وسط وهج غروبٍ خافتٍ مائلٍ للبرتقالي، كان قلب آلفاسانو يخفق بهدوء غير مستقر، عيناه تسرحان من نافذة السيارة نحو الأفق الذي يبتلع الضوء ببطء.
في المقعد الأمامي، يجلس رييد بلا حراك، يعبث بأنامله في حافة مقعده، وكأن أي حركة غير محسوبة قد تُفسد اللحظة... لحظة عودة صديقه.
زاك كان خلف المقود، صامتًا على غير العادة، يقود نحو المختبر دون أن ينبس بكلمة، عيناه لا تغادران الطريق. إلا ليطيل النظر في مرآة الرؤية الخلفية.
عند وصولهم، توقف المحرك بصوت خافت. فُتح الباب الفولاذي الضخم بصريرٍ معدنيّ ثقيل، ودخل الثلاثة إلى ساحة المختبر.
كانت تقف هناك، كما لو أنها كانت تنتظرهم منذ البارحة. ميرا، شعرها الأبيض يلمع تحت ضوء الغروب، تقف بجانب البروفيسور هاياتو، وعيناها معلقتان بآلفاسانو، نظرة بلا دهشة... فقط يقين.
نسيم مسائي مر بخفة، فوض خصلاتها، فرفعت يدها بلطف لتعيدها إلى مكانها، ثم قالت بصوت ناعم مائل للدفء:
"آلفاسانو، قف أمامي مباشرة."
تقدم بخطى خفيفة، حتى وقف أمامها. لحظة صامتة مرت بينهما، قبل أن تفك شريطة شعرها الأرجوانية، تدع خصلاتها تنساب قليلًا، ثم أعادت ربطها وأحكمت لفّ الشريط حولها من جديد.
"مهما حدث... مهما شعرت... إيّاك أن تصرخ."
ارتعشت أنفاسه للحظة، لكن شيء في صوته الداخلي قال: لا عودة الآن. كانت الرغبة بالتحرر أقوى من الخوف.
في الخلف، رفع هاياتو رأسه نحو السماء، تأمل قرص الشمس يختفي وراء الأفق. رييد شد قبضته دون أن يرفع عينيه عن اللحظة التي سيعود فيها صديقه. وزاك، الذي اتكأ بصمت على السيارة، راح يراقب الفناء بعينين يقظتين، كأنه ينتظر تدخلًا طارئًا قد يأتي... أو لا.
مدت ميرا يدها المغطاة بالقفاز الأبيض، كأنها تلامس قلب الغيب، ثم بلطفٍ، أغلقت جفنها، أسدلت ستارة بيضاء على عينها الزرقاء اللامعة.
في اللحظة نفسها، لمع ضوءٌ بارد تحت قدم آلفاسانو. بروق ألماسية نبتت كأنها شقوق من عالم آخر، تسللت سريعًا إلى ساقه، فجمّدت حركته عند الركبة. بقي واقفًا، متيبّسًا، وعيناه على ميرا.
فتحت عينيها، وحدّقت فيه بثبات ثم قالت:"الآن."
الأرض تحت قدميها انفتحت بنعومة، كشفت عن بوابة دائرية تتنفس نورًا. من عمقها، خرج تنين بلون الثلج، لمع بياضه في ظلمة المكان حتى بدا كوميض حلميّ يقطع الصمت.
تقدّمت ميرا نحو النور، شعرها يتطاير بخفة، ثم رفعت صوتها بثقة عميقة:"أنا يونازوكي ميرا، من عشيرة التنانين."
في اللحظة التالية، تكسر الألماس الذي قيّد آلفاسانو. سقط على ركبتيه، وصرخة ألم صغيرة ارتجّت في صدره. عند عنقه، اشتعل وهج حارق، وبان على جلده رقم: 152.
رفعت ميرا يدها، وصاحت بصوت فيه قوة قَسَم قديم:"بقوى أستورسيك... أُعلن فكّ العابر عن البشري!"
كأن الكلمات فتحت بابًا آخر: قوى سوداء، سائلة كالضباب، راحت تنسحب من جسد آلفاسانو، تلفظها روحه كمن يتقيأ سمًا.
قبض على صدره، والدم تسرب من عينيه وأنفه، صرخ صرخة بدت وكأنها قادمة من قاع روحه.
البروفيسور هاياتو أشاح بنظره، عاجزًا عن المتابعة.
وميرا... لم تتحرك. يدها ثابتة، وعيناها لا ترفّان.رييد كانت يده ترتجف، ليس خوفًا على نفسه، بل على يوما... على الجسد الذي قد يعود، أو لا يعود أبدًا كما كان.
انزلقت دمعة دافئة من عين آلفاسانو، ثم أخرى.لم يكن الألم جسديًا فقط... بل كان أعمق.صورٌ مرّت في ذهنه كأحلام على وشك أن تُسحب من تحت وسادته: وجه أمه، دفء أبيه، رائحة الأرض بعد المطر، أصدقاؤه الذين ودّعهم مطمئنًا بأنه سيعود.
لكن الآن...
بدأ جسده يتشقق بنور، وانفصل عنه ببطء شبرٌ ذهبي، مخلوق يشبهه تمامًا، كأن روحه تحررت من غلافها البشري.
صدره انفتح ببطء، وكأن أبواب عالم آخر تُفتح من داخله.وسط النور، ظهر وجه آلفاسانو الحقيقي... ذلك الذي لم يُرَ من قبل.
ميرا شدّت على يدها المرتجفة، ضغطت بقوة، فاندفع شعاع أبيض كثيف من باطن الأرض إلى السماء، واخترق السقف.
الغيوم تجمّعت حول المركز، كأنها استجابت للنداء.
فتح رييد عينيه، وارتدّ جسده قليلًا. أمامه، كان يقف شاب يشبه يوما لدرجة مخيفة — شعر أشقر مضيء، رموش ذهبية، وعينان بلون الذهب السائل.لم يكن يوما... لكنه لم يكن غريبًا إنه آلفاسانو.
رفع رأسه ببطء، وهناك، في السماء، كان جسد يوما ممدًا في الهواء، يتلوّى من الألم، ممسكًا بصدره، كأن قلبه يُنتزع.
"ما الذي يحدث؟!"صرخ رييد، متجهًا بعينيه نحو ميرا.
كانت تحاول تثبيت يدها المرتعشة، أنفاسها ثقيلة، ثم قالت بصوت مبحوح:"هذا الفتى... ليس إنسانًا. إنه منتبَت الجذوع."
اهتزّت نظرات زاك، رييد شحب وجهه، ضربه ذهولٌ داخلي أقرب إلى الصاعقة. أما البروفيسور هاياتو، فقد رفع يده إلى فمه، وكأن فجأة، كل شيء أصبح واضحًا.
وقف آلفاسانو ببطء، جسده لا يزال يتذبذب، عيناه تبحثان عن إجابة، ثم همس بصوت مكسور:"ماذا يعني هذا...؟"
أغلق رييد عينيه بشدة، قبض يده حتى ابيضّت مفاصله، وقال:"يوما... كتب ختمًا مع جذع."
ارتجف آلفاسانو، نظر إليه، وكأن الكلمة نزعت شيئًا منه.ختمٌ محرّم...؟هل يمكن أن يوما فعل هذا؟ هل يمكن أن يربط مصير شخص بروح لا تنتمي لهذا العالم؟
تمنّى للحظة أنه سمع خطأ، لكنه كان يسمع الحقيقة... تُنطق أمامه كحكم لا مفر من
"ميرا، ماذا يمكنك أن تفعلي؟!"صرخ بها البروفيسور، والقلق يتصاعد في نبرة صوته.
قطرة عرق انزلقت ببطء من جبينها، تبعتها أخرى.عيناها ضاقتا تحت ضغط الطاقة، ثم همست بصوت منخفض، أقرب إلى وعدٍ هش:"أحتاج... إلى وقت. لا تقلق، سأسيطر على الوضع."
لكن الصوت الذي تلا كلماتها لم يكن بشريًا، بل معدنيًا... مخيفًا. "تنبيه، تنبيه... هناك وحوش تتجمّع حول المبنى."جرس الإنذار دوّى في أنحاء المختبر، وأمام البروفيسور انفتحت شاشات متعددة كشفت له الفوضى القادمة:مخلوقات تزحف، تركض، تتسلق... مئات، وربما أكثر. بعضها وحوش عادية، وأخرى... جذعية.عيناه اتسعتا رعبًا، تراجع خطوة كأن الصور دفعته إلى الخلف.ثم التفت سريعًا، وصاح:"زاك! تولّ أمرهم!"
زاك لم يتردد لحظة، انطلق كطلقة صامتة، عينيه تقدحان تركيزًا.
البروفيسور، بصوت مرتجف حاول إخفاءه، أشار نحو آلفاسانو:"أنت... تعال معي."ثم ألقى نظرة على رييد:"سمو الأمير، ابقَ مع ميرا ويوما."
لم ينتظر، توجه إلى أعماق المختبر، وخلفه كان آلفاسانو يتبعه، لا تزال رجلاه تحملان أثر الضوء الذي انبعث منه.
رييد لم يتحرك. لم يكن يستطيع. عينا يوما اتسعتا في ألمٍ صامت، ثم انطلقت صرخته، اخترقت جدران المختبر، وسافرت بعيدًا.
وفجأة... خارج المبنى، ارتفع صوت الوحوش. زمجرة، صراخ، اهتياج غير مفهوم، كأن الألم الذي يشعر به يوما هو ما ناداهم، حرّضهم.
ميرا كانت راكعة، يدها لا تزال ثابتة بصعوبة، تتصبب عرقًا، لا تنظر لأحد.والوحوش هناك... بدأت تصطدم بجدران المختبر، بعضها يبصق سمًا، بعضها يزأر، وزاك وحده بينهم، يقاتل..
"أوه... العينة، لقد عادت."قالها الرجل ببرود رتيب، فيه رقة لا تخلو من رهبة.ثم بصوت خافت، بالكاد يُسمع:"زامنهوف... أحضِره لي."
وفي الخارج، كان يوما يصرخ...لكن هذه المرة، لم تكن صرخة ألم فقط، بل إعلانٌ داخلي لانفجارٍ لا يُرى.الأرض ارتجّت من تحته، كأن شيئًا في جوهرها أُيقظ.شرخٌ بدأ من قدمي ميرا، تشقق كأن الزلزال نفسه انبثق من صدره.
زاك، وسط المعركة، تزلزل موضع قدمه، لكنه ثبت، خنجراه لا يزالان يخترقان أجساد الوحوش، يداه تقاتلان بعنف، وعيناه تتابعان كل ذبذبة في الأرض.
في الداخل، كان البروفيسور يحدّق بجهاز القياس، والإبرة لا تتوقف عن الارتجاف. الرقم استقر على 7. تنفّس ببطء، وهمس لنفسه:"إنه... زلزالٌ ناتج عن روح."
ميرا ارتج جسدها، لحظة واحدة كانت كافية. فقدت توازنها، وتفككت الحلقة التي كانت تمسك بها يوما. سقط جسده كدمية خالية من الخيط. لكن رييد، دون تردد، اندفع، وأمسك به قبل أن يلامس الأرض.
انشقت الأرض، من تحتهم، لم تتوقف...بل ازدادت شراهة. انفتحت كالجرح، وجعلت المختبر ينقسم لنصفين. شقٌ واسع كفم وحشٍ خرافي فتح نفسه، وجرّ ميرا، ويوما، ورييد نحو الأعماق.
يد رييد امتدت وسط الفوضى، قبض على ذراع يوما، وسحبه إليه.ميرا استعادت توازنها في الهواء، وكأنها مألوفة مع قوانين لم نعرفها.دارت بخفة في الهواء، وهبطت بقدم ثابتة على أرض الخندق، نظراتها لم تفقد حدة الهدف.
بعد لحظة، تبعها رييد.هبط بخفة على الارض، يحمل يوما على ظهره، أنفاسه مرهقة، وصدره يرتفع بقوة...لكنه لم يتوقف.
الطريق للأعلى كان مكتظًا بالوحوش، كأن الزلزال لم يكن إلا دعوة مفتوحة لهم. استغلوا الفوضى، واندفعوا نحو فوهة الخندق.
في الأسفل، حيث الظلال أكثر كثافة من الصمت،كان الخندق أشبه بأمعاء الأرض — لا نهاية له، ولا ملامح.تنفّس رييد بعمق، حدّق في وجه يوما المغمى عليه على كتفه، لا يزال قلبه ينبض، لكنه... بعيد.
رفعت ميرا يدها، وبهدوء انبعث من كفّها نور أبيض ناعم، لا يؤذي العين بل يُطمئنها،كأن يدها تحولت إلى مصباح من الروح، يشق الظلمة بلطف.قالت بنبرة مشوبة بالحيرة، مترددة بين الخوف والواقعية:"أوه... هذا لم يكن ضمن الخطة. ماذا سنفعل الآن؟"
أجابها رييد دون تردد، صوته يحمل صلابة نابعة من قلق حقيقي:"المهم أن يوما بخير."
التفتت نحوه وابتسمت — ابتسامة خفيفة، لكنها دافئة...كأنها تُسكّن الصمت أكثر من الكلام.نظرت حولها، إلى الجدران التي تنبض برائحة قديمة،ثم توقفت عند ثلاث علامات حُفرت في الصخر، كأن الزمن لم يجرؤ على طمسها.
مرّت أناملها عليها، فشعرت برجفة داخلية لم تستطع تفسيرها،وقالت همسًا:"نحن في موقع... يخص أرض العالم القديم."
نظر إليها رييد باهتمام مفاجئ، عينيه تلمعان بفضول نادر:"هل أنتِ واثقة؟، من انها تعود لإحدى المدن الثلاث ؟"هزّت رأسها بثقة ناعمة، وأجابت:"نعم... الغريب أنك تعرف عن العالم القديم."
توقف رييد للحظة.شعر بوخزة في داخله...هل عرفَت؟ هل تشكّ؟لكن تذكّر بسرعة: ميرا لا تعرف هويته.
أما هي، فقد كانت تكتم حيرتها بصعوبة. البروفيسور ناداه بـ"سمو الأمير"، فهل من يقف أمامها الآن... هو كايتو، أمير ليويامي؟
قطع رييد حبل التفكير وهو يقول بصوت هادئ، لكنه حاسم:"دعينا نستمر. ربما نجد مخرجًا."
ابتسمت بهدوء هذه المرة، وقالت"معك حق... على الأقل أفضل من الانتظار هنا."
نظرت خلفها، حيث الوحوش بدأت تزحف من أعلى،ثم أسرعت الخطى، بجانب رييد، في ممر طويل لم يُخلق للبشر،
بل لأولئك الذين نسوا الشمس... واعتادوا الظلام.
كان صدى خطواتهم يتردد في الممر الضيق، كأن الجدران تحفظ أصواتهم ببطء، وتعيدها إليهم كما لو كانت تهمس بهم.
تنهدت ميرا، وقالت بصوت خافت يشوبه الإرهاق: "أشعر وكأننا نسير في متاهة تحت الأرض... لا نهاية لها."
توقف رييد عن المشي فجأة، نظر إلى الأمام ثم قال بهدوء:"لنأخذ استراحة قصيرة."
أومأت ميرا بصمت. انطفأ النور الذي كانت تحمله في كفها، تاركًا ظلالهم ترقص قليلاً على الجدران قبل أن تستقر في سكون.
جلست على الأرض الباردة، ظهرها مستند إلى الحائط، تنظر إلى الفراغ كأنها تحاول إيجاد خيط للواقع.
أما رييد، فحمل يوما بين ذراعيه بحذر، ثم وضعه أرضًا بلطف، كأن سقوطه قد يكسر شيئًا لا يُصلح. جلس قربه، ويده لا تزال على كتفه، كأنها حبل وهمي يمنعه من الرحيل.كانت لحظة صمت ثقيلة، يتشاركها ثلاثة أرواح... واحدة نائمة، واثنتان بين القلق والانتظار.
أغلقت ميرا عينيها للحظة، وسط السكون، التقطت أذناها صوتًا خافتًا... يشبه خرير ماء يتسلل من بين الصخور.
فتحت عينيها بسرعة، ونهضت من الأرض، وفي اللحظة ذاتها كان رييد يرفع رأسه، كأن الصوت قد ناداهما معًا من خلف الجدران.
نظرت إليه، وبدت في حيرة لحظة قبل أن تقول بصوت منخفض فيه شيء من التوتر الطفولي:
"اسمع يا... يا... لا أعرف من تكون، لكنني سأذهب وأتفقد مصدر الصوت. هل تأتي؟ أم تفضل البقاء هنا؟"
أجابها رييد بنبرته الهادئة المعتادة، بينما يرفع يوما ويضعه على ظهره من جديد:"يفضّل أن نبقى معًا."
ابتسمت ميرا، ابتسامة خاطفة لكنها صادقة. لم تكن تعرف من يكون بالضبط، لكن هدوءه العميق وثقته الواثقة بنفسيهما جذب انتباهها.
كان الأمر أكبر من مجرد مساعدة... هناك شيء فيه يُشبه ملوك النور، وشيء آخر يُربكها.
"هل يمكن... أن يكون هو... أمير ليويامي؟" فكرة لم ترد أن تعترف بها، لكنها بدأت تنمو داخلها مثل شرارة.
تابعوا السير بصمت حتى انفتح أمامهم فضاء غريب، كأنهم وصلوا إلى مدينة دفنت تحت الأرض ونسيها الزمن. الجدران كانت متآكلة، والصخور مهترئة، والأرض تفوح منها رائحة القدم.
عبرت الفتاة أولاً على جسر خشبي متهالك، يئن تحت قدميها، لكنّه لم ينكسر.تلَّاها رييد، يحمل يوما بصبر، والجسر العتيق، رغم عمره الذي بدا وكأنه مر عليه قرن، تحمّلهم دون أن يسقط.
كان الصوت الذي سمعوه يصدر من نافورة تقف في وسط الساحة، لكنها لم تكن تنضح ماءً.بل كانت تفيض بسائل أخضر كريه، له رائحة خانقة تملأ المكان، كأنه دم مستخرج من نبتة مسمومة.
وضعت ميرا يدها على أنفها فورًا، متقززة، بينما قال رييد بنبرة منزعجة:"دعينا نبتعد عن هنا... هذا المكان لا يُشير لوجود أي حياةٍ على الاطلاق."
هزت رأسها موافقة، لم تحتج أن تسأل. فحتى الكلمات كانت تكره أن تُقال هنا بسبب سوء الرائحه ، من سيشرب شيئا مثل هذا.
المنازل التي مروا بها كانت ضخمة، ذات مداخل واسعة ونوافذ شاهقة، كأن من بناها كان أطول من الإنسان بمرات.
الشوارع بدت غريبة... فهناك أعمدة مرتفعة تشبه أعمدة الإنارة، لكنها مائلة، وأسطحها مطفأة كأن النور هجرها منذ زمن.
قال رييد وهو يمرر عينيه على التفاصيل:"أعتقد أنها إحدى مدن العالم القديم... ربما جزء من أرض آرآف المنسية."
توقفت ميرا عن السير فجأة. استدارت نحوه، عيناها ضيقتان من الشك، وقالت بصوت منخفض لكن حاد: "أنت تعرف عن أرض آرآف؟ من أنت بالضبط؟"
تلاقى نظرهما في صمت.عين ميرا الهادئة، الممتلئة بالريبة، اصطدمت بعينيه الحادتين، العميقتين، كأنهما تخفيان خلفهما الكثير مما لا يُقال.
لم يكن هذا مجرد سؤال عابر... بل لحظة فاصلة، كأنها تقف على حافة اكتشاف ما لم تتوقعه ابدا .
"كم هذا... مضحك." استدار الاثنان، ميرا و رييد، يمنة ويسرة باحثين عن مصدر الصوت، حتى وقع نظرهما عليه... فوق مبنى دائري مهترئ يقف رجل في مقتبل الثلاثين، شعره أشقر قصير، وعيناه بلون الرماد، يبتسم ابتسامة خبيثة لا تخطئها العين، كأنما يهمس لهما دون أن يتكلم: "لقد رأيتكما. ولن تمرا من هنا بسلام."
نزل الدرجات بخطوات ثابتة، واثقة، وصوته حين نطق حمل نبرة هيبة لا يُمكن إنكارها:"كنت أستكشف آثار العالم القديم... ولم أتوقع أن أصادف العينة الهاربة هنا، أمامي؟"
تقدّمت ميرا على الفور، وظهر شق ألماسي في كف يدها. خرج منه مسدس بلوري لامع، خُلق من قلب البلور ذاته، مصوب مباشرة نحوه."من أنت؟" قالتها بنبرة حادة كالسيف.
ضحك الرجل بخفة وهو يخطو نحوهم: "جمال ملائكي كجمال الحجر الكريم... هذه السمة لا توجد إلا في آل يونازوكي، تشبهين الالماس ، وبلور ابيض . لستي بلون التركواز الداكن و البلور ليس ك الأوبال الأبيض، اذن لستي يوهان."
ثم انحنى باحترام زائف وقال:"اسمي فريدريك لودفيك... تابع السيد الخامس في أرض بيراست. وشرف لي لقاؤك، آنستي."
اهتز شعر ميرا بغضب، ووجهها الهادئ تغيّرت ملامحه، اختفى دفء التعبير ليحلّ مكانه صقيع حذر.رييد صك على أسنانه بقوة. الاسم وحده كان كافيًا ليشعل كل أجراس الإنذار داخله. مساعد أحد سادة بيراست؟ القتال معه لن يكون سهلاً، خاصة ويوما لا يزال فاقدًا للوعي على ظهره.
لكن ما لم يلحظه أحد... أن تلك العين، عين يوما المغلقة منذ سقوطه، بدأت تتحرك. ثم ببطء شديد... فتحت.
فريدريك من جهته، نزع قفازه الجلدي عن يده اليسرى.خط أسود داكن، يشبه الوريد، بدا بارزًا على جلده، ينبض كما لو أنه حي.
ثم من ذلك العرق، خرج سائل مظلم بدأ يتجمد ويتمدد في الوقت نفسه، متخذًا هيئة سيف طويل، نصلُه أسود كالظلام، تنبع منه طاقة خبيثة ومقززة. "لن أطيل اللعب، أعطوني العينة... أو اختفوا للأبد."
"تحلم."
قالتها ميرا ببرود قبل أن تطلق سبع رصاصات متتالية باتجاهه. تراجع فريدريك خطوة للوراء، والابتسامة ما زالت مرسومة على وجهه. كادت الرصاصات أن تخترق جسده... لكنها لم تفعل. بخفة خرافية، تجاوزها، وانطلق قافزًا في الهواء، مثبتًا قدميه على جدار أحد المباني المهترئة، متحديًا الجاذبية وهو يركض عليه كأنه أرض مستوية، متجهًا نحوهما بسرعة مذهلة.
ميرا لم تتردد. أدارت الجوهرة في مسدسها بزاوية تسعين درجة، فتحوّل السلاح في يدها إلى سيف أبيض طويل بلمعان خالص، تقدّمت خطوة ورفعت سيفها، فاصطدم بنصل فريدريك الذي هبط كنيزك على الأرض، محطمًا البلاط الحجري تحت أقدامهم.
ابتسم فريدريك بسخرية، وبصوت واضح قال:"مذهل... مذهل. كما قال سيدي غولوين تمامًا. أفراد هذه العائلة... مثيرون للاهتمام، بل أقوياء فعلاً."
انعكس وجه ميرا الغاضب، بعينيها المشتعلتين، على نصله الأسود كأنها تقاتل ظلها، بينما رييد ما زال واقفًا خلفهما... مترددًا.
لكنه لم يتردد طويلًا. فكرة اجتاحت رأسه كالبرق: هذا ليس وقت الحذر.
"ميرا! ابتعدي!" صاح بها بأعلى صوته، وبلمح البصر، تراجعت ميرا للخلف، ليقفز رييد إلى الأمام، هالة ظلام خرجت من نصل سيفه فجأة واصطدمت بسيف فريدريك، دافعة إياه بقوة جعلته يثبت قدمه ويُركّز دفاعه.
الاصطدام كان شرسًا. فريدريك لمح الحزم في عيني الشاب أمامه، وعبس لأول مرة منذ بدء القتال.قال رييد بصوت حازم، وهو يضغط على النصل بكل قوته:"اذهبي! خذي يوما معكِ... لا تسمحي له أن يضيع.أثق بكِ."
لحظة صمت قصيرة...
ثم لمعت عينا ميرا، وكأنها تلقت وصية لا يمكن التراجع عنها. أومأت مرة، ثم التفتت نحو يوما، تحضّره للرحيل وتلاشت معه كغبار بلوري.
رفع فريدريك قدمه محاولًا توجيه ضربة للفتى، لكن الأخير، بخفة مدروسة، تفادى الهجمة وانزلق للخلف ليستعيد توازنه في لحظة، وهالة مظلمة كثيفة بدأت تحيط به، ثقيلة كأنها تشقّ الهواء من حوله.
نظر إليه فريدريك بدهشة حقيقية لأول مرة منذ بدء المواجهة، وقال بصوت منخفض تملؤه الحيرة:"من أنت يا فتى؟"
لكن قبل أن يتلقى جوابًا، ارتد صدى صوت عميق في أذن فريدريك، صوت مألوف ومزعج، جعل قسمات وجهه تتغير في لحظة.
"فريدريك، أيها الأحمق."رنّ الصوت كالأمر، قاطعًا أفكاره. جمّد فريدريك في مكانه، وبدأ العرق يتصبب من جبينه. حتى رييد لاحظ هذا التحول المفاجئ.
"انسحب فورًا. ألم أقل لك أنني لا أريد أي احتكاك مع نورثلاند؟انسحب، الآن. زامنهوف هو من سيحضره لي." فردريك عضّ على شفته السفلى بغيظ، عينيه لم تغادر رييد حتى وهو يتراجع، كمن يكره أن يُجبر على الطاعة.
"سنلتقي مجددًا..." قالها بنبرة تحمل وعدًا مظلمًا. ثم أضاف وهو يختفي ببطء وسط الظلال المتراقصة: "...ولن تكون محظوظًا كما الآن."
اختفى.
ساد الصمت بعدها لثوانٍ،...
ظهرت ميرا في ممر ضيق ضمن المدينة القديمة آرآف، أنفاسها مضطربة، وخلفها يوما مستلقٍ بهدوء لا يطمئن، وجهه شاحب، وروحه لا تزال تتأرجح بين الحياة والغيبوبة.
سمعت صوت تحطم غصن شجرة.ظهرت الوحوش فجأة، تحيط بهما من كل جانب. تراجعت خطوة للخلف. لا يوجد خيارات عليها ان تقاتلهم. رفعت يدها وقالت بصوت حاد: "إندوروسيك!"
فانشقت الأرض تحتها، وانبثقت منها صخور ألماسية تشع بالضوء، وانطلقت منها روحان على هيئة ذئبين:ذئب أبيض، وآخر أسود.
اندفع الذئبان نحو الوحوش دون تردد —الذئب الأبيض أطلق شرارة بلورية من فمه، أصابت الـ"داموتوفير"،
أما الذئب الأسود فاندفع كالسهم، وبضربة خاطفة من مخالبه، مزّق "الأنوبيس" إلى نصفين.
ميرا التفتت، وقد أحاطت بها مجموعة من الوحوش، منهم من بدأ يتجه نحو يوما، الذي لم يكن بعدُ قد استعاد وعيه. قبضت على سيفها البلوري، كان يلمع بخفوتٍ كأنه يستعد للرقص، لا للقتل. اندفعت نحوه، تضرب، تنزلق، تتفادى، وكأنها لا تسير بل تطير بين أنياب الموت.
إحدى ندف السم كانت ستصيبها، لكنها التفتت في اللحظة المناسبة، وانعكست السموم على ظلال الأرض، لا عليها.
فتح الفتى عينيه ببطء. كانتا حمراوين، داكنتين، بلونٍ يشبه آخر وهجٍ ما بعد الغروب، وفيهما شيء لا يهدأ.
النظر الأول وقع على فتاة تقاتل—شعرها الأبيض الطويل يتطاير خلفها، تتراقص بين الوحوش كأنها لا تقاتل فقط... بل تدافع.
عنه؟ ربما.
أدار عينيه إلى الأعلى. سقفٌ صخريّ. مغلق. كهف؟ لا. لكن المباني من حوله لم تكن حقيقية تمامًا، كأنها مجرد أطياف لمدينة كانت... أو ستأتي. أين هو؟لا يعرف.لكن الشعور بالتهديد كان حقيقيًا.
ثلاثة من الـ"أنوبيس" اقتربوا بخطوات ثقيلة. أنفاسهم تحمل رائحة ما بعد الموت، والمكان كله صار أضيق.
نهض يوما. ببطء، لكنه بثبات.
التفت إليهم، وابتسم...ابتسامة لم تكن عادية، بل تلك التي يقول فيها المرء بلا كلام:"أهلًا بكم... الموت قادم لكم."
في تلك اللحظة، قفزت ميرا من على الأرض، تفادت خيطًا من السم كاد أن يلامسها. كان يمكنه أن يحرقها، يفتتها، يجعلها تنكسر كما تنكسر الصخور تحت وطأة الزمن. لكنها نجت. وهي تلتفت، التقت عينها بعينيه. يوما كان مستيقظًا. وكان يحدّق بالوحوش. وكانت إحدى تلك الوحوش تقترب منه.
وقف، كمن يصارع شيئًا في داخله، شيئًا ثقيلًا. لكن عينيه، رغم ذلك، لمع فيهما بريق ساديّ غريب.ابتسم ابتسامة جانبية، وقال بصوتٍ واهن لكن ثابت:"مهلًا... أنتم تحاولون مهاجمتي؟"
اتسعت عينا ميرا، رعبًا لا إراديًا، وكأنها رأت فيه شيئًا لا تعرفه بعد. رفعت سيفها، تصدت لضربة مفاجئة، ثم انزلقت إلى الخلف وهي تراقب عدد الوحوش الذي بدأ يتضاعف.لم يكن واضحًا...لكن المؤكد انهم هنا لأجله
يوما رفع يده، مررها على شعره، كأن الإيماءة كانت توقيعًا أخيرًا قبل شيءٍ لا رجعة فيه.وللحظة خاطفة، لمع وشم الرقم "152" المنقوش على صدره، كأن الصخر نفسه تنفّس من تحته.
ثم، بصوت غليظ، هادئ، لا يحمل انفعالًا بل أمرًا بسيطًا: "انصرفوا."
فتجمدت الوحوش، وكأن أوامر غير مرئية جذبتها للوراء، ثم بدأت تتراجع ببطء، زاحفة نحو الظلال، هاربة.
ميرا استدارت بسرعة، وعيناها تلتمعان بدهشة وارتياح حين رأته واقفًا، مترنحًا.قال بصوت مشوش:"من أنتِ؟ وأين أنا؟"
اقترب الذئب الأبيض، جلس إلى جواره، كانه كأنفاس الشتاء إن هدأت.ميرا جلست بقربه، مدت يدها تلمس رأس الذئب بلطفٍ عميق، وأغمضت عينيها لحظة، ثم همست بصوتٍ لا يكاد يُسمع: "كيف... فعلتَ ذلك؟"
أجابها يوما بثقة خافتة:"هم ينصتون لأوامري طالما لم يقتربوا من دمي."ثم ابتسم ببساطة.
ابتسمت ميرا أيضًا، وقالت بصوت صافٍ:"اسمي ميرا. تشرفنا."
ضحك يوما وهو يحك رأسه بعفوية: "حسنًا، ميرا... أنا يوما. لكن... أين نحن؟"
نهضت واقتربت منه، وقالت:"نحن تحت مدينة ليويامي."
تجمد يوما، والدهشة ترتسم على وجهه.ليويامي؟
آخر ما يتذكره كان على حدود "أوفر سموك"، في بيراست... كيف قفز به الزمن والمكان إلى هنا؟
بينما سار الاثنان معًا، بدأت ميرا تشرح له ما تعرفه. عندها، بدأ يوما يتذكّر لقاءه بآلفاسانو — لقد كان طوال الوقت في غيبوبة طويلة، وهذا هو ثالث وعي حقيقي له منذ انفصاله عن الاشقر. كانت لحظة ثقيلة، لكنها منحته إحساسًا جديدًا بالحياة.
تردد في المكان صوت خطوات. بطيئة، ثابتة، تحمل وقعًا كأن الأرض تعرفها جيدًا. لم يكن وقعها عاديًا، بل كأن الزمن توقف لحظة ليسمح لها بالمرور.
عينا يوما اتسعتا، وفيهما بريقٌ غريب... بريق فرح لا يجرؤ على الإعلان عن نفسه. ارتفعت ملامحه تدريجيًا، كما لو أن ملامح العالم من حوله أصبحت أوضح فجأة.
ابتسم، ثم اتسعت ابتسامته أكثر، وتبعثر صوته بين الرجاء والدهشة:"إن كان هذا حلمًا... فليستمر، رجاءً."
وفجأة...
اندفع الفتى وضمّ رييد إليه. لم تكن تلك لحظة مخططًا لها، بل كانت دفعة صادقة من قلبٍ لم يعد يحتمل الغياب.
رييد لم يتراجع، بل بادله العناق بهدوء، كمن يستعيد جزءًا ضائعًا من ذاته. ابتسم، وصوته خرج دافئًا، يحمل طبقة من الحنين:"مر وقتٌ طويل، يوما... أهلاً بعودتك."
كانت كلماته بسيطة، لكنها جاءت محمّلة بكل ما لم يُقَل، بكل تلك الليالي التي قضيت في انتظار، وكل الرجاء الذي لم يخفت يومًا.
ابتسمت ميرا، كانت تشعر منذ البداية أن بين هذين الاثنين شيئًا لا يُقال. ابتعد يوما قليلًا ولكز رييد بكتفه، وقال مازحًا: "مر وقت طويل، رييد. لما اصبحت أطول؟"
وفجأة... تجمّدت ملامح ميرا.
"رييد؟!" صاحت بها دون وعي، فالتفت الاثنان إليها.
وضعت يدها على رأسها، واحمرّ وجهها بشدة."رييد... أمير نورثلاند؟"
أخذت خطوة للوراء، تحاول تهدئة نفسها.
كيف لم تتعرف عليه؟هو خطيبها، الشخص الذي خُطبت له منذ الصغر، والذي يُفترض أن تختم معه العهد... لم تره من قبل، لم تكن تعرف شكله، وظنّت ربما أنه كايتو. كان قلبها يهمس بشيء آخر... لكن الآن، أصبحت الرؤية واضحة.
ابتسم رييد بسخرية خفيفة، وقال وهو ينظر إلى ميرا:"عيني عليكِ باردة... ظننتِ أنني كايتو؟"
غطّى يوما فمه بيده، وانفجر ضاحكًا من جانب الموقف. ازداد ارتباك ميرا، وتجنبت الردّ، بل بادرت بسؤال مرتبك:"كيف عرفت؟"
أجابها رييد بثقة:"يكفي أنكِ سألتِني كيف عرفت، لأتأكد أنكِ لم تعرفيني أصلًا."
وضعت الفتاة يدها على فمها فجأة، وجهها الأبيض تحوّل إلى لون الطماطم، وقد ارتفعت حرارتها بشكل ملحوظ من شدة الإحراج. استدارت فورًا لتخفي وجهها، وكأنها على وشك الانفجار خجلًا.
قال يوما ضاحكًا، محاولًا التخفيف عنها:"لا بأس عليكِ، ميرا."
ثم نظر إلى رييد، بعينيه التي استعادت بريقها:"هيا بنا نتابع السير. لا أظن أن أحدًا يرغب بالبقاء في هذا المكان أكثر."
أومأ رييد، ورفع يده. ظهرت كرة صغيرة ذات ضوء أرجواني براق، طافت إلى الأعلى لتضيء لهم الطريق وسط الظلال المتكسّرة والأنقاض.سارت ميرا خلفهما بخطى مترددة، تحاول أن تُخفي آثار خجلها الواضح.
قال يوما وهو ينظر إلى رييد:"حين رأيت الهابط بجسدي، علمتَ أنه ليس أنا. كيف عرفت؟"
ابتسم رييد بخفة، وكأن الإجابة محفورة في قلبه: "الهابط كان جبانًا. أما أنت، رغم بشريّتك، لم تكن جبانًا قط. لم تستخدم مرضك كذريعة لتشتم حظك أو تلعن مصيرك."
لم يستطع رييد إخفاء ابتسامته تلك... كان سعيدًا، بصدق.ثم تنحنح قليلاً وقال بنبرة جدية، وهو ينظر إلى الطريق أمامه:"ابقيا قربي. قد يظهر أي شيء فجأة. من المستحيل عليك انت يوما ان تهزمهم "
رد يوما بنبرة خفيفة، صافية كالعادة:""أشعر بشيء يشبه صدى صوت الحرية يتردد في داخلي، يُخبرني أن المستحيل ما هو إلا حلم لم يُكتشف بعد.... لا داعي للقلق علي رييد ."
أغلق رييد عينيه للحظة.هذا الصوت، هذا الرد... لا يصدر إلا من يوما.ذلك الفتى الذي لم يستسلم لمرضه،الذي لم يشتم حياته قط رغم أن وطنه استعمر،الذي ظل يبتسم بعينٍ حيّة وروح لا تلين.
أما ميرا، فقد شعرت بها... تلك الرابطة العميقة التي تجمع بين الاثنين.حين رأت "آلفاسانو" في جسد يوما، كان متردّدًا، مرتبكًا، شيئًا غريبًا.لكن الآن... الآن هو مختلف. الفتى الذي يقف بجانبها هو يوما الحقيقي — صبي واثق، بسيط، ومليء بالحياة.
ثم نطقت الفتاة بسؤال يثقل فضولها: "ماذا حدث لذلك المدعو فريدريك؟"
رد الاخر دون أي تمهّل، بصوتٍ حازم: "لقد انسحب."
علت الدهشة وجه الفتاة،وضعت يدها على ذقنها بتفكير عميق،تساءلت في سرها: هل يعقل أن هناك من أجبره على الانسحاب؟
صمتت للحظة، تُجوب الأفكار عقلها، تبحث عن الحقيقة المختبئة بين الكلمات.
اختلس الاطول بينهم نظرة خاطفة إلى يوما،الفتى كان يتلفت يمينًا ويسارًا بذهول،تساؤلات كثيرة تعلو وجهه المتعب.
كان يريد أن يسأله: "ماذا حدث لك حين افترقنا؟ ما قصة الختم الذي نقشته مع الجذع؟ وكيف عثر عليك آلفاسانو في تلك الحالة المزرية؟"
لكنه كتم الكلمات، فكان يعلم أن صديقه مثقل بالتعب والمرارة، ورغم الفضول الذي يمزق أحشائه، فإن الأسئلة تحتاج وقتًا لتطرح،
والأجوبة تحتاج صبرًا لتُكشف.
تنهد ببطء، ووجه نظره أمامه، يحاول أن يجمع قواه، لينتظر الوقت المناسب.
قال يوما بنبرة هادئة، وكأن الكلمات تتسرب من بين أنفاسه :"المكان متهالك."
من خلفه، جاءت ميرا بصوتها الهادئ، ترد:"حسنًا، إنها آثار آراف. لا بد وأن تكون كذلك."
أدار الفتى رأسه ببطء، موجّهًا وجهه نحوهما، وصوته يحمل سؤالًا غامضًا:"وماذا تكون هذه؟"
أجاب رييد، كمن يحمل في صوته أسرار الزمن القديم:"إنها جزء من مدن العالم القديم."
وقف يرفع يده، فكانت الأصابع تصدر ضوءًا أرجوانيًا داكنًا، ينير الممر الصخري القاتم من حولهم. واصل كلامه، كأنه يفتح كتابًا مهجورًا من صفحات التاريخ: "قبل أربعمئة عام، كان العالم كله قارة واحدة، منقسمة إلى ثلاث مدن عظيمة: آراف، أفراتس، و روزكريستال. كلها كانت محاطة بغابة يورين القديمه"
اتسعت عينا يوما، وملأته الدهشة، وهو يستوعب تلك الحقبة التي سبقت قوى فريا.
تابع رييد، ناظراً إلى الأمام بثقة تكسوها الحكمة: "آراف، تقول أساطير بيونيري، كانت مسكن العمالقة. مدينة لم يشهد العالم مثلها من قبل، جمالها يخلد في الحكايات، وثرواتها لا تُعد، وخيراتها كانت لا تنضب."
نظرت ميرا بعينيها الزرقاوين إلى رييد، الذي كان يسير أمامها بخطى ثابتة.بينما سأل يوما، بنبرة ملؤها الفضول:"وماذا حدث لها؟"
رد رييد، وكأن الكلمات ثقيلة على لسانه: "حسب الأساطير، تدمرت آراف بسبب المفتاح الفضي، مع باقي المدن. وما تبقى منها الآن، مجرد آثار باهتة تحكي قصة الماضي."
ثم تابع رييد كلامه، وصوته يعج بالحيرة: "يُقال إن آراف تحمل في طياتها آثار القصص القديمة، قصص نزول الهابطين قبل مجيئهم."
نظرت إليه صاحبة الشعر الأبيض بعينين متسعتين، كأنها تسمع شيئًا جديدًا لم يخطر ببالها من قبل.
أما الآخر، فرفع حاجبيه متسائلًا:"هل تعني أن نزول الهابطين كان أمرًا متوقعًا؟"
هز رييد رأسه ببطء، وأجاب بهدوء: "نعم."
خرجوا من ذلك الممر المظلم . وصلوا إلى فتحة واضحة تمتد نحو سطح الأرض، شقٌّ عميق يتخلل منه ضوء القمر، هادئ ومتسلل كما لو كان يرصدهم من بعيد.
أنزل رييد يده، فخفت ضوء يده الأرجواني حتى انطفأ تمامًا، غاص الظلام من حولهم، وكأن الليل نفسه عاد يلفهم بحضنه الصامت.
تقدمت ميرا بخطوات وئيدة، وقفت أمام يوما،مدّت يدها إليه، وصوتها يحمل نبرة مازحة خفيفة:"هل تريد مساعدة، مولاي؟"
ابتسم الفتى لها، وعيناه تلمعان بشيء من المرح والود،ردّ مبتسمًا: "بكل تأكيد، سمو الفارسة."
أمسك بيدها، وكانا كالشظايا التي تتحطم ثم تتجمع، اختفيا معًا في لحظة، كأنهما انصهرا في الهواء، تركوا خلفهما صمتًا ثقيلًا يعبق بالغموض.
أما رييد، فقد وضع قدمه برفق على الجدار الصخري،قفز بثلاث قفزات متتالية، كل واحدة أعلى من التي قبلها،حتى وصل إلى السطح، حيث كان الاثنان في انتظاره، وجوههم تشرق بانتظار اللقاء، والفضاء حولهم يتنفس بسكونٍ غامض.
كانوا واقفين قرب شاطئ البحر، بالقرب من المختبر،ينظرون معًا إلى السماء التي تفتحت أمامهم كلوحةٍ حية،السدم النجمية تتداخل بألوانها الزاهية، كأنها تنسج قوس قزح من الضوء في عتمة الليل.وضوء القمر يغمرهم بسحره الهادئ،
وأما وابل الشهب، فكان ينهمر من بين تلك النجوم كحبات مطر تتراقص في الفضاء.
همست ميرا بنبرة عفوية، نابعة من براءة اللحظة:"هل ستتمنون أمنية؟"
رد يوما بلا تردد، مستديرًا نحوهم،صوته كان هادئًا، لكن كل كلمة تحمل في طياتها سرًّا عميقًا:"لا." ثم أكمل بثقةٍ لا تهتز:"نحن من نحقق أمنياتنا.أما اليائسون، فهم وحدهم من يطلبون من الشهب."
وضع يده على صدره، كأنه يؤكد عهدًا مع نفسه، مع القدر، مع العالم، ثم قال:
"لنذهب."
ساروا معًا على رمال الشاطئ، خطواتهم تترك أثراً خفيفًا، سرعان ما تبلعه أمواج المد والجزر، كأنها حكايات تُروى ثم تُنسى، تحت صمت البحر وصدى السماء.
كان زاك يجلس على جبل الوحوش التي قضى عليها بنفسه، يرتدي نظارته الشمسية، ينظر إلى السماء المتلألئة فوقه. قال بتهكمٍ خفيف: "حسنًا، من فوائد الزلزال قطع التيار الكهربائي." ابتسم، ثم أضاف وهو يتأمل السماء: "لو لم ينقطع التيار، لما شهدنا اليوم هذا المنظر البديع."
في تلك الأثناء، نزع البروفيسور حذاءه بسرعة، فزع آلفاسانو وتراجع خطوة إلى الوراء.
حمل البروفيسور حذاءه، ورماه بقوة نحو رأس زاك، فأصاب الأخير فجأةً، أمسك رأسه وهو يصيح متألمًا:
"هذا مؤلم!"
شبك البروفيسور يديه بغضب، وصرخ:"ميرا والآخرون في الأسفل، اذهب وأحضرهم."
تنهد زاك بتململ، ونزع نظارته الشمسية ببطء، ثم قال ساخرًا:"يا أخي، إنها ميرا، ومعها الأمير رييد... لماذا علي أن أقلق؟"
رفع قدمه وبدون تردد، ضغط بها على وجه أنوبيس الذي استيقظ فجأة وكان تحت قدميه.
اتسعت عين آلفاسانو الذهبية بدهشة، وقال بصوت مرتجف:"لقد عادوا!"
أشار بيده نحو باب المختبر، أو ما تبقى منه.دخل الثلاثة معًا، ركض آلفاسانو نحوهم، أما زاك، فالتفت إلى البروفيسور وقال بسخريةٍ واضحة:"هل رأيت؟".
قطب البروفيسور حاجبيه بغضب، وصاح بحنقٍ:"تبا لك يا حثالة!"
ثم ترك زاك جانبًا، وتقدم نحو المجموعة بخطوات متسارعة.
توقف آلفاسانو، يراقب يوما عن كثب،كانت هذه المرة الثانية التي يجمعه اللقاء بيوما، لكن هل يعرف فعلاً من هو هذا الفتى؟
تقدم يوما بثقة، أمسك بيد آلفاسانو مصافحًا إياه،وقال بصوته الخاص، وبابتسامته التي تحمل دفءً وصدقًا:"شكرًا لك، لقد أنقذتني يومها، آلفاسانو."
لم يجد الفتى كلمات يرد بها،ظل صامتًا، فقط صمتُه حمل ثقلًا أكبر من أي كلام،بيده الأخرى أمسك يد يوما، وابتسم، لم تكن الكلمات ضرورية،من نظرة يوما، بدا أن الفرح قد امتلأ قلب آلفاسانو.
دخل البروفيسور بينهم، أمسك بأكتاف ميرا وريد بحزم لكنه بدفء، قال وهو ينظر إليهما بعينين مليئتين بالفضول: "أحسنتم صنعا. لا أعلم ماذا فعلتم، لكن الآن ستخبرونني بكل ما حدث لكم."
ترك أكتافهما برفق، ثم مرر يده على رأس يوما بخفة، ابتسم قليلاً وقال: "الآن، لنذهب إلى داخل المختبر ونتحدث هناك."
نزل زاك من الجبل الذي كان قد صنعه أنوبيس والداموتوفير، وتوجه نحوهما بخطى هادئة، وساروا معًا نحو المختبر، حيث ينتظرهم الكثير من الأجوبة.
"كانت تلك الابتسامة تعادل مئة كلمة في ذلك الوقت...وهي من أجمل الذكريات التي مرت عليّ."
............................................................................
انقطعت الكهرباء عن المدينة بسبب الزلزال . الفوضى ملأت المنازل، وصوت الصراخ كان يأتي من كل زاوية.
في غرفته، كان كازوما جالسًا على الأرض، تحت طاولة مكتبه، يرتجف بصمت. والدته فتحت الباب بسرعة، نظرت إليه بعين قلقة وقالت بصوت مرتجف: "ابقَ هنا، لا تخرج، مفهوم؟"
أغلق الباب خلفها، تاركة كازوما وحده وسط الظلام. تنهد وهو يحاول تجاهل صوت الزلزال الذي هز الأرض قبل دقائق. كل شيء هذا الصباح كان جنونيًا، والآن... كارثة غير متوقعة.
رن إشعار على هاتفه. التقطه بيد مرتجفة، ليضيء قليلاً في الغرفة المظلمة. كانت الرسالة من رقم مجهول:
[إلى الشخص الوحيد الذي ظل كما هو رغم تغيّر كل شيء... كازوما.
لا أعلم ما هي الحسنة التي فعلتها لألتقي بك.]
اتسعت عينا كازوما، قبض على الهاتف كمن يخشى أن يتبخر بين يديه، وهمس بصوت مبحوح:
"سيزار...؟"
[كرهت الحياة حين ماتت أمي، وكرهت أبي حين تركني ليعتني بي أخي كريستوفر، ليحمله مسؤليتي بدلا من ان يتحملها هو .رفضني الجميع بسبب التشوه في وجهي، وكل هذا كان ذنب والدي. لكن... أنتِ، رغم كل شيء، بقيتِ إلى جانبي. كنتِ طوق نجاتي، رغم أن غرقك كان أعمق مني.]
لأول مرة منذ زمن، امتلأت عينا كازوما بالدموع.
[ربما أنا جبان، لكنني اخترت هذه النهاية بإرادتي. سأغادر ليويامي، وألتحق بالمافيا. أتمنى لكِ الخلاص... ربما نلتقي يومًا ما ، اريد أن أراك ،لا كـ كازوما، بل كـ يومي.]
[السفينة ستغادر بعد 20 دقيقة... الوداع.]
نهض كازوما فجأة، ناسياً وصايا والدته، ناسيًا الزلزال، ناسيًا كل شيء سوى اسمٍ واحد: "سيزار". ركض، متجاهل صراخ والدته خلفه.
عبر البيت كأنه لا يعود له، عبر الشارع وكأن الأرصفة لم تخلق لتعيقه، وتجاوز الأعمدة المنهارة دون أن يراها حتى.
المدينة من حوله كانت تنهار، كانت تموت، لكنه لم يكن يرى سوى وجهٍ واحد... وجه ما زال معلقًا في ذاكرته كما يُعلّق الضوء داخل نافذة مغلقة.
وصل إلى سكة الحديد، ركض فوقها بلا توازن، ثم تعثر.سقط على الأرض، خدش كفه، سالت الدماء... لكنه لم يتوقف.
نهض كما ينهض من لا يملك خيارًا، وكمل الركض، خطواته ثقيلة، لكنها حادة. استمر حتى وصل إلى الميناء.
لكنه وجده... فارغًا.
توقف هناك.
نظر طويلًا إلى البحر الساكن، كأنه يسأله أين اختفى، لماذا لم ينتظره.ثم جلس، لا، انهار على الأرض، كأن شيئًا داخله قد انكسر أخيرًا.
وضع يده على صدره، كأن القلب نفسه لم يعد يعرف أين مكانه. الدموع كانت تنزل، لا دموعًا عادية، بل كأنها آخر ما تبقى من روح . كانت تسيل على الإسفلت البارد، تبلله، تُعيد إليه دفئًا لا يُحتمل.
رأسه كان مائلًا إلى الأرض، ووجهه بين ذراعيه. وصوت بكائه... ذلك الصوت المرتجف، المتكسر، ملأ الفراغ من حوله كأن الزمن نفسه توقف ليستمع.
"سيزار..."
ذاك الذي كان العالم كلّه في عيني كازوما. ذاك الذي اختار طريقًا بلا رجعة، عالمًا من المافيا، من الجرائم، من الوجوه المغطاة والقلوب المتحجرة. وكل من حول كازوما، كلّهم، أخذوا يتحدثون عن سيزار بلغة واحدة: اتهام، خيانة، هروب.
لكن هو...لم يكن يريد تفسيرًا.كان يريد فقط أن يعود.
وفي صوته المتهدج، المتشظي، خرجت الكلمات كأنها لم تخرج من فمه بل من جرحٍ في روحه:"لماذا تركتني؟..." مجرد همسة، الكلمات خرجت من أعماقه، حاملة معها وجعًا عميقًا لا يستطيع تحمله.
.......
سيزار على سطح السفينة، ينظر إلى البحر الممتد بلا هدف، كأن الطريق أمامه أصبح طريقًا لا رجعة فيه،وحياة جديدة تنتظره داخل عوالم المافيا المظلمة.
كانوا يريدونه مجرمًا،يريدون منه أن يحقق أمنياتهم،و فعلها . والان سيعود لينتقم من ليويامي والناس جميعًا بعد ان يحتل مكانة في المافيا.
انقشعت الغيوم ببطء، كاشفة عن ضوء القمر الذي سطع بهدوء، أغلق سيزار عينيه للحظة، ثم رأى بيتر يقترب منه قائلاً: "وصلنا إلى مركز الزعيم."
وضع يده على لحيته بتفكير، ثم قال بخفة:"أثبت أنك تستحق نداءه وطلبه لك بالاسم، ستقابل الآن كاوس."
تلك الذكريات التي حملها لفترة طويلة، تخلى عنها تمامًا، لم يعد يحتاجها في عالمه الجديد.
فتح عينيه، وتبع بيتر بثبات، مستعدًا لخوض مستقبله الذي لم يكن يعرف ما يحمله من أسرار.
.....................................................................------.........................
اشهدوا تغيرا واضحًا في الأحداث منذ هذه اللحظه.
فقد ظهر اخيرا بطل الرواية يوما
RIRI