الفصل الخامس: كتابة الأختام

الفصل الخامس: كتابة الأختام

20 0

دخل صاحب الشعر الأشيب إلى الصف، يجر خلفه أربعة من الطلاب الهاربين. كانت من بينهم فتاتان، إحداهما تلك التي سألت الأستاذ آرثر سابقًا عن طبيعة عمله، كما كان من بينهم فتى يعرفه الجميع: جيميس، الفتى الذي أطلق تنينًا مائيًا في أول يوم دراسي، حين ثارت قواه بشكل غير متحكم فيه.

بمجرد دخول الأستاذ زاك، عاد جميع الهاربين إلى مقاعدهم، واختفى التجمع الذي كان يحيط بيوما في لحظات. تفرّقوا بسرعة، كما لو أن قطيعًا من النمل فُزع فجأة، كلٌّ إلى مقعده، وكل الأنظار تترقّب، فالغضب كان جليًا في ملامح وجه زاك، هذه المرة بدا مختلفًا تمامًا.

أبعد نظارته الشمسية من فوق رأسه، وارتداها على عينيه بنظرة قاتمة، ثم قال بصوت منخفض لكنه مرعب:"يا حشرات... يا طلاب... هل اليوم هو اليوم العالمي للهروب؟ أخرج لأبحث عن اثنين، فأعود ومعي أربعة؟"

سرت قشعريرة في الصف، وابتلع الجميع ريقهم بصمت. أما يوما، فقد تمنى من أعماقه أن يلتفت نحوه الأستاذ زاك، يوبخه، أو حتى يطرده من المدرسة... لكن يوما تعلّم أن بعض الأمنيات، ببساطة، لا تتحقق.

بل على العكس، جلس زاك بكل هدوء على كرسيه في مقدمة الصف، وأخرج هاتفه، وبدأ يعبث به دون اهتمام، وكأن شيئًا لم يكن. أما الطلاب، فكانوا يشتمونه في سرّهم، يتذمرون في صمت، ويقارنونه بأستاذهم المحبوب آرثر، الذي بدا لهم الآن كنسمة صيف لطيفة بجانب إعصار يدعى زاك.

زاك... لا يعرف الرحمة، ولا يبدو أنه يهتم حقًا بأي شيء.

.........................................

في الخارج، تحديدًا في الساحة على العشب قرب ملعب الكرة، كان طلاب الصفين الثاني والثالث مجتمعين معًا، جالسين على الأرض. بينهم كان رييد جالسًا بجانب ذلك الفتى ذو الشعر الأشقر، الذي تتدلى من بين خصلاته خصل سوداء. على الرغم من فارق العمر بينهما، بدا وكأنهما قريبان جدًا، يتفاهمان بعمق، وربما صديقان او اكثر؟

كان الأستاذ آرثر واقفًا أمامهم، وخلفه لوح أبيض كبير، يشبه اللوح المستخدم داخل الصفوف، يبدو أنهم جلبوه من داخل المدرسة خصيصًا لهذا الدرس. على اللوح مكتوب تعليمات حول كيفية عقد الأختام.

أشار آرثر بيده نحو اللوح، وقال بجدية واضحة في صوته:"اليوم ستتعلمون كيف تعقدون الأختام. أرجو أن تنتبهوا جيدًا، لأن فهم معلومة خاطئة قد تكون نتائجها لا تُحتمل."

بلع آرثر ريقه ونظر إليهم بنظرة حادة مليئة بالجدية، وأضاف:"الأختام هي طريقة لإعارة قوة فريا لكل من الهيرون والفرسان، وليس للبشر أو السيافين. ماذا يعني هذا؟ سأشرح لكم بالتفصيل."

كان رييد يستمع باهتمام شديد، عينيه تلمعان بالحماس والتلهف لمعرفة المزيد، بينما الفتى بجانبه، الذي عاشت أيامه، بدا وكأنه يريد فقط انتهاء الدرس في أسرع وقت.

أمسك آرثر القلم الأسود وكتب على اللوح عنوانًا كبيرًا: "فروع الأختام"، ثم أسفل العنوان رسم أربعة أسهم تشير إلى أربعة أقسام. قال بجدية:

"تنقسم الأختام إلى أربعة أنواع:

الأول، ختم بين فارس وسياف، وهذا هو الشائع.

الثاني، ختم بين هيرون وسياف، وهو أقل شيوعًا، لكنه ليس نادرًا جدًا.

الثالث، ختم بين فارس وفارس، وهذا نادر جدًا ويحدث فقط في حالات خاصة، حيث يستفيد أحدهما فقط من القوى، وليس كلاهما.

أما الرابع، فهو المحرم والغير موجود رسميًا، ومن يقيم هذا الختم يُحكم عليه بالإعدام. إن نجا من الموت، فالموت سيلاحقه طوال حياته. هذا الختم يتم بين بشري أو سياف مع جذع."

حين نطق آرثر آخر جملة، اشتعلت في بعض الطلاب شعلة الفضول، وفي آخرين رعب وقلق بسبب ذكر الموت والإعدام.

لاحظ آرثر، ذو الشعر الأشقر، تأثير كلماته على الحضور، لكنه لم يُخفف من حدة الموضوع. قال بلهجة صارمة:

"هذا الموضوع بالذات لا مجال فيه للمزاح، ويجب أن تُدركوا خطورته مهما كان عمركم."

أخذ نفسًا عميقًا وأكمل: "طبعًا، لإتمام الختم يجب أن يكون هناك جرح صغير في منطقة الوجه أو الرقبة، لا جرح كبير أو عميق قد يسبب الموت. فهمتم؟ هذا الجرح سيتحول إلى علامة دائمة، شامة. ويجب أن تكون منطقة الجرح متطابقة لكل من الفارس والسياف، وهذا ينطبق على كل أنواع الأختام."

أومأ الطلاب برؤوسهم، مشيرين إلى فهمهم لما قاله آرثر.رغم أن الدرس بدا مملاً، إلا أنه نجح في إثارة اهتمام كايتو أخيرًا، الذي بدأ يركز ويتابع آرثر بعينين مفتوحتين.

حرك رييد يده وأشار إلى آرثر ليأذن له بالحديث، فقال رييد وهو جالس بجانب كايتو:"هل هذا الكلام يشمل القسم الأخير أيضًا؟"

توجهت أنظار جميع التلاميذ نحو رييد صاحب الشعر الأزرق.شعر كازوما بدهشة من جرأة السؤال، بينما نظر سيزار إليه باشمئزاز.

عقد آرثر جبينه وبدأ يفكر، ثم قال بنبرة غريبة بعض الشيء:"هذا ليس شيئًا يجب أن تتعلمه أو تسأل عنه... وما اسمك؟"

خيمت خيبة أمل على الطلاب، إذ كانوا يتوقون لمعرفة الإجابة.أما رييد، صاحب الشعر البنفسجي الذي يتلاشى لون شعره إلى الأبيض في الأطراف، فأجاب:"اسمي رييد كالان."

انفجرت عينا آرثر بهدوء؛ فرييد هو أمير نورثلاند. حاول ألا يُظهر انفعاله أمام الطلاب، وقال بنبرة هادئة:"حسنًا، سمو الأمير رييد، هذا القسم لن تُتاح لك فرصة تعلم أي معلومة تخصه إلا إذا التحقت بالطليعة، وتحديدًا في قسم 'الإيند نايت'، وهي الوظيفة التي لا أنصح بها شخصيًا."

أخذ آرثر نفسًا عميقًا داخليًا.مسؤول 'الإيند نايت' هو اللورد السابع، لورد الحرب، والأخ الأكبر لأحد أصدقائه المقربين، وهو أكثر شخص يهتم بأمر رييد. لذلك عليه أن ينتبه جيدًا لكلماته، حتى لا يخسر رقبته عن طريق الخطأ، وفي الوقت نفسه كي لا يفقد احترام الطلاب.

صفق صاحب الشعر الأشقر وقال بحماس:"كيف نسيت! معلومة سريعة ومهمة تخص فقط الهيرون والفرسان: إذا مات شريككم الذي كتب الختم معكم، فلن تستطيعوا كتابة ختم جديد لمدة عشر سنوات... لذلك عليكم أن تحرصوا على حمايتهم."

رفع صاحب الشعر الأزرق، كازوما، يده وقال باعتذار:"آسف على المقاطعة، أستاذ."

نظر آرثر إليه وأشار له بالحديث، فاستفسر كازوما:"هل العكس ينطبق أيضًا؟"

وضع آرثر يده في جيبه، كأنه يبحث عن شيء، ثم قال مبتسمًا:"لا، العكس غير صحيح. إن مات الفرسان والهيرون، يستطيع السيافون كتابة ختم جديد... الأمر أشبه بخيانة، لكنها ليست خيانة حقيقية، صحيح؟"

هز الجميع رؤوسهم موافقين: "نعم، فهمنا."

آرثر يبحث في جيبه عن هاتفه، بدا أنه نسيه في سيارته البيضاء التي قام بتغيير مكانها قبل أن يجمع طلاب الصف الثاني والثالث. فقد ركنها في مواقف المدرسة الأمامية القريبة من الطريق السريع، لأن هذا المكان هو الأقرب للطريق الذي يوصله إلى محل إقامته بسرعة. تنهد آرثر، وهو يفكر: "حسنًا، هو هنا يدرس، وعليه أن يبعد هاتفه عنه."

جلس آرثر على الكرسي القريب من اللوح، وقال بنبرة هادئة تخفي توتره:

"بمجرد أن تظهر الشامة على من كتبوا الأختام، يتم إطلاق اسم الشركاء عليهم، بشرط واحد فقط: أن يتغير لون عين الفارس إلى الأحمر الدموي. حينها يمكننا الإعلان رسميًا أن كتابة الختم نجحت، وهذا الشرط ينطبق على باقي الأقسام أيضًا.

إذن، شباب وآنسات، هل لديكم أي أسئلة؟"

حلّ الصمت في المكان، ولم يُطرح أي سؤال. لم يتلقَّ آرثر ردًا، وشعر وكأنه يجلس وسط صحراء جامدة . اشتاق لطلاب السنة الأولى. من وجهة نظره، هؤلاء أكثر حيوية ونشاطًا، ولديهم مشاعر، بعكس هؤلاء عديمي الطاقة، الذين تشبه نظراتهم نظرات العجائز الذين فقدوا معنى الحياة.

بدأ آرثر يلعن في سره زاك، متسائلًا لماذا يحصل هو على الأصعب، بينما يحصل زاك على الأسهل، وهو لا يعرف ماذا ينتظر طلاب السنة الأولى مع ذلك الأستاذ.

قبل أن يستمر آرثر في تفكيراته السلبية، قاطع كايتو الحديث بنبرة عادية:"أستاذ، هل كتبت ختمًا من قبل؟"

اتسعت عينا آرثر فجأة، لاحظه الجميع. كان سؤال كايتو كفتح جرح قديم عانى آرثر كثيرًا لإغلاقه. حاول آرثر أن يضحك بصعوبة، محاولًا كبح ارتجاف يده التي أمسكت بها.

قال بصوت متقطع:"في الماضي، مع شخص ما، كتبت ختمًا... لكنه مات قبل أربع سنوات."

تبددت الأجواء قليلاً، وامتلأ الطلاب بالقلق. بدأ البعض ينظر إلى كايتو بازدراء، متسائلين هل كان من المناسب طرح هذا السؤال، لكن كايتو لم يكترث لهم. سأل ببرود:"كيف مات؟ هل كنت موجودًا؟"

نظر رييد إلى صديقه كمن يقول: "ما هذا السؤال الغبي؟" استعاد آرثر هدوءه بصعوبة، وقال:"نعم، كنت موجودًا ولم أستطع فعل شيء... لقد قُتل على يد إنسان."

تفاجأ الجميع للحظة، ظنوا أن القاتل كان وحشًا أو جذعًا، لكن من قتله كان إنسانًا بالفعل.بدأت الأسئلة تنهال عليه، وأصيب آرثر بتعب نفسي واضح. أغلق عينيه وقال بحزم:"حسنًا، شباب وآنسات، دعونا لا نخرج عن موضوع الدرس. لنكمل باقي النقاط."

.......

كان زاك يعبث بهاتفه بلا مبالاة، بينما بطارية الهاتف تصرخ طلبًا للنجدة، فلم يتبقَ سوى خمسة بالمئة فقط، وهو غير مهتم أبداً.

نهض يوما من على مقعده بثقة، وتقدم نحو الأشيب قائلاً:"أستاذ، أحتاج أن أذهب إلى دورة المياه."

لم ينظر إليه أشيب الشعر وأجاب ببرود:"اذهب ولا تتأخر."خرج يوما من الصف وركض بأقصى سرعة متجهًا نحو الطابق الثالث.

بعد ثوانٍ، طلبت روزا هي أيضاً الذهاب إلى دورة المياه، وسمح لها زاك بالخروج. ثم تقدمت ميموري بطلب مماثل، وخرجت بعد موافقة زاك. وبعدها، بثوانٍ قليلة، خرج ميشيل بنفس الحجة.

بعد بعض الوقت، انطفأ هاتف زاك بسبب نفاد البطارية، ويرجح أن السبب هو إهماله الشديد له وعدم توصيله بالشاحن، فتركه ملقى على الطاولة. بدأ يتأفف معلنًا استسلامه للملل الذي بدأ منذ ثانية واحدة. أمال رأسه قليلاً وتذكر أنه مع طلاب، وهو معلم يجب أن يراقبهم.

بدأ ينظر إلى الطلاب ويفحصهم واحدًا تلو الآخر، وهو جالس على كرسيه يحدق فيهم. لاحظ شيئًا غريبًا: ثلاث مقاعد فارغة.

غريب جداً...

تذكر أن هناك طالبًا أو اثنين طلبا الذهاب إلى دورة المياه، نظر مجددًا ليرى من هم المفقودون.نعم، كان متوقعًا أن يكونا روزا ويوما، أما الآخر فلم يستطع تذكر من هو، لأنه لا يتذكر ملامح التلاميذ أصلاً.

أخذ نفسًا، وخرجت شرارة من بين أنفاسه، ثم ابتسم ابتسامة سفاح مجرم.

أشار بيده نحو كايرو وقال:"كايرو، اسمك صحيح؟الآن سأخرج من الصف، وإن خرج بعدي أحدٌ آخر سأحملك المسؤولية، هل هذا واضح؟"

هز كايرو رأسه موافقًا، والعرق يتصبب من جبينه كأنه صنبور ماء.خرج أشيب الشعر من الصف وهو يتوعد بالهلاك لكل من يجده خارجًا.

حين خرج الأستاذ، تبادل كايرو وميموري نظرات متفاجئة، حدق كل منهما في الآخر للحظات طويلة.أدركا معًا أن البقية قد هربوا من الصف، وأخذوا يرمقان بعضهم بتمنيات صامتة بالتوفيق في عملية الهروب.

لم يتحدثا، لكن التفاهم كان واضحًا بينهما، وابتسما ابتسامة خفية قبل أن يعود كل منهما لما كان يفعله قبل مقاطعة زاك لهما.

ربما كانت هناك معرفة سابقة بينهما، من يدري؟

.....

في ممرات المدرسة، كان ميشيل صاحب الشعر الأزرق يتمشى بهدوء كأنه يتجول في منتزه، يستكشف المكان.كان هذا أول يوم دراسي له، إذ لم يتمكن من الحضور في فعاليات اليوم الأول بسبب شجار مع شقيقه سيزار.

كانت الضمادة التي تلف رأسه تؤلمه بشدة، لكن على الرغم من ذلك كان يشعر بسعادة غامرة، لأنه متأكد أن الأستاذ لن يكتشف هروبه، خاصةً وأن الأخير غارق تمامًا في حبه لهاتفه المحمول.

ابتسم ميشيل برضا تام عن نفسه، لكنه لم يشعر بيد تمسك بكتفه فجأة، مما تسبب في شعورٍ مرعب بجسده وبدأ العرق يتصبب على جبينه من الخوف.

استدار بحذر ليجد أكاني، صاحبة الشعر الوردي، تقف خلفه بهدوء، وقالت بصوت منخفض:"هل أنت هارب من الصف مثلِي؟"

أصابته الصدمة كصدمة رعدية، لم يستطع ميشيل أن ينطق بكلمة واحدة، وكأنه فقد صوته تمامًا. أشارت له أكاني بأن يتبعها، وهو كالبطة التي تلحق أمه، تبعها وهو لا يعرف أصلاً إلى أين ستأخذه.

صعدا السلالم معًا حتى وصلا إلى الطابق الثالث، وهو الطابق الذي يستخدمه فقط طلاب السنة الثانية والثالثة.وجود ميشيل هناك جعله يشعر بشيء غريب، تساءل في نفسه: "لماذا أنا هنا؟"

تدريجيًا بدأ يتذكر أنه لا يعرف هذه الفتاة ولا يعلم ما الذي تريده بالضبط.هل من الممكن أنها تريد قتله لمصلحة شخص ما؟ وهل ذلك الشخص هو سيزار، شقيقه؟جهز نفسه للأسوأ، وكانت يدا أكاني تتحرك لتلتفت نحوه، لتلتقي عيناها بعينيه.

مدّت له ورقة بحذر، فأمسكها ميشيل وهو متوجس، لا يزال يشعر وكأنه في كمين.فتح الورقة ووجد عليها كودًا مكونًا من الأرقام: 5570.

نظر إلى أكاني التي تقف أمام النافذة وقال مستفسرًا:"ما هذا؟ ماذا أفعل بها؟"

ابتسمت أكاني، أغلقت عينيها بهدوء وقالت:"ميشيل، هذا الكود أدخله في دردشة المدرسة الجماعية، وستتمكن من الانضمام إلى مجموعة خاصة لطلاب السنة الأولى."

شعر ميشيل بالدهشة وخجل للحظة من تخيلاته الطفولية التي أخذت تدور في رأسه، لكنه تملكته فكرة ذكية فوجه إليها سؤالًا:

"لماذا أحضرتني إلى هنا؟ كان بإمكانك فقط إعطائي الورقة والرحيل، أليس كذلك؟"

تغيرت نظرة أكاني فجأة إلى نظرة حادة وقاسية، وقالت بحزم:"ميشيل جينسونر، لقد أجريت الكثير من الأبحاث عنك قبل أن أتي إلى هذه المدرسة، وكنت السبب الرئيسي وراء رغبتي القوية في الانضمام إليها."

بلع ميشيل ريقه وتراجع خطوة إلى الوراء، بدأت رائحة الخطر تحيط به.تقدمت أكاني بثقة نحوه وقالت:"أعلم أن أخاك سيزار هو مصيبة تمشي في هذه المدرسة. أريد أن أنتقم منه بسبب تدميره لبحث أخي."

أضافت بصوت صارم:"أنا هيرون، أكشف الأكاذيب وأصححها. وإن لم تساعدني، فستندم."

توقف ميشيل عن الحركة، كأن الصدمة أغرقته، وأدرك حجم الورطة التي وقع فيها.لكن فكرة توريط سيزار في الأمر جعلته يبتسم بخبث، بينما أكاني ضغطت على أسنانها بحقد وقالت:"بسبب أخيك، تدمر مستقبل أخي وتدمرت حياة عائلتي... لذلك عليك مساعدتي."

ي تلك اللحظة، شعر ميشيل وكأن كلمات أكاني كانت مفتاح خلاصه من سيزار، فهز رأسه موافقًا.بدأت تدور في ذهنه سيناريوهات خيالية عن ما يمكن أن يفعلاه بسيزار، وطرق أخرى لإبعاد أخيه كريستوفر عن الموضوع كله.

نظر نحو أكاني التي أخرجت كاميرا من العدم، وقال لها ببهجة: "لا أعلم ماذا فعل سيزار لأخيك، لكن سأساعدك وأعطيك كل المعلومات. وبالمناسبة، من أنتِ؟ وما صفك؟"

أخرجه السؤال الأخير بصوت مرتفع بعض الشيء، لكنها ابتسمت وقالت:"تم الاتفاق. أنا أكاني هاماساكي، من الشعبة B، ورئيسة نادي الصحافة."

فجأة، وبدون مقدمات، فتح الباب. نظر الاثنان إلى الباب، وكان من دخل هو...

...................

قبل بعض من الوقت

خرج يوما من دورة المياه وهو يبتسم بخبث، فقد كذب على رييد حين قال إنه لا يمتلك هاتفًا، ربما لأنه لم يرغب في إعطائه رقمه. أخرج هاتفه من جيبه، وأدخل كلمة المرور، ثم بدأ يبحث في مربع البحث عن مواعيد تسليم البضائع من الأرض المحتلة إلى ليويامي. قرأ المعلومات التي وجدت وأعاد ترتيب أفكاره:

"بعد شهرين من الآن سينزل القطار، وفي نفس الوقت سيحددون مكاني... عليّ أن أتريث وأبقى ساكنًا. أعرف الآن طريق الهروب من المدرسة، سأنتظر حتى يوم وصول القطار، آنذاك سأهرب."تمتم بهذه الكلمات بصوت غريب غير مألوف.

غسل يديه ثم خرج من دورة المياه، وفي تلك اللحظة جاءت روزا كالدراجة النارية، تجاوزته بسرعة وسحبتها معه، تاركة خلفها عاصفة رمليه.

دخلت روزا إلى إحدى الصفوف، كان نفس الصف الذي يجلس فيه أكاني وميشيل. أغلقت الباب بقوة، وأسرعت في قفله بالمفتاح الذي كان في مكانه، ثم دفعت طاولة لوضعها خلف الباب لمنع فتحه.

تركت روزا يوما وأكاني وميشيل في حالة صدمة من شدة سرعة الأحداث، لم يستوعبوا ما يجري، لكن ميشيل كان الوحيد الذي نجا من القتال الذي تلا ذلك.

يوما وقف مذهولًا أمام الباب المغلق والطاولة التي وضعت خلفه، يشعر باندفاع الأدرينالين في جسده. أكاني أيضًا تحاول استيعاب الموقف، بينما ميشيل، رغم المفاجأة، بدا أكثر هدوءًا قليلاً، مدركًا أن شيئًا كبيرًا يحدث وأن الوقت للانتظار قد انتهى.

روزا، بعينيها المتقدتين وعاصفة الرمال التي تركتها خلفها، وقفت بكل ثقة، وكأنها تحمي مجموعة من الأسرار أو ترفض أن يهرب أحد. كان الجميع يعلم أن هذه اللحظة ليست فقط مجرد قفل باب أو إغلاق فصل، بل بداية مواجهة لم تكن في الحسبان.

بدأت روزا تتنفس بصعوبة وكأنها تأخذ أنفاسًا غير طبيعية، وجلست على الأرض متعبة، بينما صاحبة الشعر الوردي، التي ما زالت ممسكة بكاميرتها، ابتسمت بثقة الصحفية التي تلهث دائمًا وراء الحقيقة. شغلت الكاميرا وبدأت توثق المشهد.

اقتربت أكاني من روزا وسألتها بهدوء: "ماذا حدث؟ ولماذا ركضتِ هكذا؟"كانت روزا تلهث بشدة، تكاد لا تستطيع الكلام من شدة التعب، بينما ميشيل نظر إلى يوما بقلق وسأله: "ماذا حدث لكما؟"

هز يوما رأسه بالنفي، واضح أنه لا يعلم ما يجري، فقد خرج لتوه من دورة المياه. كانت روزا تفضل الصمت، لكن الإجابة جاءت سريعًا دون حاجة للكلام، إذ بدأت أصوات خطوات قادمة وأجواء توتر تخيم على المكان، وكأن شيئًا ما على وشك الانفجار.

اهتز الباب بقوة مزلزلة جعلت الجميع يتجهون نحوه بذهول، شخص ما كان يحاول فتحه بعنف غير مسبوق. صوت صارخ يتردد في الهواء:"افتحوا الباب! أقسم أنكم لن تنجوا من شرّي!"

ازرق وجوه الجميع، كان الصوت لأستاذهم زاك، وصوته المليء بالغضب يشي بطرد لا مفر منه من المدرسة. هؤلاء الطلاب الذين خرجوا للتو من المرحلة المتوسطة، كانوا يعتقدون أن الطرد هو أسوأ ما يمكن أن يحدث لهم، لكن الآن كان واقعا مرعبا، خصوصًا ليوما الذي قرر الانتظار شهرين للهرب، ولم يكن يتوقع هذا المصير. صرخ والد ميشيل من بعيد، وكل الطلاب كانوا في حالة ذعر، لأنه كان أسبوعهم الأول فقط.

في الخارج، أخذ زاك نفسًا عميقًا محاولًا تهدئة أعصابه، بينما في الداخل نهضت روزا بسرعة وقالت:"القفز من النافذة.. بسرعة! هذه هي خطتنا!"

ثم بضربة قوية من قبضة زاك، اقتلع الباب مع الحائط المتصل به متجهًا نحو النافذة القريبة من يوما، محطمًا إياها، تاركًا الأولاد في حالة من الصدمة والرعب. بدأ دم ينزف من ذراع يوما، بينما دخل زاك إلى الغرفة متقدمًا نحوهم، وعلى وشك أن ينطق بكلمة، لكن صوت صراخ قوي أشد من احتكاك الأظافر بسطح أملس، أجبر الجميع على التوجه ببطء نحو الجدار المهدم.

النوافذ المكسورة، الباب، والحائط كلها سقطت فوق سيارة متوقفة بجانبهم. آرثر كان جالسًا على ركبتيه يصيح عليها بقلق، وطلاب الصفين الثاني والثالث تجمعوا حوله عاجزين عن تقديم المواساة.

أغلق زاك عينيه وعضّ شفتيه، مدركًا أنه وقع في ورطة كبيرة مع آرثر، خاصة أنه هو السبب في تحطيم سيارته التي أصبحت الآن في مقر الخردة. استدار مبتعدًا عن الحائط المهدم ليتجنب مواجهة آرثر.

في تلك اللحظة، همست اكاني بسخريه: "إفضحنا.. نفضحك."لم يجد زاك خيارًا سوى الانصياع، بينما كانت أكاني تتابع المشهد بكاميراتها مسجلة كل لحظة من لحظات تحطيم الباب. كانت مبتسمة..ابتسامة ساخرة، تعلم أن محاولة زاك لسحب الكاميرا منها ستجعله عرضة للصراخ، وربما سيواجه مشكلة أكبر مع صديقه، وقد يكون هذا موته الرسمي.

وكالفراشة البريئة، نزل إلى زاك صديقه آرثر، وضع يده على فمه وهو يدّعي الصدمة، ثم أخذ شهيقًا عميقًا وغطى فمه بيده قائلاً باندهاش:

"يا ويلي! من فعل هذا بسيارتك الجديدة التي اشتريتها قبل أسبوع فقط؟ وبالمناسبة، هل أنت بخير؟ "

نظر إلى آرثر وابتسم بغباء، بينما الأخير جلس على الأرض، لم ينظر إليه، كأنه يختنق من الألم في قلبه، ودموع تكاد تنهمر من عينيه. الهالات السوداء تحت عينيه كانت واضحة، والسيارة التي كانت ناصعة البياض تحولت إلى حطام رمادي، زجاجها متكسّر ونوافذها محطمة، وسقفها منهار. حتى هاتفه الذي تركه بداخلها الآن يرقد محطمًا بسلام. لقد تكبّد أشقر الشعر خسائر مالية ضخمة خلال يوم واحد فقط، بسبب تغيير مكان سيارته.

أما زاك، فبدأ يحاول تخفيف الأمر عنه بكلمات لا تحمل أي معنى حقيقي، فقط لتلطيف الجو.

رفع رييد ذقنه ونظر بعينيه الأرجوانيتين نحو الجدار المكسور في الطابق الثالث. لمع بريق في عينيه واتسعت حدقتاه. انعكست على عينيه صورة يوما، وكان من المستحيل أن يخطئ في رؤيته. هناك في الأعلى، كان يوما يحدق للأسفل ولم يلاحظ وجود رييد.

كانت عيناه تراقبه دون أن يعلم الأخير، ولم يقم بأي حركة لتحذيره. تراجع يوما بسرعة نحو الوراء، ولحق برفاقه، وخرجوا من الصف على عجل قبل أن يصل ضباط أمن المدرسة ويكتشفوا أمرهم.

أما صديق رييد، كايتو، فقد حدق به، ثم حاول النظر إلى حيث ينظر، لكنه لم يرَ شيئًا. حاول أن يركز، لكنه لم يستطع رؤية سوى جدار عادي به فتحة غير معتادة...

عاود كايتو النظر إلى رييد، وكان يريد أن يقول شيئًا، لكن صاحب العينين الأرجوانيتين قاطعه فجأة وقال بنبرة غامضة:

"تذكرت يا كايتو، أين التقيت بيوما مجددًا قبل أربعة أشهر، حينما أصيبت ريو."

التفت رييد إلى صديقه، ولمح في عينيه الدهشة، فأجاب كايتو بسخرية غير متوقعة:"من تكون يوما؟ هل بدأت تتحدث مع الفتيات؟"

تفاجأ كايتو حين رأى تغير ملامح رييد، كيف أصبحت وجهه مظلمًا وكأن ظلًا ثقيلًا حلّ عليه.

أخذ رييد نفسًا عميقًا، وكشر ضاغطًا على أسنانه:"يوما صبي، وليس فتاة... أشكرك على انتباهك لي وأنا أتحدث معك عن بعض التفاصيل."

فجأة، أمسك كايتو بكتفي رييد ودفعه خطوة إلى الوراء، صارخًا: "لحظة، لحظة! ماذا كان يفعل مع ريو؟ منذ متى وأختك تتسكع مع الصبية دون علمي؟"

أبعد الاخر يد كايتو بعبوس، وأجابه بحدة: "يا أحمق، ريو قبل أربعة أشهر تعرضت لحادث، وهذا الفتى هو الذي أبلغ الشرطة عن مكانها، لذلك عادت إلى الديار."

أخذ رييد نفسًا عميقًا، وشعر بارتياح في قلبه وضميره كما لو أن حملاً ثقيلاً أُزيح عنه.

أما كايتو، فوقف مذهولًا، بينما في الطرف الآخر رييد كان يريد فعلاً أن يقتلع رأس صديقه من مكانه بسبب سخريته وحماقته.

زاك لا يزال واقفًا خلف صديقه، يتلفظ بكلمات تحفيزية لا معنى لها، محاولًا رفع معنوياته. أخيرًا، أبعد آرثر يديه عن وجهه وقرر أن يتقبل ما حدث بصدر رحب، لكن حين نظر إلى الأرض، لاحظ قطع زجاج مكسورة عليها بقع دماء، فتسعّت عيناه ذهولًا ورعبًا.

لاحظ زاك ذلك، فتقدم متجاوزًا آرثر، وركل قطع الزجاج بعيدًا عنه. كان زاك يرتدي حذاءً رياضيًا ناصع البياض، فتلطخ الحذاء بالدماء، لكنه لم يعطِ الأمر اهتمامًا. استدار ليواجه آرثر، الذي لا يزال جالسًا على الأرض، وابتسم بنبرة ساخرة:

"أعتقد أن عقد الانضمام إلى طليعة الإيند نايت لم يذكر شيئًا عن المصحة التي ستستقبل عقدنا النفسي."

وقف الحضور يراقبون، وأطلق زاك ضحكة عالية وساخرة جذبت الأنظار إليه. آرثر بدوره غيّر تعابير وجهه وضحك ضحكة خفيفة وقال:"أعتقد أن أنت الحالة المستعجلة، وأنا الحالة المخففة."

مد زاك يده لمساعدة آرثر على النهوض، وقال بمرح غير معتاد:"إنها مجرد سيارة فقط. اعمل خمس سنوات أو اقترض من البنك أو بع كليتك، وستشتري واحدة أخرى."

أمسك آرثر بيد زاك بقوة وسحبه، مما جعله ينهض من على الأرض. ترك زاك يد الأقصر منه طولًا وقال:"قرر ماذا ستفعل إلى ذلك الحين، سأقلك، لكن بكل تأكيد..." ثم غمز له وقال:"أنت بحاجة إلى هاتف جديد."

ابتسم آرثر له، وشعر ببعض الراحة تملأ صدره.

هو لا يكره زاك، لكنه يراه مزعجًا في كثير من الأحيان، وخاصة عندما يتعلق الأمر بترتيب توزيع الفرق، وهو السبب الرئيسي وراء تذمره. ومع ذلك، تلك الروح المرحة التي يمتلكها زاك — والتي لم يلحظها تلاميذ السنة الأولى بعد — تساعد في تخفيف الأجواء في مثل هذه اللحظات.

نظر آرثر نحو السياج الأسود المحاذي لمواقف السيارات، ولاحظ طلاب السنة الأولى يقفون خلف الشجرة الخضراء الضخمة القريبة من السياج، وهي ذات الشجرة التي تسلقتها صاحبة الشعر اللبني القصير. تعرف عليهم ميشيل صاحب العينين الزرقاوين، وكذلك أكاني وروزا. لوح لهم طالبًا منهم الاقتراب، بينما بدا أحدهم، الأقصر بينهم، مصابًا بتشنج في عضلات القلب. أما أكاني، فكانت تبتسم ابتسامة شخص واثق، تنظر إليه بتحدٍ واضح.

اقترب الطلاب من آرثر، بينما بقي يوما بعيدًا؛ فهو لا يريد أن يكون قريبًا من سيزار الذي يقف بجانب آرثر، فقد اكتفى بالدراما التي عاشها صباح اليوم. سار ميشيل بخطى سريعة وقال بقلق: "أستاذ، هل أنت بخير؟ سمعنا صوت التحطم وتبعنا الأستاذ زاك إلى هنا، هل أصابك مكروه؟" هز آرثر رأسه مطمئنًا إياهم بأنه بخير، ثم نظر إلى الآخرين الذين سألوا عنه.

بدأت أكاني تتذمر قائلة: "كل هذا يحدث بسبب طلاب الصف الثالث والثاني. نحن لسنا مثلهم، وطالما أنت معنا، تكون سعيدًا، أليس كذلك؟" نظر إليها الطلاب الأكبر سنًا بحقد، فتراجعت أكاني قليلاً، بينما ضحك آرثر بخفة.

في تلك اللحظة، تذكر الدم المتناثر على الزجاج، فتوقف قليلاً ليتفقد نفسه، ينظر إلى يديه، وكتفيه، وقدميه، متأكدًا أنه لم يصب بأي جرح.

ظر آرثر نحو الطلاب، وسأل بصوت مرتفع: "هل أصيب أحد؟" في تلك الأثناء، بدأ زاك يتفقد أطراف السيارة، يبحث عن مصدر الإصابة. فجأة، لفت انتباه صاحب العينين الأرجوانيتين، رييد، ذراعًا تنزف بشدة — كانت ذراع يوما، الواقف تحت ظل الشجرة، الذي لم ينبس ببنت شفة، لا كلمة ولا صرخة.

أثار هذا المشهد حيرة رييد، إذ بدأ يغرق في بحر من الأسئلة الدوّامة: هذا الفتى إنسان عادي،ما خطبه؟ ، لما أصبح هكذا ؟، ضعيف القلب ومريض، فلماذا لم يفقد وعيه بسبب ذلك الجرح العميق؟ وكيف لا يزال حيًا رغم محاولات القتل العديدة التي تعرض لها؟

ترك كل هذه التساؤلات جانبًا وتقدم نحو يوما الذي كان يحدق إلى الأرض بخطوات هادئة غير ملفتة. وقف أمامه، وسأله بهدوء: "هل عليّ أن أسأل عمّا حدث؟" لكن يوما لم يرفع رأسه، ولم يرد عليه، كأن رييد لم يخاطبه أصلًا.

لاحظ آرثر المشهد ورأى الجرح العميق في ذراع يوما. فجأة، ومن العدم، ظهر أمام يوما شخصٌ أحدث اضطرابًا في حالته. تقدم الأكبر سنًا منهم وأمسك بذراع يوما، محدقًا في الجرح العميق، مع أن يوما لم يصرخ، ولم يُظهر أي ألم.

حين لمح أشيب الشعر الجرح، تذكر الضربة التي كسرت الباب، فتوقف في مكانه، واقفًا بثبات كأنّه شجرة يمكن للعصافير أن تبني فوقها أعشاشها.

تجمهر الطلاب حولهم، وكان آرثر يكرر السؤال على الفتى مراتٍ عدة: "هل أنت بخير؟ هل تشعر بالألم؟" لكن لم يتلقَ أي رد، ولم تظهر أي حركة من يوما. في تلك اللحظة، استدار زاك وطلب من الطلاب أن يعودوا إلى صفوفهم بسرعة.

في لحظة مفاجئة، ضم آرثر يوما إليه بسرعة وانبطحا على الأرض، قبل أن تسقط فوقهما مادة خضراء لزجة وسامة، تآكلت الأرض تحتها محدثة حفرة عميقة. نظر كل من رييد، كايتو، أكاني، روزا، ميشيل، سيزار، كازوما، وزاك إلى مصدر تلك المادة، فوق الشجرة التي كانوا يقفون تحت ظلها. كان هناك "داموتوفير" على الأغصان، لونه بني قاتم وشعره مليء بالأفاعي المتمايلة والمتحركة.

خاف معظم التلاميذ وفروا من المكان مسرعين نحو المدرسة. وبين الحشد، ظهر رجل يسير عكس اتجاههم، بدا في الأربعين من عمره، شعره بني، ولحيته قصيرة، يرتدي نظارة مع ربطة عنق سوداء. وقف بجانب زاك، ونظر إلى الشجرة بعينين حادتين، ثم صاح متسائلاً: "كيف وصل هذا إلى داخل الحرم المدرسي؟ أين أمن المدرسة؟"

نهض آرثر عن يوما واضعًا ركبته على الأرض، فيما كان زاك يتقدّم بخطوات ثابتة نحو "داموتوفير"، وعلى وجهه ابتسامة خبيثة، ثم قال بنبرة خشنة ومليئة بالاحتقار:

"اذهب أنت وأمثالك إلى الجحيم."

وفي طرفة عين، كان قد ظهر أمام الوحش، وركله بقوة هائلة أطاحت به، مدمّرة سياج المدرسة والأشجار المحيطة به.

وقف زاك فوق صدر الداموتوفير ، ووضع قدمه عليه بثبات، ثم مال قليلًا وسأله ببرود:"هل أنت من تلك الفئة التي تتكلّم؟"

لم يردّ الوحش، بل أطلق زئيرًا غاضبًا في وجهه. عندها تنهد زاك باستياء، ورفع يده مشكّلًا دائرة بين إبهامه وسبابته. ابتسم بلامبالاة، وغمز للوحش، ثم أطلق من الدائرة الصغيرة طاقة زرقاء غريبة، اندفعت مباشرة نحو صدر الداموتوفير، لتخترقه كليًا. بدأ الوحش يصرخ ويتلوى من شدة الألم، قبل أن يتبخر بالكامل تحت قدمي زاك، كما لو لم يكن شيئًا منذ البداية.

على بعد أمتار، تنفس الرجل الأربعيني الصعداء بعد اختفاء التهديد، وأخرج هاتفه متصلًا بأمن المدرسة، لكن لم يجب أحد. أغلق الخط بانزعاج، وقبل أن يتحدث، وقعت عيناه على ما تبقّى من سيارة آرثر.

مجرد أن رأى المشهد، بدت عليه علامات الصدمة العميقة، وتغير لونه كليًا، كأن روحه قد غادرت جسده. ثم صاح بانفعال شديد، والدموع تتجمّع في عينيه:"من فعل هذا بها؟!"

وجه نظره فورًا نحو آرثر، ثم ركض نحوه تقريبًا وهو يصرخ:"آسف! آسف جدًا على ما حدث لسيارتك! أعدك أن المدرسة ستعوضك، فقط... أرجوك لا تسجّل هذا في التقرير الرسمي!"

ولكنه ما إن أشاح ببصره قليلًا، ورأى رييد واقفًا بين التلاميذ، حتى تقلّصت عيناه في مكانهما، ثم اتسعتا بشكل غير طبيعي، وانكسرت نظارته تحت ضغط عينيه، اللتين تحول بياضهما إلى ساطع كأن الضوء اخترقهما.

وفي لحظة، سقط مغشيًّا عليه أرضًا دون إنذار.

ركض آرثر إليه بسرعة وبدأ يهزّه محاولًا إفاقته، وهو يقول بصوت مرتبك:"سيد روبرت! أرجوك، اهدأ! مثل هذه الحوادث تحدث في كل مكان... زاك تولّى الأمر، والطلاب بخير!"

أُصيب الطلاب المتبقّون بالذهول، فبينما كانوا يحتفظون بهدوئهم رغم الحدث، بدا وكيل المدرسة وكأن أعصابه احترقت بالكامل، وكأنما وقع موت في المكان.

قال صاحب الشعر الأزرق القصير بسخرية:"من هذا المضحك؟"

ضحكت صاحبة الشعر الوردي وأجابت مازحة:"إنه وكيل المدرسة، الأستاذ روبرت. أرقّ من نملة... ألا تعرفه، ميشيل؟"

كتم ميشيل ضحكته، وهزّ رأسه نافيًا المعرفة.

في الجانب الآخر، كان يوما لا يزال ممدّدًا على الأرض، لم يتحرك ولم ينبس ببنت شفة، عينيه مثبتتان نحو السماء، يحدّق بالغيوم بصمت. كان الألم لا يزال ينهش ذراعه، وكل ما فكر فيه هو مدى سوء حظّه؛ كتفه اليمنى مصابة، ومرفق الذراع ذاتها ينزف. تمنى فقط أن يتوقّف الألم. لم يصرخ، لا لأن الألم لم يكن شديدًا، بل لأنه يؤمن أن الصراخ لن يجلب سوى مزيدٍ من الوجع.

اقترب منه رييد، ومدّ يده ليساعده على النهوض. بخلاف الجميع، لم يصرف رييد نظره عن يوما ولو للحظة. قبل يوما المساعدة، وحين وقف كاد أن يسقط لولا أن رييد أمسك به بسرعة.

دخل زاك بينهما فجأة، وبطريقة لا تخلو من الدعابة، حمل يوما بين ذراعيه قائلاً بسخرية:"يبدو أنك قد تعبت كثيرًا من الركض اليوم. ارتحِ الآن."وغمز له بخفة .

انطلق زاك حاملاً يوما نحو مكتب الممرضة، فيما بقي رييد يراقبهم بعينين لا تغفلان.وقف كايتو إلى جوار رييد وقال ممازحًا:"لو لم أكن أعرفك، لقلت إنك متطفّل."

لكن رييد لم يرد.

في هذه الأثناء، كان رئيس مجلس الطلبة، كازوما، قد أمسك بكتف روزا، ونظر إليها نظرة حادة وقال بنبرة باردة تُخفي الغضب:

"ألستِ الفتاة التي هربت صباح اليوم؟"

بدأت روزا ترتجف، ثم ضحكت ضحكة مترددة وهي تقول:"أنا؟ أنا لا أعرف شيئًا... هههه..."

وفي النهاية، اكتفى كازوما بجعلها تكتب مخالفة مخففة، دون أن يطردها من المدرسة، مما جعلها تتنفس الصعداء. أما ميشيل وأكاني، فلم يضطرا إلى كتابة شيء، وكانا في غاية السعادة لذلك.

وفيما انتهت هذه الفوضى نوعًا ما، بقي الأستاذ روبرت مُغمى عليه على الأرض، بينما آرثر ما زال يهزّه محاولًا إفاقته، قائلاً بإلحاح:

"سيد روبرت! أرجوك، اهدأ... مثل هذه الحوادث تحدث في كل مكان. زاك تولّى الأمر، والطلاب بخير..."

_____///❀❀///______

حسابي على الانستقرام و أخر اخبار الرواية : rir_i152

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فريا

المؤلف RIRI
2025/07/10 مستمرة
قائمة الفصول (21)
الفصل 0: ماهي فريّا
2025/07/10
الفصل 01: المدرسة الجديدة
2025/07/10
الفصل 02: المغلوب عليه
2025/07/12
الفصل 03: الموكل عليه و عائلته
2025/07/15
الفصل 04: الفصل الرابع: الاختبار التشخيصي
2025/07/23
الفصل 05: الفصل الخامس: كتابة الأختام
2025/07/23
الفصل 06: الفصل السادس : عشاء الكارثة
2025/07/24
الفصل 07: الفصل السابع : التحقيق
2025/08/22
الفصل 08: الفصل الثامن: حكاية آلفاسانو
2025/08/22
الفصل 09: الفصل التاسع : حكاية آلفاسانو
2025/08/22
الفصل 10: الفصل العاشر: حكاية آلفاسانو
2025/08/22
الفصل 11: الفصل الحادي عشر: أسلحة و أسرار
2025/08/22
الفصل 12: الفصل الثاني عشر:المبنى القديم•
2025/08/22
الفصل 13: الفصل الثالث عشر: الغريب من دار الأوبرا
2025/08/22
الفصل 14: الفصل الرابع عشر: ليلة الاسبوع الأبيض
2025/08/22
الفصل 15: الفصل الخامس عشر:عطلة الأسبوع الأبيض
2025/08/22
الفصل 16: الفصل السادس عشر:عطلة الأسبوع الأبيض(2)
2025/08/22
الفصل 17: الفصل السابع عشر: عطلة الاسبوع الابيض 3(عين الشيطان تبصر)
2025/08/22
الفصل 18: الفصل الثامن عشر : عطلة الاسبوع الابيض 4(التردد)
2025/08/22
الفصل 19: الفصل التاسع عشر: التاريخ
2025/08/23
الفصل 20: الفصل العشرين: يد من ألماس
2025/08/24

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة