كانت المواقف أمام دار الأوبرا مزدحمة بشكل لا يُصدق، لكن بطريقة ما، نجح زاك في حشر سيارته في أحد الأماكن الضيقة، ثم نزل الجميع على عجل. أنهى إجراءات التذاكر بسرعة، ودخلوا عبر البوابة الرئيسية.
ما إن دخلوا، حتى بدأ الكثير من الناس يلوّحون له، يصافحونه، بعض الفتيات كنّ يرفعن هواتفهن خلسة لالتقاط صورة له دون أن ينتبه. بدا وكأنه شخصية معروفة جداً.هو لم يكن مرتاحًا، كان يردّ بلطف على كل من يسأله:
"أتتذكرني؟"
وكان يتفادى الإحراج بجملة واحدة محفوظة: "آسف، ذاكرتي ضعيفة." رفض التوقيع لتلك الفتاة التي لاحقته، وترك الأمور تمضي.
أما الأستاذ آرثر، فقد قرر أن يتخلى عن زاك مبكرًا وتابع طريقه مع يوما ( آلفاسانو) حتى وصلا إلى مقعدهما.
كانت مقاعدهم في شرفة مميزة في الطابق الخامس، تطل مباشرة على ثريّا ذهبية تتلألأ وسط القاعة الكبيرة.
الدهشة ظهرت على وجه يوما، لم يتوقع أن تكون التذكرة من الدرجة الأولى، خاصةً أنها من وكيل المدرسة.
الشرفة نفسها كانت تحفة فنية:
طاولة أنيقة عليها شمعدان فضي، أربعة أكواب فاخرة، وزجاجتان من عصير الكمثرى الجبلي الشهير في نورثلاند — العصير الذي تُقدّر قيمته باثني عشر ألفًا من عملة ليويامي.
الطاولة مزينة بمناديل حمراء ومزهرية ورد أحمر فاقع، وبينهما قالب كعك بطعم الكرز بدا وكأنه خرج تواً من أحد مخابز العائلة المالكة.
قال آرثر فجأة: "العرض الليلة هو أكابيلا." توجّه يوما إليه باهتمام، راغبًا في فهم المزيد.
آرثر، الذي جلس بالفعل بجانب أخيه الصغير أكيهيتو، لاحظ ذلك وأكمل قائلاً:
"الأكابيلا فن سمعي لا بصري... لا تُستخدم فيه آلات موسيقية على الإطلاق. المغني يعتمد فقط على صوته وتحكمه فيه. إنها إحدى الأشياء التي يفضلها زاك."
سأل يوما (آلفاسانو) بفضول: "هل الأستاذ زاك مشهور إلى هذا الحد؟" كان عدد الأشخاص الذين تعرفوا عليه مذهلاً.
أجابه الأخر ببساطة:"زاك كان ممثلًا منذ أن كان في السادسة عشرة من عمره، حتى بلغ الحادية والعشرين. لكنه ترك التمثيل بعد حادثة قديمة... وأراد أن يركّز على أعماله في منظمة 'إيند نايت'."
لم تكن هذه المعلومات مما توقعه يوما.زاك... ممثل سابق؟ كلما فكّر في الأمر، بدا له منطقيًا جدًا. طريقة مشيته، حضوره، حتى اختياره للألوان وتناسق ملابسه... كلها كانت تشبه المشاهير. بعكس آرثر الذي كثيرًا ما بدا أنه يعاني في تنسيق ثيابه، وكأن الموضة ليست من اهتماماته.
لاحظ آرثر شرود يوما (آلفاسانو) وقرر أن يكسر حاجز الصمت قائلاً بنبرة نادمة:"آسف لما قلته في وقت سابق... إعذرني."
لم يفهم يوما (آلفاسانو) المقصود في البداية، كأنه تلقى جملة مبهمة، قبل أن يتابع آرثر شرحه قائلاً:
"حين سألتك عن رسوم الزي الرياضي، كنت بالفعل قد نسيت الأمر ...أنا اعتذر."
يبدو أن ضمير آرثر ظل يؤنبه منذ ذلك الحين.
شعر يوما (آلفاسانو) بالارتباك، ليس لشيء سوى لأنه لم يعرف كيف يتعامل مع مثل هذه المواقف. اكتفى بردٍ مختصر وهو يشيح بنظره:
"لا بأس... لم أفكر بالموضوع أصلاً." وفجأة، انطلق صوت مألوف، مشبع بنبرة درامية:
"رأسي! هيبكي، لما تخليت عني!" التفت الجميع نحو مدخل الشرفة؛ لقد وصل زاك أخيرًا.
تابع كلامه، يضع يده على قلبه وكأنه تلقى طعنة خيانة: "لما تركتني، بحقك يا هيبكي؟! كيف تكون عديم القلب إلى هذا الحد؟ أما كان عليك على الأقل أن تسحبني معك؟!"
عاد الجدل مجددًا، المشاكسات المعتادة بين زاك وآرثر، بينما يوما (آلفاسانو) لا يزال في حيرة:لما يناديه هيبكي؟ هل هو لقب؟ اسم مستعار؟ أم مجرد نكتة سرية بينهما لا يُفهم معناها إلا من عاش ماضيهما؟
في الجهة المقابلة، كان أكيهيتو خارج إطار كل هذا. ترك الصراخ والمشادات جانبًا، وركّز كامل اهتمامه على الكعكة المتوسطة للطاولة. كان يحدق بها بتركيز رجلٍ على وشك اتخاذ قرار مصيري. الكرز يبدو طازجًا، الكريمة لامعة، والرائحة... لا تُقاوم.
القاعة كانت مكتظة. ضجيج الحاضرين يملأ المكان لدرجة تجعل التركيز في حوارٍ واحد أمرًا أشبه بالمستحيل. كل مجموعة لها ضحكاتها، همساتها، صراخها، بينما في الأعلى... فوقهم مباشرة، على الشرفة السادسة، جلس شخص مختلف تمامًا.
رجلٌ يتربع فوق الدرابزين وكأن قوانين الجاذبية لا تعنيه. شعره متوسط الطول، بلون أزرق باهت يتدرج نحو الأبيض عند الأطراف، تتطاير خصلاته بطريقة فوضوية، بعضٌ منها يسقط على جبينه، والبعض الآخر يرفرف مع الهواء دون هدف.
وجهه حاد، بتناسق ملفت. فكٌ محدد يضفي عليه صلابة، وبشرة فاتحة لكنها خشنة، عيناه... خضراوان، ساطعتان بشكل لا يُصدق، بحدقات ضيقة كعيني صقر.
حاجباه رفيعان ومائلان قليلاً، وجفونه العلوية مرسومة بشكل واضح، أما أنفه فمستقيم.لم يكن يتحرك، فقط يراقب من الأعلى... بنظرة لا تخلو من الترقب.
كان يرتدي قميصًا أسود داكنًا برقبةٍ عالية، تعلوها عباءة طويلة من نسيجٍ خفيف لكنه متين، تنساب خلفه مع حركة الرياح. التفَّ وشاحٌ أسود حول عنقه، بينما تغطي فمه كمامة داكنة تتدلى منها سلاسل حديدية صغيرة، تصدر خريرًا خافتًا كلما تحرك.
ما يجعل العيون لا تفارقه هو صلابة نظرته، وعيناه السوداوان العميقتان تحيط بهما عروق دقيقة بلونٍ أسود داكن، تمتد بوضوح تحت بشرته، خاصة حول عينيه وعلى جبينه، كأنها وشوم لعنات قديمة.
"أعتقد أن المكان أصبح جاهزًا لعرضٍ سوي، يا زامنهوف ~"سرقت هذه الجملة، بصوتها الغنائي الساخر، انتباه أزرق الشعر. أدار رأسه ببطء، كاشفًا عن المتحدث خلفه.
كان رجلًا بشعرٍ برتقالي طويل، ينسدل حتى كتفيه، بخصلاتٍ غير منتظمة تتدلى أمام وجهه وتحجب أجزاءً منه. بدا كما لو أن أطراف شعره قُطعت بشكلٍ فوضوي، دون تنسيق.
وجهه شاحب لدرجة مرعبة، يخلو من أي تعبير، أشبه بدمية صامتة أو كائنٍ خرج للتو من كابوسٍ بلا روح. عينيه مغطاتان بقطعة قماش سوداء عريضة تخفي الجزء العلوي من وجهه بالكامل، مما يجعله يبدو بلا عيون... بلا نظرة... بلا نوافذ للروح.
يرتدي عباءة سوداء ثقيلة تنسدل من كتفيه وتخفي معالم جسده بالكامل، غطاء الرأس يغطي قمة شعره، تخفي ملابس سوداء ملامح جسده.
رغم نعومة بشرته الظاهرة، كانت عروق بلونٍ أحمر مائل للسواد تمتد من أسفل موضع عينيه نزولًا إلى وجنتيه، في خطوطٍ خافتة لكنها تنذر بالخطر.
بدأ زامنهوف يضحك، ضحكة متقطعة غريبة، تتردد كصدى أجوف بين جدران الشرفة. قال بلهجة ساخرة:"جوناس هنا؟ هل أنهيت عملك مع أطفال الحضانة أخيرًا؟"
كانت كلماته بسيطة، لكنها انغرست كالإبرة تحت الجلد.أثار بها سخرية جارحة كافية لإشعال شرارة تحت برود جوناس، الذي، رغم ذلك، لم يبدِ أي انفعال على وجهه الخالي من التعبير.
"ماذا عنك؟ هل أنهيت طلب إليتوس بشأن العينة؟"عاد الهدوء للمكان، أو على الأقل من ناحية التوتر العصبي. فالعينة ليست شيئًا يُمازح بشأنه من يملك عقلاً كاملًا.اكتفى أزرق الشعر بهزّ رأسه نفيًا، كإجابة مقتضبة على الوضع الراهن.
قال جوناس بهدوء:"على العموم، زامنهوف، سأذهب الآن لتنفيذ الخطة... أراك لاحقًا."لوّح له مودّعًا بينما كانت عينا زامنهوف تضيقان قليلاً، وكأنه يبتسم بعقله لا بفمه:
"جوناس... سأجعل خطتك خطتين، فقط انتظر~" في أعماق قلبه، نوى أن يفسد خطة زميله، لا ليُفشلها، بل ليُحوّلها إلى فوز مزدوج: نجاح الخطة، واصطياد هيبكي كانساكي.
كان الناس في الأسفل يتدافعون ويتعاركون لأخذ مقاعدهم قبل بدء العرض. في الخارج، كانت روزا ورفاقها يشتبكون في جدالٍ محتدم مع مسؤول بيع التذاكر.بعد أن أغرته بمبلغ مالي ضخم، خرق الموظف القانون ووافق على بيع التذكرة.
هذا بالطبع يُعد خرقًا صريحًا لقوانين ليويامي، حيث يُمنع استخدام البطاقة المالية لإنفاق أكثر من ألف قطعة نقدية دفعة واحدة. لكن، ما دام لا يوجد شهود... فلن يُحاسَب الموظف على هذا "التساهل".
في تلك اللحظة، تلقى يوما (آلفاسانو) رسالة من روزا تخبره بأنها وصلت.طار قلبه فرحًا؛ البقاء مع الأستاذ آرثر وزاك كان يُصيبه بشيء من التوتر... عكس وجوده مع رفاقه.
نهض فورًا من على مقعده، وأخبر زاك وآرثر بأنه ذاهب للقاء أصدقائه. ولحسن حظه، وافق آرثر دون نقاش.
خرج مسرعًا، ينزل السلالم بخطى حماسية، وأفكاره تتقافز في رأسه: ماذا سيفعلون معًا؟ عن ماذا سيتحدثون؟ ماذا سيصنعون؟
ولكن سرعان ما تسللت ذكرى قديمة إلى ذهنه... "لو كنت ابنًا جيدًا، وأخًا أفضل... لما وصلت بي الأمور إلى هنا."
أبعد الأفكار بسرعة، كمن يُغلق كتابًا لا يريد قراءته، وتابع طريقه.
وفي لحظة مصادفة غريبة، التقى روزا عند نهاية أحد الممرات.
"ماذا تفعلين هنا؟"ابتسمت كعادتها، وردّت بصوتها المرح المعتاد:"جئت لأخذك لمقاعدنا، هيا!"رفعت يدها عالياً بسعادة، كما لو أنها تخطفه من العزلة.
وقف يوما فاهه مفتوحًا. واحدة من الأشياء التي لم يستطع أبدًا فهمها... هي طبيعة روزا المليئة بالحياة واللطف، مهما كانت الظروف.
ربما الحظ ابتسم له في جانب الأصدقاء... من يدري؟
ابتسم بخفة وسار بجانبها حتى وصلا إلى مفترق ممرين، أحدهما يمين والآخر يسار.
"أيهما سيأخذنا إلى القاعة؟"نظر يوما إلى روزا، منتظرًا إجابتها.
قالت وهي تضع يدها على صدرها:"صدق أو لا تصدق... إحساسي يقول اليسار."
تنهد يوما، وضع يده على وجهه وقال في نفسه:"آه، صحيح... نسيت أنها روزا."
"أظنه اليمين."قالها يوما (آلفاسانو) بثقة، ليصطدم رأيه بمعارضة روزا. لكن، وكما يحدث غالبًا، انتهى بها الأمر إلى تأييده وهي تهز كتفيها وتتبعه نحو الممر الأيمن، الذي كان ينتهي بباب واحد فقط.
"رأيتي؟ خلف هذا الباب القاعة!"ابتسم يوما بفخر مبالغ فيه، وفتح الباب بحركة درامية...لكن القاعة لم تكن هناك.
ما كان خلف الباب هو غرفة تبديل الملابس. خزائن ممتلئة بالثياب، مرايا مصطفّة على الجدران، طاولة ضخمة لمساحيق التجميل، وعدد لا يُحصى من الشعر المستعار، بألوان وأحجام تناسب الرجال والنساء على حد سواء.
"واو... لم أجرب مساحيق التجميل من قبل!"قالت روزا بانبهار وهي تقترب من الطاولة، تحدّق بعيون واسعة إلى الألوان الزاهية.
سألها يوما، مستغربًا دهشتها:"أليس لديك مثلها؟"
أجابت وهي تحاول تقليد صوت رجل غليظ:"عمي يقول: (أنتِ صغيرة، لم تبلغي الثامنة عشرة بعد، ولا يليق بك وضع المساحيق)! إنّه أمرٌ ممنوع في منزل آل آلفاهايم!
ضحك يوما بصوت عالٍ، ليس بسبب القاعدة، بل لطريقتها المضحكة في تقليد عمّها.
راحت روزا تضع بعضًا من المساحيق على وجهها، متخيلة أنها ستبدو كملكة جمال، لكن النتيجة كانت عكس ذلك تمامًا... بدت كمهرج مبتدئ في سيرك متهالك.
ثم وضعت شعراً مستعارًا بنيًا طويلاً، أطول من قامتها حتى، يصل حتى ساقيها.
أما يوما، فقد اختار شعراً مستعارًا أبيض باهتًا، شكله أقرب لكتلة قطن مشعثة، وأضاف لحية سوداء جعلته يبدو كعجوزٍ هارب من كرنفال.
بينما هو ينظر في المرآة، لمح أنفًا أحمر كبيرًا، يشبه تمامًا أنوف المهرجين.كانت له بقعة دائرية لامعة بشكل غريب، كأنها تُغري العين بأن تقترب، حتى بدا له وكأن عقله قد أُسِر بلونها.
اقترب منها، ولحقته روزا – أو "ملكة المهرجين" كما بدت – وسارا معًا نحو البقعة الحمراء.كان هناك حبلٌ صغير يتدلّى بجانبها. ومن دون تفكير... سحب يوما الحبل.
في لحظة، ارتفعت الأرض تحتهما...تغيّرت الإضاءة فجأة، من خافتة إلى ساطعة لدرجة أن يوما رفع يده يغطي عينيه من شدتها.
ثم وقع هو وروزا في كارثة لم يتوقعاها...
وسط آلاف الأعين، وعلى خشبة المسرح تمامًا، وقفا.
نظرات الجمهور كانت مركّزة عليهما، مصدومة... ثم ببطء، بدأت تتحوّل إلى ضحكات مكتومة.
يوما، من شدة التوتر، ضغط بيده لا إراديًا على أنف المهرج...
"بوووووب!"
أصدر الأنف صوتًا مضحكًا، كالصافرة.
وفي تلك اللحظة...
انفجر الجمهور بالضحك.ضحك هستيري، غير متوقف...ضحك جعل يوما يتمنى لو تختفي الأرض من تحته...
أما روزا، فقد كانت مندهشة جدًا من ردة الفعل... لكنها لم تستطع منع نفسها من الضحك أيضًا.
نهض آرثر من مقعده وهو غير مصدق لما تراه عيناه، في حين بدأ زاك يضحك مع الجمهور ضحكًا متواصلاً، ثم أسرع ونهض من مكانه قاصدًا المسرح قبل أن يصل رجال الأمن إليهما ويقوما بطردهما من القاعة.
ظل يوما وروزا واقفَين مذهولين، كأنهما خارج الزمان والمكان، حتى سمعا صوت أحد رجال الأمن وهو يعتلي خشبة المسرح لملاحقتهما. ارتبكا، ثم ركضا بسرعة نحو الدرج الجانبي للهروب، والضابط خلفهما لا يهدأ.
وفي لحظة ارتجالية، ألقت روزا الشعر المستعار على الأرض، فانزلق عليه الضابط ووقع بقوة وسط ضحكات الجمهور الصاخبة، الذين زاد ضحكهم أضعافًا بسبب المشهد الكوميدي غير المقصود.
انفصل الاثنان؛ بقي يوما (آلفاسانو) في الممر وهو يلتقط أنفاسه، بينما دخلت روزا إلى دورة المياه لتغسل وجهها من تلك الألوان التي كان يُفترض أن تجمّلها، لكنها جعلتها أشبه بمهرج.
خرجت بعد قليل، وبمجرد أن التقت عيناهما، تبادلا نظرات سريعة، ثم ضحكا لا إراديًا. نعم، لقد كان موقفًا محرجًا للغاية...
لكن، بطريقةٍ ما، كان ممتعًا أيضًا.
عادا إلى مقاعدهما وانضما إلى بقية الرفاق، بينما المسرح لا يزال يعيش آثار الحادثة. بعض الحاضرين لم يتوقفوا عن الضحك، بينما اشتكى آخرون من قلة الاحترام، ورجل الأمن لا يزال يبحث عنهما دون جدوى.
كان ميشيل يضحك عليهما بلا خجل، أما ميموري فكانت في قمة الإحراج، في حين أن كايرو نظارته قد تلبدت بالبخار، وقال متفاجئًا:
"ولكن... ماذا فعلتما بحق السماء؟!"
"لا شيء."ردّت روزا بكل بساطة، مما جعل كايرو يصمت فجأة وقد غلبه الخجل، خصوصًا أن العرض يُبثّ مباشرة على التلفاز. كل ما تمناه في تلك اللحظة هو ألا يكون أحد من زملائهم في الثانوية قد شاهد تلك الفضيحة.
اقتربت ميموري من روزا ببطء وهمست:"روزا... أريد أن أخبرك بشيء."
لكن روزا أجابت بنبرة لطيفة وحاسمة:"لاحقًا يا ميموري... بعد العرض، اتفقنا؟"سكتت ميموري، وقبلت بتأجيل الحديث إلى وقتٍ لاحق.
جلسوا في أماكنهم مجددًا، واستعاد المسرح هدوءه بعد دقائق من الفوضى.
ثم ظهرت على الخشبة امرأة شابة، تبدو في أوائل العشرينيات من عمرها، تمسك ميكروفونها بثقة، ويبدو أنها المغنية التي ستؤدي فقرة الأكابيلا.
لكن... في تلك اللحظة، كان زامنهوف قد اعتلى الدرابزين في الطابق العلوي، وأخرج مسدسًا من تحت عباءته دون أن يلاحظه أحد.
تجمّد الزمن في صدر يوما (آلفاسانو)، وانقبض قلبه بقوةٍ غريبة، كأن شيئًا مرعبًا على وشك الحدوث.
(يوما، ما الأمر معك؟) تمتم بها...
سألته روزا بصوتٍ قلق، لكن يوما لم يجب، بل أغلق عينيه وراح يتنفس بصعوبة، قابضًا على صدره بكلتا يديه، كأن الألم يخترقه من الداخل.
كان الألم يزداد... والضوء من حوله بدأ يبهت.
بمجرد أن فتحت المغنية فمها لتبدأ الغناء، أطلق زامنهوف النار على السلسلة التي كانت تربط الثريّا بسقف المسرح.وفي لحظة، سقطت الثريّا الثقيلة بقوة ساحقة نحو الأرض، محطمة خشبة المسرح بالكامل، ومحدثة صوتًا مدويًا هزّ القاعة.
علا الصراخ، وبدأ الحضور بالركض والهرب في كل اتجاه وقد أصيبوا بالهلع، بينما غطى الغبار والضباب الناتج عن الانفجار معظم الرؤية.
كان يوما (آلفاسانو) قد أغلق عينيه، وقد جثا على الأرض لا يقوى على الحراك، فيما هرع رفاقه نحوه، يحاولون مساعدته على الوقوف والخروج من الفوضى.
وسط الصراخ وركام الخشب والمعدن، فتحت المغنية عينيها ببطء لتجد نفسها بين ذراعي زاك. التقت نظراتهما للحظة، فتحوّل وجهها إلى الأحمر القاني خجلًا.
في عينيها الآن، لم يكن زاك سوى ذلك الفارس المغوار، المنقذ الأسطوري الذي انتشلها من بين أنياب الموت. خيالها بدأ ينسج المشهد القادم: "سيحملها بعيدًا عن الخطر، يحميها بروحه، يتزوجها...".
لكن، قبل أن تكمل حلمها الوردي، رماها زاك جانبًا كمن يُلقي عبئًا ثقيلاً عن كتفيه.
"ما مشكلتك أيها الغليظ؟!" صرخت بها، وقد أصابتها الدهشة والخذلان.
"عديمة أخلاق."أجابها بكلمة واحدة باردة، جعلتها تصمت تمامًا، وقد فغر فمها دون أن تجد أي رد.
في تلك الأثناء، كان زاك قد أدرك خطورة الموقف، وتحرك بسرعة، لينقذ عددًا كبيرًا من الجرحى والمصابين الذين كادوا أن يُسحقوا تحت الحطام. أنقذ حياة المغنية، وعددًا آخر من الحاضرين، بينما من لم يستطع اللحاق بهم أصيبوا بجروح طفيفة فقط.
وفي غمرة الضجيج، اهتز هاتف زاك في جيبه. أخرجه سريعًا ليتفقد ما يحدث، وما إن قرأ الرسالة حتى اتسعت عيناه بدهشة بالغة.
في ذات اللحظة، مرّ بجانبه حراس الأمن مسرعين لمساعدة المصابين، غير منتبهين إليه.
لكن زاك... لم يتحرك.
بدأت عينُه تتحرك ببطء تُفقدُ المكان، حتى توقفت عند رجل يبدو في مثل عمره أو أكبر قليلاً. كان ذلك الرجل ذو شعر طويل نسبيًا، ينسدل حتى كتفيه بلون برتقالي. جلس على الأرض يحاول جاهداً سحب قدمه التي علقت تحت حطام الثريّا.
بخطوات سريعة، بدأ آرثر بالنزول من على الدرج، وطلب من أكيهيتو أن يلتزم مكانه وألا يتحرك. وصل أخيرًا إلى القاعة، وتجاوز ضباط الأمن الذين حاولوا منعه من التقدم، لكنه أخرج بطاقته الوظيفية فامتنعوا عن منعه.
هنا، لا يمكن لأحد أن يعرقل تقدم آرثر.
بدأ يقرأ المشهد أمامه: اثنتا عشرة إصابة، ورجل واحد ضحية.
كانت الضحية رجلاً سمينًا، يبدو من مظهره غنياً، لكن ما الفائدة من المال بعد الموت؟ كان جالسًا وسط الزجاج المتناثر والدماء.
تقدم آرثر خطوة إلى الأمام، وانقبض صدره، ليس خوفًا من الدم، بل من منظر الزجاج المكسور. بدأت يده ترتجف، وتزداد أنفاسه اضطرابًا، وبدأ العرق يتصبب منه بغزارة.
فجأة، من خلفه، امتدت يد لتغطي عينيه، حجبت المنظر عن وجهه، وأدخلته إلى عالمٍ مظلم بلا نور. شعر بالراحة تدريجيًا، حتى انتظمت دقات قلبه.
قال صوتٌ هادئٌ منخفضٌ، على غير عادته:"هيبكي يفضل أن أتولى أنا الأمر من هنا، عد إلى الخلف."
بيده الأخرى، سحب زاك آرثر بعيدًا عن الزجاج، أبعده قدر المستطاع حتى أصبح تحت الشرفة مباشرة، ثم عاد زاك إلى مسرح الجريمة.
في الطوابق العليا، عند الشرفة الموجودة في الطابق السابع، مرت خادمة تتفقد المكان، حاملةً مصباحًا يدويًا بسبب خفّة الإضاءة.
كانت الخادمة تشعر ببعض الخوف، فالهدوء المطبق لم يكن كالمعتاد، ولم تعرف سبب ضعف الإضاءة في المكان. ثم لمحته؛ زامنهوف يلوح في الظلال، يمسك برقبتها فجأة، ويغرزها بقوة في منتصف جمجمتها، فأسلمت الروح دون أي مقاومة.
رمى جثتها إلى الأسفل، مسبّبًا ضوضاءً ثانية. ثم صاح ساخرًا: "حظًا سعيدًا، جوني."ثم اختفى.
في الوقت نفسه، بدأ آرثر بتفقد الجثة الأخرى.
كانت الطعنة قوية بما يكفي لكسر عظم الجمجمة من الخلف، لكن ما حير آرثر حقًا هو: أي يد قوية تستطيع أن ترتكب هذه الفعلة البشعة؟
بعد أكثر من نصف ساعة من التحقيق، أمر زاك العمال في الدار بتنظيف الفوضى وإبعاد الزجاج عن المكان.تقدم زاك نحو الرجل صاحب الشعر البرتقالي، الذي كان يقف بالقرب من أحد المسعفين، وسأله:"ما اسمك؟"
ارتبك الرجل قليلاً، وقال:
"جون، اسمي جون..."
هز زاك نظارته وقال ساخرًا:"من قلة الأسماء، جعلت اسمك شهر يونيو."
ارتسم القهر على وجه جون، وهو يصرخ داخليًا بغضب:"زامنهوف، يا حثالة العالم! ماذا فعلت بي؟ لماذا أسقطتها عليّ؟ لو عالجت نفسي سأكشف هويتي، تبا لك!"
قال زاك بصرامة:"سيد شهر ستة، إن تحركت، أعدك بأنك لن تنجو مني إذا حاولت الهروب."
اغتاظ جون غضبًا، هو يشك به بالفعل !.
ابتعد زاك عنه، لكن ذلك لم يعني أن بصره أشيح عنه، بل ظل مركزًا كلّ التركيز على الرجل المدعو جون. جلس الأخير على الأرض مباشرةً، وأمام عينيه كان هيبكي.
اقترب زاك من أذن هيبكي وهمس: "هيبكي، ذاك الرجل هناك منهم، من الجماعة التي تحدث عنها المعلم تسوروغي."
وقف هيبكي مع زاك، وبدأا يخوضان نقاشًا مهمًا، لكن بصوت خافت. حاول جون أن يسمع، لكن زاك هنا كان يدرك أن أي حركة خاطئة قد تكشف هويته، وكل ذلك بسبب زامنهوف.
فتح يوما (آلفاسانو) عينيه أخيرًا بعد محاولات عديدة للنهوض. وجد نفسه ممددًا على الأرض وحوله رفاقه. لم يكن قد أُغمى عليه، لكنه بسبب شدة الألم لم يكن قادرًا على فتح عينيه.
اقترب منهم آرثر وأخذ يوما (آلفاسانو) جانبًا، بعيدًا عن رفاقه. وضع يده برفق على كتفه وقال:"أريدك أن تعود مؤقتًا إلى منزل عائلة جونيسنر، أرجوك. ستقع في مشاكل، ثق بي، الأمر مؤقت وستعود للعيش عندنا، أعدك."
أصيب الفتى بخيبة أمل؛ فهو لا يريد العودة، خاصة مع اقتراب الأسبوع الأبيض، الذي سيبدأ يوم الجمعة، أي بعد غدٍ فقط.
وكان هذا يعني أن سيزار المجنون سيكون في المنزل، مما يعرض عظامه للكسر. تنهد أخيرًا وقال، وكأنه لا يملك حيلة:"أعتذر منك، لكن الأمر فوق إرادتي."
لم يُجب يوما (آلفاسانو) وتوجه بعيدًا عن آرثر نحو رفاقه.
من الأشياء التي يندم عليها الآن غباء ماضيه؛ فكانت قوته هبة له، ولو تمكن من استخدامها الآن لعاد إلى المنزل بسلام، لكنه يجهل كل شيء.
ينسى يوما حقيقة العابرين، والمجانين الذين يطاردونه، وينسى أيضًا هذا العالم بكل ما فيه، وما حدث لربوبي بعد تحطم المجمع السكني، وكل ما جرى.
هو ينتظر فقط أن ينقضي يوم غد الدراسي ليودع الثانوية، ويعود للنوم في المنزل بلا مشاكل خلال الأسبوع الأبيض، وهذا بدوره مستحيل، لأن سيزار لا يزال في المنزل.
قال كايرو: "شباب، ما رأيكم أن تبيتوا في منزلي؟"
وافق يوما (آلفاسانو) وميشيل على العرض، بينما اعتذرت روزا و ميموري عن القدوم.
على الأقل، بالنسبة ليوما، ضمنت ليلة واحدة بلا وجه سيزار الذي سينظر إليه طوال الأسبوع القادم.
.................
في سيارة زاك، كان الجو هادئًا، أجلس أكيهيتو على أحضان آرثر، وكان سعيدًا بشكل ملحوظ؛ كيف لا وهو برفقة معلمه في الحضانة، الأستاذ جون، في السيارة.
أما زاك فكان يقود، والسيد جون يجلس في المقعد الخلفي، بدا هادئًا من الخارج، لكن في داخله كانت نواياه قاتمة.
تساءل جون في سره: "تبا، كيف شك بي أنا من بين الجميع؟ ليت شكه لم يكن في محله."
اتسعت عيناه قليلاً، وخطر بباله: "فهمت الآن.. هيبكي كانساكي. ماذا كان سيحدث لو أخبرني بذلك مباشرة؟ وهل يعلم إليتوس بهذا الأمر؟"
تراكمت الأسئلة في رأسه، لكن جميع الإجابات كانت تتوقف عند اسمي إليتوس وهيبكي كانساكي.
في الطرف الآخر، في منزل كايرو، كان الجو متوترًا كذلك. كان يوما (آلفاسانو) مستلقيًا على فراشٍ على الأرض في غرفة نوم كايرو، وبجواره ميشيل نائم. لم يستطع يوما النوم مثل ميشيل، فأخذ يتذكر ما حدث أثناء العشاء.
لاحظ أن الجو كان مشحونًا بين كازوما ووالده.فكلما سأل والد كازوما سؤالًا، كان كازوما يجيبه بإجابات قصيرة، كأنما يحاول إسكات والده حتى لا يثقل عليه بالأسئلة.
من الأمور البسيطة التي فهمها يوما (آلفاسانو) أن كازوما لا يجلس كثيرًا مع عائلته، وعلاقته بوالده سطحية جدًا.
أما والد كازوما، فيريد أن يكون ابنه البكر هو النموذج المثالي.
أغمض يوما (آلفاسانو) عينيه، آملاً أن ينقضي يوم غد بسرعة حتى يبدأ الأسبوع الأبيض، ويرتاح قليلًا من مشاكل المدرسة.
يتبع......
RIRI