ها هي الشمس تشرق بخجل، ضوءها ينسكب بلطف فوق صفحة البحر الممتدة، ونسيم مالح يداعب وجنتي أكاني وهي واقفة عند طرف القارب، ترمي فتات الخبز لتتهافت عليه طيور النورس بنهم مرح. مرّت ثلاثة ايام على وجودهم في عرض البحر، والهدوء الذي يلفّهم الآن لا يعكس العاصفة التي مرت.
بعد صراعٍ طويل، أشبه بملحمة منسية وسط ظلال البحر وصدى الحديد، تمكّنوا أخيرًا من انتزاع القارب من بين أيدي السجناء الذين ارادوا ان يحتلّوا السفينة بعد غياب نخبة المافيا.
تركوا السفينة الكبيرة واستقلوا قاربًا متوسط الحجم، أكثر رشاقة، وأقل وضوحًا، كما لو كان قد صُمّم خصيصًا للتواري والعبور بصمت. رغم بساطته، كان القارب واسعًا بما يكفي، وفيه غرفة مريحة ودرج يقود إلى غرف أخرى في الأسفل، تمنحهم بعض الخصوصية في هذه الرحلة الطويلة نحو شاطئ "ليويامي".
لكن أكاني لم تكن حاضرة بجسدها فقط. عقلها ظل يسبح في دوامة القلق والتساؤلات. ماذا سيحدث حين تعود؟ هل ستُعانَق وتُغفر لها زلاتها؟ أم ستُواجَه بغضب عائلتها ولومها؟
لم تكن تعرف، لكن ما تعرفه هو أنهم على وشك العودة... أخيرًا.
ومع أنها لا تنكر أن الفضل في ذلك يعود إلى سيزار، فإن قلبها لم يعرف السلام بعد.
لا أحد منهم كان قادرًا على هزيمة أفراد المافيا أو النجاة من ذلك الحصار المرعب لولا تدخّل سيزار. لقد أنقذهم.
لكنه أيضًا، كان السبب في تمزّق عائلتها... في تشويه صورة شقيقها... في سقوط البيت الذي كان مستقرًا ذات يوم.
نظراتها انخفضت، وشعرت بأن مشاعرها تتكاثر كالغيوم الداكنة في عقلها.
والسؤال الذي ظلّ يطنّ في رأسها بلا توقف: لماذا يهتم كازوما لأمر سيزار؟ أهما أصدقاء طفولة؟
كيف لصاحب السجل النقي، رئيس مجلس الطلبة المثالي، أن ينظر بهذه العين لذلك الفتى الذي أسقط عائلتها؟
كيف يمكن للنقي أن يصادق الحطام؟
الأسئلة بدت كثيرة... والبحر لا يمنح أجوبة.
صوت المياه المتكسرة على جوانب القارب تمازج مع صوت طيور النورس البعيد، فخلق إيقاعًا هادئًا لحوار لم يكن سهلاً على أكاني.
بجانبها، اتكأ كازوما على الدرابزين، وبلطف قال وهو يلمح شرودها: "ما خطبك؟ تبدين شاردة... أم أن هناك شيئًا يقلقك؟"
تفاجأت قليلًا من نبرته الرقيقة، لكن لم يكن لديها طاقة للمراوغة، فأجابت مباشرة، بصوت اختلطت فيه مشاعر الغضب والخذلان:
"أنا... لا يمكنني أن أغفر له."
أشاح كازوما بنظره إلى البحر، عيناه تبتعدان عن عينيها، كأنما يعلم ثقل ما تحمله من مشاعر. "ليس عليكِ أن تغفري له،" قال بهدوء دون تردد، "استمري في كرهه إن أردتِ."
كلمات كازوما نزلت عليها كصفعة هادئة. لم تتوقع أن يمنحها شرعية الكره بهذا الشكل. التفتت نحوه، والدهشة في عينيها، لكنه لم ينظر لها بعد، بل بقي يواجه البحر، وأكمل بنبرة أعمق:
"ليس من العدل أن تُجبري على التسامح. لا أحد يجب أن يسامح من أذاه على حساب نفسه. أما أنا... اخترت ألا أكره أحدًا. الكره ينهك القلب، ويأكل من العمر. أريد أن أعيش دون أن أثقل روحي."
عقدت أكاني قبضتها، يدها تشد على الدرابزين كأنها تمسك بما تبقى من صلابتها، وقالت وهي تعض شفتها: "هذا صعب... ثم كيف لا تكرهه؟ هو يشتمك باستمرار في المدرسة، يتسبب بالمشاكل، يحرجك أمام الآخرين... يزعج الجميع. كيف؟ كيف لا تكرهه؟"
لم يتغير صوته، بقي هادئًا، لكنه مشوب بشيء من الحنين: "أنا أعرف سيزار منذ أن كنت في الثامنة."
اتسعت عينا أكاني، تراجع صدرها مع شهقة دهشة صغيرة، لم تكن تتوقع ذلك. لم تكن تتخيل أن بينهما ماضٍ مشترك.
كازوما التفت إليها، ثم أعاد عينيه إلى الأفق وهو يتحدث: "تشابكت خيوط القدر وجمعتني معه من جديد... في المدرسة الثانوية.
كنت أظن أننا لن نلتقي مجددا، لكن فجأة، ها هو يظهر مجددًا، مختلفًا، غريبًا... ومع ذلك، ما زال فيه شيء من ذلك الطفل القديم."
صوته كان حزينًا، لا يشبه كلمات رجل يتحدث عن صديق سيء، بل كأنه يتحدث عن صديق سقط في هاوية، ولم يجد من ينتشله.
كازوما لم يكن أعمى عن أخطاء سيزار، لكنه وحده كان يرى ما وراء الجدار، خلف كل الشتائم والانفعالات.
ها هو الشاطئ يلوح في الأفق، يضرب البحر الصخور بلطف، كأنه يهمس لهم: "مرحبًا بعودتكم."
اتسعت عينا كازوما، شفتاه انفصلتا عن بعضهما ببطء في صدمة صامتة. علم ليويامي يرفرف في مهب الريح، أحمر وأبيض، يعلن ببساطة أن الأرض التي انتزعوا منها قسرًا قد عادت لهم، أو هم عادوا لها.
قفزت أكاني عالياً كطفلة استعادت لعبتها المفضلة، ثم صاحت بأعلى صوتها، متوهجة بالحياة:
"إنه الوطن... لقد عدنا!"
ركضت فورًا نحو حجرة القيادة، وكأنها لا تريد أن تفوّت لحظة من لحظات العودة، كأن عينيها تريدان أن تبتلعا كل زاوية في هذا المشهد الذي انتظرته طويلًا.
كازوما وقف في مكانه، مصدومًا للحظة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة رقيقة. عادت الأرض، عادت السماء، وعادت رائحة البحر التي كان يخاف أن لا يشمّها مجددًا.
الربّان ريان، ذلك الرجل الذي لم يتوقّع يومًا أن يعلق في مواجهة مع مافيا أو يخاطر بحياته لأجل مراهقين، تنهد براحةٍ نادرة.
هو نفسه لم يكن يعرف كم كان يحمل من توتر حتى زال.
بصوت خافت، ابتسم وتمتم لنفسه:
"حسنًا... سيزار ليس سيئًا."
لم تكن العبارة يقينًا، بل أقرب إلى مصالحة داخلية.
صحيح أن اللقاء بينهم كان قصيرًا، لكن ما مرّوا به معًا — من صراخ البحر، وتهديد الرصاص، وحتى هدير الخوف — قد صنع بينهم فهمًا صامتًا.
سيزار ليس شريرًا كما يبدو. ربما هو شخص يغطي جراحه القديمة بالصراخ والغضب، وربما... كانت تلك الندبة على وجهه كفيلة بجعل الناس يتجنبونه قبل أن يعرفوه.
فوق حجرة القيادة، مستلقياً على السطح، كان سيزار يحدّق في السماء الرمادية. ذراعاه خلف رأسه، وسكونٌ غريب يلفّ وجهه الذي تغطيه ندبة كأنها خريطة ألم قديم.
نظر إلى الغيوم التي تنذر بالمطر، تلك التي تشبه حال قلبه. عينه الموحشة، المغمورة بالندبة، مغلقة، كأنها لا ترغب برؤية هذا العالم.
جزءٌ منه يرفض العودة، لا يرى قيمة في الأرض التي لفظته، في الأصوات التي همست دومًا خلف ظهره، في النظرات التي لم ترَ فيه إلا الخطر.
لكنه أيضًا... تذكر العرض. ذاك العرض الغريب، المشبوه... أن يعمل لدى المافيا. أن يترك كل شيء خلفه: المدرسة، العائلة، أصدقاء لم يعودوا أصدقاء، ويصبح شخصًا جديدًا... تحت ظل "كاوس".
ذلك الاسم وحده يثير القشعريرة. كاوس... لا أحد يعرف من هو. لا عمره، لا جنسه، لا حتى صورته. هل هو هيرون؟ فارس؟ مجرد اسم وهمي؟ ولِمَ يريد أمثال سيزار إلى جانبه؟
رفع الفتى جسده، وجلس ببطء. "مستقبلي ضاع يوم ماتت أمي..." همس بها، كأنها اعتراف لأول مرة. الندبة لم تكن البداية. بل كانت النهاية. لم يعد يعنيه كلام الناس. لم تعد تهمه نظراتهم.
لكنه، رغم كل شيء، لم يقرر بعد: هل يختار العودة للحياة... أم يسلك طريق الظلال؟
كان الهواء مالحًا، تفوح منه رائحة الوطن... رائحة الخبز الساخن في الصباح، وأحاديث الجيران، وصراخ الأطفال في الشوارع.
لكن لم يمهلهم كثيرًا، فبمجرد أن لامست أقدامهم اليابسة، حتى انقلب كل شيء.
أكاني، بشعرها الذي يرقص مع الريح وملامحها التي تشعّ بالشوق، كانت أول من قفز على أرض الميناء، تركض، تضحك، تلوّح بيديها. لم تصدق أنها عادت.
أما الربّان ريان، فكانت مشاعره أكبر من أن تُحتمل، صرخ كمن تحرر من لعنةٍ قديمة: "عدت أخيرًا إلى الأرض! أنا أستقيل! سأعود لوطني، ولن أضع قدمي في ليويامي مجددًا!"
ثم رمى قبعته كأنها آخر عهدٍ له بالبحر، وبدأ يدعسها بحماس هستيري، كمن ينتقم من سنوات من الألم والغثيان والمافيا.
كازوما، بنظارته المعتدلة ومزاجه الرصين، وقف متعرقًا من شدة الإحراج، يراقب الفوضى الصغيرة التي أطلقها ريان، بينما أكاني تنفجر ضاحكة، تتعثر في خطواتها من فرط اللهو.
لكن سيزار... سيزار لم يضحك. عينه، تلك التي تغطيها الندبة، كانت تحدّق نحو جهةٍ أبعد — جهة لا يراها أحد سواه. شيء في المدينة تغير. شيء في داخله لم يعد كما كان.
وفجأة —
صوت سيارات، خطوات مدوّية، أوامر تنطلق بصرامة.
اصطفت سيارات الشرطة أمام الميناء، وخرج منها ضبّاط بعدد لا يتناسب مع عددهم القليل. قبل أن يستوعبوا ما يجري، وجد ريان نفسه محاطًا، فابتسم بتوتر وقال بلهجة مكسورة:
"أنا لا أكره ليويامي... كنت أمزح فقط..."
لكن الأوان قد فات.
اقتيدوا جميعًا إلى مركز الشرطة، وسط نظرات المارة ودهشة أكاني التي لم تفهم تمامًا ما يحدث.
العودة إلى الوطن لم تكن ناعمة. بل كانت أشبه بصفعة تذكير: هذه المدينة لا تنسى. وها هم الآن...يبدأون الفصل الجديد لا بالسلام، بل بالأسئلة.
في مركز الشرطة، بدأ التحقيق مع الربّان ريان، الذي تبيّن أنه كان مفقودًا منذ ثلاثة أسابيع.
في الخارج، كانت أكانـي تجلس بقلق. شعورها بالغضب لم يكن أقل من حزنها؛ فالوضع برمّته بدا غير عادل، وكأنهم يُحاسبونها لمجرد أنها نجت.
بعد دقائق، خرج الربان وهو يصرخ غاضبًا:
— "أخلاق هذا المجنون منحطّة! سحقًا له! اقتلعني من جذوري!"
كان يهذي بالكلمات، يلوّح بيديه ويتذمّر بعصبية واضحة. أسرع كازوما إليه يحاول تهدئته، يربت على كتفه بكلمات لطيفة، بينما كانت أكانـي تنظر نحوهما، تتنفس بعمق قبل أن ينادى اسمها للدخول.
دخلت الغرفة، ونظراتها التي كانت دائمًا مشعة بالثقة انطفأت عندما التقت بعيني الضابط، رجل لا يحمل شيئًا سوى الضغينة في نظراته.
الشرطي، الذي لم تسر له بداية هذا العام أبدًا. المجمع السكني الذي كان يقيم فيه احترق، وتسوروغي -ذلك الوغد كما يصفه- كان السبب في خفض رتبته العسكرية، ليتحول من ضابط عسكري إلى مجرد شرطي عادي هنا في هذا القسم. وقبلها، قدّم كريستوفر بشكوى ضده بتهمة الإهمال، مما ألقى بسمعته إلى القاع.
نظرت إليه أكانـي بخوفٍ حاولت إخفاءه بابتسامة مصطنعة، ثم قالت ببساطة:
— "كنت في مدينة الملاهي مع رئيس مجلس الطلبة، وفجأة هاجمنا أفراد من المافيا... خطفونا."
هدأ صوت الضابط للحظة، نبرته تحوّلت للتركيز:
— "الم يكن سيزار معكم؟"
أجابت بسرعة:
— "لا، لقد كان على متن السفينة."
رأى الضابط في تلك الإجابة فرصة، شعاع أمل يعيده إلى مكانته التي سُلبت منه.
— "إذن... لم يكن معكم من البداية؟"
وضعت الفتاة إصبعها على ذقنها تفكر، ثم قالت:
— "الرئيس أخبرني أن سيزار كسر باب الغرفة التي كان محبوسًا فيها. لا أعرف التفاصيل، هذا كل ما لدي."
صمت الضابط. لم تكن هذه الإجابة كافية، لكنه علم أن ما يحتاجه فعلاً ليس عند أكانـي... بل عند كازوما.
أشار لها بالانصراف، فخرجت بهدوء، وبمجرد أن أغلقت الباب خلفها، دخل كازوما بخطى هادئة.
جلس بهدوء على الكرسي المقابل للضابط، أغلق الباب خلفه، ونظر بثبات إلى الرجل الذي ينتظره بأسئلة قد تحمل نية خفية لا يعلمها سوى الحقد.
"أخبرني... كيف وصل سيزار إلى السفينة؟"
نطقها الشرطي دون مقدمات، بنبرة مباشرة تحمل نية مبيتة.
كازوما التقط المقصد من السؤال على الفور. كان يدرك جيدًا ما يحاول هذا الرجل فعله، ولذلك قرر أن يقطع عليه الطريق منذ البداية. قال بهدوء وثبات:
— "كان مخطوفًا مثلنا. حين استيقظ، وجد نفسه في زنزانة بجوار زنزانتي. وكما أخبرني، فقد حطّم باب الحديد تلقائيًا بمجرد أن أفاق."
الرجل قطب حاجبيه. لم تكن تلك الإجابة التي أرادها. كان يريد مدخلًا يُدين سيزار... لا تبرئة له. بنبرة مريبة قال:
— "إذا كان يتصرف بهذا الشكل دون أوامر، فهل يعني أنه لا يمكن السيطرة عليه؟"
كازوما لم يرمش حتى. أجاب بثقة لم تتزعزع:
— "بل كان يتصرف وفقًا للموقف، وبما يضمن سلامتنا وسلامة الربان."
صمت الرجل. كان يحاول أن يقرأ تعبيرات الفتى أمامه، أن يلتقط أي إشارة توتر أو ارتباك، لكنه لم يجد شيئًا.
عين كازوما كانت هادئة، صلبة، كأنها تقول له: لن تنال مني شيئًا
أسند الشرطي ظهره إلى المقعد، وراح يقرع بأصابعه سطح المكتب الخشبي، بنغمة ثابتة توحي بالتفكير... أو الاستفزاز المتعمد.
— "هل تعلم، كازوما، أن سيزار ليس فتى عاديًا؟ سجله مزدحم بالمشكلات، ولا أعتقد أن المدرسة تأويه فقط لأنه موهوب.بل لأن اموال والده تحرسه"
كازوما لم يتراجع، بل حملق في وجه الضابط بنظرة واثقة، وقال بنبرة هادئة لكنها حاسمة: — "وأنا أعلم أنك ضابط غاضب من خفض رتبته. تبحث عن مخرج... لا عن الحقيقة."
توقف الضابط عن النقر. ارتسمت ابتسامة صغيرة، مائلة، أشبه بابتسامة من لا يعترف بالهزيمة، لكنه يعلم أن خصمه ليس سهلًا.
— "أنت ذكي، يا كازوما. لكن الذكاء لا ينقذك دومًا. هل تضمن أن سيزار لن يؤذي أحدًا؟"
تنهد كازوما، ورفع عينيه قليلاً نحو السقف قبل أن يعيد نظره إلى عيني الضابط كوسكي مباشرة:
— "لا أضمن شيئًا. ولا أضمن نفسي حتى. لكني أعلم أنه أنقذ حياتنا، ولم يكن ملزمًا بفعل ذلك. هذا يكفي بالنسبة لي."
عمّ الصمت فجأة. لم يبقَ سوى صوت خافت لمكيف الهواء القديم، وزفير الشرطي الذي بدا كمن يدفع شيئًا من صدره.
ثم، دون أي ملاحظة إضافية، كتب كوسكي شيئًا في ملف على مكتبه، ثم قال دون أن ينظر إلى كازوما:
— "يمكنك الانصراف."
نهض كازوما، وسار بهدوء نحو الباب. وحين أمسك مقبضه، التفت وقال:
— "بالمناسبة... ليس كل من يحمل ندبة في وجهه هو مجرم. أحيانًا... الندوب تحرس من بداخلها."
ثم فتح الباب وغادر، تاركًا خلفه ضابطًا تكسرت على وجهه علامات الصرامة، وتحولت إلى تفكير عميق.
قبل أن تطأ قدما سيزار عتبة غرفة الاستجواب، تقدم الضابط كوسوكي بخطى متوترة، وفي عينيه احتقان غير مخفي. أمسك بالأصفاد المعدنية، وقيد بها معصمي الشاب، قائلاً بنبرة مشبعة بالتحقير:
— "اعتذر، يا ابن السوابق... لكن من واجبنا أن نتوخى الحذر منك."
غير أن الرد جاء صاعقًا، هادئًا كريح باردة، لكنه يحمل تحتها لهبًا:
— "يسعدني أنك تدرك أنك أضعف مني... حتى ويداي مقيّدتان."
لم تكن نبرة سيزار ساخرة فحسب، بل كانت كفيلة بجعل الضابط يتمنى أن تنشق الأرض تحت قدميه. ومن الزاوية الأخرى، كان الضابط ريان يضغط على كفه وكأنه يمنع نفسه من التصفيق، وجهه يحمل شبه ابتسامة خفيّة لم يستطع إخفاءها.
دخل سيزار غرفة الاستجواب بخطوات واثقة، لا أثر للقلق عليه، بل جلس على الكرسي ورفع ساقًا فوق الأخرى، ناظرًا إلى الضابط كوسوكي كما لو كان يراه حشرة على زجاج نافذته.
— "أهلاً، سيدي الشرطي... واثق أنك ستبذل حياتك لتدخلني السجن."
كلمات رميت كخناجر في وجه الضابط، الذي كاد أن يغلي من الغيظ. شفتاه ضُغطتا بقوة، يده ترتجف على الطاولة.
قال بصوت متقطع من الغضب:
— "أقسم... سأدفن هذه الابتسامة في التراب، ومعها وجهك."
ارتسمت على محيا سيزار ابتسامة بطيئة، خطيرة، نظراته ثابتة لا ترفّ: — "اسأل بيأس... وإن شعرت بالشفقة، قد أجيبك بما تحب... فقط توسل إليّ."
في لحظة انفجار، فقد الضابط أعصابه. أمسك بياقة سيزار، ثم وجه لكمة إلى وجهه بلا مقدمات. تلتها أخرى، ثم ثالثة. بدا وكأنه لا يضرب إنسانًا، بل يفرغ غضب سنين من الفشل والإحباط.
كل ضربة كانت تصرخ بما لا يقال.
لكن سيزار، رغم الدم الذي سال من زاوية فمه، لم يصرخ. لم يشتم. لم يتوسل.
بل رفع رأسه، نظر إليه بعين واحدة — تلك التي لم تخفِ شيئًا من البرود — ثم همس:
— "هل انتهيت؟"
خارج غرفة الاستجواب، كان كازوما واقفًا، وظهره ملتصق بالحائط البارد. عيناه ثابتتان على الزجاج المعتم، خلفه تدور فوضى صامتة. كان يشعر بكل لكمة تُلقى على وجه سيزار، وكأنها ترتطم بصدره هو. لم يكن قادرًا على الدخول... ولم يكن قادرًا على الالتفات.
إلى جانبه، الربان ريان قبض على يده بقوة، أصابعه تحولت إلى مفاصل بارزة. كانت صدمة ما يراه تتعدى حدود المنطق، وأدرك لحظتها حجم الخطأ في جرّهم جميعًا إلى هذه الدوامة. قال، بصوت خافت مليء بالغضب والشفقة:
— "أي عمل هذا...؟ فتى لم يتجاوز الثامنة عشرة يُسحب إلى هاوية قذرة كهذه؟ هل هو عقاب أم طُعم؟"
لم تجبه أكاني، التي وقفت على مقربة، جسدها مشدود، وعقلها يدور في حلقة من التردد والخوف. لم تكن تعرف ما إذا كان عليها التدخل، أو البقاء بعيدة. لقد أرادت فقط أن تعود، أن تنجو... لم تكن تتخيل أن العودة ستكون إلى جحيم آخر، بنكهة قانونية.
نظرت إليه من خلال الزجاج، الدم على وجهه، الابتسامة الساخرة ما تزال هناك، كأنها تزداد ثباتًا كلما سقطت عليه ضربة.
قالت في داخلها:
"أي نوع من البشر أنت يا سيزار...؟ هل حقًا تستحق الكره؟ أم أنك الوحيد الذي يحترق في صمت؟"
كانت لحظة فارقة، صمت مشبع بكل شيء: بالغضب، بالحيرة، بالخوف... وبقرار قد يُغيّر كل شيء.
فُتِح باب غرفة الاستجواب بعنف، وخرج الضابط كوسكي بخطوات غاضبة، يجر خلفه سيزار المكبّل ومعه شرطي آخر. كان الدم يلطّخ زاوية فم سيزار، لكن ملامحه لم تكن تعكس الألم... بل شيئًا أبرد، أكثر تحدّيًا. عيناه ما تزالان تشعّان بنفس الازدراء الذي دخل به الغرفة.
في تلك اللحظة، انفتحت أبواب الانتظار الأخرى فجأة، وصاحت خالة أكاني بصوت مرتجف:
"أكاني!"
استدارت وردية الشعر، ووقعت في حضن خالتها، التي كانت تبكي كما لو أن السنوات الثلاث الماضية، لا الأيام الثلاث، قد خطفت منها قلبها. انفجرت أكاني بالبكاء هي الأخرى، وتشبّثت بها كالغريق.
في الجهة الأخرى، اندفعت والدة كازوما إلى ابنها، ضمّته بقوة، تتحسّس وجهه وجسده، وكأنها تتأكد أنه ما زال كاملًا. توترها لم يكن فقط خوف أم، بل خوف من شيء أعمق... شيء تعرف أنه لا يجب أن ينكشف.
سيزار، رغم الضرب، لم يتغير. حتى خرج من غرفة التحقيق، ووقعت عيناه على والدة كازوما ، التي بمجرد أن رأته . تغيّر كل شيء.
نظرة عينيها خمدت للحظة. مزيج من المفاجأة والغضب والكتمان ارتسم على وجهها.
ردّة الفعل التالية كانت صادمة للجميع.
صفعة.
عنيفة، حادة، ملأت المكان كصفّارة إنذار. يد والدة كازوما صفعت وجه ابنها أمام الجميع. أُخرِست أكاني، جمدت خالتها في مكانها، ريان رفع حاجبيه مصعوقًا، حتى رجال الشرطة تبادلوا النظرات بعدم تصديق.
شعرت والدة كازوما بنظرات الجميع، لكنها لم تهتم. قبضت على شعر ابنها وقالت من بين أسنانها:
"ألم أحذّرك أن لا تقترب من سيزار؟ أيها الوغد... ألم أقل لك ذلك؟"
حاول كازوما أن يحرّر نفسه منها، لكن يدها كانت كالقيد. كتم ألمه، وخفض عينيه وهو يحاول كتم دمعته في عينه.
انفجر صوت سيزار كالرعد، بصوتٍ غاضبٍ عارٍ من السيطرة:"أيتها الحقيرة!"
اندفع نحوها، بكل قوته، لكن كوسكي والشرطي الآخر أمسكا به بقوة، كبّلاه ليمنعاه من التحرك خطوة واحدة..وكأنهما يحاولان كبح وحش
تقدّمت والدة كازوما نحو سيزار، وعيناها تنطقان بجنونٍ بارد: "أقسم... إن اقتربت منه مجددًا، سأجعل تراب ليويامي قبرك."
سحبت ابنها من ذراعه، وخرجت به من المركز وسط ذهول الجميع.
أما أكاني، فقد تجمدت في مكانها، لم تكن تتصور أن والدة كازوما تحمل هذا الوجه. خالتها تنظر بصمت، عاجزة عن الاستيعاب. أما الربّان ريان، فقد هزّ رأسه ببطء وهمس:
""أين الرحمة؟ إنهم مجرد مراهقين... أليس في هذه المدينة ذرة إنسانية؟""
كوسكي ابتسم أخيرًا، شعور النصر بدأ يهمس له، أمسك العصا الكهربائية، وصعق بها رأس سيزار دون تحذير. أُغمي على الفتى فورًا.
ثم دسّ قدمه على رأسه وقال ببرود: "استمتع بأربعين يومًا في السجن... مع الأشغال الشاقة، يا ابن المافيا."
صرخ الربّان ريان بغضب، وعيناه تقدحان شررًا: "من أنت حتى تحكم عليه بالسجن؟!"
لكن الضابط كوسكي لم يلتفت لصراخه، بل التفت نحوه بنظرة ساخرة متعجرفة، وقال ببرود:
"أولاً، هو ليس قاصرًا... وثانيًا، هذا أمر صادر من المحكمة العسكرية. التهمة: اعتداء جسدي على طالبة."
تجمّد الربان. لم يجد ما يرد به. هو لا يفهم قوانين ليويامي، فهو مجرد أجنبي عالق وسط دوامة أكبر منه.
من بين ذراعي خالتها، صاحت أكاني: "لكن... لقد أنقذنا! هو من أخرجنا من ذلك الجحيم! ألا يعني ذلك شيئًا؟!"
لكن أحدًا لم يُعرها اهتمامًا. القرار اتُخذ، والقانون في ليويامي لا يعرف الرحمة حين يتعلق الأمر بالمظاهر. اقتيد سيزار نحو السجن، محاطًا بالحراس، بينما على وجوههم نظرات رضا باردة، كأنهم للتو أتموا عملًا روتينيًا.
كانت عين سيزار نصف مفتوحة، تكاد تنطفئ... لكنها لم تكن فارغة. كانت تشع بشيء آخر. وعْد صامت.
في تلك النظرة الأخيرة، حملت عينه كل الكره الذي اختزنته ذاكرته:
كره لوالده الذي تخلّى عنه، كره لمدير الثانوية الذي باعه، كره لوالدة كازوما التي طعنته بكرهها ومنعه من ما ارده، وكره لليويامي... المدينة التي تدّعي النقاء، لكنها تحت جلدها تخبّئ السُم.
هناك، وهو يُجرّ على الأرض الباردة، أقسم على نفسه وعدًا لا رجعة فيه: "لن أسامح. لن أنسى. لقد اخترت طريقي."
.......................
في منزل عائلة جينسونر، كانت الأجواء متوترة حدّ الاشتعال. في غرفة الضيوف، يجلس ميشيل على الأريكة إلى جانب يوما، يتبادلان النظرات المرتبكة. على الأريكة المقابلة، كان رييد يتابع المشهد بصمت حاد، في حين ظل كريستوفر يدور في الغرفة كالمسعور، هاتفه في يده، وصوته يتصاعد غضبًا:
"أقول لك، أخي في السجن! مع المجرمين! هل تتوقع مني أن أهدأ؟!" أغلق الخط بحدّة، وراح يتصل بوالده مجددًا... لكن دون فائدة.
ميشيل أراد أن يواسيه، أن يقول أي شيء يخفف غضبه، لكنه تردد... خائفًا من أن يتحول صراخ كريستوفر نحوه. يوما، من جهته، كان بالكاد يفهم سبب القلق كله، لا يزال يعتبر سيزار "ذلك المجنون" فحسب. أما رييد، فظلّ يراقب بصمت، كعادته حين تُطبخ الفوضى على نارٍ هادئة.
همس كريستوفر وهو يتألم، كأنّه على وشك البكاء: "أرجوك، أبي... أجب..." لكن صوته ضاع في الفراغ.
ثم، دخل كبير الخدم بانحناءة سريعة وقال: "سيدي، خطيبتك السابقة هنا، وتريد أن—" قاطعه كريستوفر بصراخ حاد، صادم للجميع:"اجعلها ترحل! واغرب أنت عن وجهي!"
ارتبك كبير الخدم، وتراجع فورًا بخطوات سريعة. لم يعتد رؤية كريستوفر بهذا الشكل قط.
أخذ كريستوفر معطفه الأزرق، ارتداه بسرعة، وقال بنبرة حاسمة: "رييد، أنت المسؤول عن المنزل حتى أعود. سأذهب إلى المحكمة لن أتأخر."
ثم خرج وصفق الباب بقوة، اهتزت لها الجدران. ميشيل ويوما ارتعشا في مكانيهما. ساد الصمت... ثم، نظرا إلى رييد الذي لم يحرّك ساكنًا، وعندما التقت أعينهما بعينيه، ضمّا بعضهما البعض رعبًا وكأن رييد هو الشيطان ذاته.
أخذ رييد نفسًا عميقًا، وأسند ظهره إلى الأريكة، ثم رمق التلفاز بنظرة فارغة وقال في سرّه: "يا لهذا الأسبوع الأبيض... من بدايته وحتى الآن، فوضى تجرّ فوضى." ثم حدق في ميشيل ببرود: "هل دائمًا كنت بهذا الغباء، أم أن هناك تطورًا ملحوظًا مؤخرًا في مستوى غبائك؟"
................................
في تلك الغرفة، جلست والدة كازوما على كرسي قبالته، جسدها يهتز من البكاء. قالت بصوت مرتجف، تغرق كلماتها بين الدموع:
"أنا آسفة... لكن صدقني، هذا لمصلحتك... أرجوك، افهمني."
كانت الدموع تنساب من عينيها كأنها تغسل ذنبًا لا يغتفر، بينما هو ينظر إليها بنظرة باردة، خالية من أي شعور، وكأن شيئًا لم يعد يهمه. نظرة ساكنة... قاتلة في صمتها.
اقتربت منه، وضمته بين ذراعيها، راحت تمسح على رأسه بحنان مصطنع، وقالت بصوت منخفض: "سأقول لوالدك إنك نائم... وسأشرح له كل شيء. فقط، ابقَ اليوم في غرفتك، لا تخرج."
قبّلت جبينه برقة كاذبة، ثم نهضت وغادرت الغرفة، تغلق الباب خلفها بهدوء يشبه الخيانة المقنعة.
في الداخل، بقي كازوما جالسًا كما هو. لم يتحرك، لم يرمش حتى. لقد سئم. تعب من هذا التمثيل المسموم.
يتبع.....
RIRI