كان كايرو يمسك بالكيس الورقي الذي يحمل شعار الهامستر، الهدية التي حضرها خصيصًا لروزا، يسير بخطى متثاقلة في ممر المشفى، والإحباط يثقل قلبه. أخوه الأكبر كازوما مفقود، ماذا حدث؟ لقد كانا معًا صباح الأمس فقط.
أشرق أمامه وجهان مألوفان، رفاقه ميشيل ويوما. انتعش صدره قليلًا وسار نحوهما. ابتسم ميشيل عند رؤيته، أمسك بكتفه وبدأ يتحدث بسرعة:
"أمس خطفوا سيزار، لا أعرف أي خاطف بلا ذوق فعل هذا! أنا خائف، ليس على سيزار، بل على من قام بخطفه. ربما سيزار يعذبهم الآن، أو ربما جعلهم طعامًا لأسماك القرش."
قالها بسرعة وبنفس واحد، فشعرت قشعريرة تسري في جسد كايرو من شدة الدهشة. هو نفسه لم يستطع النوم بسبب قلقه على كازوما، بينما ميشيل قلق على من خطف أخيه بدلاً منه.
نظر يوما إلى كايرو، وكان الاكتئاب واضحًا على ملامحه، وكأن ثقل الأحداث قد أغرق روحه.
ميشيل، وكأنه قرأ ما يدور في ذهن كايرو، قال بابتسامة هادئة:
"لقد أصيب بحالة إحباط شديدة بعد أن ظن الطبيب أنه شقيق أخي سيزار."
ابتسم كايرو محاولًا تقبل ما سمعه، وهو يعلم أن ميشيل ويوما لن يتغيرا أبدًا، مهما اشتدت الضغوط.
بدأ الثلاثة يمشون معًا، يوما يحمل بين يديه باقة ورد حمراء كانت مخصصة لروزا، بينما ميشيل في يده علبة شكولاتة فاخرة. كان الحديث يدور حول ما حدث بالأمس، وسط أجواء من القلق والتوتر.
قال يوما بضيق واضح:
"أمس عاد كريستوفر إلى المنزل وأيقظنا جميعًا. أخذنا في السيارة إلى مركز الشرطة. هناك بدأ يصيح في وجه الضباط الذين حاولوا جعله يسحب الشكوى التي أراد رفعها ضد المشفى، لكنهم فشلوا فشلًا ذريعًا."
تعجب كايرو وسأل بفضول:"ولماذا أخذكم معه؟"
بسرعة أجابه أزرق الشعر : "لقد خاف أن يتم اختطافنا نحن أيضًا. نحن لا نملك معلومات عن من خطف سيزار أو عن أهدافه. إضافة إلى ذلك، إذا ما تم اختطاف رييد، فإن نورثلاند ستمسح ليويامي من الخريطة."
كان كايرو يستمع بدهشة، فهو لم يكن يعلم أن رييد يقيم في منزل ميشيل، لكن الكلام كان منطقيًا للغاية. لورد نورثلاند، الذي يتنفس الحروب، لن يتردد في إشعال العالم كله لو تعرض رييد، الملك المستقبلي لنورثلاند، لأي أذى.
كانت خطواتهم تتردد بهدوء على أرضية الممر، حيث وصلوا أخيرًا إلى باب غرفة روزا. كايرو لم يكن مخطئًا؛ الزيارة كانت مسموحة اليوم. دفع الباب ببطء، الستائر تراقصها نسمات الرياح التي دخلت من النافذة المفتوحة. روزا كانت جالسة على السرير، الشال الصوفي الزهري يلتف حول كتفها، وكأنه يحاول أن يحمّيها من برودة المكان.
أمامها، تقف ميموري، وجهها مشحون بالدموع، تحاول جاهدة أن تمسحها بمنديلٍ مرتجف. يوما وميشيل كانا واقفين صامتين، لا يعرفان ماذا يفعلان أمام فتاة تبكي بهذا الانكسار... ماذا يمكن أن يفعلوا سوى الوقوف والتأمل؟
ابتسم كايرو بلطف، تقدم ووضع يده بحنان على كتف ميموري، كأنه يرسل لها رسالة صمت: "حسنًا، يكفي الآن. أنتِ سترين روزا، أليس كذلك؟ هذا ليس ذنبك."
ميموري تحاول أن تخنق شهقاتها، تمسح دموعها ببطء. أما يوما (آلفاسانو)، فكان يتساءل في صمت لماذا تبكي. لم تكن هي من أبرحت روزا ضربًا. إن كان هناك من فعل، فهو سيزار، ولذا فإن دموع ميموري كانت أكثر ألما.
روزا، بابتسامتها المشاكسة المعتادة، قالت بهدوء: "ميموري، أنا بخير، اهدئي."
كايرو سحب يد ميموري برفق، وجعلها تجلس على الأريكة، محاولةً تهدئتها.
كان يوما يتفقد الغرفة بعينيه. علبة المحلول كانت ممتلئة، أنبوبها يمرر بسلك إلى يد روزا. الغرفة نفسها كانت مليئة بالهدايا؛ دمى دببة ناعمة، مجوهرات تبدو نفيسة تتلألأ تحت أضواء النور الخافتة. لكن الغريب كان الصناديق البيضاء المزينة بشرائط حمراء وزرقاء، تلمع كأنها تحمل أسرارًا لم تُكشف بعد.
اقترب ميشيل، ومد هديته إلى روزا، بابتسامة واثقة ممزوجة ببريق الأمل: "أنا متأكد أنها ستعجبك."
فتحت روزا الكيس بسرعة، وامتلأت عيناها بالفرح، حتى صرخت بتلك الحماسة التي تُضيء المكان: "منتجات هامستر! إنها الأفضل. كوب القهوة الرخامي هذا هو أفضل شيء... إيه، ماذا؟"
نظرت داخل الكيس، ووجدت كأسًا زجاجيًا مزينًا بملعقة لطيفة تلتف حوله شريط زهري. "أنت الأفضل، كايرو!"
ميشيل تذكر في تلك اللحظة حوارًا سابقًا بين كريستوفر وخطيبته، قبل انفصالهما. كانت دومًا تمدح أكواب القهوة التي تنتجها شركة هامستر، كما لو كانت تلك الأكواب تحمل معها سحرًا خاصًا.
مرت الساعتان وكأنهما دقائق معدودة، وهم يتبادلون أطراف الحديث بمرح وسعادة. الضحكات تعلو في الأجواء، والجو كان مشبعًا بالدفء والانسجام. يوما (آلفاسانو) شعر لأول مرة بذلك الشعور الغريب؛ دفء ينمو بداخله. رغم قصر الوقت، كان يشعر بأنه جزء من هذا الجمع، يخوض معهم المغامرات والتجارب، ويشعر بالانتماء بطريقة لم يعرفها من قبل.
في موطنه هيروفال، كان رفاقه مثل روف يشكلون عالمه، لكن ما يعيشه الآن كان مختلفًا، أجمل وأعمق. تساءل في نفسه: هل سيظلون كما هم إذا اكتشفوا الحقيقة؟ الحقيقة التي تخفي هويته الحقيقية، التي تجعله ليس يوما حقًا؟
رييد، الذي بدأ يعامله ببرود، جعله يشك في نفسه. هل كان يعرف عن يوما قبل ذلك؟ هل كان على علم بكل شيء؟ ذكريات آلفاسانو القليلة عن يوما كانت محصورة في علاقة مع إيما وصبي اسمه هيرمان، لكنها لم تكن كافية ليهدئ شكوكه.
غاص في أعماقه، وسط ضجيج رفاقه الذين كانوا يستمتعون بالحديث. فجأة، ضغطت ميموري يدها بقوة وقالت بحزن: "روزا، ما أردت قوله لك سابقًا..." لكن روزا قاطعتهما بصوت مرتفع: "نسيت أن أخبركم! أمس جاء عمي لزيارتي."
لفت هذا الخبر انتباه آلفاسانو على الفور. نهض ببطء، وقلبه يخفق بقوة غير مفهومة. وضع يده على صدره يحاول أن يهدئ نفسه، ولكنه شعر بالفزع يتسلل إليه، ليس كأنه هو، بل كأنه يوما نفسه.
وضع الفتى يده المرتجفة على صدره، يحاول كبح تسارع نبضات قلبه، وقال بصوت متقطع: "يومًا... أهدأ! ما خطبك؟ المكان آمن." تمتم بها آلفاسانو، لكن الكلمات لم تُخفف من وطأة الخوف التي تملكت جسده. فجأة، وقع صوت خطوة ثقيلة على الأرض، أصابته كما لو كانت موجة باردة من الخطر. بدأ العرق يتصبب من جبينه، متجمدًا بين شفتين يرتجفان.
كانت الهالة التي تحيط بالشخص الذي اقترب قوية ومهيبة، حضوره ضخم وكأن الجبال نفسها تتقدم نحوهم. رجل لم يَهزه الزمن، ولو تدرب مئة عام لما استطاع أحد مواجهته. في تلك اللحظة، تسللت فكرة واحدة قاتلة إلى قلب آلفاسانو، تحفر داخل صدره كالسكاكين: إنهم أسياد بيراست... وأحدهم هنا بلا شك، يشعر بها، يتنفسها، يقترب.
خطوة أخرى صدمت الأرض، وزادت من اندفاع العرق على جبينه، تتسع عيناه برعب فاجع. نظر إلى رفاقه، محاولًا قراءتهم، لكنهم كانوا هادئين كأنهم في جلسة عادية، يتبادلون الأحاديث عن عم روزا، بلا أي إشارة إلى التوتر الذي يعتريه وحده. كانت دقات قلبه تعلو كطبول الحرب في صدره، ولا شيء سوى هذا الثقل الكئيب يثقل كاهله. المهلة تقترب، والأصوات، والهمسات تتردد قرب الباب، تلك اللحظة التي تنتظرها كل الأرواح المتوترة.
بدأ الفتى يشعر بدوار مفاجئ، لكن إرادته منعته من السقوط، كأن قوة خفية تمسكه. رجفت قدماه كأنهما لا تحملان ثقله، وصوته انكسر ولم يعد يُساعده على الكلام. في داخله، تساءل بمرارة: ما الذي حدث في ذلك اليوم؟ ما السر الذي يجعلهم يخيفونني بهذا الشكل؟ أهو الماضي الذي يطاردني؟ أم تلك الأسرار المدفونة في ظلال بيراست؟
ثم، ارتفعت يدٌ قوية، ذات هيبة لا يمكن إنكارها، امتدت من الجذع الأسود المتين فوق الجلد الداكن، وتوجهت نحو مقبض الباب ببطء وثقة لا تخطئها العين. ببطء فتح الباب، وكأنها بوابة تنفتح على مصير محتوم.
نظرت روزا نحو الباب المفتوح، ابتسامة دافئة تشع شوقًا وحبًا تعلو وجهها، وقالت بنبرة مفعمة بالأمل: "عمي... أتيت في وقتك، إنهم رفاقي!".
صوت سقوط قد حلّق في المكان، فجأة توقف الجميع عن الحركة ونظروا إلى آلفاسانو الذي سقط على الأرض. قدمه لم تعد تحمله، وكأن جسده قد استسلم لثقل الخوف. كان يرى بعينيه ما لا يستطيع فهمه، مشاعر يوما تغمره بضغط رهيب، ذلك الخوف العميق من تلك العينان الشاذتان.
آخر شيء توقعه أن يكون عم روزا القوي، الرجل المرعب الذي طالما سمع عنه، هو أحد أسياد بيراست. امتداد الجذع الأسود قد بلغ بالفعل الجهة الأخرى من وجهه، وكان لا بد أن يكون هذا الشخص واحدًا من اثنين، إما غولوين أو الأسوأ منه، كلاود.
تلك العين المخيفة ذات اللونين الأحمر والأخضر، كانت تحدق به بلا رحمة. الرجل الذي يرتدي رداءً أسود طويلًا يغطي جسده بالكامل، بلا شك هو عم روزا. روزا، التي لم تفهم بعد سبب ذلك التوتر، اقتربت بقلق وسألته بنبرة متلعثمة: "يوما... هل صدرك يؤلمك؟" بينما كان عمها يقف هناك، حاضراً بقوة لا تُوصف وسط المشهد المشحون بالخطر.
بدأت رؤيته تتلاشى، كل شيء من حوله أصبح ضبابيًا. آخر ما استطاع تمييزه كان وجه ميشيل، يقترب منه بقلق، وعيناه تلمعان بالذعر. بعدها، غرق كل شيء في ظلام دامس... صمتٌ تام، وبرودة خفية، كما لو أن العالم قد انكمش واختفى.
ثم فجأة... فتح عينيه.
كان مستلقيًا على سرير ناعم في غرفة هادئة، الضوء خافت والهواء مشبع برائحة الأعشاب الطبية. بجانبه، جلس كريستوفر على كرسي خشبي، وعلى يساره وقف البروفيسور هاياتو، يراقبه بنظرات غامضة.
"استيقظت." قالها كريستوفر بنبرة لطيفة وهادئة، كأنها خيط أمان وسط دوامة من الخوف.
رفع آلفاسانو رأسه ببطء، ملامحه مثقلة بالأسئلة، بعينين تبحثان عن معنى لما حدث. كانت نظراته تصرخ، تفتش عن تفسير لذلك الرعب الذي اجتاحه قبل أن يفقد وعيه.
لكن البروفيسور هاياتو، ببساطته الساخرة المعتادة، قال ببرود وهو يأخذ رشفة من فنجان الشاي:"يالك من جبان... هل خفت فقط لأنك رأيته؟"كلمات بلا شفقة، كأنها صفعة.
كريستوفر، بلطف نقيض، وضع يده على كتف آلفاسانو. دفء تلك اليد كان كافيًا ليبعث في صدره طمأنينة هشة، معلقة بخيط الأمل.
"حين أُغشي عليك، اتصل بي ميشيل فورًا. السيد آلفاهايم تركك ورحل، لم يؤذك... لا يستهدفك أنت. هم يريدون يوما."
كانت تلك الكلمات كفيلة بأن تهدئ قلبه... لكن بدلاً من ذلك، انهمرت الدموع من عينيه دون أن يشعر. صمت مشحون بالضعف، بالانكسار، سيطر على الغرفة.
"ما خطبك؟" قالها البروفيسور بدهشة لم يعتدها، مستغربًا من دموعه الصامتة.
كريستوفر اقترب أكثر، يحاول أن يواسيه، أن يهدّئ من روعه، لكنه لم يكن يعرف السبب الحقيقي لبكائه.
كيف له أن يهدأ؟ كيف لا يخاف؟ الوقت ينفد... وإن عاد يوما، فإنه سيموت. وهو لا يريد أن يموت. هو فقط... يريد أن يعيش.
يريد أن يعود إلى الحياة التي كان يعرفها. أن يرتمي مجددًا في حضن والدته الدافئ، أن يتسابق مع أخيه في المرج الأخضر تحت شمس الربيع، أن يساعد أخته الكبرى في أعمال حديقتها، أن يصبح رجلًا يفتخر به والده يومًا ما.
كل تلك الأمنيات الصغيرة، التي لم يُدرك يومًا أنها أثمن ما في الوجود... الآن تنهار أمام عينيه، تهرب منه.
حقًا، لا يعلم الإنسان قيمة النِعم... حتى يوشك أن يخسرها إلى الأبد.
لم يستطع أيٌّ منهما فهم سبب بكائه المفاجئ. آلفاسانو نفسه لم يكن يريد أن يشرح، فقط دفع بالألم إلى الداخل وغير الموضوع بسرعة، كما لو كان يهرب من ظلٍّ لاحقه.
ساد الصمت في الغرفة.
كريستوفر وضع يده على ضفيرته البيضاء الطويلة، يُفكر في شيء، أي شيء يمكن أن يخفف من حدة الجو الثقيل. شعر بندم خفي لأنه أرسل ميشيل إلى المنزل، لو بقي ميشيل هنا، لربما جعل الأوضاع أكثر ليونة، أكثر دفئًا.
"أحم... أحم!"البروفيسور فجأة، قاطعًا سكون الغرفة و سارقًا انتباههم بنبرته المعتادة.
مرر يده على شعره الفوضوي وقال، بعينين تلمعان بشيء من التفاخر وكأنه يتهيأ للظهور في أحد مؤتمراته الشهيرة:
"لم تخبرني يا فتى... كيف كان الدواء الذي أعطيتك إياه؟ هل حرّر قواك؟ أم أنك ما زلت عاجزًا عن استخدامها؟"
اتسعت عينا آلفاسانو فجأة. كان بالفعل قد نسي تمامًا كيف تمكّن من تحرير قوته في وقت سابق وسط ذلك الخوف...
عاد إليه شيء من الحياة، ببطء ولكن بثبات، كما لو أن البروفيسور بكلماته قد نزع الغمامة عن ذهنه.
"لحظة... هل كان ذلك بفضل دوائك؟ حقًا؟"
ابتسم البروفيسور بشموخ، شبك ذراعيه أمام صدره ووقف منتصبًا وكأن التباهي جزء من كيانه:
"أنا موهبةٌ فذّة يا فتى! بالطبع كان بفضله! الآن، امدحني كما يليق!"
ضحك آلفاسانو بخفة، ثم انهمر عليه الشغف فجأة، وبدأ يطرح عليه أسئلة كثيرة، بعطش حقيقي للمعرفة. وعلى غير المتوقع، لم يتملص البروفيسور... بل أجاب، وأجاب بثقة، وكأن عقله نبع لا ينضب من الأسرار.
ثم توقف الفتى، ونظر إليه بعينين فيهما رجاء، وسأله:
"هل يمكنك... تشخيص حالتي؟"
جلس البروفيسور على حافة السرير، تحوّلت ملامحه إلى الجدية فجأة، وتغير صوته، أصبح أكثر ثباتًا وهدوءًا:
"أولاً، أنت الآن داخل جسد يوما، الذي هو حاليًا في غيبوبة. هذا لا يعني أن جسدك الأصلي قد تلاشى أو فُقد... لا. لكنه يحتاج إلى تفعيل ختم الانقسام."
لمعت الحيرة في عيني كريستوفر وآلفاسانو، والبروفيسور، كعادته، لم ينتظر السؤال، بل قرأه على وجوههم وتابع:
"لتفعيل ختم الانقسام، تحتاج إلى أنقى وأطهر قوة موجودة على هذا الكوكب... ألا وهم أفراد اليونازوكي."
شهق آلفاسانو بدهشة، وكريستوفر بدوره فتح عينيه بدهشة خفية.
نهض البروفيسور من على السرير، بخطوات هادئة توجه نحو النافذة. أمسك بالستائر، وسحبها جانبًا، لينكشف مشهد غروب الشمس فوق مدينة ليويامي، أشعتها الذهبية تغمر المكان بسكينة ساحرة.
ثم استدار نحوهم، بنبرة هادئة حازمة قال: "أحد أفراد اليونازوكي... بالفعل هنا، في ليويامي. سأقوم بالتواصل معها. إن وافقت، ستقوم بفصلك عن يوما."
كلمات البروفيسور كانت كمن أزاح صخرةً ضخمة من على صدر آلفاسانو، ذلك الكاهل الثقيل الذي استقر في أعماقه منذ أن وطأت قدماه هذه الأرض. أخيرًا... أخيرًا بات يملك شيئًا يشبه الأمل. طوق نجاته قد رُمي إليه، أخيرًا يستطيع أن يطمئن على حياته، أن يصدق أنه قد ينجو.
لكن رغم الطمأنينة التي تسللت إلى قلبه، كان هناك سؤال واحد لا يزال يثقل عليه: "متى... ستتواصل معها؟"
أجاب البروفيسور بنبرة هادئة، كأن الأمر لا يحتاج عجلة: "غالبًا غدًا... أو بعد غد. حينها سيخبرك كريستوفر، وبعدها يتم فصل الجسدَين. وانتهى."
تنهد الفتى براحة، وكأن صدره امتلأ بالهواء لأول مرة منذ أيام. حقًا... ما يخبئه القدر أحيانًا يكون جميلًا. لو لم يذهب إلى تلك الثانوية، لما تعرف على رييد. ولو لم يتعرف على رييد، لما التقى بكريستوفر. ولولا كريستوفر، لما وصل إلى هذا البروفيسور العجيب... الغريب... والمذهل بكل ما تعنيه الكلمة.
كريستوفر ابتسم، كان مشهد الراحة على وجه آلفاسانو كافيًا ليشعره بأن كل ما فعله لم يكن عبثًا.
البروفيسور مرر أصبعه على أنفه، بتلك الطريقة المتعجرفة الطريفة التي يفعلها حين يشعر بالفخر، ثم اختلس نظرة سريعة إلى كريستوفر. الأخير ابتسم له بهدوء، بتلك الابتسامة التي يعرفها جيدًا.
البروفيسور أشاح بنظره سريعًا، كأن نظرة كريستوفر أزعجته، أو أربكته. لا يريد له أن يظن... أنه ما يزال ذلك التلميذ القديم، الذي كان ينظر إليه بإعجاب طفولي.
لكن... منذ متى والمعلم لا يفهم تلاميذه؟ ومنذ متى يحتاج تلميذٌ لأن يقول شيئًا... كي يشعر به معلمه؟
..........................................
في تلك الغرفة الواسعة، والمضاءة بإضاءة خافتة دافئة، جلس رييد على مكتبه، مستندًا بمرفقه على الطاولة، بينما أمامه شاشة حاسوبه الشخصي تعرض محادثة فيديو مباشرة.
وجه الشخص الظاهر على الشاشة لم يكن واضحًا تمامًا بفعل الإضاءة الخلفية، لكن صوته... كان كافيًا. صوته وحده كان يحمل هيبةً تجعل الغرفة بأكملها تصمت معه. كلما نطق، سكت رييد، كأن شيئًا في داخله يتجمد تلقائيًا.
"إذًا... الدراسة سهلة، يا رييد؟ كيف أفراد الطليعة؟ هل هم جيدون في تدريسكم؟"
تنهد رييد، بانزعاج لا حاول إخفاءه. ثم أجاب بلهجة ثقيلة، فيها قدر لا بأس به من التمرد المكبوت:
"سهلة جدًا... أما عن أفراد الطليعة، فالأستاذ آرثر وحده من يبذل جهدًا حقيقيًا. الآخر؟ وجوده كعدمه."
"آه، زاك... لا يتغير، كما هو دائمًا."
نبرة المتحدث جاءت باردة، كأن الأمر لا يفاجئه أبدًا.
أسند رييد خده على كفه، وأغمض عينيه وهو يقول بملل ثقيل:
"المشاكل لا تنتهي، خاصة من ذلك العابر الأحمق."
"لا ترهق نفسك، يا بني."
قالها المتحدث بنبرة حاول أن تكون أليفة، لكن وقعها لم يخفف شيئًا.
فتح رييد عينيه، وأطلق تأففًا خافتًا، ضجرًا من هذا الحديث الروتيني... ولكن الصوت على الطرف الآخر ضحك، ضحكة قصيرة، وكأنه كان يتوقع هذا الضجر تمامًا.
ثم قال، بصوت أكثر جدية فجأة:
"على أي حال... ميرا هنا، في ليويامي."
كأن صاعقة اليقين ضربت المكان ، لقد كان يشك ولكن ربما هو مخطئ. رييد فجأة، استقام في جلسته، وعيناه اضاقت. لم يعلق، فقط رمش مره، وكأن عقله لم يستوعب الاسم.
"سأكون سعيدًا للغاية... لو تحدثت معها، رييد. بل، أريدك أن تكتب ختما معها."
ميرا...
الاسم وحده كان ثقيلاً بما يكفي ليُربك عقله.
لم يسبق له أن رآها، ولا حتى تحدّث معها. يعرف الاسم فقط، وتفاصيلها بالنسبة له ليست أكثر من أشباح معلومات متقطعة، تردده بين إشاعات، وأحاديث هامسة، وهيبةٍ تُحكى لا تُرى.
كيف يُطلب منه فجأة أن "يتحدث معها"؟ بل أكثر من ذلك... أن يكتب ختماً معها؟
إنه لا يعرف حتى كيف يبدو صوتها.
لكنه لا يستطيع أن يرفض. ليس الآن، وليس أمام هذا الشخص.
فتح فمه كأنه سيقول شيئًا، لكنه أغلقه من دون أن يصدر صوتًا. لا يملك حجة، ولا سؤالًا مناسبًا، فقط نظرات متوترة ومزيج من الفضول والخوف والغضب الصامت.
على الشاشة، لم يعلّق الطرف الآخر على صمته. وكأن الصمت كان الجواب المنتظر.
ما يجعل الأمر أكثر تعقيدًا... وأكثر خنقًا، هو تلك الحقيقة الصامتة التي تلوح في الخلفية دائمًا:
ميرا... ليست مجرد أي شخص. إنها خطيبته.
خطيبة لم يسبق أن رآها، ولا تحدث معها، لا يعرف كيف تبدو، ولا كيف تفكر. خُطِب لها كجزء من واجب، من اتفاقٍ أُبرم فوق إرادته، بين أسماءٍ أكبر منه، ومسؤولياتٍ لم يخترها.
كيف يُفترض به أن يتصرف حين يراها؟ ماذا يقول؟ كيف يتعامل مع هذه الصورة المجهولة التي يفترض أن تكون شريكة حياته؟
تنهد، بعمق. كأنه يحاول أن ينفث كل هذا التوتر عبر زفيرٍ واحد. ثم أغلق عينيه لثوانٍ، وأعاد ضبط جلسته، ورزانته، وصوته.
منذ متى وهو يتوتر هكذا؟ منذ متى سمح لنفسه بأن يُربك إلى هذا الحد؟
فتح عينيه، ونظراته استقرت في الشاشة أمامه بثبات. أجاب بصوت حازم، هادئ، لا ينقصه شيء من الثقة: "حاضر. بمجرد أن ألتقي بها... سأكتب ختماً معها."
ساد صمت لحظة قصيرة، ثم جاءت الابتسامة من الطرف الآخر، دافئة ومرضية، كنظرة أبٍ يرى ابنه يخطو نحو مصيرٍ قد رسمه له بعناية منذ سنين.
"لم تخيب ظني بك قط، رييد كالان. أنتظر اليوم الذي أراك فيه... ملكًا في نورثلاند."
انتهت المكالمة، وانطفأت الشاشة.
لكن رييد ظل في مكانه، يحدق في انعكاسه الباهت على الشاشة السوداء. ملك؟هو لم يقرر حتى من يكون بعد.
نهض رييد من على كرسي مكتبه ببطء، كأن ثقلاً عالقًا في صدره يجعله يتثاقل في كل حركة. ثم، دون أن يبدّل ملابسه، رمى جسده على السرير ذي الغطاء الأرجواني الداكن. صوت احتكاك القماش بجسده كان خافتًا، لكنه كان الضجيج الوحيد في الغرفة الصامتة.
رفع يده للأعلى، حدق فيها طويلاً، كأنما يبحث عن إجابة في راحة كفه. تمتم، بصوت خافت بالكاد يُسمع:
"حين رأيت يوما... لم أفهم لماذا لم يتذكرني. تبين أن من بداخله... مجرد عابر و أحمق."
تأمل سقف الغرفة، وأغمض عينيه، فعادت الذكرى... تلك التي تطارده دائمًا، ولا تموت.
صوت يوما، حادًا، صادقًا، ممتلئًا بالغضب والخوف معًا:"لن أدعك تذهب و ترمي حياتك بعيدًا... كالحمقى!"
تلك الكلمات ارتطمت به آنذاك كصفعة... واليوم، تحولت إلى ندبة لا تُشفى.
في الوقت الذي سلك فيه طريقًا خاطئًا، وفي خضم انجرافه نحو أصدقاء السوء، كان يوما... هو الشعلة التي أنارت له الطريق، المنارة التي أشارت إليه بالعودة، حين نسي من هو.
وما يجعله يهتم اليوم بـ"آلفاسانو"، ما يجعله يراقبه، ويحاول حمايته، ليس لأن آلفاسانو يهمّه شخصيًا... بل لأن داخله يسكن يوما.
أو بالأحرى، الأمل الباهت بأن يراه مجددًا.
لو كان يعلم في سن الرابعة عشرة أن تلك اللحظة ستكون الأخيرة التي يرى فيها يوما... لما تركه.
لكنه كان مجرد مراهق، طائش، مغرور... صغير بما يكفي ليظن أن الفرص لا تنفد، وأن كل من يغادر، سيعود دومًا.
لكن يوما لم يعد.
وضع راحة يده على وجهه، وكأنّه يحاول حجب كل ما مرّ بخاطره، أو ربما ليمنع دمعة لا يريد لها أن تسقط. تنهد... تنهيدة ثقيلة، خافتة، تحمل في أعماقها أكثر مما تنطق به.
طالما هو يراقب آلفاسانو... طالما هذا "العابر" يتنفس ويعيش... فلا يزال هناك أمل.
أمل، أن يرى يوما مجددًا. أن يعوّض شيئًا مما فاته. أن يسمع صوته من جديد، لا كذكرى، بل كحقيقة.
أغمض عينيه أخيرًا...وسمح لنفسه، ولو لليلة واحدة، أن ينام. أن يستسلم. أن يصدّق... أن الراحة ممكنة، ولو مؤقتًا.
..................................
في غرفة المشفى الواسعة، جلست روزا فوق سريرها، تحمل كأسًا من عصير البرتقال الطازج، تحتسيه بهدوء بينما تغمر الغرفة بصوتها وحيويتها المعتادة. كلماتها كانت تتدفق كالنهر، تتحدث دون توقف، دون خوف، أمام رجلٍ تهابه دولة بأكملها، رجلٌ صمته وحده يكفي لإثارة القشعريرة في قلب أعند الرجال.
أما هو، فكان يجلس على كرسي إلى جوارها، متكئًا بكامل جسده إلى الخلف، عاقدًا ذراعيه، يراقبها بعينين ساكنتين، لا يظهر فيهما سوى ظل تفكير عميق لا يُفصح عن نفسه.
قالت فجأة، وكأن فكرةً باغتتها:"بالمناسبة، عمّي... هل تعرف يوما؟"
التفت نحوها، وحدّق في عينيها بنظرة حادة، تحمل شيئًا لا يمكن تفسيره. لم ينطق بكلمة، فقط هزّ رأسه نافيًا، ثم أعاد عينيه إلى نقطة بعيدة في الغرفة، كأن السؤال قد لمسه في مكانٍ لا يُراد الاقتراب منه.
لكن روزا لم تصمت. بدا أن هزّة الرأس تلك قد أشعلت في ذهنها سباقًا من الاحتمالات، فأخذت تتحدث من جديد، تحلل وتخمّن وتربط الخيوط بعفويتها المعتادة. كأنها لا تدرك أنها وحدها القادرة على الحديث بهذه الحرية أمام رجلٍ تتهيب ذكر اسمه المدن.
أما هو، فلم يكن يصغي حقًا. فقد أنجز ما جاء من أجله: جعل والد سيزار يدفع الغرامة المستحقة، وقرّر أن يُسجن الابن أربعين يومًا، مع الأعمال الشاقة، عقابًا على ما اقترفه بحق ابنة أخيه. ذلك سيحدث...
حين يعود.
فسيزار الآن... مفقود. وقد اختفى في مكان لا يعود منه المرء سالمًا.
توجه نحو النافذة، وخطاه تصدر وقعًا ثقيلاً في الغرفة الساكنة. أزاح الستار ببطء، كأنّه يكشف عن وجه قديم يعرفه جيدًا، ثم نظر بعينيه الحادتين نحو المدينة التي كانت تلمع تحت ستار الليل، أضواؤها تتلألأ على امتداد الأفق كنجوم معلقة على الأرض.
لم يكن يرى فيها جمالاً، ولا حياة. كان يراها كيانًا هشًا، ينتظر أن ينهار، ينتظر لحظة انتقام حتمية.
أطال النظر، وصدره يضيق بتلك النار الكامنة التي لا تهدأ. عاجلًا أو آجلًا... ستغدو هذه المدينة غبارًا. ولن يبقى منها سوى أثر رماد في ذاكرة من نجا.
.............................
RIRI