غريب، انحنى برأسه قليلًا وقال بجدية:"رجاءً، أستاذ... أنا من يجب أن يتحمل المسؤولية. أنا من قرر، وسأكتب المخالفة."

لمعت عينا زاك للحظة، ثم ابتسم وربّت على كتف يوما بلطف وقال:"هاي، هاي... أحسنت. من الجيد أنك تدرك أخطاءك. ومع ذلك... ستكتب المخالفة."

لكن، ما أدهشه أكثر، كان رد فعل يوما.رغم قراره بكتابة المخالفة، رفع يوما رأسه وابتسم... ابتسامة صافية، مليئة بالرضا والهدوء. كانت ابتسامة شخص نال ما يريد، أو على الأقل، عبر مرحلة كان يخشاها. سعادة غريبة تملكت وجهه، جعلت زاك يرفع حاجبه في استغراب.

هل... جعل أحدهم يشعر بالسعادة للتو؟ تساءل زاك في نفسه، للحظة نادرة، بدا فيها كأن شيئًا ما بداخله قد اهتز.

تقدّمت أكاني، صاحبة الشعر الزهري القصير، خطوة للأمام، ووقفت بثقة أمام زاك، ثم قالت بابتسامة مليئة بالتحدي:"حجرة، ورقة، مقص... إن فزتُ أنا، نكتفي بمخالفة مخففة. وإن فزتَ أنت، نكتب ما تريده، بلا نقاش."

لم يبدُ العرض مغريًا بالنسبة لزاك، بل ارتسمت على وجهه ملامح عدم الاقتناع. أما أكاني، فرغم التوتر الذي بدأ يتسرب إلى جسدها، حافظت على ثبات نظراتها، لا تزيغ عن عيني الأستاذ، تحاول أن تُظهر الحزم والثقة.

في هذه اللحظات، أدركت روزا شيئًا مهمًا: زاك ليس كآرثر. لا يهتم إن كانوا طلابًا في الأسبوع الأول، لا يمنح أعذارًا، لا يراعي حداثة أعمارهم أو حماقاتهم. بدا باردًا، صارمًا، وكأنه مجبر على العمل هنا، لا يبحث عن تطوير أحد أو حمايته. على النقيض تمامًا من الأستاذ آرثر، المتفهم، الدافئ، الذي يبتسم حتى عندما يوبّخهم.

أمسك زاك بذقنه وهو يفكر، ثم قال بنبرة منخفضة فيها شيء من التحذير:"لِم لا؟... لنجرّب. لكن مرة واحدة فقط."

ارتجف الجو للحظة. تغيرت نبرته، فكادت روزا أن تتراجع. أما أكاني، فرغبتها في تقليل العقوبة كانت أقوى من أي توتر، بينما يوما... كان يهمس بدعاء صامت، أن يخسروا التحدي. كل ما يريده هو كتابة مخالفة كاملة تفتح له طريق الخروج من هذه المدرسة، من هذه المدينة، ومن منزل عائلة المجانين كما يسميه.

قبضت أكاني يدها بقوة، وكذلك فعل زاك."حجرة... ورقة... مقص!"

تجمّدت الأنفاس. عيون روزا تراقب الأكف، توسل يوما في صلاته أن يكون زاك هو الفائز.

لكن...

أكاني اختارت "الحجر"، وزاك اختار "الورقة".ابتسم زاك بانتصار، غير أن أكاني فجأة قفزت في مكانها وصرخت:

"لقد فزت!! رائع! رائع!"

الجميع – زاك، روزا، يوما – تجمدوا في مكانهم، غير مصدقين ما يسمعون.

زاك عبس وقال: "ماذا؟ الورقة تغلب الحجر."

لكن أكاني ابتسمت بمكر وأجابت:"آه، بيننا نحن الطلاب... الحجرة تهزم الورقة."

ساد صمت عميق... لحظة دهشة جماعية. من أين أتت بهذه الكذبة؟ ولماذا قالتها بهذه الثقة الغريبة؟

وبعد جدال طويل، ومكاسرة غريبة بين زاك وأكاني، رضخ في النهاية، ووافق على أن يُكتب لهم مخالفة مخففة.عاد الثلاثة إلى صفوفهم... لكن بخيبة أمل.

أكثرهم خيبة كان يوما، الذي ضاعت عليه فرصة ذهبية للهروب وتحقيق حريته. في حين، بقي العصفور الصغير الذي جعلته روزا يرقص سابقًا، ما يزال على غصن الشجرة خارج النافذة... يواصل الرقص، وكأن شيئًا لم يحدث.

حين عادوا إلى الصف، لم يوبخهم زاك كما توقعوا. بدا أنه لم يعر الأمر اهتمامًا كبيرًا، فقد غادر مسرعًا باحثًا عن بقية الهاربين، رغم أنه خرج في الأصل بحثًا عن اثنين فقط، لكن بينما كان بالخارج، هرب عدد آخر من الطلاب بلا تردد.

جلس يوما في مقعده، وتنهد. راودته فكرة أن يهرب مجددًا، لكن سرعان ما تراجع. لقد أنهكه الركض والقلق. رفع حقيبته المعلّقة في الطاولة، فتحها بهدوء وأخرج منها علبة أدويته. فتحها بعناية وأخذ قرصًا أحمر اللون، ثم شرب قليلاً من ماء قارورته، وأغمض عينيه وهو يتنهد بعمق.

تقدّمت منه فتاة بشعر أسود يتدرج إلى الأخضر، وقالت بنبرة هادئة:"إذن، المجمع الذي كنت تقيم فيه... تعرّض للهجوم؟"

فتح يوما عينيه ببطء، وهزّ رأسه بالإيجاب دون أن يغيّر وضعية جلوسه. بينما روزا قفزت بسؤالها بفضول صريح:

"هل... متّ؟ ماذا حدث لك هناك؟"

فتح يوما عينيه تمامًا، ونظر إليها بنفاد صبر واشمئزاز:"لو كنتُ متّ، يا ذكية، فكيف أكون جالسًا أمامك الآن؟ أنقذني رييد."

بُهتت الفتاتان في اللحظة ذاتها، وقالتا معًا بدهشة:"رييد أنقذك؟!"

كلمات يوما كانت كفيلة بإثارة زوبعة صغيرة داخل الصف. سرعان ما التفّ الطلاب حوله، متحمّسين وفضوليين. عدّل يوما من جلسته بفزع وهو يراقب الأعين التي تحاصره.

"هل أنت صديقه؟!" صاح كايرو بحماسة، كانت عيناه تلمعان من الإثارة."هل تقرب له؟!" قاطعه طالب آخر ودفعه قليلًا، فيما بدا أن الحماس بدأ يتحول إلى فوضى صغيرة.

"هل أنت صديقه؟!" صاح كايرو بحماسة، كانت عيناه تلمعان من الإثارة."هل تقرب له؟!" قاطعه طالب آخر ودفعه قليلًا، فيما بدا أن الحماس بدأ يتحول إلى فوضى صغيرة.

صاحت روزا فجأة، مدافعة عنه:"كفى! أنت... وهو! ابتعدا قليلاً!"ثم التفتت إلى يوما، وأخرجت هاتفها الذكي من جيبها بسرعة:"هل أعطاك رقمه؟" ارتفعت ضجة خفيفة من الطلاب فور سماعها للسؤال. كان واضحًا ما تقصده، ولم تكن تخجل من نواياها، لكن يوما شعر بارتباك شديد وسط هذا الكم من العيون التي تحاصره.

الضيق والتوتر كلاهما بدأا يتسللان إليه، وانخفض كتفاه بينما يحاول أن يتنفس بهدوء.في الزاوية الخلفية من الصف، جلس ميشيل على كرسيه، يراقب بصمت. كان يحدّق في يوما، وهذه المرة بنظرة مختلفة.

لم يكن في عينيه الإحتقار المعتادة، بل بدا وكأنه يعيد النظر في حكمه السابق عليه... هل تسرّع في تقديره لهذا الفتى الغريب؟ ربما.

_____///❀❀///______

حسابي على الانستقرام و أخر اخبار الرواية rir_i152

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فريا

المؤلف RIRI
2025/07/10 مستمرة
قائمة الفصول (21)
الفصل 0: ماهي فريّا
2025/07/10
الفصل 01: المدرسة الجديدة
2025/07/10
الفصل 02: المغلوب عليه
2025/07/12
الفصل 03: الموكل عليه و عائلته
2025/07/15
الفصل 04: الفصل الرابع: الاختبار التشخيصي
2025/07/23
الفصل 05: الفصل الخامس: كتابة الأختام
2025/07/23
الفصل 06: الفصل السادس : عشاء الكارثة
2025/07/24
الفصل 07: الفصل السابع : التحقيق
2025/08/22
الفصل 08: الفصل الثامن: حكاية آلفاسانو
2025/08/22
الفصل 09: الفصل التاسع : حكاية آلفاسانو
2025/08/22
الفصل 10: الفصل العاشر: حكاية آلفاسانو
2025/08/22
الفصل 11: الفصل الحادي عشر: أسلحة و أسرار
2025/08/22
الفصل 12: الفصل الثاني عشر:المبنى القديم•
2025/08/22
الفصل 13: الفصل الثالث عشر: الغريب من دار الأوبرا
2025/08/22
الفصل 14: الفصل الرابع عشر: ليلة الاسبوع الأبيض
2025/08/22
الفصل 15: الفصل الخامس عشر:عطلة الأسبوع الأبيض
2025/08/22
الفصل 16: الفصل السادس عشر:عطلة الأسبوع الأبيض(2)
2025/08/22
الفصل 17: الفصل السابع عشر: عطلة الاسبوع الابيض 3(عين الشيطان تبصر)
2025/08/22
الفصل 18: الفصل الثامن عشر : عطلة الاسبوع الابيض 4(التردد)
2025/08/22
الفصل 19: الفصل التاسع عشر: التاريخ
2025/08/23
الفصل 20: الفصل العشرين: يد من ألماس
2025/08/24

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة