كريستوفر هناك فتح الستائر الزرقاء وأخذ نفسًا عميقًا، ثم أغلقها وفتح عينيه مرة أخرى. رغم الجو الغائم، كان المشهد جميلاً، تحمل نسمات رائحة المطر العطرة. تمنّى لو تنهمر تلك الأمطار التي تلطّف الجو وتجعل القلب يفرح.
بينما هو غارق في تلك اللحظة، رن هاتفه فجأة، وصدر صوت والده من المكالمة. كان والده يحاول أن يقنعه بعدم الذهاب إلى ذلك العمل في المختبر، يحذرّه من سوء سمعته، ويتساءل كيف لشخص مثله، يحمل شهادة وعلم، أن يقبل بهذا المنصب؟
لكن كريستوفر كان قد حسم قراره، أغلِق الهاتف مودعًا والده، فمحاولاته كانت تسير نحو الفشل.
في نفس الوقت، يستعد كريستوفر للقاء تلميذه السابق، هاياتو هاماساكي، الطالب الذي كان من المفترض أن يتخرج بمرتبة الشرف قبل بضعة سنوات من الجامعه. هذا اللقاء لن يكون ودّيًا، خاصة أن هاياتو اليوم هو رئيسه في العمل.
تذكّر كريستوفر كيف كان الفتى ذكيًا منذ نعومة أظفاره، وتخرّج من الثانوية في السابعة عشر، ثم درس علوم الخوارق في مجال فريا، وأنجز عددًا لا يُحصى من الأبحاث. تعيّن أستاذًا في إحدى الجامعات في سن الحادية والعشرين، وكان داهية بحق.
لكن قبل فتره، ترك التدريس بسبب حادثة غير مشرفة في الجامعة، كان سببها شقيقه. وتحمل اللوم طالبه المتميز هاياتو، الذي طُرد يوم تخرّجه، رغم حصوله على مرتبة الشرف الأولى.
تبرّأت عائلته من هاياتو، وطُرد من منزله، ثم تبنّته نورثلاند لتنمية موهبته. بعدها، لم يسمع عنه أحد شيئًا.
الآن، كريستوفر يشعر بالتوتر والخوف من مواجهة تلميذه بعد هذه الحادثة المؤلمة. برفع راية الاستسلام، ومد يدَه بحقيبة الكتف البنية، خرج من مكتب والده متجهًا إلى عمله الجديد، يحمل في قلبه ثقل الماضي وأملًا غامضًا في المستقبل.
.......................
يوما كان يمشي بجانب روزا، التي ابتلعت مذياعًا يعلن عن قوة عمها الخارقة أينما ذهبت. على عكس معظم الفتيات، كان يوما معجبًا بقدرات روزا، رغم أنها أخبرته سابقًا بأنها تفقد السيطرة أحيانًا، وهذا هو السبب في قدومها إلى ليويامي لتتقوى.
روزا كانت تعرف جيدًا أنه من الأوفرسموك ولم تسخر منه كما يفعل الآخرون.تمتم يوما لنفسه: "لو قابلت روزا، قد أكون محظوظًا إلى حد ما."
لكنه سرعان ما شرد ذهنه. فجأة، بدأت أصوات صراخ وبكاء وعويل تعلو في رأسه، والضوضاء تزداد حتى حاول عزلها بوضع يديه على أذنيه.
رصدت روزا تعابير وجهه وانزعاجه، وشعرت بالقلق. المكان كان هادئًا، أو هكذا بدا في البداية. فجأة، شعر يوما بضيق في صدره.
روزا سحبته إلى الخلف بسرعة، منعت سيارًة بيضاء من دهسه.ارتدّت السيارة إلى الوراء، وفتح السائق النافذة ليكشف عن وجه زاك، أسوأ سائق في ليويامي. ابتسم زاك بتكبر وقال: "اركب، يا ولد، سنذهب في نزهة بسيطة."تبادل يوما وروزا النظرات. عبرت روزا عن قلقها له بالكلام البصري: هل تحذرني؟ أم تطلب مني أن أذهب معه؟ هل أتخذ حذري أم أغامر؟زاك عرض الأمر بطريقة عفوية، لكن الحقيقة أنه لم يترك ليوما خيارًا.
رغم أسلوبه العفوي المناسب لمنصبه كأستاذ مساعد، كان واضحًا أن رفض يوما الصعود يعني أن زاك سينزل ويسحبه من شعره ويركله داخل السيارة بلا تردد.لوّح الفتى مودعًا روزا، ثم ركب في المقعد الخلفي. كان الدهشة ترتسم على وجهه عندما رأى الأستاذ كريستوفر جالسًا في المقعد الأمامي، وملامحه تعكس حزناً وكآبة عميقة.
رغم ذلك، ظل كريستوفر صامتًا، ورأسه منخفض، كأن ثقل الذل والقهر يثقل كاهله.انطلقت السيارة، وعين روزا لم تفارقها للحظة، في قلبها تمنّت أن تكون النزهة خيرًا ليوما.
مع مرور الوقت، تلاشت السيارة من نظرها، وعمّ الصمت بين الركاب. لم يكن أحد يتحدث أو يعرف إلى أين يتجه الفتى.بدأ يوما يتساءل: ماذا يفعل الأستاذ كريستوفر هنا؟ وببطء، بدأت المباني تختفي خلفهم، ودخلوا طريقًا جبليًا قرب البحر. بدأ عرق يوما يتصبب من جبينه، يتساءل بقلق: هل ينوي زاك أن يدفنهم بعيدًا عن المدينة؟ ولماذا هو بالتحديد؟فتح زاك شفتيه ببطء، وأطلق زفيرًا جعل أنفاسه تبدو واضحة في الجو البارد.
لاحظ يوما ذلك وقال له ساخرًا: "نيه.. ما اسمك يا ولد؟"ضحك يوما محاولًا مجاراة الموقف، وأجاب بسرعة: "اسمي يوما. ما مشكلتك، أستاذ؟"نظر زاك إلى المرآة التي عكست وجه يوما وقال ساخرًا: "إذن صاحب الجسم اسمه يوما وأنت كذلك؟"شعر يوما بالذعر وحاول فتح باب السيارة للهروب، لكن الباب بقي مغلقًا. "كيف عرف؟ كيف استطاع كشف أمري؟"رد زاك ببرود: "الباب لا يُفتح من الداخل أبدًا إلا عندما أخرج المفتاح من السيارة.
استرخي، اعتبر نفسك في رحلة، أيها العابر."توقف يوما عن المحاولة، مستسلمًا، منتظرًا اللحظة التي ستتوقف فيها السيارة ليبحث عن فرصة للهرب. أما كريستوفر، فقد كان قلبه يكاد ينفجر عندما سمع كلمة "العابر". "هل هذا الفتى من العابرين؟" تساءل بقلق.
"ما الدليل الذي استند إليه زاك؟ يوما بلا قوى، من المستحيل أن يكون عابرا."وبينما هم يسيرون عبر مضيق جبلي يعلو الماء، وصلوا إلى مركز أبحاث دائري بين جبلين، تتوسطه قبة زرقاء وعلى سطحه لوح شمسي.
كان المركز محاطًا بلوحات تحذير، كاميرات مراقبة، وروبوتات نشطة.خفق قلب يوما بشدة، هل هذا هو مختبر ليويامي؟وصلوا إلى الباب، وأخرج زاك بطاقته العسكرية. عند رؤيتها، سمح لهم روبوت ضخم ذو عين واحدة بالدخول.
أوقف زاك السيارة في موقف صغير، ثم نزل هو ومن معه استعدادًا لدخول المركز.
نظر يوما إلى الباب محاطًا بحزمة من الليزر تمنع أي محاولة هروب، والأسلاك الكهربائية الملتفة تحت الأرض محمية بمعدن مضاد لقوى فريا.
وفوق المركز، كان هناك درع ضخم يحجب كل الإشارات، يمنع دخول أو خروج أي مخلوق من المكان.تمتم في نفسه: "أسحب كلامي... لا يمكنني الهروب من هذا المختبر بدون قواي."شعر بيد كريستوفر على كتفه، ينظر إليه بعينين تطمئنه كي لا يزداد رعبه. في داخله، أراد كريستوفر أن يخبره: "عليك أنت أن تقلق أيضًا... فأنت طبيب، ويتم إدخالك إلى هنا." لكنه لم يجد الكلمات المناسبة.تبع الإثنان زاك الذي كان يتقدم أمامهم، فُتح الباب أوتوماتيكيًا.
تفحص يوما المكان بعين متحفّصة، الممرات متشابهة، والكاميرات في كل زاوية، لا شيء مميز يمكنه الاعتماد عليه للهرب. الفرصة أصبحت معدومة، وحتى إن تمكن من الخروج، فلن يستطيع تجاوز الباب بدون بطاقة زاك، والتي لا يمكنه الحصول عليها إلا بهزيمة الأخير.دخلوا المصعد، وضغط زاك على الطابق -118. بدأ المصعد ينخفض بدلًا من أن يصعد.
قال يوما متسائلًا: "هل ننزل إلى الطوابق السفلية؟"فتح الباب أمامهم، وظهر كلب أبيض كثيف الشعر، يشبه الذئاب، أقدامه سوداء وعيناه حمراوان، وعلى جبينه علامة الهلال.
تعرف الكلب على زاك، لكنه حدق بهما هما الآخرين كأنه يراهما دخيلين.مسح زاك على رأس الكلب وقال بابتسامة: "ميمي هي التي أحضرتك، أليس كذلك؟" تخطى الكلب الاثنان وتبعهما دون أن يظهر أي عدوانية.توقف زاك أمام باب فولاذي ضخم، بجواره لوحة مفاتيح لكلمة مرور.
كتب بسرعة كلمة مرور طويلة مدمجة بعدة لغات، فقبل النظام الكلمة على الفور. ثم ظهر جهاز كشف لبصمة العين والإصبع من السقف، ابتسم زاك ومرر عينيه وإصبعه عليه.فتحت عدة أبواب خلف الباب الرئيسي. تساءل يوما بخوف: "لماذا هذا المكان محصن هكذا؟ هل الشخص الموجود في الداخل مهم لهذه الدرجة؟"لم يستطع أن ينكر خوفه؛ الآن يتخيل الشرير الذي يظهر في الأفلام: رجل مختوم بالسيوف، أو لوحة حجرية تتحدث، أو شيخ عجوز يتربع على عرش مظلم.
لكن المفاجأة كانت كبيرة، إذ وجد يوما وكريستوفر أن الغرفة التي دخلاها ليست كما تخيلوا، بل كانت مساحة ضخمة أشبه بمكب نفايات.
عدسة مكبرة ملقاة على الأرض، أوراق مبعثرة في كل مكان، نظارة طبية غارقة داخل فنجان قهوة قديم متروك فوق أوراق عليها بقع من القهوة.
تمتم يوما بانزعاج وقرف: "هل هذا هو مختبر البروفيسور الذي كنت أخافه؟"ود الفتى لو يلكم نفسه من شدة الإحباط.بدأ زاك يركل الأشياء بعصبية، البداية بحقيبة ثم أقلام متناثرة.
صاح: "بروفيسور... هذا أنا، أين أنت؟" وكأنه ينادي على شخص قد لا يصدق يوما أنه فعلاً بروفيسور.تمتم يوما ساخراً في نفسه: "سيدي البروفيسور، لو كنت شريرًا، فعليك أن تكون شريرًا مرتبًا.
" لمحت عين زاك رجلاً ذا شعر زهري يميل إلى الأحمر، يرتدي سماعة الرأس وينقر على الحاسوب بتركيز. قفز زاك فوق الطاولة وركل الفوضى أمام كريستوفر ويوما، وكأن ذلك سيرتب المكان.قال زاك بثقة، وهو يدفع كرسي الرجل بقدمه حتى اصطدم رأسه بشاشة الحاسوب: "بروفيسوور ها-يا-تو، لقد وصلت!"نزع الرجل السماعة والتفت للخلف، فتفاجأ يوما برؤية شاب في أواخر العشرينات أو مطلع الثلاثينات.
لم يستطع تصديق أنه بروفيسور، خصوصًا وأنه يشبه صديقته أكاني، لكن شعره كان داكنًا قليلاً، والهالات السوداء تحت عينيه واضحة جداً.
ظل الرجل يحدق بهم للحظات، ثم أطلق تنهيدة متذمرة: "ماذا تريد، زاك؟ أنت مزعج للغاية."قفز زاك ووضع قدمه على الأرض، وما أن لامست قدمه الأرض حتى ركل الفوضى جانبًا قائلاً بلهجة ساخرة: "بصراحة بروفيسور، لماذا لا تطلب من الروبوت تنظيف المكان؟ الوضع هنا مقرف لدرجة لا تسمح لأي إنسان بالعيش فيه... هل قررت أن تصبح داموتوفير؟"ابتسم الشاب الذي يبدو عليه التململ وهو يحك رأسه، ثم تنهد واتكأ على الكرسي قائلاً: "زاك، من منهما هو العابر؟ ومن هم هؤلاء بالأساس؟" بينما كان يطقطق بأصابعه المتشابكة.
اتسعت عينا كريستوفر بدهشة؛ لم يكن يتعرف على هذا الرجل كما توقع، فضغط على يده وكتم صوته، ربما ليفضل ألا يلفت انتباهه.أشار زاك بإصبعه إلى يوما ،بسخرية واضحة قال البروفيسور ويحك شعره : " هذا، ماذا نفعل به؟ خيبة أمل حقيقية.
وبالمناسبة، هل هو عابر أضيا؟" اشار بعينه إلى كربستوفر...ثم ابتسم الاخر ابتسامة ساخرة وهو يمد ذراعيه: "أستاذك السابق، كريستوفر جينسونر، وهو الآن مساعدك الجديد."
تغير تعبير وجه البروفيسور فجأة، كأنه أظهر استياءً من وجود كريستوفر، وقال بنبرة متذمرة: "تسك، هل عليّ أن أقبله في المختبر؟" أجابه زاك بهزة رأس إيجابية.
التفت يوما ليراقب كريستوفر الهادئ، متسائلاً عن علاقة هذا الرجل به، ثم صفع نفسه أمام الجميع، ما سبب ذهولهم جميعاً: "وما علاقتي؟! هل أنت مجنون؟ وصلت إلى هنا بداعي الفضول وليس لي علاقة بما بينهما."
رفع يوما رأسه ونظر أمامه .، فزع ..وجد البروفيسور واقفاً أمامه، يرمقه بنظرات حادة مخيفة، وكأنه ظهر من العدم دون أن يسمع خطواته.وبإصبعه ضرب على جبهته وقال بحدة: "أكره استجواب الأطفال، خاصة من هم في مثل سنك... اشرح لي بسرعة، إن لم تكن تريدني أن أبدأ بتشريحك. هل أنت العابر الأول؟ وإن لم تكن، فلابد أن تكون الثاني."
فقد يوما قدرته على الوقوف وجلس على الأرض ,تنهد وعض شفتاه وقال " لو تحدثت ماذا ستفعلون؟"وقف زاك بجوار البروفيسور وقال" سنساعدك لأنك مطلوب في بيراست.. يا من سرقت جسد أهم عينة، العينة رقم 152 "تنهد الفتى ...
شبك يديه و اغلق عيناه "إسمي هو آلفاسانو أتيت من خارج هذا العالم ......
من جهة آلفاسانو...
على غصن شجرة في أرض خضراء واسعة، كان صبي ذو شعر أشقر نائمًا بكسل. بدا يشبه يوما إلى حد يجعلك تظنه توأمه.فجأة، سمع صوتًا مزعجًا: "أخي، ماذا تفعل هناك؟ انزل!" فتح عينيه بملل، وقال في نفسه: "ما الذي تريده هذه المزعجة؟ لقد كانت تفسد عليّ لحظات غفوتي في هذا العالم الممل، السعيد للغاية والخالي من أي كآبة."
رفع جسده ببطء ونظر إليها، كانت شابة أكبر منه قليلاً، شعرها أشقر قصير يصل إلى كتفيها، وعيناها خضراوان تتلألآن. كانت ترتدي قميصًا أبيض مزين بالدانتيل عند أطراف الأكمام، وتنورة حمراء طويلة، جمالها كأنه وردة نادرة وسط هذا البستان.
قالت بابتسامة لطيفة وعناد في نظرتها: "انزل من تلك الشجرة يا مشاغب... أمي تريدك."ظل يراقبها ساكنًا، دون أن يردّ عليها.رفعت الفتاة تنورتها قليلاً وركلت الشجرة بكل قوتها، فبدأ الغصن يهتز بشكل مقلق.
حاول الصبي التمسك بالغصن : "أوه، ماذا تفعلين؟ سأسق..." قبل أن يكمل، جاءت ركلة ثانية أقوى من الفتاة فسقط الصبي على الأرض.أغلق عينيه متوقعًا الألم، لكنه لم يشعر بأي شيء.
فتح عينيه متعجبًا...
وجد أخته ممسكتا بطرف قميصه كما لو كان قطًا صغيرًا، ركلته على مؤخرته بقوة قذفته إلى وسط البستان. ضحكت عليه بمرح، وهو أقسم في نفسه أن ينتقم منها يومًا ما.
نهض من الأرض وبدأ يمسح التراب الذي غطى أنفه قائلاً بتذمر: "دائمًا عندما أحاول أن أتصرف بشكل راقٍ، تظهرين أنتِ." وقفت الفتاة أمامه بثقة وقالت: "لو كان أخي يتصرف كبشر وليس كحيوان، لكنت عاملته بشكل أفضل." ثم أخرجت منديلًا ومسحت التراب عن أنفه بابتسامة دافئة.
رافقها إلى المنزل، والطريق كان جميلاً للغاية، كأن الأرض لم تعرف ويلات الحرب قط.
كان صوت خرير الماء يعزف موسيقى خفية تزين مسيرتهما، حتى وصلا إلى المدينة التي يعبرها نهر في منتصفها. المباني بسيطة وجميلة، خالية من أي علامات تطور حديث.
الأطفال يركضون بمرح، والعربات تحلق يمينًا ويسارًا، والقصور الضخمة تطل عليهم بفخامة.
كان السكان يلوحون لهم بحرارة، وأخته الكبرى ترد التحية بابتسامة صادقة. فجأة، سد طريقهم رجل قصير القامة، أصلع الرأس، وقال بتحية رسمية: "آنسة أليسيا، كيف حالك؟" أجابت بوجه مشرق: "بخير، وأنت يا سيدي العمدة؟" أخرج العمدة منديلًا ومسح العرق عن جبينه، ثم قال بصوت جاد: "آنسة، هناك شيطان عند حدود الغابة يبحث عنه أفراد الهيرون والفرسان، كونوا حذرين في طريق عودتكم.
أيضًا نشاط قطاع الطرق يزداد في الفترة الأخيرة."بدأت أليسيا تسأل العمدة عن مواصفات هذا الشيطان، لكن الفتى لم يكن يهتم كثيرًا، فقد كانت هذه آخر همومه.
فجأة، لفت انتباهه امرأة ترتدي سترة سوداء، ميزها ندبة بارزة تمتد من جبهة وجهها نزولًا إلى فمها، وكانت عيناها ثابتتين عليه بتحدٍ وصمت.الشخص العادي في مثل هذه المواقف كان سيشعر بالخوف أو يخبر أخته الكبرى عن ذلك الشخص الغريب، لكن هذا الأحمق كان مشغولًا في التفكير بتقنيات لمواجهتها.
تفكيره قُطع حين نادته أخته قاطعة حبل أفكاره بـ"فهمت".سار الاثنان جنبًا إلى جنب حتى تجاوزا المدينة، ووصلوا إلى قصر عملاق ذهبي اللون. عند المدخل، ألقى الحارس عليهما التحية بأدب.
دخل آلفاسانو وأخته القصر، الذي كان أنيقًا وفخمًا، تحفه الذهبية تزين كل زاوية. أمام المدخل، توقف آلفاسانو أمام لوحة ضخمة تزين الجدار، تُظهره مع والديه وأخته وشاب آخر يبدو أنه أخوه.
ظل يحدق باللوحة حتى سمع صوت أخته تناديه، فتابعها ودخل غرفة المعيشة حيث جلست والدته على أريكة تمسح برقة على رأس قطتها البيضاء ذات الفراء الكثيف. على الرغم من علامات التقدم في العمر التي بدت واضحة على وجهها، إلا أنها لا تزال تحتفظ بجمالها اللافت.
عند رؤيتها له، قال آلفاسانو مدافعًا: "أنا ما لي دخل، هم الذين هربوا أولًا... أنا فقط خرجت أتجول."
نهضت والدته على الفور وضربت جبهته بإصبعها، وكانت الضربة مؤلمة حتى تحمرت وجنتاه وظهرت دائرة بنفسجية صغيرة في مكان الضربة.
بنبرة حازمة وقوية قالت: "إذا كان الجميع يقفزون إلى الجحيم، هل ستقفز معهم؟ لماذا هربت من الأكاديمية مع أولئك الطائشين؟ ألا تستطيع أن تكون منضبطًا ولو قليلاً مثل أخيك؟"
عضّ الفتى شفتيه بقوة وهو يرد بنبرة متوترة: "لماذا عليّ أن أدرس؟ أنا ابن الدوق الأصغر، ولن أكون الخليفة. لن أصبح مهندسًا أو طبيبًا أو مستخدمًا لقوة فريا أو فارسًا.
الأرض هنا آمنة منذ 190 قرنًا بفضل وجود أخي ووالدي. أختي قوية لدرجة أنها تستطيع علاج الإصابات الخطيرة، ووالدي دوق قوي يتحكم في فريا كما يشاء. هذا المكان ممل وآمن، ولا شيء يدفعني للذهاب إلى الأكاديمية سوى مواجهة وجه رجل عجوز ذو أنف بارز. وقد قضيت عشرين سنة في منزل خالتي بالريف، وعدت فقط لبداية الأكاديمية ثم أعود مرة أخرى، وهذا ممل حقًا، لقد اكتفيت من هذا المكان.".
صاح بهذه الكلمات دفعة واحدة، مُحدثًا صدمة لوالدته. غضبت بشدة وصفعته على خده أمام أخته التي كانت تراقب المشهد ببرود، كما لو أن ما يحدث أمر معتاد. قالت له بحزم: "الآخرون يموتون في الحروب، وأنت تتمنى أن يذهب السلام؟ هل تريد أن تعيش في خوف وقلق فقط لأنك تشعر بالملل؟ هل ستكرر هذه الرواية إلى الأبد؟"
ثم ركض الفتى خارج الغرفة، متجهًا إلى غرفته في الطابق الثاني، غارقًا في غضبه وملله.
أختُه الكبرى نظرت إلى والدتهما، التي كانت تمسح دموعها المتدفقة ببطء من عينيها، وبصوتٍ مُنهكٍ من اليأس قالت:
"سيصل قريبًا إلى عمر 1700، والده عندما كان في مثل عمره كان شابًا قويًا، جذابًا، ومجتهدًا، متربعًا على قمة الأكاديمية. أما هو، ولو اجتهد قليلًا، فقد يصبح ما قبل الاخير في صفه... يا حسرتاه على جيناتك، إدوارد. أسرعي وألحق بهذا الأحمق، أليسيا."
غادرت الفتاة الغرفة بهدوء، تاركة والدتها جالسة على الأريكة، تسكب لنفسها فنجان قهوة آخر. جلست والدتها تتنهد ببطء، وكأن ثقل الأيام يثقل كاهلها أكثر مع كل رشفة.
في تلك الأثناء، رفس الفتى باب غرفته بقوة وأغلقه بالمفتاح، صارخًا: "أمي! أكرهك، وأكره أخي، وأنا لست أبي ولا أختي، اتركيـني وشأني!"كان صوته عالياً لدرجة جعلت الطيور تفرّ من فوق أغصان الشجرة المقابلة لنافذته.
ابتعدت والدته عن فنجان القهوة، وابتسمت بابتسامة قاسية، ثم ردّت بصوت عالٍ مماثل:"تعفن في غرفتك يا صغير، واذرف دموعك، لا أبالي... إما أن تعقل، أو سأضرب مؤخرتك بحذائي الجديد!"
فوق الدرج، كانت الأخت الكبرى ممسكة بأذنها، تحاول حجب ذلك الضجيج عن نفسها، وتتمتم بمرح مرهق: "هيهي... أبي عاد إلى المنزل، وزوجتك وابنك سيقلبان القصر!"كانت تدعو بصمت أن يمر اليوم بسلام، لكن يبدو أن اليوم قرر أن يكون عكس كل أمنياتها.
ألفاسانو، فكان فوق سريره يتقلب هنا وهناك، ثم نهض وابتعد نحو النافذة، حيث اتخذ قرارًا سيغير مسار حياته، للأسف نحو الأسوأ.
فتح النافذة وقفز منها نحو فناء القصر، هابطًا على قدميه برشاقة، كأنه معتاد على الهروب.توجه إلى باب قديم وعتيق وأنيق يستخدمه الخدم، وخرج منه هاربًا نحو القصر المجاور لقصرهم.
.........
صبي بشعر بني مبعثر وعينين سوداوتين تثائب، ربطة عنقه ليست مكانها المعتاد حول رقبته، بل مربوطة بإحكام فوق رأسه، نائم على الأرض وقدماه متقاطعتان.
دخل ألفاسانو إلى الغرفة عبر النافذة، وعندما رأى الزائر، ابتسم بسخرية: "نيه، سانو هربت من البيت مرة أخرى؟ هل هي أختك أم والدتك هذه المرة؟"
أجاب صديقه بتذمر: "مزعجتان جداً، لا أحب أي واحدة منهما." جلس بجانب ألفاسانو، وعدل وضعية نومه، ومرر يده على خده قائلاً: "لقد وجدت كتاباً مثيراً في غرفة أبي، تريد نطلع عليه معاً؟"
لم يظهر ألفاسانو أي حماس، بل نظر لصديقه بضيق وقال: "ما الفائدة من قراءة كتاب؟ هل تريدني أن أصبح معلماً مثلك، روف؟"
ابتسم روف متوقعاً هذا الرد، ثم نهض وسحب ربطة العنق، فعادت خصلات شعر ألفاسانو إلى حالتها الطبيعية عند تحررها.
قال روف بحماس: "سانو، هل تعتقد أنني سأريك كتاباً مملاً؟ لا، لقد وجدت فيه مغامرة حقيقية، وإلا لما سرقته."
لمعت عينا ألفاسانو بسعادة: "أرني إياه بسرعة!" وقفز فرحاً كقرد، بينما توجه روف إلى سريره وأخرج الكتاب المنتظر من تحت السرير.
كان الكتاب ضخماً وثقيلاً، بغلاف أزرق منقوش بنقوش ذهبية قديمة، ورسم مزخرف لطائر العنقاء الأحمر في وسطه. في أرضهم، كان طائر العنقاء رمز الخلود وطول العمر، وهو ما يميز شعب آلفاسانو.
"واو.. يبدو مذهلاً!" احمرت وجنتا آلفاسانو بحماس وهو يلمس الغلاف. بلهفة فتح الصفحات مع صديقه الأخرق، لكنهما تفاجآ بأن الصفحة الأولى فارغة، لا تحتوي سوى على عنوان مكتوب بخط مزخرف: (تبادل الروح).
وقفا للحظة ينظران لبعضهما بدهشة، وكأن شيئاً غير مرئي يحيط بالكلمات، ينتظران ما سيكشفه هذا الكتاب الغامض.
[يوجد في العالم غيرك يا من تقرأ هذا الكتاب أربعون شخصا يشبهك كما لو أنه أنت ، لكنه ليس بمثل حالك ...قد تعيش بأمان مع عائلتك لكنه يعيش بحرب و بلا عائلة ربما والعكس صحيح. بقرائتك لهذا الكتاب أنت تريد أن تأخذ مكانه لكن بثمن صح ؟ ].
قال ألفاسانو بفضول، وهو يحدق في صديقه الأشقر: "هل هذا صحيح يا روف؟"رد عليه روف بنظرة غير مكترثة: "وما أدري."
ثم أضاف ألفاسانو بنبرة حازمة: "على أي حال، سانو، أوشكت الشمس أن تغرب. عد الآن إلى المنزل قبل أن تكتشف والدتك هروبك. نكمل القراءة لاحقًا."
أغلق الاشقر الكتاب ونهض متجهًا إلى النافذة، استعد للقفز لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة. التفت إلى روف وقال: "أنت سرقته من غرفة أبيك، أليس كذلك؟"
هز روف رأسه موافقًا. تابع الاشقر : "هل يمكنني أخذه؟ سيعود والدك من عمله قريبًا، وسيكون الأمر مشكلة إذا عثر عليه في غرفتك. بدلًا من ذلك، دعنا نجعل الأمر يبدو كسرقة، أليس هذا أكثر إثارة؟"
ابتسم روف ابتسامة خبيثة، وعلّق بحماس: "سانو، أنت عبقري!" قفز ألفاسانو من النافذة، وأشار إلى صديقه أن يرمي له الكتاب، لكنه لم يقفز معه بسبب ثقل حجمه.
رمى روف الكتاب نحو ألفاسانو، الذي أمسكه بسرعة كاد أن يسقطه بسبب وزنه الثقيل، لكن عزيمته كانت أقوى.
خرج ألفاسانو من الباب الخلفي لمنزل روف، غير مدرك أنه تحت مراقبة خادمة تقف بين الأشجار، التي رأت كل شيء بصمت.
.....................
كانت والدة آلفاسانو تسير بهدوء في الممر، حتى وصلت إلى باب غرفة ابنها. طرقت الباب برفق، حاملةً كعكة صغيرة كعلامة سلامٍ بينهما. وضعت يدها على المقبض وفتحت الباب، لكنها لم تجده داخل الغرفة. همست لنفسها: "حسنًا، هرب إلى بيت روف، سأنتظره هناك."
دخلت الغرفة، ووضعت الكعكة على الطاولة. سحبت الكرسي من أمام النافذة المفتوحة وجلست عليها بشوق، تنتظر صغيرها ليعود ويصلح العلاقة بينهما.
كانت الشمس قد غابت، وتحولت السماء إلى لون أرجواني غامق، وفوق إحدى الأشجار، كانت بومة تراقب ألفاسانو بنظرة ثابتة وحادة.
كان ألفاسانو يسير ببطء، يقطع المسافة بين قصر عائلته وقصر صديقه، مسافة قصيرة تدخل الغابة من خلالها. عادةً ما كان يصل خلال ثوانٍ عبر استخدام قواه في العبث بالزمن، لكن عندما حاول هذه المرة، بدأت صفحات الكتاب تتمزق، فاختار المشي بهدوء ليصل بأمان.
تمتم لنفسه بنبرة طفولية: "أوه، إنها أول مرة أمشي فيها وحدي في الظلام."لكن بين الحشائش، كان هناك كائن غامض يراقبه بصمت.
الفتى الأحمق كان سعيدًا وفخورًا بنفسه لأنه سرق كتابًا من غرفة قائد قوات جيوش وطنه، ويخطر بباله المغامرة التي قد يخوضها بفضل هذا الكتاب.
فجأة تلقى ضربة قوية على خده، فأصابه وارتطم بعدة أشجار تحطمت تحت قوة الضربة.
الكتاب كان على يساره، قريبًا منه، وأخذ الاشقر نفسًا عميقًا. ظهرت في عينه الذهبية ساعة بأرقام رومانية، أضاءت المكان وكشفت عن هوية المهاجم.
كان وحشًا جاحظ العينين، لا يبدو غبيًا بل ذكياً، يحمل جاروفًا ملطخًا بالدماء. قرناه فوق رأسه مغطى بالدماء، وله جناح خلف ظهره بلون أحمر قاتم..
.
تذكّر ألفاسانو كلمات عمدة القرية ذلك الصباح."هل هذا هو الشيطان الذي يبحث عنه الفرسان؟" سأل نفسه، وهو يحدق بذلك الكائن المريع.
بسرعة، كوَّن في كفّه كرة ضوء صغيرة ورماها باتجاهه، لكنها بالكاد أثّرت فيه، وكأنها دغدغة لا أكثر."لماذا هي ضعيفة؟" تساءل بقلق، وترددت في ذهنه عبارة والدته:"لو أنك تدربت بدل التذمر، لما كنت بهذا الضعف."بدأ يندم... قليلًا.
الظلام ازداد حلكة، والوحش يقترب، يسير نحوه بخطى متثاقلة، لعابه يسيل من فمه القذر الملطخ بالدماء.ألفاسانو لم يكن مستعدًا للموت. هو أراد مغامرة... لا خاتمة مأساوية.
وبينما كان يلهث شهقات متسارعة، منتظرًا نهايته، ظهرت من خلفه فجأة تلك المرأة صاحبة الندبة—التي رآها في القرية.
بمنجل لامع، اندفعت وقطعت أطراف الوحش ببراعة مذهلة، لكنه لم يمت، بل أعاد تشكيل جسده في لحظات.ومع ذلك، لم تتراجع. مدّ الوحش يده وخدش وجهها، لكنها قفزت عاليًا متجنبة الضربة.
حلّقت في الهواء أمام ضوء القمر، شعرها الأحمر يتطاير، وبمنجلها المغلف بالنار شطرت الوحش إلى نصفين، تمزق جسده إلى شريحتين متساويتين.
"مذهلة... من تكون؟" تمتم ألفاسانو، مذهولًا.
هبطت على الأرض بخفة، واتجهت نحوه بخطوات هادئة. أبعدت خصلة شعر عن وجهها المشوه بندبة واضحة، وقالت ببرود:
"خرجتَ من الجحيم، لتسقط في الأسر، عزيزي ابن الدوق."
وبمجرد أن أنهت كلامها، بدأت مجموعة من الرجال تظهر من بين الأشجار.خلعت المرأة معطفها، ليظهر وشم قطاع الطرق محفورًا على كتفها.
تقدم رجل بلحية كثيفة وابتسامة ماكرة، تبدو عليه ملامح زير النساء. ضحك بخبث:"كم يا تُرى سيدفع الدوق ليستعيد ابنه الصغير؟ هـه؟"
حاول الاشقر النهوض، لكن ساقه كانت تؤلمه بشدة—ضربة الوحش لم تكن رحيمة. لم يكن بوسعه الركض ولا حتى المقاومة.
اقترب الرجل وسحبه كدمية مكسورة، ثم قيده بحبل خشن.
لم يُبدِ مقاومة. هو يعلم... أنه لا يملك شيئًا يقاتل به. في تلك اللحظة، شعر لأول مرة بطعم الندم الحقيقي. ها هو الآن، يدفع ثمن عناده، وثمن تجاهله لتحذيرات والدته... وثمن رغبته في مغامرة.
.....
في قصر عائلة روف ..
رجل ضخم البنية، أسمر البشرة، له لحية كثة، وكان يرتدي درع فارس داكن اللون، يصرخ ويزمجر في أرجاء القصر. هالته كانت مدمّرة إلى حد أن الخدم وسكان القصر أصيبوا بالذعر، حتى الجدران بدت وكأنها ترتجف من شدّة غضبه.
والد روف قد عاد.
قلب المنزل رأسًا على عقب، يبحث بجنون عن شيء واحد فقط: الكتاب.
في الزاوية، كان روف واقفًا خلف امرأة ذات ملامح مرهقة—والدته، التي كانت تحاول تهدئة زوجها بكل وسيلة ممكنة. توسلت، رفعت صوتها، خفضته، لم يجدِ شيء. الرجل كان بركانًا يتأهب للانفجار.
أما روف، فكان مستمتعًا بالمشهد. لم يبدُ عليه أي خوف، بل كادت ضحكته تفضحه. زمّ شفتيه محاولًا كتمها، وهمس في نفسه:
"سانو، أحبك حقًا... لقد فتشوا غرفتي ولم يعثروا على شيء، كما توقعت."
لكن فرحته لم تدم.
من بين الحضور، تقدّمت خادمة شابة بانحناءة خفيفة وقالت بصوت مهذب:
"يا سيدي، هل تأذن لي بالكلام؟"
ساد الصمت فجأة. نجحت كلماتها في كبح جماح العاصفة، ولو مؤقتًا. أشار لها بيده، فأكملت وقد رفعت رأسها بثقة:
"اسمي سالي، يا سيدي. أنقذتني وعائلتي قبل سبع سنوات من الطوفان... لا يمكنني الكذب على من أنقذني. وإن كنت مخطئة، فأنا مستعدة لتحمّل أي عقوبة تراها مناسبة."
تلاشت ملامح المرح من وجه روف، وبدأ يشعر بقدوم كارثة.
صرخ الوالد بانفعال: "تحدثي الآن!"
ارتجف الخدم، لكن سالي ظلت واقفة بثبات. قالت: "كنت اليوم أعتني بالحديقة، ورأيت ابن الدوق الأصغر يقفز من نافذة السيد الصغير. الأمر ليس غريبًا، فهو يفعل ذلك دائمًا، لكن... المختلف هذه المرة أن سيدي الصغير ألقى إليه شيئًا... كان كتابًا."
في تلك اللحظة، انفجر الغضب داخل والد روف. عيناه اشتعلتا كجمرة. استدار نحو ابنه، وصفعه صفعة هائلة ارتطم على إثرها رأسه بالجدار، وبدأ خده ينزف من شدّة الضربة.
صرخ بصوت مزمجر:
"يا حثالة الحثالة... أين الكتاب؟!!"
مد يده، قبض على ياقة روف وسحبه بعنف نحو الخارج، كاد يخنقه. لولا تدخّل والدته، ومعها فارسان من الحرس، لكان سحَقه على الأرض.
..........
في قصر عائلة ألفاسانو، فتحت أليسا باب غرفة شقيقها الأصغر، ذاك الذي أشعل حربًا أهلية صغيرة قبل ساعات بينه وبين والدته. دخلت الغرفة بخطوات بطيئة، وعيناها تجولان بتردد. لحظة استيعاب بطيئة مرت... الكرسي أمام النافذة كان مشغولًا—لكن ليس بألفاسانو.
بل بوالدتها.
جلست هناك، تحمل على حجرها طبق كعك، وعيناها تحدّقان في الخارج بصمت مشوب بالانتظار.
ترددت أليسا قليلًا قبل أن تسأل: "أمّاه... ماذا تفعلين هنا؟"
لم تلتفت الأم، لم تمنحها حتى لمحة وجه، فقط قالت بصوت هادئ وكأنه يخفي زوبعة تحته: "أنتظر أخاكِ... الهارب من سجنه هذا."
قبل أن تتمكن أليسا من الرد، دوّى في القصر صوت خطوات مسرعة، خطى ثقيلة لكنها متوترة، وكأنها تحمل نبأً لا يُحتمل.
استدارت أليسا بسرعة لترى كبير الخدم، وجهه شاحب، يتنفس بصعوبة. في يده كانت هناك رسالة مختومة.
مرّ بجوارها دون أن ينبس بكلمة، ركض مباشرة نحو السيدة الجالسة.
ناولها الرسالة.
ما إن قرأت السطر الأول حتى صرخت:"وَلَدِييييييييييي!"
صرخة قلبٍ انكسر. سقطت على ركبتيها، والدموع تنهال من عينيها كالسيل. الكعكة ارتطمت بالأرض، والهواء في الغرفة تجمّد.
_____///❀❀///______
مرحبا لنتحدث قليلا أيها القارئ..✉
ما رأيك في وقت الفراغ ؟ هل هو جيد ؟ ككاتبة أحاول أن أعكس صورة بسيطه عن طريق ألفاسانو لما حدث لي بسبب وقت الفراغ ، الوحدة الموحشة والرغبة بأن أصبح شخصا محبوبا ، هل تجد أنه من الأسباب التي أدت إلى ضياعه هي وقت الفراغ؟
وماذا عنك هل حدث لك شيء مشابه ؟ هل تراني مخطئه؟
(سبحان الله و بحمده سبحان الله العظيم)
RIRI