المغلوب عليه

المغلوب عليه

25 0

تراجع يوما خطوة للوراء، أنفه بدأ يشم رائحة الموت.كانت كأنفاسه الأخيرة تُسحب من صدره بهدوء خبيث.لكن، قبل أن يطلق قدميه للفرار، تذكر...أن الهروب لا يعني النجاة.الهروب يعني العودة... إلى ذلك المكان المشؤوم،حيث العذاب له وجوه، وحيث أولئك القوم لا يرحمون،ولا يموتون.شخصٌ مثله... إن لم يمت هنا،فقد يُسحب إلى جولة أخرى من الألم — أسوأ.لذلك، لأول مرة، لم يمانع الموت.

كان مرهقًا... حدّ العظم.تعب من الحياة، من مرضه، من جسده، من نفسه.فليأخذه الموت.قفز الوحش، الكيان المسمى أنوبيس، ليبتلعه.أغمض يوما عينيه ببطء، منتظرًا الألم...لكن ما جاء لم يكن الألم.ما سمعه كان أنينًا.

صوت ألم... لكن ليس له. بل للوحش.فتح عينيه ببطء.الوحش ميت.وقف يوما متصلبًا، جسده يرتجف، أنفاسه متقطعة."ولكن... كيف؟"قالها بصوت متحشرج. ثم تراجع خطوة، وصرخ:"لا... مجددًا! لا!"كأن الإدراك ضربه في صدره،ركض نزولًا عبر الدرج، لكن قدميه خانتاه.

تعثر.سقط.ارتطم جسده بالأرض الصلبة.رفع رأسه بتثاقل، الدماء في فمه، وصوته مخنوق:"إنهم هنا... إن مت الآن... سأُسحب إليهم... إلى جحيمهم...تبا! عليّ أن أهرب... أن أهرب الآن!"

وفجأة—"يوما!"صوت مألوف.حار.حيّ.استدار، والدموع ترتجف في عينيه.نظره وقع على ربوبي —الروبوت الصغير الذي شاركه وحدته،رفيقه الوحيد في تلك العزلة الطويلة.

كانت تقف، ضوءها الوامض يشع بشدة.عيناها البسيطتان تحملان كل الرجاء الذي فقده للتو.اندلعت النيران.صرخات، ضوضاء، جثث ممددة، دماء تسيل مع المطر.دخان يتصاعد، وشرارات تتطاير من النوافذ المتفجرة.

صوت سيارات الإسعاف ورجال الإطفاء والشرطة يتداخل مع صراخ من فقدوا أعزاءهم.كل شيء احترق... إلا يوما.

كان واقفًا، وحده، وسط العاصفة.ينظر إلى ربوبي — تلك الربوت الصغيرة التي كانت تشاركه الصمت ذات مساء بعيد.ابتسم بسخرية مُرة وقال، بصوتٍ متهالك:"تعرضت للخيانة من البشر... والآن من الآليين أيضًا.حتى الذكاء الصناعي خذلني؟ كم أنا... نحيس."لم يظهر الغضب في عينيه، فقط حزنٌ قديم، مُر، لا يُشفى.لكن...على شاشة ربوبي ظهر رمز حزن، ثم قالت بصوتٍ هادئ:"إنهم في الطابق رقم 10، ونحن في الطابق 23."نظر إليها يوما ببرود، دخان يتسلل من تحت الباب، وشرارة سقطت من السقف:"تعرفين التالي... لما عليّ أن أثق بك؟"رنّت صاعقة في السماء، وضربت شجرة بجانب المجمع، فاشتعلت كأنها فأرة في عش نيران.

ألسنة اللهب بدأت تتسلل إلى الأعلى.لكن، وسط هذه الكارثة...أضاءت شاشة الربوت، وانعكس على وجه يوما رمز وجه مبتسم.ثم قالت بصوت يحمل شيئًا لم يكن يُفترض أن تحمله الآلات:"ربما لأنك أنت من أنقذني،وأنت الوحيد الذي يعرف قصتي.إنهم في الطابق 15 الآن... لكنك تعرف ما عليك فعله.اصعد إلى السطح.الوداع، يوما."ثم... توقفت.سكت الضوء.سقطت الربوت.

توقّفت سيارة سوداء فاخرة أمام المجمع المشتعل.السماء تمطر، لكن المطر يبدو كدموع خجولة لا تقوى على إخماد النيران.

خرج من السيارة ذلك الفتى صاحب الشعر البنفسجي المتدرّج للأبيض، خطواته هادئة، كأن لا شيء يخيفه.

عيناه، بلون الغبار الليلي، تجولتا على ألسنة اللهب الراقصة على جدران المبنى."لمَ يحترق المجمع؟" سأل، بنبرة باردة.أجابه السائق الذي نزل خلفه، متوترًا:"ربما... اشتعل أحد البيوت فجأة، سمو الأمير رييد."ولم تمر ثانية...أربعة انفجارات متتالية، من زوايا مختلفة من المبنى.

اهتزت الأرض.تحطم الزجاج.عمت الفوضى.صرخ السائق، وذعره يتسرب في كل حرف:"هجوم... هل هو هجوم من المافيا؟! سمو الأمير، لنبتعد من هنا أرجوك!!"لكنه لم يجد سوى رييد واقفًا في مكانه، لا يتحرك، لا يرتجف.كان فقط... يراقب.النار، الصراخ، العدم...كأنه يبحث عن شيء في قلب الجحيم.وفي الداخل...يوما يركض... لا، يسقط وهو يحاول أن يركض.أنفاسه تحترق،صدره ينفجر من الداخل،القلب يطقّ وكأنه يقول له: "كفى... كفى... كفى..."لكن يوما لا يسمع.أو ربما... يرفض أن يسمع.كل ما يعرفه أنه يجب أن يصعد.إلى السطح.فقط إلى السطح.خطوة بعد خطوة...الدخان كثيف،والأرض تهتز من الانفجارات،وصوته الداخلي يصرخ: "لماذا؟ لماذا أثق بروبوت؟! لماذا أهرب أصلاً؟"اتكأ على الدرابزين، يداه ترتجفان،ركبته تكاد تنكسر من الألم،وقال بصوتٍ بين التنفّس والبكاء:"أنا... لا أريد الهرب... لكني لا أريد الموت أيضًا...هل كان من المفترض أن أموت؟"ثم فجأة...سمع شيئًا.صوتًا خافتًا قادمًا من فوق...

أنين غريب اخترق صمت الدرج المهجور،تسلّل إلى أذني يوما كهمسة جحيم، جعل بدنه يقشعر،وتوقف لوهلة، ينظر للأعلى...الظلام كثيف،الرعد يهدر، والبرق يشقّ السماء كالسيف،ومن بين ومضات الضوء... رأى الكابوس.كان مخلوقًا على هيئة إنسان،لكن بشرته بلون أخضر داكن، قذر،يغطي نصفه السفلي قطعة قماش بالية،ورأسه... تتدلّى منه خصل ليست شعرًا، بل أفاعٍ تتحرك ببطء، كأنها تحيا.أظافره طويلة، حادة كأنها خُلقت لتشق اللحم،وجسده مغطّى بما يشبه الحراشف المعدنية،وعيناه... حمراوان كدم يغلي في صمت.يوما ابتلع ريقه،ضحك بسخرية مريرة،وقال بصوت مبحوح:"ههه... يا سلام...اليوم قرّر الحظ أن يخونني أيضًا؟"كان يعلم...فرصة النجاة ضئيلة، إن لم تكن معدومة.لكن فكرة الموت، رغم كل شيء، لم تكن مغرية.بل بدا له أنها أسوأ من أن يُكمل حياته المحطّمة.وفجأة، قفز الوحش — داموتفير — نحوه كالسهم،يوما، بخفة بائسة، ابتعد عن الدرج...وفي اللحظة ذاتها ارتطم جسد الوحش بالسور الحجري،فتحطّم بأكمله، وتناثرت شظاياه مع الرعد.لكن داموتفير لم يسقط.استدار ببطء، وراح يحدّق في يوما.العرق يبلل جبهة الفتى، أنفاسه متسارعة،قال بصوت خافت مبحوح، يائس لكن صلب:"لن يعجبك الاقتراب مني، صدقني يا سيد داموتفير."اختفى الوحش من أمام يوما في لمح البصر،كأن كلماته أثارت فيه ردة فعل غريزية.وما هي إلا لحظة حتى ظهر أمامه مجددًا—

1

قريبًا، مرعبًا، لا يفصله عنه سوى الهواء المرتجف.قبضته انطبقت على صدر يوما بقوة عنيفة،دُفع الفتى أرضًا، جسده ارتطم بأرضية الدرج الرطبة،وقبل أن يلتقط أنفاسه،

فتح الوحش فمه، وغرس أنيابه الحادة في كتفه الأيسر.السترة المدرسية تمزقت كأنها ورقة،وصرخة يوما شقت أروقة المبنى،صدى الألم انتشر...لكن لا أحد سمعه وسط جحيم الخارج.عين داموتفير...تبدلت فجأة.من نظرة صيدٍ بارد إلى جنون هستيري.قبضته على جسد يوما اشتدت،والدم بدأ يتفجّر من الجرح المفتوح، يتلوّن بالمطر والعرق والخوف.ثم...

كمن لُدغ من داخله،ابتعد الوحش فجأة عنه بطريقة هستيرية،وتراجع بظهره وهو يصرخ... صرخة تشبه زئيرًا مشوّهًا.ركض باتجاه الجدار الحجري قرب الدرج،وبكل قوته حطّم النافذة،تناثرت قطع الزجاج داخلاً وخارجًا،وقفز منها دون تفكير.قُفزته قادته مباشرة إلى حيث يتجمّع الناجون،رجال الشرطة، المسعفون،أضواء الإسعاف تومض، والناس تصرخ...ويوما...ما يزال هناك، ملقى على الأرضية الباردة،جسده يرتعش...عيناه تحدّقان في السقف، والدم يتسرّب من كتفه كأنما يسيل منه آخر ما تبقى من قوّته.

في الأسفل، عند البوابة الأمامية للمجمع السكني،كان أحد ضباط الشرطة يصرخ وهو يشير نحو أحد المسعفين:"احمله بسرعة! أبعده عن المبنى، قد ينهار في أي لحظة!"الانفجارات سبّبت تصدعات خطيرة، والوقت لا يسمح بالتردد.لكن فجأة...صوت ارتطام عنيف بالأرض دوّى خلف الضابط.استدار ليتفقد مصدر الصوت،ولم يُتح له حتى أن يفتح فمه.داموتفير كان هناك—وفي حركة وحشية، اقتلع رأس الضابط كما لو كان دمية من قماش.الرجل الذي كان يصرخ للمساعدة منذ لحظات،سقط أرضًا بلا رأس، وجسده الغارق في الدماء يرتجف للمرة الأخيرة.المسعف الذي كان يقف قربه،تجمّد في مكانه من شدة الذعر.لا صراخ، لا هرب...فقط عيون اتسعت من الرعب، وأنفاس احتبست في حلقه.داموتفير التفت إليه،وفي مشهد يبعث القشعريرة، ابتلع رأس الضابط بالكامل،كأنه كان يلتهم ثمرة ناضجة.ثم...

اهتز جسد الوحش فجأة،وبدأ ظهره يتمدد بطريقة مروعة،وخرجت منه أجنحة ضخمة، جلدية، سوداء،تشبه أجنحة الخفافيش، لكنها أضخم وأكثف،كأنها بُنيت للطيران وسط العواصف.ضحك داموتفير ضحكة خبيثة مجنونة، وقال بصوتٍ أجشّ:"أخيرًا... اكتملت."صرخات الهلع مزّقت السماء.الناجون فرّوا بلا اتجاه،بعض رجال الشرطة تراجعوا،وحتى المسعفون... تركوا المعدات وفرّوا بأرواحهم.لقد تكلّم الوحش.نطق بكلمات.وهذا وحده كان كافيًا ليقلب الخوف إلى ذعر خالص.نظر داموتفير إلى الحشود التي تركض مذعورة،ضحك ضحكة قصيرة ملؤها الغرور،ولكن...في لحظة لا تتعدى جزءًا من الثانية،قطعت ذراعه اليمنى!صرخة غضب مكتومة خرجت منه،نظر إلى ذراعه المبتورة، ثم إلى الجهة التي جاءت منها الضربة.الدهشة ارتسمت على وجهه،

لكن لم تدم طويلًا، إذ ارتسمت على شفتيه ابتسامة غرور مقيتة."ههه... مجرّد خدش."ابتعد سريعًا عن بوابة المجمع، متجها نحو الداخل.وفي غضون ثوانٍ، تجددت ذراعه بالكامل أمام العيون المذهولة.اللحم نما من جديد، العضلات التحمت،والجلد الأخضر المليء بالحراشف عاد كما كان... بل أقوى.ثم... سُمع وقع خطوات هادئة تدخل من البوابة.ظهر فتى،قمة شعره بنفسجية تتلاشى تدريجيًا إلى الأبيض،عيناه ثابتتان، حادّتان كحدّ السيف الذي يُمسكه."رييد."شد قبضته على غمد سيفه الأبيض الذي يتلاشى نصله تدريجيًا للأسود،وفي اللحظة التالية...اختفى.الداموتفير تجمد في مكانه،وظهرت شرارة توتر على وجهه للمرة الأولى.ثم — في لحظة خاطفة —عاد رييد للظهور أمامه،وقطع نفس الذراع مجددًا بضربة حاسمة!تطايرت الدماء، وسقطت الذراع أمام قدمي الوحش.قال رييد ببرود،وصوته يحمل سخرية لاذعة:"لا أعلم كيف لمخلوق مقرف مثلك أن يتكلم...أو متى أصبح أمثالك يجددون أطرافهم كالسحالي؟"تراجع الوحش خطوة للخلف،لأول مرة منذ ظهوره...بدأ يشك أن هذه الليلة لن تكون كما خطط لها.تنهد الفتى،

وفي لحظات—وبضرباتٍ لا تُرى بالعين المجرّدة—مزّق أطراف الوحش،الذي صرخ بألمٍ حاد، تتردّد أصداؤه في أرجاء المبنى.دماؤه الحمراء لطخت الأرضية،وسالت حتى وصلت إلى عتبات الدرج،ثم سقط مغشيًا عليه، يتلوّى، منهارًا تمامًا.اقترب الفتى بخطواتٍ بطيئة وواثقة،ونظر بازدراء إلى الكائن الملقى أمامه،وقال بصوتٍ منخفض، لكنه مملوء بالحسم:"كنت سأقتلع رأسك كما أفعل عادةً مع أمثالك...لكنك تتكلم، وهذا غير اعتيادي.مكانك ليس هنا... بل في مركز الأبحاث.

مصيرك أن تكون فأر تجارب، أيها القذر."وقف فوقه، كأنه يراقب حشرة تحت حذائه،حينها، اندفع رجل إلى الداخل بسرعة،صوته المرتجف حمل نبرة ذعرٍ صادقة:"سيدي الأمير! أرجوك، ابتعد عنه لنهرب!ماذا لو هاجمك هذا الكائن ثانية؟!لن أنجو من العقاب، سيعدمني اللورد السابع!!أتوسل إليك!"ركع السائق على ركبته، يتوسل بأعين خائفة،لكن الأمير رمقه بانزعاجٍ شديد،صوته حمل غضبًا مكتومًا:"اصمت، أيها المزعج... فقط اصمت."وفي تلك اللحظة،خرج صوت داموتفير، مبحوحًا، منهكًا،لكنه واضح:"لقد... وجدته."رفع رييد حاجبه باهتمام مفاجئ،وتوقف في مكانه، ثم قال:"ماذا قلت؟"صرخ السائق مجددًا، وقد بدأ يرتجف:"إ-إنه مجرّد وحش مجنون! لا تصغِ له! دعنا نهرب، أرجوك!"لكن رييد لم يلتفت إليه،بل قال بهدوء، وهو يحدق في الوحش:"أخرس، أيها الجبان.غادر، لن يؤذيك اللورد. هذا...على مسؤوليتي."وكم فرح السائق!وكأن تلك الكلمات كانت النجاة التي انتظرها منذ زمن،ركض إلى الخارج بكل ما أوتي من قوة، وقد غمره ارتياحٌ نادر وسط الفوضى.نهض الوحش من سُباته كالمجنون،وقفز فوق الدرج المتداعي، يركض كمن فقد عقله،صوته يجلجل في المكان:"إنه العيّنة رقم 152...الشخص الأول الذي تم إنبات الجذع فيه!"قالها داموتفير بصوتٍ تملأه الإثارة،وبلحظة، تجددت أطرافه الممزقة بسرعة خارقة،كأن الألم لم يكن قط.وبقوةٍ عاتية، بصق من شعيراته—التي تُشبه الأفاعي—سمًّا قاتلًا باتجاه رييد،لكن الأخير صد الهجوم بحركات دقيقة بسيفه،

رسم بها نصف دائرة في الهواء،تطاير خلالها السمّ في كل اتجاه.نظر الفتى بسرعة إلى الدرج،فرأى الوحش يركض بسرعةٍ لا تُصدق فوق السلالم المتآكلة، التي خرّبتها الانفجارات والنيران.

لم يتردد،ركض خلفه على الفور،لأنه يعلم تمامًا... لا خير في وجهة داموتفير.وفي الأعلى، تردّد صوت الوحش الغريب،حشرجة مُخيفة ممزوجة بنبرة جوعٍ بدائي:"لقد أكلت جزءًا من جلده...وابتلعت دماءه... وصرت بهذه القوة!بل وأصبحت أتكلم أيضاً!أنت... وجبتي، يا فتى!!"بدأ يسيل لعابه، بل وحتى شعيراته—الأفاعي—بدأت تقطر لعابًا مقززًا وهي تتحرك في جنون."أستطيع أن أشمّ رائحة دمك من هذه المسافة...أشعر به... يتغلغل في أنفي...اقتربت يا وريث الدم النقي..."في الأعلى، استمر ذلك الفتى بالصعود بخطواته المتعبة، كتفه يؤلمه بشدة، والدم يتساقط كقطرات المطر من مكان الإصابة،

الجو بارد ممطر، وهو مريض القلب وضعيف الجسم.وصل أخيرًا إلى باب السطح بعد معاناة طويلة،وأمسك بمقبض الباب محاولًا فتحه،حاول مرارًا وتكرارًا لكن دون جدوى،نظر إلى الأرض بمرارة، ودموعه تبلل وجناته،ثم ضحك بصوت صارخ يقول:"يا لي من أحمق... صدقتُك!كيف كنت سأهرب من السطح؟ أنتحر مثلاً؟مجدداً... سأعود إلى هناك مجددًا..."جلس على الأرض، أمسك وجهه بين يديه،قال بحزن عميق:"إلهي... أنا متعب، مريض، بلا وطن، بلا عائلة،عديم القوة... لماذا يحدث لي هذا؟ما الحكمة من كل هذا؟"حاول مسح دموعه بيديه المرتعشتين،كانت ملابسه مبللة ومتسخة، وسترته الممزقة من جهة كتفه تزينها الدماء.سمع فجأة صرخات الوحش، وأصوات وقع أقدام تدل على اقترابهم،أدرك أنهم وصلوا، لكن ليس كما كان يتخيل.أمسك الوحش بسور الدرج، وبدأ يظهر شيئًا فشيئًا،قفز نحو يوما ليلتهمه كما كان يحلم،"كم كرهني الحظ، وعشقني النحس"قالها الفتى وهو ينظر لنهايته.لكن فجأة... تمزق جسد الوحش إلى نصفين!تفاجأ يوما ودماء الوحش تلطخ وجهه وملابسه،قال مذهولًا:"لم ينفجر؟ لقد انشطر؟"نظر إلى رييد، الذي تعرّف عليه، لكنه لم يكن يتوقع كيف سيتذكره،خصوصًا في حالته المزرية والمتسخِة.عندما التقى بنظرات رييد،اتسعت عيناه، واندفع شلال من الذكريات العنيفة إلى ذهنه،فتى يصرخ قائلاً:"لن أدعك تذهب وترمي بحياتك بعيدًا كالمجانين!"في ذلك المختبر، كان يمسك بيد صبي صغير،ذا شعر أسود كامل وعينين حمراوين زهريتين...اقترب رييد ببطء من يوما، الذي بدا مشلولًا من الألم،وأمسك رأسه بحنان،ثم جلس على ركبته وقال:"أنت ذلك الفتى من المدرسة؟ ما مشكلتك مع كل هذه المشاكل؟وما قصة كونك العينة رقم 152؟"أصيب يوما بهلع واضح، حتى أن رييد لاحظ ذلك، فغضب بشدة وصاح بصوت مروع:"وما علاقتي أنا بعينة لا أعرف عنها شيئًا؟! نحن لم نلتقِ إلا صباح هذا اليوم، وأنت تأتي وتقول لي هذه الأمور!"شعر رييد بغرابة، وشم رائحة الكذبة الواضحة من كلام يوما، فقال بغضب:"أتتنكر الحقيقة؟ هل تعرف من أنا؟"أزاح يوما عينيه عنه بنظرة متجهة نحو الجدار، وقال ببرود:"أنت رييد، أمير نورثلاند من المدرسة...أنا لا أعرف شيئًا عن تلك الأكاذيب التي يتفوه بها ذلك الوحش المعتوه.هل ستذهب إلى لورد الحرب وتشتكي عليه بسببي؟لقد استعمرت مملكتي بسببكم، أو ربما سترتاح لو متّ."لم ينطق رييد بأي كلمة، لكنه شعر بالانزعاج الحقيقي من إنكار يوما،وكيف أنه يرفض أي علاقة له بالموضوع أو حتى بفكرة قتله.

وبعدها تساءل في نفسه لماذا اعتقد يوما أنه سيشتكي عليه.اقترب رييد منه قائلاً بهدوء مشوب بالصرامة:"أنت مصاب الآن."نزع سترته ومزقها، ثم أمسك بكتف يوما برفق،وبدأ يضمد جرحه بقماش السترة، دون أن يسبب له أي ألم.قال له:"إصعد على ظهري، سأنزلك من هنا."لم يرد يوما على الاقتراح،لم تعجبه الفكرة، ورفض أن يصعد على ظهره.سمع الاثنان صوتًا قادمًا من الخلف. استدار رييد بسرعة، وسحب سيفه الذي ظهر فجأة من العدم، ليصد به ضربة الوحش المقزز الذي بدأ يتفوه بكلمات لا معنى لها، منها صراخه الغاضب:

"ليس لك، وجدته أنا أولاً! أنا الأحق به!"بدأ رييد يدفع قدمه إلى الأمام، محاولًا بسيفه إبعاد ذلك الوحش القذر عن طريقه، وبدفعة أقوى أبعده حتى وقف على الدرابزين.رييد كان يعلم جيدًا أن يوما لا يملك القوة، وإلا لما وصل إلى هذه الحالة. كان يخشى أن يتأذى وسط هذا الجو المشحون، ووسط هذا القتال القريب منه.ارتفع صوت الرعد، واشتدت الأمطار، فرفع رييد رأسه نحو السماء وقال بتحدٍ وحزم:"تريده؟ أتحداك أن تأخذه مني!"في تلك اللحظة، بدأ أساس المجمع السكني ينهار تدريجيًا، حتى بدأ يميل ليسقط بالكامل.في الخارج، كانت الشرطة وقوات الطوارئ في خضم عملية إخلاء السكان، وسط فوضى عارمة تنتشر بشكل غير منظم، وكأنها تعبير عن الخراب الذي حل بالمكان.قفز الوحش من فوق رييد متجهًا نحو يوما، وأفعى رأسه أطلقت سُمًا قوياً باتجاه رييد، لكن الأخير تصدى له بسرعة، فتبخّر السم قبل أن يصل إليه. قفز رييد صوب الوحش وشطره بسيفه مرة أخرى، لكن المفاجأة كانت أن الوحش لم يعد واحدًا، بل أصبح اثنين!بضربة قوية من قدمه صوب الأرض، أطلق رييد ظلالًا على شكل أختام تحطمت بقوة على الأرضية، مما تسبب في انهيارها وسقوط الوحشين إلى الأسفل، يصدران صرخات الألم.استدار رييد سريعًا وسيفه موجه نحو يوما، الذي أغلق عينيه معتقدًا أن رييد سيقتله بلا رحمة. أميرٌ لا يحاسبه أحد على قتل شخص بلا وطن أو مأوى.فجأة، سمع يوما صوت تحطم عظيم. فتح عينيه ببطء، ونظر إلى يديه ليجد نفسه بخير، ثم ببطء التفت نحو باب السطح الذي بدا وكأنه تدمر تمامًا. بقي يوما ساكنًا، متصنمًا، غير قادر على فتح الباب المدمّر.اقترب رييد من يوما، وحمله على كتفه رغم معاندته وصراخه، وهو يطالب بأن يُترك في حال سبيله. لكن رييد كان أقوى، وأدخل يوما إلى السطح بينما لا زال يصرخ ويعاند قائلاً:"أتركني! أفلتني! هل سترميني؟"شعر رييد بالضيق من هذا السؤال وقال له بنفاد صبر:"هل يمكنك أن تسكت؟ أنا أحاول إنقاذك وإنقاذ نفسي!"عرق جبين يوما، وصرخ متسائلاً:"كيف؟"أجابه رييد بصوت عالٍ:"أنت أحمق! ستعاود تلك الوحوش الصعود، والمبنى سينهار! الحل الوحيد للنجاة هو أن نقفز نحو البحيرة."بدأ يوما يضرب بيده على ظهر رييد وهو يصرخ:"لماذا تهرب؟ أنت فارس! اقتله فقط وأنزلني..."شَدَّ رييد على قدمي يوما بقوة، وصرخ فيه:"هل أنت أحمق أم أعمى، أم الإثنان معاً؟ لقد قتلته مرتين وهو يعود للحياة! هذا الوحش غير طبيعي!"رد يوما بغضب:"وما دخلي أنا؟ اتركني!"فضل رييد ألا يرد على كل هذه الأسئلة، فجأة سمعوا صوت صرخات، نظر يوما بسرعة نحو الباب وقال بقلق:"هل عادت داموتفير؟"بلع يوما ريقه، وكانت عيناه تتجهان نحو جهة الباب التي دخلت منها تلك الوحوش على سيرتها المعتادة. رييد لم ينظر إليهم، بل كان مركزًا على ما أمامه.وقف رييد على حافة السطح، وقفز حاملاً يوما معه، وفي ذات اللحظة انهار المبنى بالكامل. كانت المسافة بينهما وبين الوحوش قليلة، مجرد خطوات سير بسيطة، لكن الوحوش فشلت في اللحاق بهما وسقطا مع المبنى.فم يوما كان مفتوحًا من شدة دهشته؛ قفزة رييد كانت عالية جدًا، فتساءل في نفسه: ما مدى قوة رييد؟ لكن عيناه لم تغادر المبنى وهو ينهار. لقد عاش هناك لفترة، لكنه لم يشعر بالحزن على تلك الذكريات، بل شعر بشيء من الراحة لأنه بعيد عنهم الآن.فجأة، شعر بقبضة تمسك يده بقوة، فأدار رييد ظهره بسرعة نحو البحيرة، حامياً يوما حتى لا يتأذى. فهو بشر في النهاية، وقوة الاصطدام بالماء قد تسبب له أذى داخليًا. أمسكه رييد بقوة، بينما صرخ يوما قائلاً:

"ستقتلني! بماذا تفكر؟!"اصطدم ظهر رييد بالماء، مسبّبًا انفجار قطرات في كل الاتجاهات. في تلك اللحظات، شعر يوما بأن أنفاسه تتقطع، فاجتاحت المياه رئتيه. كانت المياه تبدو أكثر قتامة بسبب الأمطار، والبحيرة أعمق مما يبدو.لكن شخصًا ما بدأ يرفعه ببطء نحو السطح، وأخرج رييد ورأس يوما من الماء، بينما بدأ يوما يسعل بشدة.نظر يوما حوله وقال متعبًا:"أين أنا؟"أخذ رييد يسحب يوما إلى خارج البحيرة، وعندما وقف على الأرض جلس يوما، ولا زال يسعل بشدة.قال رييد بقلق:"هل أنت بخير؟"نظر إليه يوما بعصبية ورد:"هل تراني كذلك؟ بائس لحالي! أنا بشر، سقطت من قمة مجمع سكني يحتوي على سبعين طابقًا، وكدت أغرق في بحيرة... وفوق كل ذلك، لم يغمى عليّ! لماذا الحياة تسعى لإرهاقي بكل الطرق؟"أصيب الاخر بدهشة، :"أنت تقول إنك لست ممتنًا لأنك على قيد الحياة، بل تشتكي لأنك لم يغمى عليك؟، وبالمناسبة إنه خمسون طابق وليس سبعين"أدار القصير نظره إليه وقال بحزم:"إسمع..." توقف لحظة ليأخذ نفسًا، واتكأ على شجرة وهو جالس على الأرض المبللة بماء المطر.

"أنا مريض، صحيح، لكن لم يغمى عليّ في حياتي قط... أبسط أمانيي هو أنه حين أتألم، أن يغمى عليّ حتى لا أشعر بالألم."نظر يوما إلى السماء، فقد توقف المطر، وشعر ببعض الراحة رغم أنه مبتل ومتسخ وملطخ بالدماء. كم كره نفسه في تلك اللحظات! كم يشعر بالقرف من ذاته بسبب هذا الاتساخ.التفت إلى رييد، وأصيب بالدهشة. كان رييد في أفضل حالاته، رغم كونه مبتلًا أيضاً، لكن ذراعه وعضلاته كانت واضحة تحت قميصه الذي التصق بجسده من البلل.أزاح يوما عينيه عنه، متأكدًا مئة بالمئة أنه لن يصل لمستوى رييد، ربما لأنه بشري ومريض قلب.مد الاخر يده نحو يوما "تعال، لن تحب أن نبقى هنا، لنغادر."ابتسم القصير ببرود وبساطة ورد:"لا، لن أذهب، غادر أنت."تغيرت ملامح رييد على الفور، وتحولت إلى الغضب، بنبرة حادة وقوية:"هل أنت غبي وأحمق، أم تحب أن تعاند وترفض بلا أسباب كالأطفال؟ أنت بحاجة لمساعدة الإسعاف، أنت مصاب! هل تريد أن تموت؟ ربما ذلك المخلوق قد سمّمك."فزع يوما من تلك الكلمات، وخفق قلبه بقوة، لكنه ناضل وأمسك صدره وقال:"اسمع، هل أنت أمي؟ أم أخي الكبير مدلل زمانك؟! اترك وجهي ودعني وحيدًا! لقد أنقذتني، شكرًا لك، والآن... انقلع، من فضلك."

سمع كلاهما صوت خطوات تقترب بسرعة. كان رجلاً يرتدي زي الشرطة. اقترب منهما وسأل:"هل أنتما بخير؟"هز رييد رأسه بالإيجاب، أما يوما فنظر إلى الشرطي بارتباك واحتقار.اقترب الشرطي أكثر، ثم قال له بصوت متعاطف:"أوه، بني، أنت مصاب؟ هل تشعر بالألم؟"مد الشرطي يده ليمس كتف يوما، وفجأة تغيرت ملامحه ووجهه تحول إلى وجه وحش مخيف. قال بصوت مزمجر:

"تبدو شهياً... قلت إنك لي."فاجأ يوما بلكمة قوية على كتفه المصاب، جعلته يصرخ بألم شديد. تجمد رييد من هول المفاجأة، لقد كان وحشاً متنكرًا في هيئة إنسان!مد رييد يده، وظهر سيفه من العدم. بحدة وطعن الوحش الذي كان يحاول التهام كتف يوما بأسنانه الحادة كالسكاكين.رغم أن الوحش ترك يوما، إلا أنه حاول بشدة نزع السيف من يد رييد. استمر رييد بالضغط، حتى سقط الوحش أرضًا، وهذه المرة تبخر ومات.تنهد رييد وقال وهو ينظر إلى مكان اختفاء الوحش:

1

"لكن ما هذا الهراء الذي يحدث هنا؟ لماذا لم يموت في المرات السابقة؟"سقط يوما على الأرض وهو يتألم بشدة في كتفه. حمله رييد على ظهره، وهذه المرة لم يقاوم يوما، فقد فقد طاقته تمامًا.مع ذلك، بدا يوما منزعجًا، يتألم بشدة، ويتمنى لو يغمى عليه أخيرًا.اقتربا من البوابة الأمامية للمجمع حيث يمكن أن يجدوا المساعدة. نظر الأكبر إلى الأصغر وقال:"اصبر أيها المنحوس، سنصل إلى الإسعاف..."لم يكد رييد يكمل جملته حتى اتسعت عيناه من هول المشهد أمامه.نيران تلتهم المكان، الناس ميتون، سيارات الشرطة والإسعاف مقلوبة ومحطمة، أصوات الإنذارات والطوارئ تعلو، وسيارات الإطفاء والدعم المدني تصل، وحتى المروحيات تحلق فوق رأسيهما.تنهد يوما بتعب شديد وقال:"أكره الحياة... وأكرهك."لم يجب رييد، بل بدأ يلتفت حوله بقلق.رأى سيارة أمامه، بابها مفتوح وبالقرب منها بعض الجثث.اتجه نحوها حاملاً يوما على ظهره.وصل إلى السيارة، اقترب من باب الراكب، وانخفض ليحاول فتحه.لم يضع رييد يوما   على الأرض خوفاً من أن يظهر شيء ما ويهاجمه مرة أخرى.فتح الباب المجاور لمقعد السائق بصعوبة، ووضع يوما على المقعد وأغلق الباب.اتجه نحو باب السائق، حيث كانت هناك جثة رجل أمام الباب المفتوح.أبعد رييد ذراع الجثة ودخل إلى الداخل، ثم رأى المفتاح موجوداً.أغلق الباب وحرك السيارة.ما إن تحركت السيارة حتى ظهرت أمامه ذئاب أنوبيس. لم يتوقف، دعس بعضها وأجبر البعض الآخر على الهرب.ضحك يوما قال:"ه... ه... لكن لماذا أنا منحوس؟ هل تعرف كيف تقود؟"نظر رييد إليه وقال:"ما زلت مستيقظاً؟"رد يوما:"مازلت؟" ،أتبها بنبرة تعب:"أنا قلت لك، مهما حدث، أنا لا أغمى علي بسهولة."تنهد رييد ونظر أمامه:"ظننتك تبالغ."ابتلع يوما ريقه وأغلق عينيه قائلاً:"إن كنت ستأخذني للمشفى، لطفاً توقف واتركني في الطريق."واصل التنفس بصعوبة حتى سمع رييد يقول:"لا، لن أخذك للمشفى. لست أحمق."فتح يوما عينيه ببطء ونظر إلى رييد الذي أكمل:"لن يرحمك الفحص المختبري. أعلم أن هناك شيئاً تخفيه... لذلك سأخذك لمنزلي."عمّ الصمت لفترة، ثم قال يوما:"ما مقابل هذه المساعدة؟"لم يجب رييد بسرعة، واجتاز إشارة المرور.وفي منتصف الشرود قال رييد:"يوماً ما سترد لي هذا الدين... كيف؟ لا أعلم."

...في الأسفل، حيث امتدّت ظلال الحطام كأنها فمٌ مفتوح ينتظر الضحية التالية، وقف الداموتفير، ذاك الكائن الذي شرب الدم يومًا، تلوّح جناحاه السوداوان في الهواء المترب، بينما تعالت ضحكته فوق الخراب، ساخرة، مستفزة.

رجال الشرطة، رغم خوذهم ودروعهم، بدوا كأطفال خلف لعبة نارية خرجت عن السيطرة. كل درع يُرفع، ليس لحماية القانون... بل للاحتماء من مصير لا يفهمونه.وفي الأعلى... كانت المروحية تدور في مدار قلقها، تشهد على المشهد كأنها شاهدة زور.

بجانب الباب المفتوح، وقف شابٌ بشعرٍ بنيّ، تغطي عينيه ضمادات بيضاء. الهواء يعبث بخصلاته، يحركها ببطء كما لو كان يختبر قوته ضده.

قميصه الأسود يلتصق بجسده، وبنطاله يتمايل مع الرياح، أما الحذاء البني الطويل فقد بدا كأنه خُلق للموت، لا للسير. على كتفه شارة صفراء باهتة، مطرّزة بخيط أسود دقيق، يتوسّطها حرف واحد فقط:"I".لم يتحرك. فقط وقف هناك، يتأمل الصمت الذي يسبق الهبوط."هل ستقفز بدون مظلة؟"جاء الصوت من خلفه، ناعمًا، باردًا، كأنه سؤال لا يتوقع إجابة.كان مارك، الشاب الأشقر، بوجهه الصافي وعينيه الرماديتين اللتين لا توحيان بشيء، سوى فراغٍ من نوعٍ خاص.ابتسم صاحب الشعر البني، ابتسامة خافتة، ثم قال بصوت منخفض، فيه شيء من العبث... وشيء من التحدي:

"هل تتحداني، مارك؟ أم أنك تظن أنني لا أملك الجرأة؟"خطا خطوة نحو الفراغ، وكان الهواء الوحيد الذي تجاوب معه."من أجل العدالة... سأنتقم منهم أجمعين."قفز.كأن الأرض نادته باسمه الحقيقي. سقط بثبات، وثقته تهز كوكبًا بأكمله.شعره يرفرف كجناح خفاش، وعيناه المغطاتان لا تمنعانه من الرؤية. بل، كأنهما تمنحانه رؤيةً أعمق.مارك، من الخلف، أغمض عينيه للحظة. تنهد. ثم أغلق الباب ببطء. في الأسفل، كان الداموتفير لا يزال يعبث  مع الشرطه ، يرميهم واحدًا تلو الآخر، كأنهم حجارة في لعبة مملة.ثم...

قبل أن يصطدم الشاب بالأرض، ارتسمت على وجهه ابتسامة. ليست ابتسامة بشر... بل ابتسامة شيطان استيقظ أخيرًا.من يده انفجرت موجة طاقة حمراء، تحولت فورًا إلى قفاز، ينبض، يتنفس، يحيا.هبط فوق رأس الوحش.الاصطدام كان أشبه بانفجار.

الحجارة تطايرت. الأرض تأوهت.ثم قفز مبتعدًا عن فم الوحش المسحوق، ووقف بثبات أمامه، كأنّه كان في موعد.صفّر. مدّ يده، ونطق ببطء، بصوت هادئ كالعاصفة:

"تعال إلي يا قرة عيني... ستغرب عن الوجود، أعدك."الوحش، رغم حجمه، بلع لعابه. حدّق. ثم اندفع. لكنه لم يصل.انفجرت حنجرته، وتقطّعت أطرافه بسرعةٍ لم يرها أحد. كأن شيئًا غير مرئي اخترقه. لا... لم يكن غير مرئي تمامًا. كانت هناك خيوط... خيوط حمراء، دقيقة، حادة، بالكاد تراها العين.وفي نهاية تلك الخيوط، كانت اليد. اليد التي ارتدت القفاز.لم يمت.حتى بعد كل ذلك الخراب، كلّ تلك الشظايا التي تشظّت من جسده، أعاد الوحشُ تشكيل ذاته. وفي لحظة عودةٍ خافتة، انتشرت من شعره أفاعٍ صغيرة بدأت تهمس.

لكنها لم تهمس بكلمات.بل بغاز. رمادي، كثيف، ثقيل كالدخان... يشق طريقه عبر الهواء مثل لعنة.الشرطة تراجعت، كأنهم يعرفون ما سيحدث، أو ربما لا يريدون أن يعرفوا.الوحش، وسط السحابة، التفت يبحث عن فريسته التي لا يراها، همّ بالفرار وهو يتمتم:"لقد أرسلت نسختي لما لم تحضره..."لكن الصوت جاءه من العدم.

لا صدى. لا تحذير.فقط ضربة.ضربة صامتة، موجهة بدقة إلى خصره، دفعت جسده الهائل في الهواء كما لو كان دمية.وفي ثانية... كان الشاب صاحب الشعر البني فوقه، الهواء يصرخ من حوله، والضمادة على عينيه لا تزال في مكانها.ضربة ثانية، من القدم ذاتها، أسقطته نحو الأرض كوزنٍ فقد توازنه.الاصطدام زلزل المكان، لكنه لم يكن نهاية.الخيوط الحمراء... الدقيقة، التي كانت نائمة على الأرض، نهضت فجأة ككائنات واعية، ولفّت جسد الوحش، ثم...

فجّرته.لا صراخ.فقط بخار، يتلاشى، كأن وجوده لم يكن أبدًا.هبط الشاب ببطء، كأن الجاذبية لا تجرؤ على استعجاله.طرف قدمه لامس الأرض أولًا، بهدوء طفل. ثم بقيّته.

وقف بثبات، والهدوء يلف المكان، رغم احتراق الرائحة.من خلف الدروع، بدأ رجال الشرطة يهلّلون، يصفّقون، كأن أحدهم أعاد النبض لعالمهم.هبطت المروحية.فتح بابها، وخرج منها مارك، صاحب الشعر الأشقر.كانت خطواته واثقة، سريعة، والرياح تعبث بشعره الرمادي كما لو كانت تعرفه.توقف أمام زميله، ونظر إليه نظرة صامتة... فيها فخر خفي، فيها شيء لا يقال.ابتسم زميله صاحب الشعر البني، لكن ليس بتواضع.بل بتعالٍ طفولي."هيا... قل شيئًا. امدحني."ذلك الشاب مارك لم يحرك ساكنا.فقط واصل النظر نحوه.الضمادة على عينيه لم تمنع مارك من الشعور بنظراته.تنهد مارك،  والاخر رفع يده كأنّه يستسلم، ثم قال بابتسامة مستسلمة:"حسنًا... أمزح."تقدّم أحد الضباط بخطوات مترددة، وكأن الهالة التي تحيط بالشابين أثقل من أن يخترقها بسهولة. توقف على بُعد خطوة، قال بصوت فيه شيء من الامتنان وشيء من القلق:"شكرًا لكما... أنتما من طليعة إيندنايت، أليس كذلك؟" لم يتكلم مارك. فقط اكتفى بهزة رأس قصيرة، ووجهه لم يتغير.لكن صوته جاء بعدها حازمًا، جافًا:"أريد تقريرًا حالًا... عدد الضحايا، المفقودين، وتفسير واضح للانفجارات."هز الضابط رأسه بدوره، ثم استدار راكضًا يصرخ بالأوامر. مارك تنفّس ببطء، ثم التفت نحو شريكه، نظرة جانبية وكأنها تحمل أكثر من مجرد ملاحظة."تغطي عينيك، مع أنك ترا جيدًا. هل هي حيلة رخيصة لإثارة الجدل؟"ابتسم تسوروغي، دون أن يعلق مباشرة."قلت لك السبب، وما زلت تجادلني؟"اقترب بخطوة، ثم بخطوة أخرى، حتى أصبح وجهه قريبًا بشكل مبالغ فيه من مارك."أشعر بأنك تفتقـــ—"لم يكمل.يد مارك كانت أسرع، دفعت وجهه برفق فيه بعض العنف، وقال بنفاد صبر:"هل سمعت بشيء اسمه 'قانون المساحة الشخصية'؟ يا صاح؟"ضحك تسوروغي، ضحكة خفيفة لكنها مشبعة بالسخرية."طولك مئة وستون، وتريد مساحة شخصية؟"تغيّرت ملامح مارك، ضاق ما بين حاجبيه، ثم صرخ فجأة:"أيها الوغد، تسوروغي! لا تسخر مني! تعلم أنني أعاني من مشاكل في العظام... أنا ما زلت في طور النمو! سأنمو قريبًا، أنا أثق بهذه الحقيقة!"ضحكة تسوروغي هذه المرة كانت صافية، ممتدة، ساخرة."في الخامسة والعشرين... وتنتظر أن تنمو؟ لا تدعني أضحك، بحق السماء."حاول مارك كتم غيظه، فرك جبينه، لم يرد. لكن تسوروغي، ببروده المعتاد، أدخل يده في جيب بنطاله، أخرج علبة سجائر، أخذ واحدة، ووضعها في فمه دون استعجال."هل أترجاك؟" قالها بهدوء، والابتسامة ما تزال على شفتيه.رمقه مارك بنظرة ممتعضة، ثم قال بمرارة:"عذرًا... هل أخبروك يومًا أنني ولاعة؟"ظل الصمت معلقًا بينهما، صمتٌ من النوع الذي لا يحتاج إلى تفسير. نظرات متبادلة، محمّلة بأشياء لا تقال.ثم، دون تعبير إضافي، مدّ مارك إصبعه نحو طرف السيجارة التي تدلّت بين شفتي تسوروغي، أضاءها بهدوء، ثم أبعد إصبعه كأنه يسحب شيئًا أثقل من شرارة.لم يقل شيئًا، لكن تنفسه تغيّر. سحب تسوروغي نفسًا عميقًا، ثم أزاح السيجارة جانبًا، وأطلق سحابة من الدخان... خرجت باردة، ساكنة، مثل زفرة ملّ من كتمانها.مارك سعل بخفّة، ملامحه انقبضت."هذه الرائحة... مقرفة."ضحك تسوروغي بصوتٍ مكتوم، سريع."عجيب... لم تتأثر برائحة الجثث، لكن رائحة سيجارتي تثير اشمئزازك؟ يا لك من غريب أطوار."مارك أغلق عينيه، كأنّه يطرد كل شيء للحظة. ثم قال بصوت خافت، فيه نبرة ضيق لا يحاول إخفاءها:"يكفي أنك أنت من دخنها... كي أكرهها."لم يرد تسوروغي في الحال. فقط نظر إليه، والابتسامة لم تغادر وجهه، لكن هذه المرة جاءت مع عبارة ناعمة، مستفزة:"أوه... كسرت قلبي."على أحد الممرات الجانبية، وقف شرطي يراقب الثنائي بتركيز يشبه التحديق في لغز معقد. كان وجهه مشدودًا، كأنه يتأمل تفاصيل لا يراها الآخرون.

مر زميله بجانبه، ألقى نظرة سريعة على ذلك الشرطي ثم قال بنبرة مازحة: "يبدو أنك تفكر في إحضار كرسي لتجلس هنا، هذا الانتباه شديد."أومأ الشرطي المسمى أكيهيكو دون أن يزيح عينيه عن مارك وتسوروغي. "هل هما دائمًا معًا؟" سأل بفضول.تمالك زميله نفسه، أمسك بذقنه، كأنه يحاول ترتيب قطع لغز معقد. "لم أر أحدهما دون الآخر. تسوروغي يعرف أن شريكه، سياف النار، قد يكون هدفًا لأي احد ا، لذلك مارك يبقى قريبًا منه مهما ابتعدا." ثم تابع، "هل فهمت، أكيهيكو؟"أومأ أكيهيكو وهو يتابع بتركيز متزايد، قبل أن يسأل:"علاقتهما طيبة؟ أم هناك خلاف؟"نظر زميله صوب مارك الذي كان يستلم التقارير بهدوء وقال:"قال البعض إن العلاقة متوترة، خصوصًا بسبب تنمر تسوروغي على طول مارك، لكن هناك من يرى العكس، أن العلاقة متينة."تابع أكيهيكو بسؤال آخر:"وهل هناك شيء في عينه؟"اتسعت عينا زميله، لكنه رد بلا مبالاة:"لا، عينه سليمة، لكن البعض يعتقد أن تسوروغي يضع الضمادات لإثارة الجدل."فجأة، قبض شخص ما على كتفهما، وصاح بغضب:"أيها الأحمقان، ابتعدا عن وجهي وأكملا عملكما!"تراجع الشرطي الأول بسرعة، فيما أكيهيكو أومأ وقال بصوت منخفض:"علم."وانطلقا في طريقهما.وفي لحظة انشغال الجميع، انسحب أكيهيكو نحو أحد الممرات الجانبية.ظهر على وجهه عرق أسود يشبه جذور النباتات، امتد إلى يده التي غطتها خطوط سوداء متشابكة.اختفى البياض في عينه تدريجيًا، لتحل مكانه قزحية صفراء عين مخيفة.

قال بصوتٍ خافت، وكأنه يحكي سرًا لنفسه: "سيكونان مشكلة لي مستقبلاً. سأبدأ بخطة للتخلص من أحدهما، والأسهل هو... سياف النار."ثم، كما لو كانت ورقة شجر تسقط بهدوء على الأرض، اختفى بين الظلال.

حينما وضع قدمه على العتبة، أمسَك تسوروغي بكتفه بهدوء غير متوقع. "هل سمعت؟" قالها بصوت منخفض.التفت مارك إليه، عابثًا:"لا، هل قلت شيئًا؟ لم أكن أسمع، آسف."لكن تسوروغي لم يرد. صمت غريب، ملأ الجو، دفع مارك إلى دوامة من الأسئلة التي لم يجد لها إجابات.

وفجأة، دفعه تسوروغي إلى داخل المروحية بقوة تكاد تجعله يصطدم بالكرسي لو لم يتمسك بحافة الباب.دفع تسوروغي الباب خلفه وأغلقه بسرعة، مطالبًا قائد المروحية بالانطلاق.جلس بجانب مارك، بينما الأخير لم يخف انزعاجه:"هل لي أن أفهم لماذا دفعتني هكذا؟"نظر إليه بتلك النظرة الحادة التي لا تتسع للكثير من الكلام. لكن مارك لم يكن لديه الوقت ليتعمق في مشاعره السلبية، فقد تفاجأ عندما رأى تسوروغي يزيل الضمادة عن عينه.كانت عين تسوروغي حمراء قاتمة، تحاكي عينا مارك، وعلى جانبه شامة صغيرة قرب عينه اليسرى.تمتم مارك بحسرة: "أنت الآن تنزعها... لا يمكنني أن أفهمك، ولا أريد أن أحاول."ظل تسوروغي صامتًا، ولم يرد، تاركًا الغموض يطفو بينهما كطبقة ثقيلة من الهواء...........في السيارة، قرر أن يغلق عينيه ليحاول النوم، رغم أن جسده كله يئن من الألم، وكتفه يكاد ينفجر من شدة الإصابة. كل عضلة في جسده كانت تصرخ من الألم، لكنه أغمض عينيه، متشبثًا بقشة الثقة برييد.في تلك اللحظة، وصل رييد إلى منزل ضخم وفاخر، أوقف السيارة أمام الباب الحديدي الضخم، لكن الحارس لم يفتح. خرج رييد من السيارة، وما أن رآه الحارس حتى فتح الباب بسرعة، وهرول إليه قلقًا: "سيدي، ماذا حدث؟ لماذا أنت مبلل؟ أين سائقك الأخرق؟ ولماذا أنت مبلل هكذا؟"توجه رييد بنظره إلى السيارة، فلاحظ الفتى ملطخًا بالدماء، عينيه مغلقتان كأنه جثة. عاود الحارس النظر إليه، وصاح بدهشة: "من هذا؟ هل هو ميت؟ ماذا حدث؟"أمسك رييد أذن الحارس بصبر، محاولًا تهدئته وسط صياحه العالي: "لا، إنه زميلي في المدرسة، وهذه قصة طويلة. أخبر كريستوفر أن يأتي ليعالجه. سيبقى عندنا لفترة."أشار رييد للحارس ليفتح الباب ويدخل الفتى المصاب، فجلس الأخير في المقاعد الخلفية للسيارة بينما جلس الحارس في الأمامي، وحرك السيارة ببطء متجهًا نحو ذلك المنزل الذي يشبه القصور.أعلن الصباح عن قدومه، لكن السماء كانت لا تزال ملبدة بالغيوم، كأنها تتهيأ لنزول المطر. دقت الساعة الثانية عشر ظهرًا، والجو ما زال غائمًا فوق ذلك المنزل الضخم الذي يشبه القصور.يوما كان مستلقيًا على سرير أبيض، يرتدي بيجامة نوم رمادية. فتح عينيه ببطء، كعادته البطيئة في الاستيعاب. رفع رأسه بتثاقل، نظر نحو الثريا المتدلية في الغرفة، ثم صوب نظره إلى البطانية البنية التي تغطيه.أمسك بكتفه المتألم، تمتم وهو يتنهد: "ربما علي أن أغير مقر سكني كل شهرين... هذا سيكون أكثر أمانًا."أغلق عينيه مجددًا، لكنه سمع صوتًا من بعيد: "إذن هناك شخص ما يطاردك؟"فتح عينيه بسرعة، والتفت ناحية الجانب الأيسر من السرير. هناك، جلس رييد على كرسي، وقد رفع قدمًا على أخرى، ينظر إليه بهدوء.فزع يوما، وقف بسرعة وهو يبعد الغطاء عن نفسه قائلاً: "من أين أتيت؟ ماذا تفعل هنا؟" ابتسم رييد بسخرية وقال: "صباح الخير... ماذا أفعل في منزلي؟ بالطبع أقيم هنا."تلفت يوما حوله، بدأ يدرك أنه في مكان غير مألوف له، وقال بارتباك: "لحظة... ماذا أفعل هنا؟" تنهد رييد، وقف عن الكرسي، وفتح الستائر، تضيء الغرفة بنور الشمس الخافت خلف الغيوم، وقال بنبرة حازمة: "الليلة الماضية لم أخذك إلى المشفى خوفًا من التجارب المختبرية... لذلك أخذتك إلى منزلي. هل كنت تصغي حتى وأنا أتكلم؟"تجلّت على وجه يوما تعابير التذمر، وجرب بسرعة أن يغير الموضوع: "ولما تعتقد أنهم سيجرون علي تجارب؟ أليس من المفترض أن تكون في المدرسة أصلاً؟"قطب رييد حاجبيه بجدية وقال: "بحقك، ذلك الوحش المجنون كان يطاردك بالتأكيد. هناك شيء ما فيك... بلى، يفترض أن أكون في المدرسة، لكني متعب اليوم بسبب كل تلك الأحداث بالأمس. وأنت؟ كيف تكون مريض قلب والمدرسة لا تعلم بأمرك؟"لاحظ رييد تبدل ملامح يوما، الذي ابتسم للحظة قائلاً: "لماذا علي أن أخبرهم؟ مثلاً، لكي أُجري زيارات لمكتب طبيب المدرسة؟ أنا في غنى عن هذه الخدمات."امتلأت ملامح وجه يوما بالظلمة، ولم يرِد رييد أن يغوص في المزيد من الأسئلة: لماذا اسم عائلته غير مكتوب على بطاقته؟ كيف يكون مريض قلب والثانويه لا تعلم؟ هل هو قلق على عائلته؟ هل يقيم معها؟ من يطارده؟ ما قصة العينة رقم 152؟ هل الرقم الموجود على صدره أم بطاقته؟لما لا يتذكره.نهض رييد من على الكرسي ونظر إلى يوما بعينين يملؤها القلق: "هل أخبر الشرطة أنك هنا لكي يرسلوا لعائلتك؟"تنهد يوما وأجاب بصوت خافت: "ليس لدي عائلة..."عمّ الصمت الغرفة، ونظر رييد إلى الأسفل، وقال متأسفاً: "أنا آسف..."شعر يوما بالضيق من السؤال وقال بتردد: "لا أعلم إن كان عليك أن تعتذر أم لا... لكن الحقيقة أن اعتذارك لن يخفف من مشاكلي القادمة."رفع رأسه عن ركبته ووجه نظره نحو رييد قائلاً: "هل لديك هاتف؟ أريد أن أتصل بالموكل علي."توقف رييد للحظة، لم يفهم القصد، فكيف لا يمتلك هو هاتفاً؟ أخرج هاتفه من جيبه، فَتحه وأعطاه ليوما.

نقر يوما على الأرقام ببطء، يديه ترتعشان قليلاً، وكأن كل رقم يثقل كاهله. أخذ نفسًا عميقًا، ثم ضغط زر الاتصال. صوت على الطرف الآخر: "مرحبًا رييد، ماذا تريد؟"توقف يوما للحظة، تعجّب حين أدرك أن الشخص على الخط يعرف رييد. بلع ريقه، وكانت يده ترتجف أكثر. أخذ رييد الهاتف من يد يوما بهدوء، وقال: "مرحبًا كريستوفر، أين والدك؟ أريد التحدث معه."رد كريستوفر بعد لحظة صمت: "انتظر قليلاً... إنه معك الآن. أهلاً رييد، هل هناك مشكلة؟ هل تشاجر ابني معك مجددًا؟ هل أزعجك الخدم في المنزل؟"تبادل رييد ونظرة مع يوما، الذي بدا متصنعًا، ثم أجاب بحذر: "لا سيدي، ليس ذلك... هل تعرف يوما؟" سادت لحظة صمت، ثم جاء الرد: "يوما؟ نعم، لقد كفلت هذا الصبي. هل هناك مشكلة معه؟"أوضح رييد بصوت هادئ: "المجمع السكني الذي يقيم فيه تعرض لهجوم أمس من قبل ذلك الداموتفير. صدفت أنني أنقذته، وهو الآن في منزلي. متى ستعود؟"أخذ السيد يتردد قليلاً قبل أن يجيب: "حسنًا، سأعود الآن. أراك بعد نصف ساعة، رييد." وأغلق الخط.استلقى يوما على الوسادة، عيونه مغمضة بإرهاق، يهمس لنفسه: "هل أنا حقًا في منزل الموكل علي؟ وكيف حدث ذلك؟"رييد أخرج هاتفه من جيبه، وقال بهدوء: "السيد جينسونر هو الموكل عليك؟" رفع يوما عينيه ببطء، نظراته تحمل بعض الارتباك: "لا أعلم إن كان هذا اسمه بالضبط، لكن صوت الرجل كان هو نفسه."لاحظ رييد تعب يوما، ورقّة تسللت إلى قلبه بينما راح يمسح كتف صديقه برقة، متردداً بين طرح المزيد من الأسئلة وبين احترام صمته.اختار الصمت، وتوجه نحو الباب.في لحظة فتحه للباب، سمع صوت يوما يتردد خلفه: "شكرًا لك... ما كنت لأتمكن من الرد عليه بدونك." لم يلتفت رييد، ولم يجب، خرج بهدوء تاركًا يوما وحيدًا مع أفكاره.

يتبع.......

_____///❀❀///______

حسابي على الانستقرام و أخر اخبار الروايه

rir_i152

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فريا

المؤلف RIRI
2025/07/10 مستمرة
قائمة الفصول (21)
الفصل 0: ماهي فريّا
2025/07/10
الفصل 01: المدرسة الجديدة
2025/07/10
الفصل 02: المغلوب عليه
2025/07/12
الفصل 03: الموكل عليه و عائلته
2025/07/15
الفصل 04: الفصل الرابع: الاختبار التشخيصي
2025/07/23
الفصل 05: الفصل الخامس: كتابة الأختام
2025/07/23
الفصل 06: الفصل السادس : عشاء الكارثة
2025/07/24
الفصل 07: الفصل السابع : التحقيق
2025/08/22
الفصل 08: الفصل الثامن: حكاية آلفاسانو
2025/08/22
الفصل 09: الفصل التاسع : حكاية آلفاسانو
2025/08/22
الفصل 10: الفصل العاشر: حكاية آلفاسانو
2025/08/22
الفصل 11: الفصل الحادي عشر: أسلحة و أسرار
2025/08/22
الفصل 12: الفصل الثاني عشر:المبنى القديم•
2025/08/22
الفصل 13: الفصل الثالث عشر: الغريب من دار الأوبرا
2025/08/22
الفصل 14: الفصل الرابع عشر: ليلة الاسبوع الأبيض
2025/08/22
الفصل 15: الفصل الخامس عشر:عطلة الأسبوع الأبيض
2025/08/22
الفصل 16: الفصل السادس عشر:عطلة الأسبوع الأبيض(2)
2025/08/22
الفصل 17: الفصل السابع عشر: عطلة الاسبوع الابيض 3(عين الشيطان تبصر)
2025/08/22
الفصل 18: الفصل الثامن عشر : عطلة الاسبوع الابيض 4(التردد)
2025/08/22
الفصل 19: الفصل التاسع عشر: التاريخ
2025/08/23
الفصل 20: الفصل العشرين: يد من ألماس
2025/08/24

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة