الساعه الثامنه صباحا ، ليويامي.
سنويا تكون بدايه الاسبوع الابيض تكون كتالي؛ مطار ليويامي ممتلئ بالناس.القطارات في حالة ازدحام ، مدن الملاهي و المتاحف و الحدائق العامه و شاطئ البحر مكتظ بالناس .
إنها أول عطلة رسميه مذ أن بدأت الدراسة ، تعتبر فرصة ذهبية لراحه و الاسترخاء ، هذه العطلة تشكل جميع القطاعات بإستثناء القطاع الصحي.
المستشفى الخاص في ليويامي كان في حالة حركه مستمرة ، تلك الممرضه التي تحاول أن تجعل طفلة تبتهج كي تعطيها إبرة تجعلها تصرخ طوال اليوم ؛ الازدحام الموجود عند طاولة الاستقبال.
ذلك الرجل الذي يصرخ على احد الممرضين، و تلك التي تشتكي من بطئ السير في المستشفى و ذاك الذي شتم الطبيب مع شجره عائلته.
بين كل تلك الفوضى عند باب الغرفة رقم خمس مئه و سبعه ، يقف كل من كايرو و ميموري ؛ يحاولون استراق السمع ،لكن الباب كان له رأيٌ أخر .
" تبا الزيارة ليست فقط ممنوعه بل ولا يمكننا ان نسمع شيئا" عضت ميموري ظفرها من شدة الغيظ ، هي هنا منذ الساعه السادسه صباحًا ؛ ولم تستطع بعد أن تدخل .
كايرو كان يريد ان يهدأ من روع ميموري لكنه مهما حاول فالنتيجه تظل كما هي ، هو لا يعلم اي شيء عن ما كانت تريد قوله لروزا؛ او ما سبب إصرارها هذا و عنادها الشديدين . ميموري التي يعرفها فتاة هادئه و رزينه، هذه الطباع جديده جدا عليه.
كان يرمق ساعة يده بين كل جملة والثانية، القلق بادٍ على ملامحه، وكأن عقارب الوقت تطارده. ورغم استعجاله، بقي صوته هادئًا ونبرته مائلة للطمأنينة، وكأن جزءًا منه يحاول ان يبقى متماسكا كي يطمئن ميموري التي تتصرف الان بشكل معاكس لشخصيتها.
تنفس الفتى الصعداء و مسح العرق عن جبينه " ميموري .." وضع قبعته فوق رأسها ، ذهلت الفتاة من هذا التصرف و حولت بصرها إليه .
بهدوء نظر إليها ، رفع يده و بصوت منخفض قال " ما رأيك أن تسترخي ، أعلم أنكي قلقة عليها و انا كذلك ؛ بل جميعنا" أنزل يده أرضا مشيرا لها أن تزيح عن كاهلها هذا القلق.
"تلك المرأة المتواجده في الداخل، اعتقد انها والدة روزا ؛ ستكون بخير الان صحيح؟ بقائنا هنا بلا فائدة لأن الزياره ممنوعه قد يسمحون لنا بالدخول غدا مع بقية رفاقنا " بعد كلام كايرو هذا شعرت الفتاة بالإطمئنان، ولكنها مازالت تشعر ببعض التردد.
اخذ كايرو يطمئنها يقول لها انها ستكون بخير وان عائلتها معها و ستكون على ما يرام ،انصرفا عن المكان بعد إلحاحٍ شديد من كايرو ؛و افترقا عند مخرج المشفى .
.......
في إحدى غرف العناية المركزة، كان سيزار نائمًا.قناع الأوكسجين يغطي وجهه، وصوت أنفاسه يخرج متقطعًا ومضطربًا.
حالته المزرية هذه كانت نتيجة لضربات زاك العنيفة، تلك التي لم ترحمه إطلاقًا.رأسه كان مضمدًا باللفافات، وكذلك رقبته.
وبجانبه جهاز تخطيط القلب، يطلق صوتًا منتظمًا، لكنه بارد.
وقف الطبيب العجوز المسؤول عن حالته، وتنهد بتذمر واضح وهو يتمتم:"هذا الفتى المجنون ضرب ابنة ألفاهايم... لماذا علينا معالجته؟"
الممرضة التي كانت إلى جانبه قالت ببرود:"هذه التصرفات ليست جديدة عليه. سمعت أن سمعته تسبقه أينما ذهب... ليتَه يشبه أخاه الأكبر."وضعت يدها على خدها، وأكملت بنبرة حالمة:"الطبيب كريستوفر إنسان خلوق ومهذب ومحترم... ليس مثل هذا الفتى الأهوج."
لم يردّ عليها الطبيب.اكتفى بالتنهد مجددًا وسار مبتعدًا عن الغرفة، ثم قال بصوت مسموع وممتلئ بالضيق:"لو كان هذا الفتى يعني شيئًا لوالده... لكان زاره.لم يأتِ أحد لرؤيته سوى أخيه، جلس نصف ساعة... وغادر."
غادرت الممرضة خلف الطبيب، من المفترض أن تبقى قريبة من سيزار، فحالته ما تزال حرجة.لكن إن كانت عائلته نفسها لا تبالي لأمره... فهل سيهتم الطاقم الطبي؟
بعد دقائق، فُتح باب غرفة سيزار بهدوء.دخلت امرأة ذات شعر نيلي قصير، عيناها باردتان، ونظرتها مزيج من الشفقة والسخرية.
كانت قد اخترقت قفل الباب بسهولة، ثم وقفت إلى جواره وقالت بصوت خافت:"أيها المسكين... ألهذه الدرجة يكرهك العالم؟
لقد صنعوا منك وحشًا، والآن لا يريدون أن يتحملوا ثمن ما فعلوه بك."
بهدوء، فصلت جهاز الأوكسجين عن وجهه، وبدأت تفصل الأسلاك المرتبطة بجهاز تخطيط القلب.ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت بنبرة خالية من التعاطف:"كاوس طلبك شخصيًا... أنت محظوظ جدًا."
وقبل أن تنهي عبارتها، أضاءت الغرفة بلون ذهبي غريب، ثم اختفت المرأة مع سيزار،كما لو أن أحدًا لم يكن هناك من الأصل
............
بأعجوبه من بين حشد الناس ،تمكن كايرو من الدخول لمحطة القطار.نزل من على السلم المتحرك و وضع بطاقته على كاشف البوابه التي فتحت له الباب بسرعه.
دخل كايرو القطار، ولسوء حظه لم يكن هناك مقعد شاغر .رفع يده و أمسك مقبض اليد خشية أن يتعرض لأذى وقت تحرك القطار، "أعزائي الركاب يرجى الانتباه ، القطار الان متجه إلى أرض المغامرات و الفضاء .نتمى لكم طريقًا آمنًا و مريحًا"قد إنطلق القطار أخيرا، بين كل أربعة دقائق ينظر لساعة يده ؛ بظهر يده مسح العرق عن جبينه و أبعد التوتر عن جوفه .
بمجرد ان توقف القطار ، نزل الفتى منه بسرعه و بين حشد الناس كان يركض باتجاه يعاكس السير.وبخه المسؤول عن حركة المرور في المحطه لكنه لم يبالي.
وصل لمدخل مدينة الملاهي.فوق رأسه لوحه ضخمه تحت عنوان ارض المغامرات و الفضاء ، سلم تذكرته للمسؤول و دخل .اخرج هاتفه و اتصل على أخيه. ينظر يمينا و يسارا و يستدير بحثا عن عائلته بين هذا الجمهور العالي من الناس " كايرو " سمعها الفتى . إبتسم و استدار للوراء، لقد كان أخاه الأكبر كازوما يحمي رأسه بقبعه رياضيه تبدو انها عتيقه.
بفرحه توجه نحو شقيقه، كلاهما ضربا بكف الأخر " لقد وصلت قبلنا ،كيف حال صديقتك"أراد كايرو أن يحدثه عن ماحدث ، وعن معاناته مع ميموري .ولكن وصول والداه جعله يعدل عن قراره ، مظهر والده عتيق لكنه انيق ؛ يشبه كازوما إلى حد كبير ، عكس كايرو اللذي يشبه والدته.
"كيف حال صديقتك تلك كايرو؟"كايرو يحمل في قلبه ضغينه ضد والده،رغم تواجد هذه الضغينه والحقد إلا انه قد أجاب والده و اخبره عما حدث.
جلس والد كايرو على كرسي في مقهى.قرر هو و زوجته ان يبقيا هنا بينما يستمتع كل من الاخوين هناك.هو يرى ان كازوما كبير بما يكفي ليهتم بنفسه و بأخيه الصغير، لا يوجد اي داعي لمرافقتهما.
اخذ كازوما بيد اخيه،و انطلقا معا ليقضيا وقتا ممتعا طالما الفرصه سانحه.الكثيرين من العمال يرتدون زي الدببة و الارانب، يوزعون البالونات و الحلوى للأطفال.يلتقط البعض معهم صورا و يحملون بعضا من الاطفال.
في أروقة الثانوية، لطالما كان كازوما شديد الصرامة كأنه صنع ليُطبِق دُستور قواعد المدرسه، لكن خارجها، يفيض لطفًا يكاد يُنسيك أنه الشخص ذاته.
كايرو طلب بطاقتين من كازوما، بحماس اخذ منه البطاقات ،وبحماس بدأ يتحدث عن الالعاب المجنونه التي يود ان يجربها كعجلة فيريس و الأفعوانيه.
كازوما لا يحب هذه الألعاب الخطره ففي الأفعوانيه ترتفع القضبان الفولاذية في السماء كأضلاع وحشٍ معدني، تتلوى في الهواء كأفعى فقدت عقلها. و القطار بدوره ينطلق بسرعة هائلة،يتسابق مع الرياح، وصرخات الركاب المجانين تتبعثر في الهواء كأنها طقوس جنون جماعي. كانت الأفعوانية لا تسير... بل تنهش اللحظة والعمر.
لم يذهب كازوما مع أخيه إلى حيث تصرخ الألعاب وتعصف القلوب، بل آثر زاويةً هادئة عند طرف الساحة، جلس على كرسي معدني بارد، يحمل كوبًا من القهوة المثلجة يتصاعد منه بخار خافت على غير عادته. كانت عينه تتبع حركة الأضواء والناس، لكن روحه بقيت معلّقة في سكون الكوب بين يديه.
بينما كانت ضحكات الأطفال المجانين تتطاير من جهة الأفعوانية، كان كازوما غارقًا في سكونه. لم يكن يشرب القهوة حقًا، بل كان يتحاشى بها ارتجاف أصابعه. عينه مسمّرة في فراغٍ بعيد، هناك حيث وقع كل شيء.شجار روزا و سيزار، الصراخ و انفعال زاك ، تلك الأعين التي كانت تراقب و تستمتع. لم تكن المدرسة مكانًا للدراسة فقط... بل مقبرة صامتة لشيء ما انكسر فيهم جميعًا. وحتى الآن، ما زال لا يعرف: هل ما يؤلمه أكثر هو ما حدث؟ أم كيف مضى كايتو و رييد عن المكان وكأن شيئًا لم يكن؟.
غاص كازوما في صمته، مستسلِمًا لذاكرة ثقيلة تسحب روحه نحو أعماق لا ضوء فيها، لكن الشرخ أتى سريعًا... لم يحتج سوى ثوانٍ ليلاحظ أكاني، واقفة خلف عمود بزاوية ساذجة، تظن نفسها خفية كالجواسيس و النينجا. شعرها الوردي القصير، وسماعاتها الضخمة، وفضولها المفرط جعلوها تخرج من بين الجموع كأنها شذرة غريبة في مشهد كئيب. وبحضورها، تبخّر حزنه فجأة، ليس لأنه انتهى... بل لأن الإزعاج لا يترك للحزن متّسعًا.
كازوما التقط حركتها دون أن تُدرك، عيناه تلاحقانها ببرود وحذر، وملامحه تشق طريقها بين الاستفهام والسخرية الخفية. كان يعرف بالضبط ما يدور في ذهنها الطفولي، وكأن وجهه يهمس في صمت: «ما الذي تحاولين فعله يا خرقاء؟» نظرة من تحت جفونه، هادئة لكنها مشحونة بالوعي . أكاني توقفت للحظة عن الحراك ، اتصال عينها بيعين كازوما أعلن أن لعبة الاختباء قد إنتهت.
أخيرًا، قررت أكاني أن تتخلى عن الألاعيب والخدع الرخيصة. وقفت أمامه بثبات، وابتسامة خفيفة تتراقص على شفتيها.
"صباح الخير، أيها الرئيس... لم أكن أعلم أنك، مثل باقي طلاب المدرسة، تشمّ الهواء وتزور مدن الملاهي!"
كان كازوما يعرف تمامًا ما ترمي إليه من وراء هذه المقدمة.هي لا تحاول المزاح، بل تهيئ الطريق لجبل أسئلتها : ما الذي حدث في شجار الأمس؟ ولماذا ضرب الأستاذ زاك سيزار بتلك القسوة؟و لما جمع الاستاذ ارثر طلاب السنه الثانيه و الثالثه في المسرح ؟ سبب أغلاق الأبواب على طلاب السنه الأولى.
"أحم... أحم!" قالتها أكاني، واضعة يديها على خصرها بثقة صحفية لا تليق بسنّها، ثم تابعت بنبرتها مشاكسة:"يا رئيس، أنت رمز العدالة في المدرسة... فما الذي دفعك للبكاء على شخص مثل سيزار؟"
تفاجأ كازوما.صحيح أن أكاني لا تزال طالبة في السنة الأولى، لكنها تملك حدّة ذكاء لا تُستهان بها.بالنسبة لها، سبب الشجار فرصة ذهبية لتقرير صحفي داخلي... أما بالنسبة لكازوما، فالأمر أكبر من ذلك بكثير.
شقت إبتسامه الثعالب وجهها وقالت " ان كان دموع الفتاه غاليه فدموع الرجل نادره صح ؟" تلميحها قوي جدا .بكاء شخص مثله على سيزار لن يكون حدثًا عابرًا داخل جدران المدرسة، بل قد يُثير ضجة على مستوى اكبر من مجرد مدرسه.
فمنذ التحاقه بثانوية ليويامي الخاصه، عُرف كازوما بصفته الطالب المثالي النموذجي. تنقّل بين مدارس كثيرة كطالب بديل، وترك خلفه سمعة نقية وسمات قيادية لا يُشك فيها.
وأن يُذكر اسمه في سياق شجار،ويكون فيها قلقًا سيزار الذي تسبقه سمعته العطره... تلك مسألة كفيلة بأن تزلزل النظام في المدينه وليس فقط في المدرسه.
أغلب أبناء نبلاء في العالم يكرهون سيزار،لسوء أخلاقه و الندبة التي تزين وجهه، الحرق الموجود على خده .سينتهزون الفرصه لإسقاط سمعه عائله جينسونر أو أذيه المدرسه الاعلى مكانه على النطاق الدولي.بالكاد تمكن الاستاذه بالأمس من اسكات الطلبة المجانين و سحب هواتفهم ومسح الصور الدنيئه التي تم التقاطها لروزا.
لكن أكاني لا تهتم إن كانت الحقيقة ستضر المدرسة او المدينه أكثر مما تضر كازوما نفسه. بالنسبة لها، كلما اشتدّت الضجة، زادت قيمة القصة.وما إن تنتشر الأخبار، حتى يجتمع الملاقيف من كل حدب وصوب ، و تقتلع سيزار من جذوره و تنتقم لأخيها الذي لم يذق طعم الراحه بعد ما حدث له.
"أكاني... حاولي أن تنامي في أوقات فراغك."قالها كازوما بنبرة باردة، ونهض من على المقعد بهدوء.رما علبة القهوة المثلجة في سلة النفايات بعدما أنهى شربها بالكامل. لم يكن من النوع الذي يهدر النِعَم، حتى لو لم يرغب بها في البداية.هو فقط اشترى القهوة، وعليه الآن أن يتحمّل مسؤولية اختياره... كعادته في كل شيء.
في هذه الأثناء، كانت أكاني لا تزال تحوم حوله، تلاحقه بأسئلتها ونظراتها الفضولية، تطلب منه أن يقول أي شيء—أي شيء على الإطلاق—ولو لم يكن متعلقًا بسبب قلقه الحقيقي تجاه سيزار.
لكنه فضّل الصمت. الصمت الذي تعوّد اتخاذه درعًا، حين يكون الجواب أكثر خطورة من السؤال.
في لحظة شرود، شدّ انتباهه وشمٌ ذهبي على يد أحد الرجال المارين. تجمد في مكانه، ثم غاص في أعماق ذاكرته... مشهد قديم عاد إليه دون إنذار:
سطح المدرسة، قبل سنوات، في ليل صافٍ تمطره الشهب.كان يقف بجانب رييد، يحمل بيده ذات القبعه التي يرتديها الان لون القبعه البني كان قد لطخ بقطات دم ، استدار الأخر فجأة، واتّسعت عيناه بتلك النظرة التي لا تُنسى."الوشم الذي كان على يد الرجل الذي أحرق خد سيزار... إنه يعود للمافيا."
ثم أطرق رأسه نحو الأرض وأضاف:"ليس عليك أن تحمل وزر العالم فوق كتفيك، كازوما."
عاد إلى واقعه على صوت أكاني التي كانت تناديه بإلحاح، تطلب منه أن ينتبه إلى حديثها، وقد لاحظت بدورها الرجل الذي كان كازوما يراقبه، لكنها لم تفهم السبب.هي ترى فقط ما يظهر... أما كازوما، فيرى ما خفي.فمعرفتها، مهما بلغت، لا تزال محدودة أمام ما يحمله هو من أسرار.
"أراكِ لاحقًا." قالها كازوما، ثم انطلق راكضًا خلف الرجل.كان ذلك الرجل يشبه كثيرًا الشخص الذي لعب دورًا في تدمير سيزار، وتحويله إلى هذا الكائن العدواني.
إن كانت الشرطة لا تنوي التحرك، وإن كان والد سيزار قد قرر أن يتجاهل ما يحدث، فإن كازوما لن يقف متفرجًا.هو وحده من قرر أن يفعل شيئًا دون رييد ..دون كايتو، أي شيء، ليعيد سيزار إلى ما كان عليه قبل أن يفقد إنسانيته.
لكن أكاني، كعادتها، لن تترك رائحة الخبر تفلت منها.تبعته بصمت، حتى دخلت وراءه إلى بيت المرايا.المكان كان مخيفًا.مرايا في كل اتجاه، تعكس الوجوه والظلال، وتضلل أي شخص يحاول معرفة طريقه.
لكن كازوما لم يتوقف. واصل تتبع الرجل بثبات حتى اقترب منه، ورآه يدخل غرفة العمال في آخر الممر.تبعه على الفور، ودخل الغرفة من بعده.
كانت مظلمة، وخالية تمامًا.مدّ كازوما يده ليتحسس الجدار، يحاول تشغيل الإضاءة، لكنه فشل في الوصول لمفتاح تشغيل النور.دخلت أكاني خلفه وقالت بنبرة شبه غاضبة:"لماذا تركض كالمجانين، أيها الرئيس؟"
لكن قبل أن ينطق بكلمة، انغلق الباب خلفهما بقوة.ارتجّت الغرفة من الصوت، وساد الصمت... لا ضوء، لا صوت، لا مخرج واضح.
من بين الظلام، ظهر ذلك الرجل الذي كان كازوما يلاحقه.تضاربت أنفاس كازوما، خائفًا لكنه حاول أن يحافظ على تماسكه، من أجل أكاني التي تكاد تموت رعبًا.
سمع خطوة خلفه، فأمال بعينه نحو الخلف دون أن يدر رأسه.كانت امرأة تبدو في مقتبل الثلاثين، شعرها قصير ونيلي اللون، ترتدي نظارة.
على كف يدها، وُشم سيف ذهبي.كانت ترتدي بدلة سوداء، ليست ضيقة ولا واسعة، وسترتها مفتوحة تصل حتى الركبة.
تقدمت نحو الرجل و نزععت نظارتها وقالت بنبرة ساخرة:"يالطيف يا بيتر، بالأمس تتبعنا تلك الفتاة المجنونة من الطليعة، واليوم طفلان؟ هل تريد أن ينحرنا كاوس؟"
أمسك بيتر لحيته، وقال بضيق وانزعاج واضحين بسبب أكاني وكازوما"وما أدري أن الفئران ستتبعني هكذا."امسكت أكاني كتف كازوما من شدة خوفها، وهي ترتعش من الخوف مما قد يحدث لهما.
أكاني لا تعرف من هما هذان الشخصان وماهي علاقتهما بكازوما، لكن المؤكد بالنسبة لها أنهما ليسا طيبين.أما كازوما، فلم يتوقع أبدًا أن ينتهي به المطاف محاصرًا في غرفة مغلقة.
هو تبع ذلك الرجل فقط لأنه يعرف أن المكان مدينة ملاهٍ، يعجّ بالناس، وتنتشر فيه فرق الأمن... مكان آمن من المفترض ألا يحدث فيه شيء.لكنه لم يتوقع أن يتم احتجازهما بهذه الطريقة.
نظرت المرأة إلى كازوما بنظرة خبيثة وقالت:"أشعر بطاقة فريا تنبعث من هذا الفتى... إنه ليس بشريًا. والأمر نفسه ينطبق على الفتاة، لكن قواها أضعف. أظنها هيرون. لما لا نأخذهما إلى السفينة؟ بما أنها ستتحرك قريبًا، ربما نستفيد منهما بدل أن يموتا هنا بلا فائدة."
كانت نبرة صوتها هادئة، لكن تحمل بين كلماتها نية خبيثة واضحة.نظر بيتر إلى كازوما وأكاني، وقد بدا على عينيه أنه اقتنع بالفكرة.
مرر يده على شاربه ببطء، وفجأة...
انفتحت تحت قدمي كازوما بوابة دائرية، تتوهج بلون ذهبي.كان شكلها يشبه رمز المافيا: السيف الذهبي.طوقت البوابة كازوما وأكاني معًا، وانبعث منها ضوء قوي أنار الغرفة المظلمة لثوانٍ.وفي لحظة واحدة، اختفيا من المكان.لا أثر لهما، لا في الغرفة، ولا في مدينة الملاهي بأكملها.
فتح كازوما عينيه ليجد أكاني متشبثة بذراعه اليمنى.اتسعت حدقة عينيه... الرؤية أمامه كانت كابوسًا.مخزن ضخم، مليء بالصناديق، لكن المشكلة لم تكن في الصناديق.
كانت في عدد الجثث الهائل المتناثر على الأرض... أجساد ميتة، بلا حياة، بعضها متجمد في وضعيات غريبة، وكأنهم لم يفهموا حتى كيف ماتوا.
عند ساق كازوما تحديدًا، كانت هناك جثة امرأة.رصاصة اخترقت جبينها، والدم لا يزال متيبّسًا حول الجرح.وضع كازوما يده على فمه، ثم تقيّأ كل ما أكله في الصباح... حتى القهوة.أكاني وضعت يدها على كتفه، تحاول أن تهدّئه، ثم أخرجت منديلاً من جيبها وناولته له.لم تقل شيئًا، فقط نظرة قلق صامتة.
بيتر، الواقف في الخلف، مسح على شاربه وقال بنبرة جافة:"يبدو أن الفتى حسّاس تجاه الجثث. لا بأس... سيتم تدريبه في مقرّ المافيا لاحقًا."ثم التفت نحو المرأة ذات الشعر النيلي وقال:"سيرا، ألم تتخلّصي من هذه الجثث؟"
قطّبت سيرا حاجبها، ارتدت نظارتها، وردّت بانزعاج واضح:"جمعتهم كلّهم البارحة. تخلصت من الخائنة، ونظّفت آثار الدم كي لا تشم شرطة ليويامي رائحة المافيا.بعد كل هذا الجهد، هل تتوقع مني أن أحمل مكنسة وأكنسهم أيضًا؟"
وضع بيتر يده على رأسه بضيق.كان يكره الحديث الطويل مع النساء، خاصةً حين يبدأن بالتذمّر، لكن لا خيار أمامه.
هو وسيرا من القلّة القليلة الذين يعرفون رئيس المافيا كاوس .
في تلك اللحظة، كانت أكاني ما تزال متمسكة بكازوما الجالس على الأرض، يتنفس بصعوبة، ووجهه شاحب.
ما سمعته الآن جعل قلبها يغرق في الخوف"مافيا؟ هل اختُطفنا من قِبل مافيا؟"هذا يعني أن العودة إلى المنزل مستحيلة...
أرادت أن تبكي، لكنها لم تقدر.قدرتها كهيرون تقتصر على قراءة الأكاذيب...وهي الآن في مكان لا ينفع فيه فهم الكذب من الحقيقة.
مكان لا مجال فيه للهروب.
سحبت سيرا ذراع كازوما الذي خارت قواه بعد التقيؤ، وأغلقت أصفادًا معدنية حول معصمه قبل أن تسحبه بقسوة نحو الخارج.
حاولت أكاني اللحاق به، لكن بيتر أمسكها من ذراعها بقوة.
"لحظة! اتركني! دعني أذهب معه!" صاحت بأعلى صوتها.نظر إليها بيتر بلا تعبير وقال""أنتِ لستِ في مكان يسمح لك بالاختيار."
ثم انتزع حقيبتها، وهاتفها الذكي، وحتى ساعتها من معصمها،وسار بها بصمت في ممر طويل، معزول، مضاء بضوء باهت.
وفي النهاية، دفعها بقسوة إلى داخل غرفة واسعة تحوّلت إلى سجن.كانت الغرفة مليئة بفتيات من عمرها... وبعضهن أكبر.
أكاني لم تجرؤ على الاقتراب من أيّ واحدة.جلست في زاوية قصيّة، تلف ذراعيها حول ركبتيها، رأسها مثقل بالأفكار... والخوف.
كل ما كانت تفكر به هو كازوما.ماذا سيفعلون به؟ هل سيؤذونه؟ هل هو بخير؟
بدأت تسترجع معلوماتها القليلة عن المافيا.
كل ما تعرفه أنهم منظمة إجرامية ضخمة، يتحركون تحت ظل شخص غامض غير معروف الجنس يلقّب نفسه بـ"كاوس".كن وجودهم معروف في قارة بيونيري...فماذا يفعلون هنا؟ ما الذي يحدث فعلًا؟
أزاحت هذه الأسئلة عن رأسها بالقوة."الوقت الآن ليس للذعر... بل للتفكير"بصوت خافت قالتها .
إنقاذ كازوما أولويتها القصوى.لكن التفكير في الهروب مع عدد كبير من الفتيات هنا سيكون انتحارًا.أغلبهن أقوى منها، وربما ليست كلّهن ضحايا بعضهن يرتدين بدلات السجون و الاخريات يبدون خطيرات .
الخطة يجب أن تكون ذكية، سريعة، وهادئة كي تنجوا من أجلها و من أجل رئيس مجلس الطلبه الذي لطَالما كانت تعتبره قدوتها.
...
في مكان آخر، كانت سيرا قد رمت كازوما داخل زنزانة فارغة.بابها أُغلق بصوت معدني ثقيل، وقبعته الرياضية سقطت عند المدخل.
تلقت رساله من كاوس و تنهدت و اختفت من المكان كعادتها.
جلس كازوما على الأرض، رأسه يدور.كل شيء كان طبيعيًا صباح هذا اليوم...كان يشرب قهوته في مدينة الملاهي، يتجول مع أخيه كايرو، لكن في لحظة، انقلب العالم ضده.
نهض كازوما عن الأرض مترنحًا، مدّ يده يتحسس الجدار البارد من حوله،عيناه تحدّقان في المعدن الرمادي القاتم الذي يشكّل الزنزانة، وتحديدًا الباب الضخم أمامه.
تذكّر ما شرحه الأستاذ آرثر ذات يوم مره عن المعادن المقاومة لقوى فريا.قال حينها:
"هذا النوع من الفولاذ المعالَج... لا يخترقه إلا من بلغ درجة متقدمة في التحكم بطاقته. أما البقية... فلن يُحدثوا فيه خدشًا، حتى لو قاتلوا أسبوعين متتاليين."
ضغط كازوما يده على الباب، تملأه الحسرة.يعرف نفسه تمامًا.حتى لو استخدم كامل قوته، فلن يتمكن من فتحه.لم يتدرب يومًا بشكل جاد.لم يُسمح له بذلك أصلاً.
تذكّر نظرات والده الحادة حين منعه مرارًا من استخدام قواه،بحجة أنه لا يريد له أن يسلك طريق سيزار... طريق الانحراف.
"لماذا لا تثق بي؟"ظل هذا السؤال يتردد في عقله مرارًا.ربّاه بنفسه، وربّما بقسوة... لكنه لم يعصِ له أمرًا قط.ومع هذا، وجد نفسه الآن مسجونًا، عاجزًا، جاهلًا بما يفترض أن يكون أقوى أسلحته.جلس على الأرض، أسند رأسه إلى ركبتيه، يتمنى من أعماقه أن يستيقظ ليجد نفسه في غرفته،ليكتشف أن كل هذا مجرد كابوس سخيف من كوابيس منتصف الليل.
...
وفي الزنزانة المجاورة،
فُتحت عيناه فجأة.سيزار.
نهض ببطء عن السرير الحديدي،نظر حوله في الغرفة الصغيرة ذات الجدران البيضاء المعقمة، تشبه غرف الحجر في المصحّات النفسية، وجه بصره إلى زيه ..زي مستشفى.
ابتسم ابتسامة مشوبة بالمرارة، وقال:"حسنًا... هذه آخر أوراقك، يا أبي الغالي؟"وفجأة، اهتزت الزنزانة بكاملها!
كازوما قفز من مكانه بفزع، عينيه اتسعتا وهو يحدّق نحو الباب،الأرض تهتز، والصوت يأتي من الجدار الخلفي...
ما الذي يحدث هناك؟
من بين الغبار المتصاعد والدخان الذي خلفه الباب المحطم، ظهر سيزار.
خطا خطوة واحدة إلى الداخل، ثم توقّف فجأة.نظر إلى الأرض... وهناك، تحت قدميه، رآها —قبعة رياضية مهترئة قليلاً...
وجهه المتجهم تغيّر،الملامح القاسية هدأت، وكأن شيئًا غريبًا استيقظ في قلبه."هذه القبعة..."
لم يحتج لأكثر من لحظة ليتذكّر صاحبها.مستحيل...
شخصٌ واحد فقط في العالم كان يرتدي هذه القبعة دائمًا، وكأنها جزء من شخصيته.
لكن... ما الذي يفعله هنا؟
في هذا المكان تحديدًا؟وهل يُعقل أنه جاء لزيارته... في هذا الجحيم؟ في سجن مصحة المجانين؟عقله توقّف عن التفكير، لكن قلبه تمسك بخيط أمل صغير.
ارتسمت أمامه صور من الماضي:
حين كان يدفع رييد إلى بركة الماء وهم يضحكون...
وكان يركض مع كايتو بين أروقة "منزل الرعب"،
ويتذكّر تلك اللحظة تحديدًا...
حين مدّ يده وأمسك بـكازوما قبل أن يسقط من على حافة الجرف.
كيف يمكنه أن ينسى ذلك؟
وفجأة، قطع صوت الطرق على باب الزنزانة المجاورة عليه تلك الذكريات.لم يعرف لماذا، لكن حدسه كان يقول له شيئًا واحدًا:كازوما... هنا.
من دون تفكير، سحب سيفه الذي بدأ يبرق، تشتعل حوله شرارات الرعد.عينه الأرجوانية توهجت، تنذر بالعاصفة.وبضربة واحدة، حطم الباب المعدني.
...
كازوما، الذي كان على الأرض، ارتد بقوة من الانفجار،رفع رأسه، وهو يأنّ الأصفاد تحطمت... ثم التقت عينه بعين سيزار.
توسّعت عيناه من الذهول، ولسان حاله:"سيزار؟... مستحيل..."
ولكنه كان هناك — واقفًا أمامه،غارقًا في الغبار والضوء، ممسكًا بسيفه، ونظرته القديمة... عادت.
في تلك اللحظة، شعر كازوما وكأن جبلاً قد أزيح عن صدره.لأول مرة منذ ساعات... تنفّس بعمق.
ربما... لم ينتهِ كل شيء بعد.
نهض كازوما عن الأرض مترنحًا، ثم تقدّم بسرعة ووقف أمام سيزار، أمسك بكتفيه كمن تمسّك بطوق نجاة:"ماذا تفعل هنا؟! كنت في المشفى... ما الذي جعلك تأتي إلى هذه السفينة؟"
اتسعت عينا سيزار فجأة..."سفينة؟"الذهول تسرّب إلى ملامحه،كان يظن نفسه ما يزال في مصحة نفسية، أو زنزانة تابعة للمشفى.
لكن من كلمات كازوما، فهم الحقيقة المربكة:هو الآن على سفينة تتبع للمافيا... في عرض البحر.والمصيبة الأكبر — أن اثنين من كبار أعضائها موجودان هنا.
وقبل أن يعلّق، لمح الدماء على كتف كازوما،الدم يسيل عبر ذراعه ويقطر إلى الأرض.تغيّر وجه سيزار فجأة، اختفى أي أثر للدهشة،
عاد إلى حالته الباردة — تلك التي تعلم إخفاء كل المشاعر خلف قناع من اللامبالاة.بهدوء، قطع كمّ قميصه، وجثا أمام كازوما،
ثم بدأ بلف القطعة حول الجرح، يضمدها دون أن ينبس بكلمة.نهض بعدها وأدار ظهره، صوته كان منخفضًا لكنه حازم:
"اسمع... إن أردت النجاة من هنا، فلا تكن عبئًا. اتبعني بصمت."كازوما وضع يده على كتفه المصابة، نظراته امتزج فيها الامتنان بالخوف:"...أكاني هنا أيضًا."
توقّف سيزار. التفت ببطء نحوه، وجهه بلا تعبير، كأن الكلمات لم تعنِ له شيئًا:"ومن تكون هذه الآن؟"
أغمض كازوما عينيه للحظة وقال بصوت خافت لكنه واثق:"إنها صديقة أخي الصغير...ولن أغادر هذا المكان بدونها."
صمت سيزار قليلًا، ينظر إليه بصمت يشبه العتاب،هو لا يريد أن يعود مجددًا لذلك الوجه الضعيف الذي كان يظهر أمام كازوما قديمًا.
ومع ذلك... لم يستطع أن يرفض.أطلق تنهيدة قصيرة، ثم قال دون أن يلتفت:"لننهي هذا الأمر فقط."
ثم تابع طريقه، وكازوما خلفه.
يتبع.......
......................................
مساء الخير جميعا ، كيف أسلوب السرد الجديد.. ؟ احب ان اسمع رأيكم عن الاحداث ، لا تحرموني من تعليقاتكم اللطيفه
RIRI