في غرفة آرثر، كان آلفاسانو نائمًا على سريره، حين شعر بيد تهزه برفق. فتح عينيه ببطء ليرى آرثر واقفًا أمامه مبتسمًا، يقول له بهدوء: "انهض، حان وقت الذهاب إلى المدرسة. لديك ثمانية حصص متتالية اليوم، مع استراحة غداء واحدة فقط بين الصف الثالث والثاني."
رفع آلفاسانو ظهره عن الفراش، لم يشعر بأي ألم في جسده، ولا تملكه رغبة في القيء، لكنه شعر بإحساس غريب، وكأنه يتوق إلى تناول شيء ما. كان جائعًا على ما يبدو. همس لنفسه بصوت منخفض: "حقًا، لم أتوقع أن يكون ذلك البروفيسور الفوضوي بارعًا لهذه الدرجة في صناعة الأدوية."
خرج آرثر من الغرفة ليدعو بقية أفراد العائلة للاستيقاظ، بينما بدأ آلفاسانو يستعد ليومه الجديد.
في الليلة السابقة، خرج زاك من المختبر وهو يحمل علبة أدوية صنعها البروفيسور هاياتو خصيصًا له. كان هذا الدواء مصممًا لمساعدة يوما على تناول الطعام دون أن يعاني من الغثيان أو كراهية الروائح. فقد لاحظ زاك سابقًا أن يوما لا يقترب من الكافتيريا، ليس بسبب عدم الجوع، بل لأن رائحة الطعام تزعجه بشدة. فجمع معلومات دقيقة عن حالة يوما الصحية من ملفه الطبي في المدرسة، وبناءً عليها تمكن البروفيسور من تصميم دواء يمكنه من التكيف مع الطعام.
ارتدى آلفاسانو قميص النوم القديم الخاص بزاك، ثم ارتدى زيه المدرسي، وغسل وجهه وأسنانَه. وعندما خرج من الغرفة، وجد آرثر يحاول تهدئة أخيه الصغير الذي كان يبكي، لكنه نجح في ذلك بهدوء.
كان زاك جالسًا على الطاولة، وقد أعد الفطور مسبقًا. قال له زاك بنبرة حازمة: "لماذا تقف هناك؟ تعال واجلس!"
جلس آلفاسانو إلى جانب أكيهيتو، وقدم له آرثر كأس عصير برتقال، ثم سكب كأسًا لأكيهيتو أيضًا.
شعر آلفاسانو بالحرج قليلاً، لكنه تأثر بلطف الجميع من حوله. ورغم تصرفات الأستاذ زاك الغريبة أحيانًا، كان يبدو لطيفًا من الداخل. تأمل في نفسه متسائلاً: "لماذا ينادي آرثر الأستاذ ب هيبكي؟ ولماذا يعيش هنا معهم أصلاً؟"
قال زاك بنبرة مداعبة: "هيبكي، لماذا لا تسكب لآلفاسانو فنجان قهوة؟"
تفاجأ آلفاسانو بهذا التلميح، وراوده شك في نفسه: «هل يعني هذا أن الأستاذ آرثر غير مرتاح لوجودي في منزله؟»
أما آرثر، فكان منشغلاً بتقطيع النقانق لأخيه الصغير إلى شرائح صغيرة بواسطة السكين، وبينما كان يفعل ذلك، رمى ردّه في وجه زاك قائلاً:
"أولاً، آلفاسانو مراهق أو مهما كان عمره، فهو يتصرف بنضج مراهق."
وضع طبق النقانق أمام شقيقه الصغير ثم أضاف: "ثانيًا، عصير البرتقال الذي في الكأس قد عصرته بنفسي أمس قبل عودتك، إنه عصير صحي وطازج."
نظر إلى وجه زاك الذي كان يحتسي قهوته وقال ساخرًا: "ثالثًا، أنت تشرب كيس قهوة كامل خلال الأسبوع، ولن أرفع مصاريف المنزل لشراء كيس آخر. كل ما تفعله هو جعلنا جميعًا مستيقظين طوال الوقت."
أبعد زاك الكوب عن فمه وضحك بخفة: "هل راتبك أو راتبي لا يكفي لشراء كيس قهوة؟ ههه."
ابتسم آرثر وقال: "زاك، حتى وإن كنت مليارديرًا، فهذا لا يعني أنه يجب عليك الإسراف في المال."
ثم وجه نظره نحو يوما وسأله بجدية: "أجبني بصراحة، هل تفضل أن أسكب لك القهوة الصناعية أم عصير البرتقال الطبيعي الذي أعصره في المنزل؟"
فكر يوما بينه وبين نفسه، وقال مترددًا: "أفضل البرتقال." وبعد كل ما قاله الأستاذ آرثر، لم يكن لديه حق الاعتراض.
ربما كانت هذه الشقة أصغر بكثير من ذلك القصر الفاخر، وهذا الطعام أبسط بكثير من الوجبات التي اعتاد عليها هناك، لكن يوما شعر بنوع من الراحة والأمان والهدوء، شيئًا لم يكن ليجده في منزل عائلة جينسونر.
معرفته برييد كانت سطحية، فهو لم يفهم شخصيته جيدًا. حين التقيا عند السلم المتحرك في اليوم الدراسي الأول، ثم عندما أنقذه من الداموتوفير في المجمع السكني، وأيضًا حينما كان يحميه من سيزار، الشيطان الأخرس. لم يكن يعلم إن كانا صديقين، لكنه كان يفتقده نوعًا ما.
سرعان ما خرجوا من المنزل وركبوا السيارة. الحي السكني الذي يتواجد فيه منزل الأستاذ آرثر كان مليئًا بالخدمات؛ مطاعم، متنزهات، شبكة إنترنت سريعة، ومتاجر تبيع الكماليات وغيرها.
كان زاك هو السائق، وكانت قيادته تجعل قلب الركاب يرتعد خوفًا؛ فهو سريع بطريقة مبالغ فيها. لاحظ يوما أن زاك يرتدي نظارة أثناء القيادة، فتساءل: «هل ضعُف بصره ربما؟»
مع مرور الوقت، بدأ يوما يشعر وكأنه دخل منطقة مألوفة مليئة بالأشجار؛ كانت المنطقة القريبة من المدرسة لكنهم سلكوا طريقًا مختلفًا.
توقفت السيارة عند حضانة أطفال، نزل آرثر وفتح باب المقعد الخلفي. أخرج شقيقه الصغير، حمل حقيبته، وأدخله إلى الحضانة.
بعد دقائق، خرج آرثر من الحضانة وركب السيارة مجددًا، وبعد دقيقتين فقط كانوا قد وصلوا إلى المدرسة.
لم يكن الأستاذ آرثر يرتدي زيًّا رسميًّا كما يفعل زاك، بل اختار قميصًا أبيض طويل الأكمام يغطي كوعيه، وأسفله قميص داخلي أسود يبرز من عند عظمة الترقوة. كان يرتدي بنطالًا أسود وحذاءً رياضيًّا أبيض.
ما إن ترجلوا من السيارة، حتى توجه آرثر إلى الفناء الخلفي للمدرسة، بينما قصد زاك مكتب المعلمين، واتجه آلفاسانو إلى صفّه.
بينه وبين نفسه، راودته رغبة شديدة في الحديث مع أصدقائه؛ ميموري، ميشيل، كايرو، وروزا. أراد أن يخبرهم بما جرى معه مؤخرًا — طبعًا دون ذكر الحقيقة الكاملة عن كونه ليس يوما الحقيقي، بل فقط أنه الآن يقيم في منزل المعلمين.
'من سيصدق الحقيقة أصلاً؟' قالها في نفسه ساخرًا.
حين اقترب من الصف وأخذ المنعطف، اصطدم فجأة بصبي أطول منه، بقوة كانت كافية لتطرحه أرضًا. رفع رأسه ونظر نحو من اصطدم به... لم يعرفه، لكن ملامحه بدت مألوفة بشكل غريب، كأنّهما التقيا في زمن آخر.
كان الفتى يرتدي زي طلاب الصف الثاني، شعره بني وبشرته بيضاء، وكانت نظراته حادة كالسكاكين، مشتعلة بالحقد. بدا كما لو أنه يتعرف على آلفاسانو – أو بالأحرى، يوما .
"أنت... ذلك الصرصور من اليوم الأول، أليس كذلك؟" قالها بلهجة مليئة بالاحتقار، ثم تقدم وأمسك بياقة قميص يوما بقوة.
'من هذا؟ ولماذا يعاملني وكأنني أجرمت بحقه؟!'
لم يتحدث آلفاسانو، لكن نظرته المستفزة تكفلت بإشعال غضب الفتى أكثر، وكأنها تقول له بصمت: ابتعد عني، أيها الحثالة.
حينها، رفع الفتى ذراعه مهيئًا لكمة تبدو كأنها ستقذف يوما إلى خارج حدود المجرّة... لكن فجأة، صدر صوت غليظ من خلفهما:
"أوي! ما الذي تفعله؟!"
تجمّدا في مكانهما. التفت كلاهما نحو مصدر الصوت...
وجّه كل من الضارب والمضروب نظرهما إلى الخلف، وإذا بهما يشاهدان فتى آخر من طلاب الصف الثالث، له مقدمة شعر شقراء، بينما بقيته سوداء، وعيناه رماديتان. قال الفتى الذي كان يُمسك بياقة يوما، وقد بدا عليه الذعر: "سـ... سمو الأمير كايتو؟!"
أفلت يوما فورًا من شدة الخوف، وقال بينه وبين نفسه: «ما حظي مع الأمراء؟ لما يصرّون على إنقاذي؟! وجودهم يزيد توتري لا أكثر...»
اقترب كايتو من الفتى بضع خطوات فقط، وكانت كافية لتجعل الأخير يسقط على الأرض من الخوف. قال كايتو بصوت هادئ، لكن فيه نبرة تهديد: "هل يبدو لك التنمر على طلاب السنة الأولى أمرًا جذابًا أو غير اعتيادي؟"
من الخلف، جاء صوتٌ آخر، هادئ الوطأة لكنه صارم، قال: "كايتو، لم أجد عربة طلاب السنة الثانية هنا... يبدو أننا أسأنا الظن بطلاب السنة الأولى."
كان المتحدث هو كازوما، رئيس مجلس الطلبة، وقد وصل لتوه حتى أصبح بجانب كايتو. شعر يوما وكأن صاعقة ضربته. بالأمس هم من سرقوا العربة، والآن يتهمون طلاب السنة الأولى ظلمًا!
قال في نفسه: «لا، سيدي الرئيس... لم تُسئ الظن، بل أصبت تمامًا!»
رمق كازوما الصبي الجالس على الأرض بنظرة خاطفة، ثم صاح بصوت آمر: "أوي، أنت، هانزو! ما الذي تفعله على الأرض؟ انهض فورًا! لدينا عربة مفقودة يجب إيجادها. الأستاذ آرثر لن يتساهل معنا."
حدّق هانزو في يوما بنظرة حقد دفين، فيما الأخير كان يهمّ بالهروب، لكن وجود كايتو وكازوما يسدّ الممر المؤدي إلى صفّه جعله يتراجع.
اجتاح هانزو غضبٌ عارم، فصرخ محتجًا: "هذه مشكلة الطلاب المسؤولين عن العربة! لمَ ينبغي علينا أن نُعاقَب معهم؟!"
رمقه كايتو بنظرة قرف باردة، كانت كافية لتُرعبه وتدفعه لخفض رأسه خجلًا، كأن جسده انكمش من تلقاء نفسه.
تنهد كايتو بعمق، وكأنما رفع راية الاستسلام، ثم التفت إلى كازوما، قائلاً وهو ينظر إلى ساعة يده: "بالأمس تأكدنا أن العربة كانت في المستودع قبل فترة الاستراحة. ربما أخذها بعض عمال المدرسة... ألديك حل يا كازوما؟ لم يتبقَّ سوى عشر دقائق على بدء الحصة."
رفع كازوما يده إلى ذقنه مفكرًا، ثم قال: "علينا استخدام عربة النقل الخاصة بالسنة الأولى مؤقتًا، ونعيدها لهم لاحقًا. لا حصص فنون لديهم اليوم، لذا لن يحتاجوها."
تحرك الاثنان مبتعدين، وفي اللحظة التي همّ فيها يوما بعبور الممر من خلف ظهر هانزو، شعر بيده تُسحب فجأة.
قال هانزو بحدة وهو يقترب من أذنه: "لا تظن أنني سأغفر لك، لا أنت ولا صديقتك."
أفلت يوما يده بقوة، وغادر المكان يضغط على الأرض بخطوات غاضبة، بينما قلبه ممتلئ بالحيرة...
«ما الذي يحدث؟ من هذه الصديقة؟ ولماذا يبدو وكأنني تورطت في خلاف لا أفهمه أصلاً؟».
فتح يوما باب الصف، وأول ما وقع عليه بصره كان أصدقاؤه مجتمعين حول طاولة روزا. توجه نحوهم مسرعًا ليبلغهم بما حدث، وخاصة عن وجود طلاب الصف الثالث في محيط المدرسة.
كانت ميموري أول من لمح دخوله، وكانت تقف أمام طاولة روزا. قالت له بنبرة جادة: "أتيت في الوقت المناسب."
اقترب منها حتى وقف بجانبها، ثم همس بصوت منخفض للغاية: "يا رفاق، إنهم يبحثون عن العربة التي سرقناها البارحة... ألم تعيدوها؟"
رفعت روزا رأسها وهي جالسة على الكرسي، وقالت بنبرة هادئة: "لقد أعدناها فعلًا، لكن يبدو أن شخصًا ما سرقها بعد مغادرتنا."
كان ميشيل واقفًا إلى يسار روزا، فرفع يده إلى ذقنه وأخذ وضعية المفكر، ثم قال: "شخص ما يحاول توريطنا بلا شك... أخشى أن يُراجعوا تسجيلات كاميرات المراقبة. فقد توقفت الكاميرات لحظة دخولنا إلى المستودع، ونسيت روزا تشغيلها من جديد."
انهارت قوى كايرو وجثا على الأرض، كأن الأرض سُحبت من تحته.
كان يفكر بخوف: «ماذا لو اعتقد أخي أنني شخص غير مسؤول، بل سارق وكاذب؟ كيف سأجرؤ على النظر في وجهه؟ كيف سأعيش معه في نفس المنزل؟»
قالت فتاة ذات شعر بني باقتراح عملي:
"شباب، لنأخذ الأمور برويّة. لدينا ثلاث حصص فارغة في نهاية اليوم، لما لا نبحث عنها خلال تلك الفترة؟ على كل حال، لمَ هم بحاجة لتلك العربة الآن؟"
ردت ميموري بإجابة طويلة فاجأت الجميع: "في الواقع، اليوم ستُصنع بعض الأسلحة لعدد من الطلاب، وسيُشرف الأستاذ آرثر على العملية. بعد تصنيع السلاح، يكون ساخنًا جدًا، لذا يُوضع على عربة تحتوي على قالب جليدي لتبريده. وما إن يبرد السلاح، يُصبح ثقيلًا للغاية، لذلك تُستخدم العربة لنقله إلى مخزن المدرسة، حيث تُخزّن فيه نباتات خاصة تساعد على تخفيف وزنه. وتستغرق هذه العملية ما بين ست إلى عشر ساعات."
فغر الجميع أفواههم من حجم التفاصيل.
انهمرت قطرة عرق من جبين ميشيل، وقال بذهول: "آه... أنتي تعرفين الكثير!"
"في الواقع، عائلة ميموري مشهورة بصناعة السيوف."قالها كايرو وهو ينفث هذه المعلومة بفخر، كأنه يملك مفتاح سرٍّ دفين.
"آه... ولمَ تجعلين الأمر يبدو منطقيًا هكذا، يا ميموري؟!"
قالتها ابنة الفاهايم، وقد بدت ثقتها بنفسها تكاد تكسر أنف الجميع من شدّتها،"على العموم، شخص ما يحاول توريطنا. علينا أن نبرّئ أنفسنا. سنجده، أنا متأكدة!"
«لو كنت أعرف كيف أستخدم قواي... لربما استطعت مساعدتهم. يا ليت الزمن يعود بي إلى الوراء!»
قالها آلفاسانو في نفسه، بينما يخفي ذلك القلق في نبراته.
إنه خائف... هل سيتقبلونه لو علموا الحقيقة؟ هل سيتعاملون معه كـ"أحد الهابطين"، أم ستكون ردة فعلهم كـ"إيما"... أو ربما ربوبي بالأحرى؟
«بمجرّد أن عرفت إيما حقيقتي... باعتني! إنهم لا يرونني سوى "يوما"... لا "آلفاسانو".»
قاطع شرود أفكاره صوت روزا، كانت تنطق بتردد:"لكن..."
التفت الجميع نحوها، لتتابع قولها:"لكن ماذا لو أنهوا عملهم قبل الحصص الثلاث الأخيرة؟ ماذا إن لم يكن أمامنا وقتٌ كافٍ؟"
ردّ عليها ميشيل، وهو ذو شعر أزرق بدا أكثر هدوءًا من الجميع:"في الواقع... سيزار و رييد لم يُحضرا كتبهما اليوم، سيبقون عند الأستاذ آرثر طوال اليوم... أعتقد."
"أخي قال لي أمس إنهم سيستمرون بالتدريب حتى نهاية الدوام، وليس لديهم فرصة للراحة إلا أثناء استراحة الغداء. وبالطبع، لن يضيعوا وقت الطعام في البحث عنها!" قالها كايرو وهو يأمل من أعماقه أن يجدوا العربة قبل نهاية التدريب، كي لا يسقط من نظر أخيه الأكبر.
"عظيم! إذًا سنبحث عنها، وبمجرد أن نعثر عليها، سنصبح أبطالًا!" قالها يوما بحماس، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة.
بدأ بعض الطلاب بإخراج كتبهم استعدادًا للحصة الأولى. أخرج يوما كتاب علم الفلك، وبينما كان يقلب صفحاته، سمع صوت ميشيل:
"اسمع... كريستوفر أخبرني أنك لم تعد تعيش معنا!"
نظر إليه يوما وهزّ رأسه بالإيجاب، مؤكدًا صحة الخبر.
"هل هذا بسبب مشاكلك مع سيزار؟" نبرته كانت حزينة، وكأن قلبه يوشك أن يبوح بخيبة الأمل. لقد ظنّ، ولو للحظة، أنه وجد لنفسه صديقًا حقيقيًا في المنزل، بعد أن ابتعد عن رييد... لكن الصديق رحل بسرعة، تمامًا كما ظهر.
أجابه يوما بابتسامة مطمئنة: "لكننا ما زلنا نلتقي هنا في المدرسة، أليس كذلك؟ لا داعي للتفكير في هذه الأمور كثيرًا."
ابتسم ميشيل، وقد شعر ببعض الارتياح، وبدأ يوما يسرد له تفاصيل المصيبة التي وقعت في منزل جينسونر بالأمس... وكم كان محظوظًا أنه لم يكن هناك لحظتها.
وبينما كانت الحصة الأولى على وشك البدء، بدأ الأستاذ بشرح درس في علم الفلك، لكن من كان منتبهًا؟
قلة قليلة. بعض الطلاب انشغلوا بالشرود، والبعض الآخر كان قد غلبه النعاس، وقد أسندوا رؤوسهم على الطاولات...
................
في الخارج، كانت المعاناة قد بدأت بالفعل مع الأستاذ آرثر، كان يشرح للطلاب كيفية استخدام أدوات السلامة والخطوات الأساسية للعمل على اللوح المعدني.
وقد تم نقل موقع التدريب إلى مكان قريب من المخزن، ليسهُل بعد ذلك نقل الأسلحة المصنوعة مباشرة.
الموقع الجديد كان مجهّزًا جيدًا: طاولات حديدية متراصة، وفرن ضخم يبلغ طوله مترًا ونصفًا، وبجانبه مطرقة معدنية ضخمة، يبدو من مظهرها وحده أنها ثقيلة للغاية.
لكن بعيدًا عن شرح آرثر، كان الجو جميلاً: سماء شبه غائمة، ورائحة المطر العالقة في الأجواء تبعث على الراحة.
صوت حفيف الأشجار كان واضحًا، والجلوس على العشب الرطب بلطف، بدا وكأنه ترف غير متوقع في يوم دراسي.
هذه كانت الإيجابيات القليلة التي تمسك بها الطلاب في محاولة لاحتمال حديث الأستاذ الطويل.
خلال الشرح، كانت هناك مجموعة من الفتيات جالسات إلى جانب بعضهن، يتحدثن بتهامس عن مواضيع جانبية لا علاقة لها بما يُقال.
بينهن، جلست فتاة ذات مظهر أنيق للغاية، تضع القليل من المكياج بعناية، وكان شعرها الكستنائي القصير يقف عند مستوى كتفيها.
ترتدي زي السنة الثانية، لكنها لم تضع ربطة العنق، وهذا خرق بسيط لقواعد اللباس.
من جهة أخرى، كان كايتو جالسًا بجوار صديقه، ملامح الملل الواضح ترتسم على وجهه،يتمنى فقط لو تنتهي هذه الحصة سريعًا،
كي يتمكن من العودة إلى المنزل بأسرع وقت.
"يعني بصراحة، عجز لساني عن إيجاد كلمة مناسبة للتعبير..." قالها آرثر بنبرة غليظة جدًا، جعلت كل غير منتبه يشعر وكأنه في مركز العاصفة.
تابع، وهو يحدّق نحو مجموعة الفتيات: "قلتُ سأستمر في الشرح لأنكن آنسات، ولسن أطفالًا... لكن هل عليَّ أن أصرخ حتى تسكتن؟!"ثم التفت فجأة نحو فتاة بعينها، وارتفعت نبرته بطريقة مخيفة:
"وأنتِ الأخرى! أين ربطة العنق؟ ولماذا ياقة زيك مفتوحة؟!"
في هذه اللحظة، اعتدل كايتو في جلسته فورًا، وأيقظ كل حواسه للتركيز، أما تلك الفتاة، فقد أغلقت ياقة قميصها بهدوء لا يخلو من برود.
عاد يسألها، بصوت صارم: "أسأل للمرة الأخيرة، أين ربطة عنقك، يا آنسة؟"
ردّت الفتاة بنبرة مستفزة: "لقد نسيتُها في المنزل، أستاذ... أنا آسفة، هذا يحدث كثيرًا."
ارتفعت حرارة آرثر فجأة، وظهرت على وجهه ملامح الغضب المكبوت. "أسفك غير مقبول! لماذا زيكِ المدرسي أقصر من زي باقي الطالبات؟ أين الانضباط؟"
ردّت مجددًا، بلا مبالاة:"لا بأس، أستاذ. المعلمون الآخرون لا يمانعون، ولا يجدون مشكلة فيه."
هنا انفجر غضب آرثر، فقد كانت تلك الطالبة قليلة أدب بشكل فاضح: "اخرجي فورًا! وارتدي الزي الرياضي حالًا، ولا ترتدي هذا الزي مرة أخرى إن كان بهذا القَصَر! وغدًا... ستأتين إلى مكتبي برفقة ولي أمرك!"
في هذه اللحظة، بدأ العرق يتصبب من جباه بعض الفتيات، بينما انتشر ضحك مكتوم بين بعض الصبية، يحاولون كتمه دون جدوى.
نهضت الفتاة بعصبية وقالت: "هل تعرف من هو أبي؟ ستندم على ما فعلت!"
ثم بدأت تسير، لا بسرعة ولا خوف، بل تتمختر وكأنها طاووس وسط الحشد، تأخذ وقتها في كل خطوة وكأن الأرض مفروشة لها.
بجانب قدم آرثر كانت هناك كرة قدم قديمة، وضع قدمه عليها، ثم ركلها بقوة نحو ظهر الفتاة. ارتطمت بها وسقطت أرضًا.
نظرت خلفها وقد اشتعلت عيناها بالدهشة والغضب، لكنها لم تجد إلا نظرة آرثر المخيفة، الثابتة، الصارمة. نهضت بسرعة وركضت لتبدّل ثيابها دون أن تنطق بكلمة.
قال آرثر بصوت جهوري، ووجهه لا يزال يحمل ذلك الجمود الغاضب:"أنا أعلّمكم كيف تصنعون سلاحًا، عملية دقيقة قد تسبب حروقًا من الدرجة الثالثة... وأنتن، فقط أنتن، تتحدثن بلا خجل؟ بل وبقِلة أدب أيضًا؟"
لم يجرؤ أحد على الرد أو الدفاع. كل ما فعلوه هو تجنّب النظر إلى عينيه، وكأن البصر نفسه أصبح تهمة.
بعد دقائق، عادت الفتاة التي طُردت، وقد ارتدت الزي الرياضي وجلست بمقعدها، الغضب واضح على ملامحها.
تابع آرثر، بنبرة أشد:
"أقسم... وأقسم مجددًا، لو سمعت أحدًا يتحدث مع من بجواره، أو تجرأ أحدكم أن يقل أدبه مثل هذه الغبية... سأطرده من هذه الحصة، بل من المدرسة كلها!"
صمت تام... لا صوت ولا حركة.
"ليت عقولكم بحجم أعماركم. أتحدث عن عملية قد تحرق أجسادكم وأنتم تتهامسون؟ هل أنتم مراهقون مثل طلاب السنة الأولى؟!"
أخذ نفسًا عميقًا، ثم واصل شرحه، بينما كانت الرهبة قد تسللت إلى القلوب،وجعلت الجميع يستمعون هذه المرة... بكل تركيز وخوف.
لم يهتز رييد، فهو يعلم أن الأستاذ آرثر كان على حق حين صرخ عليهم، فحتى لو كان المدرس لطيفًا، عليه أن يفرض سيطرته على الطلاب كي لا يتجاوزوا الحدود. لكن ما لفت انتباهه هو جملة الأستاذ الحاسمة: "سأطرد من هذه الحصة، بل من هذه المدرسة."
هل فعلاً يمتلك آرثر هذه السلطة؟ أم أنها كانت مجرد تهديد لشد أعصاب الطلاب؟
أما الفتيات، فقد امتلأن بالحقد على آرثر، واتخذت كل واحدة منهنّ حججها: "لماذا صرخ علينا؟ لماذا لم ينبهنا بلطف وبصوت منخفض؟ لماذا أحرجنا أمام الجميع؟ كيف يتجرأ أن يصرخ في وجه نبيلة؟"
أما تلك الفتاة التي ركلها آرثر لتكون عبرةً لمن يعتبر، فقد أقسمت أن تنتقم منه، وأن تجعل إدارة المدرسة تطرده عن العمل.
وضع آرثر القلم على اللوح، والتفت إليهم بنبرة حادة: "الآن، شباب وأنسات، أمامكم عشر دقائق لتذهبوا وتبدلوا ملابسكم الواقية،
وإذا تأخر أي أحد حتى دقيقة واحدة، سأمنعه من حضور الدرس."
توجه الجميع إلى غرفة تبديل الملابس، وارتدوا زي الوقاية، الذي كان لونه أبيض، يلتصق بالجسم، مع قفازات صفراء ونظارات لحماية العيون.
خرج رييد برفقة صديقه، وعندما وصلا إلى الخارج، لفت انتباههما أمر غريب؛ كازوما لم يكن قد بدل ثيابه بعد، وكان يتحدث مع آرثر، يبدو أنه يحاول إقناعه أو يشرح له شيئًا ما.
قال كايتو بنبرة ساخرة: "صدمه.. كازوما لم يبدل ثيابه، أتساءل لماذا؟ فهو أكثر شخص منضبط في المدرسة، أكثر مني أنا أمير المملكة!"
أما رييد فكان يأخذ ما يراه على محمل الجد، فآرثر اليوم يبدو غاضبًا جدًا وبشكل ملحوظ، وكازوما لم يبدل ثيابه رغم انتهاء المهلة التي منحها لهم. ماذا يعني هذا بالضبط؟
فجأة، جاء صوت من الخلف: "تحركا من أمامي!"
التفت كايتو ورييد ليروا من هو، فوجدوا سيزار، مدير المشاكل في المدرسة، يمر بينهما. على الرغم من أن سيزار ليس محبوبًا، إلا أنهما أفسحا له المجال ليمر، مجنبين أنفسهم المشاكل.
انتهى الجميع من تبديل الملابس، ما عدا كازوما، وانتهت المهلة التي حددها آرثر. نظر آرثر إلى الطلاب بعينين تعدّانهم واحدًا واحدًا، لكنه وجد العدد كاملًا.
تنهد آرثر، وأغلق عينيه للحظة، ثم مرر يده على الجزء الخلفي من رقبته قائلاً: "حسنًا، سنبدأ بعد خمس دقائق من الآن."
صدرت ردود فعل مشتركة من الجميع، تعبيرًا عن دهشتهم وعدم تصديقهم: "هاه؟!"
قبل قليل كان يوبخهم، والآن يطلب منهم الانتظار!
تقدم رييد خطوة نحو آرثر وقال بفضول: "هل ستبدل ملابسك، أستاذ؟" الجميع لاحظ أن ملابس آرثر خفيفة وغير واقية، بل لم تكن سوى قميص عادي وقفازات فقط.
فتح آرثر عينيه ونظر إلى رييد بهدوء، ثم قال: "ملابسي ممتازة، لدي خبرة كافية، لذلك لن أحتاج إلى شيء سوى القفازات."
توجه نحو الكرسي المجاور للوح وجلس، بينما الطلاب بدأوا يشعرون بالحيرة، ولم يعودوا يفهمون شيئًا.
بعد خمس دقائق من الصمت وشتائمهم الداخلية التي كانت تنهال على الأستاذ، نهض آرثر فجأة، فسرق انتباه الجميع.
أخذ ينظر إليهم واحدًا واحدًا، ثم توقفت عينه على أحد الطلاب، لكنه بسرعة أزاح بصره وقال: "لنبدأ العملية الآن، ركزوا معي، سنستمر على هذا طوال اليوم."
نظر رييد إلى الجهة التي أبعد عنها آرثر نظره، فلاحظ بعض الطلاب، بينهم كازوما، يقفون مرتدين الزي الواقي الذي لم يكن يرتديه في وقت سابق.
لم يكن رييد وحده من لاحظ ذلك، بل كذلك سيزار وكايتو، وقد أثار هذا فضولهم؛ ما الذي دار بين آرثر وكازوما؟ ولماذا لم يوبخه آرثر على تأخره؟ هل كان له عذر مقنع؟
ارتدى آرثر قفازاته بإحكام، ثم أمسك بقطعة معدنية مربعة الشكل، فتح باب الفرن، ووضع القطعة داخله. حلت حوله هالة خضراء، ثم ضرب المطرقة على المعدن ضربة واحدة. صدر صوت صرير مؤلم للأذان، وتحول المعدن إلى اللون الأحمر، متخذًا شكل خنجر حاد.
ضرب آرثر المطرقة ضربة أخرى، لكنها لم تصدر ذلك الصرير الحاد كما في الضربة الأولى؛ بدلاً من ذلك، اندلعت نيران من الفرن بشكل هائج، متجاوزة آرثر نفسه. تراجع معظم الطلاب إلى الخلف بسرعة، خوفًا من أن تحترق ملابسهم بالنيران المتطايرة،
لكن النيران تراجعت تدريجيًا نحو الفرن، كأنها حمم بركانية تهدأ، دون أن تلحق بأذى أو حروق بأيٍ من الحاضرين، ولا حتى بآرثر.
وضع آرثر المطرقة جانبًا، وأخذ ملقطًا معدنيًا، أمسك به الخنجر الأحمر المتوهج، ثم وضعه على العربة التي تحمل قالبًا ضخمًا من الثلج. بمجرد ملامسة الأسطح، خرج بخار كثيف، لكنه توقف بسرعة، وبدأت قطرات الماء تتساقط على الأرض ببطء.
أخرج آرثر قفازه ونظر إلى الطلاب قائلاً: "ما قمت به الآن سيأخذ معكم حوالي عشر دقائق، لأنكم مبتدئون نوعًا ما... كما شرحت مسبقًا، لكي يتخذ السلاح شكله النهائي، عليكم أن تفعلوا الهالة وتفكروا بشكل السلاح. يفضل أن يكون خفيفًا مع الحفاظ على قوة عالية.
أما إذا خرجت الحمم من الفرن كما حدث الآن، فهذه إشارة بأن السلاح جاهز."
رفع كازوما يده، فأشار له آرثر بالحديث. سأل كازوما: "أستاذ، هل هناك نوع معين من القوى يجعل صناعة السلاح أسهل؟"
أجاب آرثر بصوت جاف: "إنها فقط البلورات... لا يمكنكم الحصول على هذه القوة بسهولة."
قُطعت آمال الطلاب، فقد كانوا يظنون أن قوى الهواء مثلاً تجعل العملية أبسط.
قال آرثر بنبرة حازمة: "حسنًا، سأقف قرب الفرن للاحتياط، وسأنادي عليكم تصاعديًا. نبدأ بالطالبة أكينا." تقدمت أكينا بخطوات ثابتة، تلك الطالبة التي وبّخها آرثر سابقًا مع صديقاتها بسبب حديثهن. قال لها آرثر بسخرية: "اسمك أكينا إذن... اسمٌ لا يليق بك."
لم ترد عليه، أخذت المطرقة والمعدن بيدها، وبدأت تفعل هالتها. بمجرد أن ضربت المعدن، اندلعت الحمم بدلاً من الصرير المعتاد، فتراجعت على الفور خوفًا من النيران. لكن آرثر بقواه أجبر الحمم على الرجوع من حيث أتت، فظهرت قطعة المعدن مشوهة، كأنها قطعة فحم محترقة.
نظر آرثر إليها بعينين حادتين وقال: "لا تعرفين كيف تسيطرين على قواك... ومغرورة، هل أنت حقًا حمقاء؟"
وأضاف بغضب: "رباه، لما كل تلك العجرفة وأنت حتى قواك فاشلة في استخدامها؟"
اندلعت نيران الحقد والحرج في صدر أكينا، واشتد احمرار وجهها. لكن هذا زاد من عزيمة آرثر على تحطيم غرورها. 'يوما ما ستموتين، ولن تُدفني تحت تراب من ذهب... عليك أن تعرفي أنك لست أفضل من أحد، إلا بما تقدميه في حياتك.'
كانت همسات الطلاب حولها واضحة جدًا، من يشمت بها، ومن يضحك عليها، ومن ينظر إليها بتعالي.عضّت أكينا طرف شفتيها بقوة، ونهضت بعزم، وعيونها التقت بعيون آرثر.
أقسمت في نفسها ألف مرة على أن ترد له؛ لقد أحرجها أمام رييد، الذي لطالما اهتمت بمظهرها كي تلتفت له... والآن بعد هذه الفضحية، هو لن يلتفت إليها أبدًا.
قالت أكينا بنبرة حادة، تملؤها الغضب والجرأة:"ما خطبك؟ لماذا أسلوبك فظ هكذا؟! أنا صغيرة، عمري فقط 17 عامًا، جئت هنا لأتعلم، فلماذا تضحك عليّ؟"
أمال آرثر رأسه قليلاً إلى الجانب، وعمق نظره نحوها، كان هدوءه مريبًا ومخيفًا... هدوءًا يسبق العاصفة، كأن شخصية زاك قد تسللت إليه، وها هو يمثلها الآن أمام الجميع.
رد عليها بهدوء قاتل: "إن لم تكوني كفؤة للتدريس، فارحلي من هنا!"
صرخت في وجهه، بثقة تتحدى:"أنا أقول هذا لك! إن لم تحترمنا فلن تحترم نفسك!"
توقفت الهمسات فجأة... ارتعد الطلاب خوفًا مما ستؤول إليه الأمور. أما كازوما، فقد أظهر نظرة فضحت دهشته بوضوح، وكأنه يقول: "كيف تجرأت على قول هذا؟"
وضع آرثر أطراف أصابعه على فمه، وبدأ جسده يهتز... ليس من التوتر، بل من الضحك! كانت تلك الضحكة غير متوقعة، حتى رييد صدم من ردة فعله.أما أكينا، فقد استُفزت بشدة، هل قصد إحراجها بهذه الضحكة؟
ثم قال آرثر مبتسمًا بسخرية: "تعلمين... فتاة في مثل عمرك في الإيند نايت أقوى مني بكثير... لطفًا، كوني جديّة، جدي حجة أفضل من مجرد العمر."
قالت أكينا بغضب مكسور: "أنت كاذب! تقول هذا فقط لتحرجني..."
هنا وضع أحد الطلاب يده على صدره، وبدأ التوتر ينتشر في أجواء الصف. ذلك الجانب من آرثر كان مخيفًا، لم يروه من قبل.
عرق بارد بدأ يتصبب من جبين بعض الطلاب، بينما صمتت أخرى، واضعةً أرقامًا افتراضية في عقلها لمدى الخسف الذي قد تحصل عليه صديقتها قليلة الأدب.
بينهم من استمتع بالمشهد، كايتو تكاد ابتسامته تشق وجهه، يجد الأمر مسليًا؛ آرثر مختلف عن باقي الأساتذة، بلا تزييف أو واجهات مزيفة. سيزار مستمع بانتباه، يرى أن آرثر قد تخلى عن وجهه المثالي المنافق وقرر أن يظهر حقيقته. أما رييد، فكان ذهنه غائبًا عن المشهد، مشغولًا بتحليل الحوار الذي جرى بين كازوما وآرثر.
رفع آرثر صوته بنبرة حاسمة:"أنا حسنًا، والان إليك التالي: أنت مطرودة من حصتي... شئت أم أبيت. صدقتِ أم لم تصدقي، الحقيقة واحدة: لن أسمح بوجودك هنا مجددًا. الآن، انقلعي من أمامي."
غادرت أكينا بسرعة، تحاول أن تحفظ ما تبقى من كرامتها التي بالكاد كانت موجودة. كايتو يريد أن يضحك، لكن مع مزاج آرثر المتقلب، قد ينتهي به الأمر بنفس مصير تلك الغبية.
وضع أرثر علامه X بجانب اسم أكينا و نادى على طلاب أخرين ،هم لم يكونوا سيئين لكن مقارنة بمستوى الجيل القديم هم لا شيء ؛يخافون من نار الفرن ..هالتهم ضعيفه..جبناء بلغة أوضح .
شرد ذهن رييد،ولم يعد يفهم الأستاذ آرثر. في ذهنه ثلاث أسئلة تحتاج لإجابة فورية ..
أولا : لما هم يقومون منذ الان باختيار من سينضم لطليعة ؟
ثانيا: هل يمتلك الأستاذ آرثر حقا القدرة على طرد الطلاب من المدرسة ؟
ثالثا : هل كان جادا حين قال أن هناك فتاة بعمر السابعة عشر أقوى منه ؟
"رييد!" أيقظه نداء آرثر الحاد، فقد حان دوره بالفعل. تقدم رييد بخطوات واثقة، وانحنى معتذرًا عن شروده، مما جعل آرثر يرفع حاجبيه بدهشة خفيفة.
نال اعتذاره رضا الأستاذ بسرعة، الذي بدأ يشعر بندم بسيط على حكمه السريع وسطحية نظرته تجاه رييد. كان يظنه مغرورًا ومتغطرسًا لا يعتذر، لكن الحقيقة أن رييد مختلف؛
عزيز النفس، يحمل كبرياءً واضحًا يفصل بينه وبين الآخرين حدودًا لا يمكن تجاوزها، وعنيد بطبعه، لكنه ليس مزعجًا.
وضع رييد قطعة المعدن داخل الفرن، وظهرت هالتها البنفسجية، تلك التي فرضت هيبتها القوية على المكان. 'ما هذا الشعور الغريب؟' تمتم آرثر في نفسه، متأكدًا أن رييد ليس شخصًا عاديًا على الإطلاق.
أمسك رييد بالمطرقة، رفعها عاليًا، ثم ضرب بقوة فجائية لا يعلم أحد من أين أتت. انقسم المعدن بوضوح، وتشكل على الفور سواران متناسقان.
في الضربة الثانية، أطلقت المطرقة حممًا متوهجة انطلقت خارج الفرن بعنف، مما فاجأ الجميع. لكن خلال ثوانٍ قليلة، بدأت الحمم تتراجع ببطء، عائدة إلى الفرن كما لو أن رييد يتحكم بها بقوته.
نتج عن هذه العملية سواران بنفسجيان متلألئان، صنعهما رييد خلال دقيقة واحدة فقط. حملهما بحذر على الملقط، ثم وضعهما فوق قالب الجليد الموجود على العربة.
عمّ الصمت المكان لوهلة، ثم قال آرثر بتلعثم: "أح... أحسنت صنعًا." عاد رييد إلى مكانه بجانب كايتو، الذي ألقى عليه نظرة إعجاب خفية.
عمت حالة من الفضول بين الجميع، خاصة الفتيات، يتساءلن لما صنع رييد سوارين، ولمن سيهديهما؟ أما كايتو، فلم يظهر عليه الفضول مثل الآخرين، فهل لأنه يعرف الإجابة، أم أنه ببساطة لا يهتم بهذه التفاصيل؟
....
على الجانب الآخر، لم يكن لدى يوما ورفاقه ما يفعلونه في الحصة الثالثة، التي تسبق استراحة الغداء مباشرة، فقرروا الهرب والبحث عن العربة.
استخدمت روزا قواها لتحديد موقع العربة، حتى وصلوا إلى المبنى القديم في المدرسة.
كان الباب مكسورًا والنوافذ محطمة، والنباتات قد اجتازت المكان من كل جانب، واللون الباهت للجدران محاط بعلامات تحذير متفرقة.
تفوح رائحة صدأ الحديد ممزوجة برائحة الوحل، وصدى الرياح التي تعصف يُشعرهم وكأنها أصوات أشباح تحذرهم من الدخول.
يوما وميشيل لم يفكرا مطلقًا في الدخول، بل كان كل منهما يرسم خطة لإقناع البقية بترك المكان والعودة إلى المبنى الرئيسي.
أما كايرو، فبدأ يفكر بقلق في ردة فعل أخيه إذا علم بدخوله إلى المبنى المحظور.
قال يوما بصوت يرتجف، متراجعًا خطوة إلى الوراء:"ما قصة هذا المبنى؟"
أجابته صاحبة الشعر البني بهدوءٍ قاتم:"في الواقع، اقتحم وحش غريب هذا المبنى قبل ثلاث سنوات تقريبًا، وهاجم وقتل عددًا من الطلاب. حصيلة الوفيات في ذلك اليوم كانت مئة طالب وخمسة عشر معلمًا."
أكملت ميموري حديثها: "بعد تلك الحادثة، قاموا بتحصين المدرسة خوفًا من تكرار نفس المأساة. لم يقموا بهدم المبنى القديم لسبب غير معلوم، لكن الشخص الذي سرق العربة يحاول أن يستدرجنا إلى هذا المكان عن قصد."
سأل كايرو بفضول وقلق: "ولكن لماذا؟ ما الفائدة التي قد يجنيها من إزعاج مجموعة من الحمقى؟"
ردت روزا بحزم: "لا فكرة لدي، لكن علينا استعادة العربة وإلا سنقع في مشكلة ضخمة."
بعد انتهاء روزا من كلامها، تقدمت بثبات وقطعت شريط التحذير الأصفر الذي كان يغلق المدخل، ثم دخلت. لحقتها ميموري، وبعدها دخل البقية واحدًا تلو الآخر، باستثناء يوما؛
كان يشعر بشعور سيء ومخيف وهو يحدق بالمبنى، بلع ريقه ببطء، ثم دخل خلفهم بخطوات مترددة.
يتبع....
_____///❀❀///_____
'سبحان الله'' سبحان الله '
لاتدع الدنيا تلهيك عن الآخرة
RIRI