الفصل التاسع : حكاية آلفاسانو

الفصل التاسع : حكاية آلفاسانو

17 0

عند بوابة قصر عائلة "الفاسانو"، وقف والد "روف" وإبنه إلى جواره. كانت نظرات الفتى متجهة نحو الأرض، بينما الكراهية تزداد في صدره؛ لم يكن يحب والده من قبل، لكنه الآن يكرهه أكثر من أي وقت مضى، خاصة بعد تلك الضربة التي تلقاها منه.

قادهم الخادم إلى غرفة الضيوف، حيث فوجئ كلٌّ من الأب والابن بمشهد لم يتوقعاه؛ والدة "الفاسانو" كانت تبكي بحرقة، وكبير الخدم يحاول تهدئتها، بينما ابنتها جاثية على ركبتيها، ممسكة بيد أمها، تُقسم لها بصوت يائس بأنها ستجد حلاً للمشكلة.

"يا ويلي! سيقتلني هذا الولد! سيفتك بكبدي، يا ربّاه! ماذا أكلتَ حتى تُصاب بكل هذا النشاط؟! عد فقط، وسأسلخ جلدك بالخيزران، أيها الأحمق، التافه... فقط عد سالمًا!"كانت الأم تقول ذلك وهي تغالب دموعها، بين توتر وقلق وغضب مختلطين.

شعر والد "روف" أن توقيت مجيئه لم يكن في محله، لكن الأمر لا يحتمل التأجيل. تنحنح قليلًا، وتقدم نحوها متجنبًا النظر المباشر، ثم قال بصوت منخفض:

"سيدتي... أعذريني على قدومي في هذا الوقت الحرج، لكن الأمر عاجل. ابنكِ الأصغر... سرق كتاب التجسيد. يجب أن أستعيده فورًا قبل أن يتسبب في كارثة."

شهقت الأم شهقةً عالية إثر وقع الخبر، ووضعت يدها على صدرها، ثم جرت دمعة أخرى من عينيها، تنضم إلى ما سبقها، وقالت بحرقة:"الآن أصبح ولدي مجرمًا؟! أُخخخ... جلطة! جلطة أصابتني الآن!"وعادت إلى البكاء بصوت أعلى.

انشغل الجميع بمحاولة تهدئتها، في حين أن والد "روف" كان ينظر من حوله بقلق، متوترًا من احتمال وقوع كارثة بسبب هذا الكتاب، وكل ما يفكر فيه الآن هو استعادته في أسرع وقت ممكن... ثم العودة إلى منزله، ليُلقِّن ابنه درسًا لن ينساه.

دخل القاعة مسرعًا شاب أشقر طويل القامة، بعينين حمراوين وزيٍّ عسكري يدل على انتمائه لفرسان المملكة. بدا عليه التعب الشديد، وقد غطى وجهه بعض الغبار والخدوش، حتى إن ملامحه كانت تحكي قصة معاناة مريرة.

قال بصوت قلق وهو يتقدم:"أمي... كيف تم اختطاف الفاسانو؟!"

صاح روف في ذهول:"ماذا؟! لكن سانو كان معي قبل غروب الشمس!"

أما الأم، فلم تجب، واكتفت بمتابعة بكائها، في مشهد يائس زاد من سوء التوتر. فهم الأخ الأكبر أن الأمر خرج عن السيطرة، فاتجه إلى شقيقته "أليسيا" ليفهم منها التفاصيل.

بعد دقائق من الاستماع لما روته، وضع الشاب يده على ذقنه، وأعاد ترتيب الأحداث بصوت مسموع:"أنتِ تقولين إنه تشاجر مع والدتنا، ثم غادر المنزل، وقابل روف، وبعد مغادرته منزل روف تم اختطافه. ثم وصلَتكم رسالة تطالب بفدية، مرفقة ببقعة دم، وبعد فحصها من قِبل مختبرات الهيرون، تأكد أنها تعود لسانو؟"

ساد صمت ثقيل للحظة، قبل أن تقول "أليسيا" بنبرة حاسمة:"إن كان قد اختُطف بعد مغادرته منزل روف، فلا بد أن نجد له أثرًا في الغابة!"

اعترض والد "روف" على قولها قائلًا:"ولِمَ تعتقدين أنه اختُطف في الغابة تحديدًا؟ ماذا لو كان في الطريق العام؟"

أجاب الشاب الأشقر بثقة وهو يزفر تنهيدة متعبة:"في الواقع، أخي الصغير كان يُفضل استخدام طريق الغابة، رغم خطورته... كان يرى أنه أسرع وأكثر هدوءًا."

ثم أضاف بصوت منخفض:

"والدي سيتأخر في العودة... لا وقت للانتظار. علينا التحرك فورًا. قُطّاع الطرق لا يوفون بوعودهم، ولا يُعرف عنهم إلا الغدر."

عندها، انطلقت فرقة صغيرة مكونة من والد "روف"، و"أليسيا"، و"رافائيل" — شقيق الفاسانو الأكبر — وعدد من جنود الأسرة، متوجهين نحو الغابة، بحثًا عن الفتى الذي جلب معهم المصيبة.

أما "روف"، فقد بقي في القصر، إلى جانب والدة "الفاسانو"، يحاول مواساتها ما استطاع. لكنها لم تتوقف عن شتم حظها، وشتم ولدها، ولم تنسَ أن تُحمّله جزءًا من اللوم، حتى إنها بين الحين والآخر كانت تضربه على رأسه وهي تبكي بحرقة لا تهدأ.

..........

كانت يد "ألفاسانو" مقيّدة بسلسلة حديدية متصلة بجدارٍ صخري عبر مسمار غليظ، في غرفة معتمة بالكاد يُرى فيها موضع القدم. جلس هناك، وحيدًا، ينتظر النجدة التي قد تأتي... أو لا تأتي.

علامات الندم ارتسمت على وجهه بوضوح. تمنى في قرارة نفسه لو أنه لم يهرب من المنزل، لو أنه استمع إلى نصيحة والدته، وتعلم التحكم بقواه، لَما انتهى به الحال في هذا الموقف البائس.

تمتم في نفسه، بصوت خافت متحشرج:"لو أنني فقط أخبرت أليسيا أن هناك من يراقبني... ربما لتغير كل شيء. ليتني قلت لها."

قبض على يده بضعف، ثم شدها بقوة ونهض من الأرض معتدلًا، ووجه نظره نحو نافذة صغيرة عالية، بالكاد تسمح بمرور الضوء. كان ضوء القمر قد تسلل منها كالخيوط الفضية، لينير جزءًا بسيطًا من الغرفة ويكشف عن حقيقتها. لم تكن غرفة عادية... بل كهف أُعِدّ بعناية ليكون سجنًا.

شعّ بصيص أمل في قلبه، تذكّر أن الخاطفين الآن منشغلون في الاحتفال، وقد تركوه هناك لأنهم يعلمون أنه فاشل في استخدام قواه. لكن ما لا يعلمونه، هو أنه قرر أخيرًا كسر هذا الوصف عنه.

أغمض عينيه، وسرعان ما ظهرت حوله هالة ذهبية خافتة، راحت تتسع شيئًا فشيئًا حتى أضاءت زوايا الغرفة المظلمة. بدأت السلسلة التي تقيده تهتز من تلقاء نفسها، قبل أن تنفك ببطء، وتنزلق عن يده، ثم تتفتت وتتحول إلى كتلة حجرية خام، وكأنها عادت إلى أصلها الأول.

فتح "ألفاسانو" عينيه ببطء، لتظهر بداخلها مشهدٌ لم يكن بشريًا بأي حال سيصل له. كانت قزحية عينيه تُشبه سائل الذهب، يدور حولها إطار من الأرقام الرومانية، ومن منتصف قرنيته خرجت عقارب ساعة، تتحرك بثبات من اليمين إلى اليسار، وكأن الزمن بداخل عينيه يتحرك وفقًا لإرادته.

مدّ يده نحو الجدار، وما إن لمسه حتى بدأ يتفكك... من حجر إلى طين، ثم إلى تراب، حتى انهار تمامًا دون أن يصدر أي صوت، كاشفًا مخرجًا ضيقًا يطل على الغابة.

خرج "ألفاسانو" من الأسر، مستغلًا اللحظة، وقد قرر أن لا يكون ضحية بعد الآن.

اختفت الهالة من حوله، وشد قبضته بقوة، منتشيًا بما فعله، مستشعرًا لذة قدراته الجديدة. قال مبتسمًا في داخله، وقد أضاءت ملامحه نشوة النصر:"أقسم أنني سأصبح ملك الملوك يومًا ما! هاهاها!"

حاول قدر الإمكان أن لا يصدر صوتًا، وانطلق كالأرنب بين الأشجار، يختفي وسط ظلال الغابة المظلمة، يتنفس بحرارة، لكنه لا يتوقف.الهرب نصر أيضًا... حين يكون محسوبًا.

في الجهة الأخرى، كانت تلك المرأة التي ساعدت في أسر "سانو" ترقص بمرح وهي ثملة، تضحك بصوت عالٍ، وقد التف حولها بقية أفراد العصابة، يشربون ويحتفلون كما لو أن العالم قد وضع بين أيديهم.

في الحقيقة، لقد تغيّر العالم بالفعل بالنسبة لهم... لكنهم لم يدركوا بعد أن التغيير ليس دائمًا في صالحهم.اقتحم المكان فجأة رجل غريب، مهيب الهيئة.

كان ذا بشرة سمراء، وعلى إحدى عينيه ندبة بارزة، لا يرى إلا بعينٍ واحدة، وشعره البني الطويل يتدلى حتى كتفيه.على ظهره كان يحمل سيفًا ضخمًا، أشبه بما يُحمل في الأساطير لا في واقع البشر.

صرخ فيهم بصوت خشن:"ما الذي تفعلونه بحق السماء، أيها الحمقى؟! بأي شجاعة تتفاخرون وأنتم تهددون دوق البلاد بطفل أحمق؟ يا لكم من خيبة!"

ساد التوتر المكان، وتوقفت الضحكات دفعة واحدة.تقدمت المرأة نحوه بخفة، تحاول أن تبدو واثقة، وبنبرة مغازلة قالت:"هششش، ما خطبك، يا ستيف؟ نحن قطاع طرق، عن أي أخلاق تتحدث؟"

لكن "ستيف" لم يكن من أولئك الذين يُسحرون بكلمة أو نظرة.بقبضة واحدة، أمسك شعرها وجذبها بعنف، حتى صرخت وهي تحاول التملص.

ارتجف البقية في أماكنهم، لم يجرؤ أحدهم على الاقتراب.قال بنبرة باردة، لكنها تحمل شرارة غضب لا تُخطئها الأذن:"بوسعي أن أقتلكم جميعًا إن أردت. كلّكم، هنا، والآن."

ثم سكت لحظة... وبدت على وجهه نظرة غريبة، عينيه شردت نحو الفراغ، وكأن شيئًا ما قد ارتسم في ذاكرته.

صورة وجهٍ ما... رجل ذو ملامح لا تتكرر، طيف من الماضي عاد فجأة ليحتل الحاضر.

ارتخت يده عن شعر المرأة، وتراجع خطوة إلى الوراء، وهو يتمتم بصوت خافت:"ذلك الوجه... ما زلت أراه..."

صورة الرجل تلك لم تكن مجرّد ذكرى في ذهن "ستيف"، بل كانت جرحًا لم يندمل... أو ربما وعدًا لم يُوفَ. كان ذاك الرجل، صاحب الشعر البنفسجي المتدرج، يشبه لوحة صامتة تتحدث بالصمت أكثر مما تُقاله الكلمات.

كانت الصور التي تمر أمام عيني "ستيف" مشبعة بالتفاصيل:

رجل يجلس على طاولةٍ من خشب داكن، في قاعةٍ يملؤها السكون، لا يعكّره سوى صوت المطر.

وجهه ذو الملامح الحادة لا يخلو من التعب، لكن عينيه، رغم الشرود، تتوهج بشيء أعمق من الحزن... شيء أقرب إلى الأسرار المدفونة.

شعره البنفسجي، يتدرج عند الأطراف إلى لون أفتح، وكأن الظلال والنور اتفقا أن يسكنا فيه معًا.

وقميصه الأبيض، رغم بساطته، لا يقل فخامة عن أي درع يرتديه الملوك، كأنه لا يحتاج إلى الزينة ليُظهر علو شأنه.

القرط اللامع في أذنه اليسرى، كان تفصيلًا صغيرًا... لكنه كافٍ ليقول أن هذا الرجل لا يتبع القواعد، بل يصنعها.

وللحظة، عاد "ستيف" إلى واقعه، عيناه لا تزالان مشدوهتين، ويده التي كانت تشد شعر المرأة قد ارتخت بالكامل.

قال بصوتٍ متهدّج، لا يخاطب أحدًا بعينه:"إنه ما يزال حيًا... أعلم ذلك... لم يمت في تلك الليلة."

"...ذلك الحقير، عد فقط! عد فقط وسأمزقك!" صرخت المرأة وهي تنهض ببطء بعد أن دفعها أرضًا وغادر غاضبًا نحو الغابة، محطمًا صمت الليل ومفسدًا سهرتهم الصاخبة.

ترنّحت واقفة، ثم ضحكت بسُكر قائلة بسخرية:"غبي وأحمق... من يهتم؟ لنعد للاحتفال~"

لكن فرحتها لم تدم سوى لحظة.كُسر الباب فجأة بقوة مزلزلة، فاستدارت دون أن تنظر، وقالت ببرود:"ستيف، ارحل عن—"قبل أن تكمل، انقضّ شيء ما عليها، وفي ومضة... طار رأسها.

تدحرج الرأس المثقل بالخمر إلى أقدام أحدهم، وعيناه ما زالتا مفتوحتين، تنظران بجمود إلى العدم.ساد المكان صمت خانق، ثم قشعريرة جماعية اجتاحت أجسادهم، ومع كل صوت رعد، كانوا يرتجفون أكثر.كان المطر قد اشتد، والهواء امتلأ برائحة الحديد... وبرائحة الموت.

هناك، على الباب، وقف كائن غريب.عينه الوحيدة تتوهج بلون الدم القرمزي، جسده متغضن ومكسوّ بقشور حرشفية، يقطر من مخالبه ما بدا وكأنه... بقايا بشرية.

بخطوات بطيئة، تقدم إلى داخل المبنى، وكأنه يسير في جنازتهم.

وبلا كلمة، كسر الباب المعدني المؤدي إلى الغرفة التي كان قد سُجن فيها ألفاسانو.رمى نظرة سريعة داخله. كان خاليًا.

لكنه لم يُخدع.لمح آثارًا واضحة على الجدار... مكانٌ لم يكن ليُفتح إلا باستخدام قوة خارقة. اقترب ولمس البقايا بعناية، ثم أدار رأسه تجاه التيار المائي خلف المبنى.

تسللت قطرات الماء من أطراف مخالبه، وسقطت ببطء على الأرض، تختلط ببقايا اللحم والدم.أدار عنقه تدريجيًا، ببطء... وابتسم.

الصيد هرب.لكن الليل ما يزال طويلًا.والمطاردة بدأت للتو.

.....

الفاسانو، رغم التعب والوحل والدماء الجافة على كوعه، ظل يركض دون هوادة، عازمًا على إيجاد الكتاب قبل أن تقع كارثة جديدة. تجاوز النهر بخطوات متعثرة، وواصل طريقه غربًا، نحو حيث هاجمه ذلك الكائن الشيطاني أول مرة، متبعًا حدسه، أو لعلها غريزة الخوف الممزوجة بالعزم.

'الكتاب... لابد أنه هناك... عليّ أن أجده حالًا!'كرر العبارة في رأسه كدعاء، كوقود يدفعه للأمام.

انزلقت قدماه بسبب الوحل الكثيف، لكنه لم يسمح لنفسه بالبقاء ساقطًا؛ نهض بسرعة وجعل جسده يستمر رغم الألم. عادت إليه معالم المكان: آثار حوافر الأحصنة مطبوعة على الأرض، والغصن الضخم الذي كاد أن يكسر عموده الفقري لا يزال مائلًا في مكانه. راح يبحث بعينيه بجنون، كما لو أن حياته تعتمد على ذلك، وفجأة...

لمع شيء في الظلام.

هناك، تحت ضوء القمر الشاحب، كان الكتاب، نصف مغطى بالوحل، لكن غلافه عاكس للضوء كأنه يدعوه.

هرع نحوه، التقطه، وأزال ما عليه من طين. لاحظ أن النقوش الذهبية على الغلاف قد تحولت إلى فضية باردة، تنبض بهالة غامضة لا تبعث على الاطمئنان.

وفجأة...

ارتفع الكتاب من بين يديه، طاف أمام وجهه وكأن قوة خفية تحمل صفحاته. فتحت الصفحات من تلقاء نفسها، وتوقفت عند واحدة بعينها.

كلمات محفورة بالنور الفضي بدأت تتوهج وتُقرأ بصوت داخلي يخترق أعماقه:

[يا من خرقتم قواعد العالم،بقوى المسارات السبع، بُعثتَ أنت، آلفاسانو، في الزمن لنَيل فريا؛عليك دفع الثمن!

لا رجعة من الموت، لأنك فتحت باب الرجعة إلى الأصل.سادةُ العالم لا تجذب أعينهم؛إن أردت أن تعيش فترةً أطول... وإلا، فاجعل عمرك أقصر مما أصبح عليه.]

تسارعت دقّات قلبه. يده التي لا تزال تمسك بالكتاب بدأت ترتجف دون أن يشعر."كيف... كيف يعرف الكتاب اسمي؟!"

ضحك محاولةً لتجاهل جنونه القادم:"ههه، لا تكن سخيفًا يا سانو، إنه مجرد كتاب!"لكنه لم يُنهِ ضحكته. سكت فجأة.

صوتٌ خافت... حركة... من الأغصان.تشنّج جسده. رفع رأسه فجأة، نظر نحو الشجرة الكبيرة التي بجانبه...الأغصان تهتز، الأوراق تهمس، والرعد بعيد لكنه يكاد يوقظ الموتى.

"من هناك؟!"قالها بصوت مبحوح، مرتجف، لا يملك حتى شجاعة رفع صوته أكثر.كان يعلم أنه ليس وحده.

"آلفاسانوووو!" ارتدت صدى تلك النداءات في أذنيه، محملة بالشوق واللهفة، بريق الأمان الذي كان يراه بعيد المنال.

"آلفاسانو، أين أنت؟ هذا أنا، أخوك رافائيل! أين أنت؟"تجمّع الدمع حول حدقة عينيه، وخفق قلبه بشدة.

ركض نحو الصوت الذي كان كنجمة مضيئة وسط الظلام، لكنه فجأة تباطأت خطواته، ثم توقف تمامًا. ذلك الصوت لم يكن إلا فخًا؛ إنه شيطان... لكنه كان صوت أخيه الأكبر! كيف ذلك؟

تذكّر كلمات العمدة التي قالها قبل أيام: الهيرون يبحثون عن شيطان خطير، ليس فقط ذكيًا، بل يستعمل قوى فريا، وهو السبب الذي جعل العمدة في حالة رعب وخوف دفعته لإبلاغ أخته الكبرى.

ظهر أمامه ذلك الكائن الغريب: وجه داكن، عين تنزف دمًا أحمر، جسد يشبه حرباء مغطى بالحراشف، لكن رأسه إنسان واقف على قدميه، ويده مغطاة بالحراشف. فمه مفتوح، مليء بأسنان مخضبة بأحشاء بشرية.

ببطء، ومع خفقان قلبه، نظر إلى الأرض. هناك، رأس قاطعة الطريق التي أنقذته واختطفته سابقًا، عيناها مغلقتان، وأُقتلعت، وفمها خالٍ من أسنانها.

خلف ذلك الكائن آثار بقايا بشرية متناثرة: أرجل، رؤوس، وأيدي، تشهد على فظاعته. فجأة توقف النزيف من عين الكائن، وظهرت بؤبؤة حمراء متوهجة. رفع نظره ببطء نحو الفتى، وابتسم ابتسامة مرعبة:

"آلفاسانو... أنا رافائيل، أين أنت؟"مرّ شريط حياة الاشقر أمام عينيه بسرعة خاطفة، وكل مشهد من الخوف والرعب والألم يمر أمامه كالوميض.

كان عاجزًا عن الحركة من شدة الفزع، وجمد في مكانه.

مد الشيطان يده الحرشفية ببطء نحو خده، حتى استقرت على بشرته الباردة. خرج لسانه الطويل من فمه، مطلقًا لعابًا لزجًا.

بصوت خشن ومرعب همس:"لذيذ... أنت ستكون..."انهارت دموع الفتى، مختلطة بقطرات المطر التي تتساقط بغزارة، مع هدير الرعد الذي اشتد، وابتسامة الوحش تتسع أكثر، وفتح فمه ببطء...

قبل أن يلتهمه الشيطان، دفعت اليسيا الوحش بقوة مستخدمة طاقة ضوئية قوية، أزاحته بعيدًا عن أخيها الصغير، واحتضنته بحنان. تراجع الفتى إلى أحضانها وبدأ يبكي بحرقة.

أبعدته بلطف ومسحت بيدها على خده قائلة: "هل أنت بخير؟ هل أصبت بأذى؟ لا بأس، لا بأس... أختك هنا."

لم يجبها بكلمة، كان يريد أن يقول "آسف"، لكن لسانه عجز عن النطق. كان سعيدًا فقط لأنها وجدته قبل أن يتحول إلى جثة.

نهض الشيطان من على الأرض واختفى فجأة، لكنه ظهر خلف ظهر أليسيا. وما أن استدارت لمواجهته حتى أوقفه نصل سيف أحمر. كان رافائيل قد ضغط بقدمه على الأرض، مستخدمًا سيفه لدفع الشيطان، وبدأ القتال المحتدم بينهما.

الغابة كانت مسرحًا لهذا الصراع، ولفضل الشيطان في هذه البيئة، بدا رافائيل متعبًا للغاية، فقد لم ينم منذ يومين، وبدلاً من الراحة، خرج على الفور للبحث عن أخيه.

أما أليسيا، فتمسكت بيد ألفاسانو وركضت معه باتجاه مخرج الغابة، عازمة على طلب النجدة من والد روف. كانت تعلم جيدًا أن شقيقها الأكبر متعب جدًا وقد لا يصمد طويلًا في المعركة.

هالة ضخمة ملأت المكان بالرعب، شعرت بها أليسيا وآلفاسانو، رغم ذلك لم يتوقفا عن الركض. استدارا سريعًا ليروا الشيطان يقترب خلفهما مع هدير الرعد، يمد يده الطويلة كأنه على وشك الإمساك بهما.

صاح رافائيل من بعيد: "لاا، أرجووك اتركهم!" ونهض متعبًا من الأرض متجهًا نحوهما. وركض والد روف مسرعًا، يمزق الأشجار التي تعترض طريقه، لكنه تأخر عن اللحاق بهما.

في حضن آلفاسانو، كان الكتاب ينبض بضوء غريب، وهج أحمر كأنه مغطى بالدماء. فجأة، سحب الكتاب آلفاسانو والشيطان نحوه، ودفع أليسيا بعيدًا بقوة، مما تسبب في حرق مؤلم على رقبتها.

صاح والد روف مسرعًا: "آليسيا، هل أنت بخير؟" لكنها وقفت متألمة، والدموع تلمع في عينيها.

في تلك اللحظة، لم يكن آلفاسانو يعلم أن من يُسحب إلى الكتاب، يُحسب في عداد الأموات.

جثا رافائيل على ركبتيه، يضع يده على صدره الذي كان يتقطع ألمًا، بينما ضربته رياح شديدة من الخلف. أخيرًا، سقط مغشياً عليه على الأرض المبللة بالمطر.

----------

بين العوالم، عالقٌ بين النجوم...

لم يكن آلفاسانو يسقط، ولم يكن يرتفع. كان معلقًا في سديم نجمي، بلا اتجاه، بلا صوت، بلا وزن. حوله كان كل شيء يلمع ويتنفس بهدوءٍ كوني مخيف. وعلى بُعدٍ منه، رأى كوكبه... عالمه الصغير، يطفو في الفراغ كحبة رمل في محيط أبدي.

لم يكن يفهم ما يحدث. عقله يرتجف، أحاسيسه تغرق في دوامة من الذهول، حتى اجتذبته قوة خفية إلى الخلف، وكأن شيئًا ما انتزعه من السديم عبر ثقبٍ أسود ضيق ومخنوق، كان الألم فيه نابضًا، والخوف كثيفًا يلتف حول صدره كسلسلة من الأشواك.

وفجأة...فتح عينيه.

السماء فوقه كانت حمراء، وكأن الدماء تغلي فوق الأفق. الأرض قاحلة، صخرية، تخلو من أي حياة، تنبعث منها رائحة الرماد والحديد المحترق. جلس بصعوبة، يلتقط أنفاسه، يتلفت حوله كمن فُقد في كابوس.

رأى الكتاب. نفسه، كما كان. مغطى بالتراب، كأنه ينتظره. ركض نحوه، والتقطه بلهفة، وفتح صفحاته بسرعة مجنونة. لكن الصفحات... كانت بيضاء.

يده ارتجفت. عضّ على شفته السفلى حتى تذوّق الدم. الدموع سقطت بصمت، تسابق الريح. حاول أن يوقظ قواه من سباتها، أن يعيد الزمن، أن يُغير كل شيء... لكن لا شيء استجاب. كان مجرد فتى تائه، في عالم لا يرحم، وقوى لا يعرف كيف يُفعّلها.

صرخ من أعماق قلبه، سقط على ركبتيه، ودوّى صوته في الأفق الخالي: "آاااااااااااااااعععععع!!"

لمع شيء أمامه فجأة.فتح عينيه، وها هو الكتاب قد عاد، مفتوحًا على صفحة لم يرها من قبل. كانت الكلمات محفورة كالنار:

...[جد شبيهك، آلفاسانو... فقد بقي لك من العمر ثلاث سنوات. إن لم تجده خلال يومين، ستموت. قف بقدمك على الشمس السوداء، وواجه القمر القرمزي، أيها العابر الثاني القادم من هيروفال.]

وقبل أن يلتقط أنفاسه، تبخر الكتاب في الهواء، وتحوّل إلى غبار ضوئي تلاشى في الأفق.

نظر إلى يده، فوجد ساعة غريبة قد ظهرت على معصمه. كانت لا تتحرك، سوى عقرب واحد يشير إلى اتجاهٍ مجهول في هذا العالم المنسي. لم يكن يعرف ما ينتظره هناك، لكن غريزته أخبرته أن ما سيواجهه... قد يكون أسوأ من الموت.

وقف ببطء.لا عائلة هنا. لا دفء. لا أمان. حتى قواه خانته.كل ما يملكه هو خطواته، والاتجاه الذي ترسمه الساعة.

ومشى...ومشى...حتى وصل إلى...

يتبع..

_____///❀❀///______

(سبحان الله و بحمده سبحان الله العظيم)

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فريا

المؤلف RIRI
2025/07/10 مستمرة
قائمة الفصول (21)
الفصل 0: ماهي فريّا
2025/07/10
الفصل 01: المدرسة الجديدة
2025/07/10
الفصل 02: المغلوب عليه
2025/07/12
الفصل 03: الموكل عليه و عائلته
2025/07/15
الفصل 04: الفصل الرابع: الاختبار التشخيصي
2025/07/23
الفصل 05: الفصل الخامس: كتابة الأختام
2025/07/23
الفصل 06: الفصل السادس : عشاء الكارثة
2025/07/24
الفصل 07: الفصل السابع : التحقيق
2025/08/22
الفصل 08: الفصل الثامن: حكاية آلفاسانو
2025/08/22
الفصل 09: الفصل التاسع : حكاية آلفاسانو
2025/08/22
الفصل 10: الفصل العاشر: حكاية آلفاسانو
2025/08/22
الفصل 11: الفصل الحادي عشر: أسلحة و أسرار
2025/08/22
الفصل 12: الفصل الثاني عشر:المبنى القديم•
2025/08/22
الفصل 13: الفصل الثالث عشر: الغريب من دار الأوبرا
2025/08/22
الفصل 14: الفصل الرابع عشر: ليلة الاسبوع الأبيض
2025/08/22
الفصل 15: الفصل الخامس عشر:عطلة الأسبوع الأبيض
2025/08/22
الفصل 16: الفصل السادس عشر:عطلة الأسبوع الأبيض(2)
2025/08/22
الفصل 17: الفصل السابع عشر: عطلة الاسبوع الابيض 3(عين الشيطان تبصر)
2025/08/22
الفصل 18: الفصل الثامن عشر : عطلة الاسبوع الابيض 4(التردد)
2025/08/22
الفصل 19: الفصل التاسع عشر: التاريخ
2025/08/23
الفصل 20: الفصل العشرين: يد من ألماس
2025/08/24

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة