بدأ اليوم كعادته، روتينيًا بلا جديد. زاك جلس على كرسيه، بلا شرح ولا إضافة تُذكر، أما آرثر فكان منشغلًا مع طلاب السنة الثانية والثالثة، يكمل معهم دروسه بهدوء.
أما آلفاسانو، فكان يضع يده على خده، يحدق بعصفور صغير يرقص على غصن قريب. بدا له هذا السلوك مألوفًا، لكنه لم يستطع تذكر أي شيء يخص ذلك العصفور. أغلق عينيه، سرح في ذكريات الأمس. المبيت في منزل كايرو لم يكن سيئًا، لكنه لاحظ توترًا في علاقة كازوما بوالده. علاقة سطحية، ربما مشحونة بالتوقعات. الأب يريد من ابنه أن يكون المثال الكامل؛ خاليًا من الأخطاء، مطيعًا في كل شيء.
أفكار آلفاسانو سرحان بها، قادته لتذكر عائلته. أمه لم تطلب الكمال، كان يكفي أن يكون منضبطًا، قادرًا على التحكم بقواه. لم يكن من الضروري أن يكون قائد فرسان مثل أخيه الأكبر.
وفي مكان آخر، كان كايرو غارقًا في بحر آخر من المشاعر. مضطربًا بسبب تصرف والده العديم الأخلاق، الذي سعى للكمال بشكل مفرط. تساءل في نفسه: هل كان من الصحيح أن يقول ذلك الكلام أمام رفاقه؟
هل كان عليه حقًا أن يقول كل ذلك الكلام أمام رفاقه؟
لماذا على كازوما أن يتحمل تلك الكلمات القاسية؟ هز رأسه بحزن، ثم نزع نظارته ومرر منديله عليها بهدوء. حاول رفع معنوياته قائلاً لنفسه: "إنها فترة سنة فقط بالنسبة لكازوما، وبعدها سيتخرج، ويرتاح من قرف والده وإزعاجه المستمر."
كان يعلم أن والدته لن تغير شيئًا، فهي من النوع المطيع إلى أبعد حد. تهان وتُضرب، لكنها لا ترفع شكوى، خوفًا من تدمير بيتها. هذا ما جعله يحدق بها أحيانًا، يشفق عليها... فهي في النهاية والدته، ماذا يمكن أن يفعل؟
هم في وادي، بينما ميموري في وادٍ آخر تمامًا. مرت أسبوعان على بداية السنة الدراسية، فترة قصيرة فعلًا، لكنها كانت كافية لميموري كي تصنع لأول مرة رابطة صداقه. لكن الأخبار الجيدة لا تخلو من أخبار سيئة. كانت حقًا بحاجة للحديث مع روزا.
روزا أغلقت عينيها ببطء، وضعت رأسها على الطاولة. فجأة، تبادرت إلى ذهنها ذكرى قديمة تعود لطفولتها، حين كانت في السادسة من عمرها.
رجل يرتدي عباءة سوداء، ملامحه غير واضحة، وشريط بارز على وجهه يشبه الشريان، كالعروق المتعرجة... كان يمسح على رأسها برفق شديد.
رسمت هذه الذكرى ابتسامة خافتة على وجهها، وأيقظت فيها شعورًا بالاشتياق للماضي.
كان زاك جالسًا مقابلهم، لا يشعر بأي راحة. قلب الأوراق على المكتب بلا هدف محدد، لكنه كان يعلم أن أربعة أمور تشغل باله، وعليه حلها ليعود إليه السكينة.
أولًا: الرجل السمين الذي قُتل في دار الأوبرا، فيشل نات، عمره 41 عامًا، أصله من بيراست. يعمل في أحد بنوك ليويامي، لكن الشائعات التي تلاحقه تجعلك تشيب من الذعر؛ قيل إنه كان مرتبطًا بالقراصنة أو المافيا، أو أسياد بيراست. كل إشاعة كانت أسوأ من التي قبلها.
لكن الأبواب كانت موصدة أمام زاك، فلا توجد معلومات عن شكل زعيم القراصنة أو رئيس المافيا الحقيقي. المعروف فقط من أسياد بيراست هو السيد الثاني غولوين، والسيد الثالث الدكتور إليتوس، والمهاجم ذو الشعر الأزرق الذي ظهر قبل سنوات.
ثانيًا: الأستاذ جون، أو كما يناديه زاك "الأستاذ شهر ستة"، يعمل في حضانة أطفال ويحبّه الجميع، سواء الطلاب أو المعلمون. جهاز الكشف يؤكد أنه بشري عادي، وهذا ما يخيف زاك. أسياد بيراست بارعون في إخفاء قواهم، كما حدث يوهان سابقا. ماذا لو استعملوا هذه الحيلة مجددًا؟ ستكون كارثة.
ما جعله يشك فيه أكثر هو حجم الإصابة؛ فالثريه التي كانت كافية لكسر العظام، لكنه خرج بجروح سطحية فقط. إضافة إلى أصله من أندر واتر، الدولة التي يسهل فيها تزوير الأوراق، بحسب ما علم تسوروغي، الذي تأكد من وجود أحد أسياد بيراست في المدينة.
ثالثًا: روزا ألفاهايم. يكفي أنه يحمل اسم عائلة ألفاهايم ليشعر بالقلق، بل لتقشعر جلده. تلك العائلة الغنية التي تُعد السبب في تسعة وتسعين بالمئة من مشاكل العالم. لو علم الطلاب ورفاق روزا بحقيقة عائلتها، لكانت منبوذة. هذا ما يفكر فيه زاك؛ الانتقام منهم.
رابعًا: آيو. مجرد التفكير في آيو يسبب له صداعًا عنيفًا؛ ذكريات الماضي، الحادثة التي وقعت، ما حدث لآرثر، والأزمة التي يمر بها هيبكي.
رن جرس الحصة، لكن زاك لم ينهض من على الكرسي. لاحظ الطلاب طباعه الغريبة منذ بداية اليوم؛ فلم يسخر منهم كما يفعل عادة، ولا كان يعبث بهاتفه وهو يتحدث مع آيو.
وقف أحد الطلاب: "أستاذ، لقد انتهى وقت الحصة." رفع زاك رأسه ونظر إلى يوما (آلفاسانو): "حقًا؟ منذ متى؟" وقف كايرو وأجاب: "قبل بضع دقائق رن الجرس."
نهض زاك من على الكرسي وضحك قائلاً إنه شارد الذهن اليوم، ثم اعتذر للطلاب وخرج من الصف. أما بالنسبة إلى يوما (آلفاسانو) ومن معه، فكان اعتذار زاك أمرًا مربكًا. فبحسب معرفتهم السطحية به، فهو لا يعتذر أبدًا. بدا أنه يفكر في مسألة ضخمة أو خطيرة.
قرر يوما ألا يغوص في التفكير في الأمر، كي لا يحشر أنفه فيما لا يعنيه. مهما كان ما يدور في ذهن زاك، فهو لا يخصه، ولا يريد أن يجلب لنفسه مشاكل إضافية قد تقلص من عمره أكثر.
اتجهت ميموري نحو روزا وهمست لها: "روزا، هذا أمر عاجل، علينا أن نتحدث!" بدت نبرتها غريبة بعض الشيء بالنسبة لروزا، فردت: "هاه؟ آسفة، هاتي ما لديكِ."
قاطعهما دخول سيزار المفاجئ إلى الصف، سرق أنظار الجميع وأثار الرعب في قلوب البعض. أينما ذهب سيزار، تسبق سمعته العطرة المكان دائمًا. بلع ميشيل ريقه خوفًا، لا يعرف السبب لكنه لم يستطع سوى ذلك.
تمنى يوما (آلفاسانو) لو يختفي من العالم، فسيزار علامة من علامات الشؤم عليه. وضع يده على صدره، راجيًا الرحمة من وضعه الحالي.
تقدم سيزار ووقف أمام طاولة المعلم، ووضع عليها الصندوق الذي كان يحمله قائلاً بصوتٍ قاسٍ: "اسمعوني يا حشرات السنة الأولى! إدارة مجلس الطلبة تطلب بطاقاتكم المدرسية، فخلّصوني منها وارموا بها في هذا الخندق."
تنفس الجميع الصعداء، فهو لم يأتِ ليقطع رأس أحد أو يعنفهم أو يجعل منهم أضحوكة المدرسة الجديدة، بل أتى فقط لأخذ بطاقاتهم المدرسية.
كانت ميموري أول من وضعت بطاقتها، تلتها كايرو، ثم تشجع الطلاب ووضعوا بطاقاتهم واحدًا تلو الآخر، إلا أن ميشيل فضل أن يعطي بطاقته ليوما (آلفاسانو) ليضعها عنه.
أما روزا، فكانت الوحيدة التي لم تضع بطاقتها. قال سيزار مخاطبًا إياها: "أنتِ يا صاحبة العين الشاذة، ضعي ما لديكِ!"
تغيرت ملامح روزا بشكل واضح بعد سماعها لذلك اللقب. أجابت بهدوء وصرامة: "اسمي روزا، وليس صاحبة العين الشاذة، وبطاقتي نسيتها في المنزل."
أطلقت عين سيزار، التي تغطيها ندبة، وهجًا ذهبيًا خفيفًا أثار رهبة الطلاب قليلاً، ثم ابتسم قائلاً: "هكذا إذًا!"
توترت روزا قليلًا لكنها حافظت على هدوئها.
قال سيزار متوعدًا: "تعالي معي إلى مجلس الطلبة لتخبري هذا الكلام للمزعج كازوما."
لم تترك له روزا خيارًا سوى أن تذهب معه.
سارت خلفه، ثم توقفت للحظة ونظرت إلى الخلف بابتسامة بشوشة وقالت لميموري: "ميموري، سنكمل حديثنا. انتظري عودتي."
بادلتها ميموري الابتسامة، وغادرت روزا الصف متجهة إلى مجلس الطلبة مع سيزار.
حافظت روزا على مسافة أمان بينه وبينها؛ فهو أقوى منها، وهذا أمر بديهي. إن اشتبكت معه في قتال، فسيحطمها أو يقتلها، فهو يبدو كمجرم في الشكل والأخلاق.
تلك الندبة التي تشطر عينه اليمنى إلى نصفين، وذلك الحرق المائل على خده الأيمن... أيّ وحش هذا السيزار؟
ما نوع القتال الذي زجّ نفسه فيه ليخرج بمثل هذه الإصابات؟ سؤال ظلّ يتردد في ذهن روزا.
سابقًا، قبل أن تُقبَل رسميًا في المدرسة، دفعها الفضول إلى البحث عن سمعة الطلاب وموقع المدرسة وما يدور خلف الجدران. تصفّحت موقع المدرسة الإلكتروني، وتوغلت في دردشة الطلاب، علّها تشبع فضولها.
وهناك، وجدت إشاعات كثيرة تدور حول سيزار... أغلبها يدّعي بأنه يعمل مع المافيا. وربما، فكّرت، تفسر تلك الشائعات الندوب التي تغطي وجهه.
دخل الاثنان الكافتيريا، التي تختصر الطريق نحو مجلس الطلبة. فجأة، توقف سيزار عن المشي، فتوقفت روزا تلقائيًا.
مرّت دقائق ثقيلة، صامتة، متوترة، لم يتحرك فيها أحد.
قطبت حاجبيها وسألته بحدّة: "ما مشكلتك؟ لماذا توقفت؟"
ابتسم سيزار ابتسامة غامضة، ثم أرخى قبضته، وأسقط الصندوق المليء بالبطاقات المدرسية على الأرض.
استدار في لحظة، دون سابق إنذار، ووجّه لكمة قوية مباشرة إلى معدة روزا.
الضربة كانت عنيفة، دفعتها للوراء بقوة. اصطدم ظهرها بطاولة، ثم سقطت أرضًا دون حول لها ولا قوة.
رغم امتلاء الكافتيريا بالطلاب، لم يجرؤ أحدٌ على التدخل. سيزار كان كالظل الثقيل، رهبةٌ تمشي على قدمين، والكل يعرف أنه إن غضب، فلا حدود لغضبه.
كانت روزا تحاول النهوض وهي تضغط على بطنها المتألمة. بصوت متقطع هتفت: "سحقًا لك... لِمَ فعلت هذا؟!"
لكنه لم يُجب. بقدمه ركل رأسها بقوة، لتصطدم بالجدار وتغيب لحظات عن الوعي. الدم تسلل من جبينها، وفتحت عينها بصعوبة لتجده فوقها، يجذبها من شعرها لتقف.
همس في أذنها بصوت متسربٍ كالسُمّ: "لديكِ سرٌّ رائع، ما رأيك أن نخبر المدرسة به سويًا... روزا ألفاهايم؟"
اقشعر جسدها بالكامل. صوته كان بارداً، خالياً من الرحمة.
مدّ يده نحو كتفها محاولاً نزع سترتها بعنف، لكنها عضّت يده بكل ما أوتيت من قوة. تأوّه، ثم ضربها بمرفقه على وجهها مراراً حتى أفلتت، وركلها لتسقط على طاولة قريبة، محدثة فوضى عارمة وسكبًا للطعام والمشروبات.
وسط ذهول الحاضرين، لم يتحرك أحد. الصمت كان ثقيلاً... صامتاً ومصورًا.
كانت روزا على الأرض، تضم جسدها المنهك، تتنفس بصعوبة. وجهها متورم ينزف، لكنها تماسكت.
بصوت خافت، متكسر لكنه شجاع، تمتمت: "لا تلمسني... إياك أن تلمسني."
تجاهل سيزار كلمات روزا، اقترب منها، وبيدٍ واثقة أدخل أصابعه في جيب سترتها، وسحب البطاقة المدرسية. لم تكن لتستطيع منعه، فآثار الضرب ل
تزال تُثقل جسدها.
أطلق صفيرًا عاليًا، وكأن شيئًا مسليًا للغاية قد بدأ للتو. "أمسكوها." جاء الأمر بارداً، وتقدم صبيان من بين الحضور، رفعا روزا من على الأرض دون رحمة، وأمسكا ذراعيها، تمنعها من الحركة.
أخذ سيزار يلوح بالبطاقة أمام وجهه وكأنها مروحة: "خمنوا ماذا وجدت في جيب هذه الجميلة؟"
أحد الصبيين قال بفضول ساذج: "بطاقتها؟ شو فيها؟"
ابتسم سيزار وهو يميل قليلاً للأمام: "هل خطر في بالك يومًا من أين جاءت عائلة ألفاهايم؟ لا؟ حسنًا... سأمنحك درسًا مجانيًا."
رفع البطاقة عاليًا، ثم بصوت عالٍ مدوٍ كأنما يخطب في جمهور: "روزا ألفاهايم... من بيراست!"
تجمدت الهمسات.
لحظة صمت ثقيلة خيمت على الكافتيريا.
أطلق أحد الطلاب ضحكة متوترة، ثم بدأ التذمر يرتفع:
"بيراست؟ مستحيل..."
"أهل بيراست اللي حرقوا العالم؟!"
"يعني... هي منهم؟ فعلاً؟!"
أما الصبيان اللذان أمسكا بها، فأفلتاها فورًا، وكأنهم اكتشفوا أن أيديهم لامست سمًّا. ارتطمت بالأرض مجددًا، لكنها لم ترفع رأسها. كانت تعرف أن هذه اللحظة، قد تكون النهاية لكل ما حاولت بناءه.
تقدم سيزار، ألقى البطاقة عند قدميها، ونظر نحو بقية الطلاب وقال بسخرية: "كازوما ألقى خطبة طويلة عن العنصرية في اليوم الأول... لكنه نسي أن يخبرنا أن جاسوس بيراست بيننا، يعيش ويتغذى على ثقتنا."
صوته انخفض: "أنا لدي أخ متبنّى... من أوفرسموك... أعلم جيدًا ماذا يعني أن تكون ضحية. لكن أنتي؟ أنتي من السلالة التي صنعت الضحايا."
وضع سيزار يده على جبينه وقال بسخرية: "أَتستمتعين بمرافقة أخي... أخي الصغير؟ أم أنكِ تخططين لجعله عبدًا لكِ؟"
ابتسم بخبث وهو يحدّق في روزا، التي قابلت نظراته بكراهية وغضب. وقفت من على الأرض، وشعرها ارتفع عن مستواه الطبيعي، فيما تحوّلت عيناها الشاذتان إلى اللون الأحمر بالكامل.
في فناء المدرسة الأمامي، كان الهدوء يخيم على المكان. جلس زاك على كرسي وإلى جواره آرثر الذي بدا عليه الاكتئاب.
سكتا طويلًا، حتى قال زاك بصوت خافت: "لا أعلم ما الذي يحدث، لكنني أشعر أن أيام الهدوء التي نعيشها على وشك الانتهاء."
أردف وهو ينهض من مكانه: "ذلك الأحمق، آلفاسانو... لا يبدو أنه يملك شيئًا ذا قيمة، لكن مجرّد كونه من هيروفال، تمامًا كصاحبنا، يثير الريبة."
ثم نظر إلى آرثر وأضاف بنبرة جادة: "هيبكي... أعتقد أن طرقنا بدأت تتقاطع من جديد. وأخشى أن لقاءنا معهم أصبح قريبًا جدًا، وأنت ما زلت غير مستعد."
نظر آرثر إلى العشب تحت قدميه، والنسيم يلفح صدره برقة، ويداعب خصلات شعره. أغلق عينيه قائلًا بهدوء:
"ربما تكون محقًا، لكنني... سأواصل تجاهل هذا الأمر الآن."
ثم نهض ووقف قبالة زاك، وجهًا لوجه، وقال بنبرة حازمة وهادئة: "شكرًا لكل ما فعلته لأجلي حتى الآن... لكن يمكنني أن أعتني بنفسي، زاك. علينا أن نـ—"
انفجر الباب الداخلي للمدرسة بقوة.
ومن بين الدخان الكثيف، ظهرت روزا تتراجع إلى الخلف، وفي يدها قلادة محاطة بهالة حمراء مخيفة. على يدها أثر جذع أسود، وخلفها مباشرة يقع المسبح، وكادت أن تسقط فيه لولا أنها تماسكت في اللحظة الأخيرة.
"ما الذي يحدث هنا؟!"
صرخ بها زاك وهو يركض نحوها، مصدومًا من حالتها البائسة؛ كمّ قميصها الأيمن ممزق، رأسها ينزف، خدها مزرقّ ومتورم، وجرح قريب من عينها... لكن أكثر ما أثار فزعه هو الجذع الأسود الذي بدأ يظهر بوضوح على يدها.
تصاعد الدخان في المكان، وزاك لا يزال يحدّق بذهول في يد روزا، ملامحه غريبة، وكأن صدى صوت قديم بدأ يتردد في أذنه:
"ميرا... انتبهي..."
تشنجت ملامحه، ووضع يديه على أذنيه فجأة، وكأنه يخشى أن يسمع المزيد.
ومن بين سُحب الدخان، خرج سيزار، وفي يده سيف يحيط به وهج ذهبي مظلم. لم تكن هالته جميلة... بل مرعبة.
فتح زاك عينيه على وسعهما، ومدّ ذراعه أمام روزا، ليقف كالجدار الحامي بينها وبين سيزار.
صوته خرج حادًا، مزلزلًا: "أيها الشقي... من تحسب نفسك لتستخدم قواك بهذا الشكل؟!"
لكن سيزار... ابتسم.
ابتسامة هادئة، ناعمة، غريبة جدًا عن هيئته، لدرجة جعلت بعض الحاضرين يشكون في سلامة أعينهم.
قال بنبرة معتدلة، وكأنه لم يكن قبل لحظات يُمسك بسيف ويضرب فتاة:
"أستاذ... هي من بادرت باستخدام قواها ضدي. ما فعلته لم يكن إلا ردة فعل لا أكثر."
نظر زاك إلى آرثر، الذي لم يقل شيئًا، لكن نظرة الاستنكار على وجهه كانت كافية. أعاد زاك تركيزه نحو سيزار، وقال ببرود غاضب:
"أتظنني غبيًا لا أميّز بين الضارب والمضروب؟"
رد سيزار ببرود:
"يمكنك سؤال الطلاب... كلهم كانوا هناك."
وبينما خيّم التوتر، بدأت الهمسات تتصاعد بين الطلاب، وترافقها ضحكات مكتومة، وعدسات هواتف تلتقط الصور...
ثم صوت أنثوي، هشّ لكنه غاضب، ارتفع فجأة وسط الضوضاء:
"إنه يكذب! قال إن كازوما يريد بطاقاتنا، ثم نزع سترتي بالقوة، وضربني أمام الجميع، وجعل الطلاب يصورونني في وضعي المهين، ثم..."
"ا̶ه̶د̶ئ̶ي!"
صاح بها زاك، قاطعًا حديثها بحدة.
لكن روزا لم تسكت، لم تحتمل. انفجرت صارخة، تنفجر في وجه العالم كلّه:
"لماذا لا يصدقني أحد؟! لماذا لا يسمعني أحد؟ لقد تنمّر علي، أهانني، جعلني أضحوكة أمام المدرسة كلها! ماذا حدث لكل تلك الكلمات عن المساواة ورفض العنف والتنمر؟ ماذا عن خطاباتكم الفارغة في اليوم الأول؟!
إنه يؤذي الجميع! طُرد شقيق أكاني بسببه! يؤذي يوما، بل وحتى شقيقه!"
التفت زاك ببطء، عينيه تشعّان غضبًا، ونظر مباشرة إلى روزا. "قلت لكِ أن تخرسي."
انفجرت كلماته كالرعد، وألقت صمتًا ثقيلًا على كل من كان حاضرًا. سكنت روزا، وسكت الجميع. لم يجرؤ أحد على قول شيء.
"القوانين؟! أهي زينة في هذه المدرسة؟!"
انفجر صوت زاك في أرجاء الساحة، هادرًا كالرعد، يتردد صداه في صدور الطلاب قبل جدران المدرسة.
"أين ذهبت سمعة هذه المؤسسة؟ منذ اليوم الأول وكل ما نعيشه هو مشاكل فوق مشاكل!"
خطى إلى الأمام، ملامحه متجهمة، والصمت يلف المكان... لا أحد تجرأ أن يتنفس بصوت مسموع.
"ما هذا الذي بلعتموه؟! أي نوع من السمّ تسرب لعقولكم حتى أصبحتم كالثيران الهائجة؟! هل تظنون أن قواكم ألعاب نرميها يمنة ويسرة؟!"
وجه نظره إلى سيزار، نظرة من يعرفه جيدًا، لكنه لم يعطه لحظة شفقة:
"وأنت! أيها الكائن الطفيلي، المتشبث بالمشاكل كأنها هواءك، ما قصتك؟! أنزل السلاح من يدك فورًا... وانقلع إلى مكتب الوكيل! حالًا!"
ثم استدار إلى روزا، التي بالكاد تقف على قدميها، وقال بنبرة صارمة:
"وأنتِ... اتبعيه. أقسم بعظمة من خلق هذه الأرض: إن لم أركما في مكتب الوكيل خلال دقائق... سأرسلكما بنفسي إلى السجن!"
جملته خرجت بنَفَسٍ واحد، لكنها حملت من الهيبة ما جعل القلوب ترتجف.
حتى آرثر، الذي يعرف زاك عن قرب، لم يتجرأ على مقاطعته.
زاك، رغم أنه كتاب شبه مفتوح في نظره، إلا أن لحظات غضبه لا تعرف الرحمة، واليوم... بدا وكأنه فقد توازنه فعلًا.
روزا، رغم الألم والغضب والذل، لم تجد مفرًا. ما حدث لن يضيع سدى. ستمضي إلى مكتب الوكيل، وستأخذ حقها من هذا السيزار...
عينها اليمنى عادت زرقاء، واليسرى حمراء. عادت إلى طبيعتها الشاذة، تلك التي طالما لُقّبت بها... لكنها هذه المرة، أكثر حدة، وأكثر عزيمة.
سارت بصمت خلف سيزار نحو مكتب الوكيل، تتألم... وتخطط
في عالمٍ موازٍ، كان الوكيل يحتسي قهوة الصباح بهدوء مريب، جالسًا في مكتبه المرتبّ بعناية تشبه صورة من كُتيّب إرشادات مثالية. على أذنه اليمنى كانت تستقر سماعة أذن لاسلكية، يتابع عبرها مقطعًا تحفيزيًا بعنوان "كيف تبني مجتمعًا أخلاقيًا؟"، أداء وإخراج المفكر النورثلاندي المعروف دومون.
نهض من على كرسيه ووقف أمام النافذة الزجاجية، ينظر إلى السماء التي اكتست بحمرة الفجر، يتأمل جمالها كأنها انعكاس لطموحه السامي.
"لكي أرفع من قيمة هذه المدرسة، عليّ أن أرتقي بنفسي أولًا... أن أكون جديرًا بثقة هؤلاء التلاميذ، فهم كأبنائي." كان يحدث نفسه بهذا الوعد كل صباح.
لكن هذا الصباح... لم يكتمل.
انفتح باب المكتب فجأة، دون أي استئذان.
استدار الوكيل، فإذا به يرى مشهدًا يجمّد الدم في العروق:
سيزار واقفًا بكامل صحته، يعلو وجهه الغرور، بينما خلفه تمشي روزا ألفاهايم، بالكاد تسير، وملامحها مزرية: وجهها أزرق، رأسها ينزف، كُمّها ممزق، ونظّارتها مكسورة.
سقطت سماعة الأذن من على رأسه، وانكسرت عدسة نظارته من شدّة الذهول.
قال سيزار ببرود لا يُحتمل:"لقد طلب الأستاذ زاك منا أن نأتي إلى هنا."
سكن المكان لدقائق... لا أحد تجرّأ أن يتكلم.
ثم انفجر الباب مجددًا، وهذه المرة، دخل زاك كأن النار تسكن بين ضلوعه، وجهه مظلم، وصوته جَهوري كالرعد:
"من سمح لك أن تنشر خبر أن ألفاهايم من بيراست؟! أتريد أن تُشعل حربًا قومية بين دولتين يا كلب جينسونر؟!"
فغر الوكيل فاه، بالكاد يلتقط أنفاسه:"ماذا فعل هذا الأحمق؟!"
لم يجبه أحد، بل امتدت يد زاك إلى ياقة سيزار، شدّه بقوّة حتى كاد يخنقه:
"من تظن نفسك أيها الطفيلي؟! أتسعى لتحطيم عملة السلام بيدك؟! هل ستقاتل في حرب دبلوماسية بالنيابة عن ليويامي؟! هل تريدنا أن ندفع ثمن جنونك السياسي؟!"
سقط الوكيل جاثيًا على ركبتيه...
لم يحتمل فكرة أن المدرسة تعيد تكرار المأساة.
منذ أعوام قليلة، كادوا يخسرون كل شيء بسبب ماكس ألفاهايم... الأزمة الدبلوماسية التي هزّت العلاقات بين بيراست وليويامي، ولولا تدخل الحكومة المركزية، لتحولت المدرسة إلى مسرح حرب.
واليوم، التاريخ يُعيد نفسه، ولكن بصورة أكثر فظاعة: سيزار لم يكتفِ بضرب حفيدة ألفاهايم الملكية حتى شفا الموت، بل فضح نسبها أمام الجميع.
مد سيزار يده ليبعد زاك عنه، وقال بصوتٍ تقطر منه الوقاحة:
"أتظن نفسك مثاليًا فقط لأنك تملك منصبًا في الطليعة؟! أزل يدك القذرة عني، أيها الفاشل... الجميع يعلم أنك خريج سجون!"
تجمّد الهواء في الغرفة.
روزا شهقت، والوكيل فقد لونه. هل ما قاله هذا المعتوه... صحيح؟
خريج سجون؟ زاك؟ قائد الصفوة؟! الأسئلة بدأت تتراكم في العيون قبل الألسنة... وهدير العاصفة لم يبدأ بعد.
ارتفع ضغط زاك فجأة، وفي اللحظة التي فتح فيها الباب ودخل كازوما مكتب الوكيل، انطلقت لكمته على وجه سيزار بقوة مخيفة، فتفتحت ندبته القديمة مجددًا.
صرخ كازوما بغضب: "أستاذ، ماذا تفعل؟!" واندفع هو والوكيل نحو زاك، يحاولان منعه من ارتكاب كارثة جديدة.
لكن لم يستطيعا كبحه، انسكب دم سيزار على الأرض، ويد زاك أصبحت حمراء من قوة لكمه. الوكيل من جهة، وكازوما من جهة أخرى، يحاولان إيقافه بينما روزا تقف خلفهم، تتفرج بلا تعبير، بلا حزن ولا فرح، كأنها في عالم مختلف.
"زاك ماذا تفعل، تنحيا أنما عن عن طريقي!" آرثر وهو يفك قبضته عن سيزار، ثم صفعه بحدة أسقطته جانبًا.
عمّ الصمت، ووقف زاك ممسكًا بخده، يلمس مكان اللكمة، ثم نظر إلى آرثر بصمت.
قال آرثر بهدوء كأنه يبرر: "زاك، أنت وحش طائش... إنهم فقط طلاب، مراهقون. هذه المشاكل طبيعية."
ركع كازوما بجانب سيزار، يهزه بلطف متوسلًا له أن يستيقظ، لكن بلا جدوى. الوكيل استعاد توازنه بسرعة، توجه إلى مكتبه، أمسك بالهاتف، وضغط على الأرقام: "ثانوية ليويامي الخاصة، لدينا حالة حرجة، أرسلوا سيارة إسعاف فورًا."
تغلبت الدموع على كازوما، وبدأ ينادي سيزار باكيًا، متوسلًا له أن يفتح عينيه. كانت هذه المفاجأة صادمة لروزا التي لم تتوقع هذا القلق الكبير. عينها تراقب المشهد، ثم بدأ العالم يدور من حولها، وتحولت الرؤية إلى ضبابية، حتى سقطت فاقدة الوعي.
بلطف وهدوء، أمسَك آرثر روزا، وأعاد رأسها إلى الأرض. شدّ الجذع الأسود انتباهه، بدأ يتلاشى شيئًا فشيئًا حتى دخل في يدها، ثم اختفى دون أن يترك أثرًا.
نظرت عينا آرثر بحزم إلى الوكيل الذي بدا عليه الرعب، وقال بصرامة: "سيدي الوكيل، اجمع كل من يعرف شيئًا عن حقيقة ألفاهايم في مسرح المدرسة."
تحرك الوكيل بعد أن جمع شتاته، نحو المهمة التي أوكلها إليه آرثر، بينما بقي زاك جالسًا ساكنًا، قدم ممدودة على الأرض، والأخرى يضع رأسه عليها، يمسك مؤخرة رأسه بيده اليمنى، تغمره رغبة قاتلة في قتل سيزار.
نهض كازوما من الأرض، يمسح دموعه المتساقطة على وجهه، وركض بخطوات متسارعة نحو مكتب الممرضة، على أمل أن توقف النزيف أو تخفف الألم حتى وصول سيارة الإسعاف ونقله إلى المشفى.
في تلك اللحظة، سمع صوت زاك، نبرة معاتبة وثقيلة: "لماذا تساعدها؟ هل نسيت ما فعلته ألفاهايم بنا سابقًا؟ هل نسيت ما حدث لآيو بسببهم؟"
تلك الكلمات أثرت على آرثر، وكتمها دون رد. كرِه روزا منذ أن علم أنها من ألفاهايم، لكنها في الحقيقة مجرد فتاة، ربما لا تعرف شيئًا... أو ربما تمثل ذلك فقط. شكوكه وأحاسيسه المختلطة بدأت تتزايد.
نظر زاك إلى آرثر وقال بحدة: "أبعد عن ذهنك هذه الأفكار. نحن معًا، أنا وأنت. جئنا إلى هنا كي نصبح معلمين، أليس كذلك؟ لا يحق لنا أن نعامل الطلاب بعنصرية مهما كانت أصولهم. أنت لا تختار مكان ولادتك، ولا اسم عائلتك، ولا ما سيحدث لك."
أغمض آرثر عينيه، لكن الآخر لم يستطع تقبل كلامه، وأزاح نظره بعيدًا.
ثم قال زاك بهدوء يحمل اعترافًا لم يتوقعه آرثر:
"أعلم أنني لست آرثر... أنا جبان. لهذا أختبئ تحت اسم آرثر. لا أستطيع أن أكون مثل ميرا. الواقع... لا يمكنني حتى أن أتمنى أن أصل إلى ربع شجاعتها."
شد هيبكي بيده بقوة، كان غاضبًا، يشعر أنه مجرد خاسر بائس، مثير للشفقة.
أسند زاك ظهره إلى الحائط وتنهد ببطء، "صلب كالألماس... جميل، قوي، وغير قابل للكسر."
استدار هيبكي متجهًا نحو الباب، وقبل أن يخرج، أخذ نفسًا عميقًا ثم قال بصوت منخفض: "لا يمكن لأحد أن يكون بهذه الصفات إلا لو كان ميرا." ثم خرج.
في الخارج، عند نافذة الممر الذي يمشي فيه هيبكي بين الأشجار، كانت هناك عين ثابتة عليه، تنتظر اللحظة المناسبة لتنقض عليه.
ابتسم جوناس ببطء، وهمس لنفسه: "ربما... هذا سيصب في مصلحتنا."
......
"تريد علكة؟" قالها صاحب النظارات بهدوء، مد يدَه نحو يوما. آلفاسانو ابتسم، التقط قطعة النعناع، وترك طعم البرودة ينعش فمه. مد القطعة الثانية إلى ميشيل، الذي قبلها بامتنان، كأنها لحظة هدوء وسط ضجيج غير مرئي.
كايرو، بنظرة فضول حذرة، سأل: "هل نفدت العلك من عندك؟"
يوما هز رأسه بنفي، صامتًا، لكنه شعر بثقل السؤال يتغلغل في الهواء. ميشيل التفت إليه بنظرة سريعة، تكاد تقول: هل أنت أحمق؟ الأسئلة الغريبة هنا لا تجلب سوى الغموض.
كايرو ابتسم، وجهه مشرق بالبشاشة التي تبدو كقناع: "ميموري لا تحب العلك."
يوما نظر إلى ميموري، الغارقة في أفكارها البعيدة، عيناها تائهتان بين الواقع والسر.
في هدوء الغرفة، تسلل سؤال ليوما، حفيف خافت: ماذا كانت تريد أن تقول لروزا؟ ولماذا تحفظ الأسرار بين الفتيات فقط؟ شيء ما غير مفهوم يلف ميموري، رغم لطفها الغريب.
الصمت انكسر عندما جاء صوت كايرو، ببطء: "ما سر الضجة في الخارج؟"
اقترب من النافذة، أزال نظارته ببطء، وتوسعت عيونه أمام سحب الدخان وتجمع الطلاب.
ميموري بصوت هادئ، كأنها تستشعر شيئًا آخر: "أعتقد أن هناك مشكلة في التدريب، الأستاذ آرثر، لذلك لا بأس."
يوما تنهد، فراغ في قلبه، "أتساءل لماذا تأخرت روزا..."
كانت روزا دائمًا من تبعث الحياة هنا، والآن، غيابها يزيد من ثقل اللحظة.
ميشيل اقترب من النافذة واقفًا بجانب كايرو، صوته يحمل قلقًا خفيًا: "بالفعل هناك ضجة في الخارج، وهناك سيارة إسعاف! هل قتل سيزار شخصًا؟"
عاود كايرو ارتداء نظارته، وضع يده على ذقنه وهو يتحدث بصوت هادئ لكنه مثقل بالأفكار: "أيضًا، لم يحضر أي معلم للحصة الثانية والثالثة، وروزا منذ أن غادرت مع سيزار لم تعد. هل يعقل..." توقف للحظة، وكأن الكلمات تقطع عنقه، والحيرة تسيطر على وجهه.
الصدمة سيطرت على الجميع حين أدركوا أن الفوضى قد تكون بفعل سيزار المجنون، ومع اختفاء روزا معه، تزايد احتمال وقوع شجار أو أزمة لا تحمد عقباها.
خرج يوما (آلفاسانو) بسرعة من الصف، متجاوزًا الطلاب في الممر، عاقدًا العزم على معرفة الحقيقة. صعد السلم المتحرك بسرعة، يدفع من في طريقه دون هوادة حتى وصل إلى المخرج.
المشهد كان كارثيًا؛ الباب محطم، والحجارة متناثرة كأنها شهدت معركة. تقدّم عدة خطوات، ثم همس لنفسه بصوت مثقل باليأس:
"أعلم أن الحياة تكرهني، وأعلم أنني جاحد لكل ما كنت فيه، لكن... كم كرهني الحظ وعشقني النحس."
فوق عامود الإنارة المقابل، جلس رجل طويل القامة، يرتدي رداءً طويلاً يغطي رأسه بقبعة متصلة بالرداء، يداه مضمدتان لكن الأصابع مكشوفة، وأحد يديه تغطيها شرايين سوداء بارزة كجذوع الأشجار، ونصف وجهه مغطى بنفس الشرايين.
ملامحه غير واضحة، لكن يوما لم يكن بحاجة إلى وجهه ليتعرف عليه، فهو شخص معروف للغاية.
تراجع يوما خطوة إلى الوراء، فصدم بشخص خلفه. استدار ليجد رييد، بابتسامة غامضة على وجهه: "ما خطبك هذه المرة، يا مزعج..." قالها، لكنه نظر نحو عامود الإنارة مجددًا، فلم يجد الرجل هناك.
بصوت مرتبك وخائف قال يوما لرييد: "علينا أن نتحدث." رييد، غير مدرك لما يجري، شعر بالقلق، فهو يعرف أن يوما غريب الأطوار، وأن المشاكل تتوالى حوله كالسيل. "اتبعني."
نظر يوما إلى رييد، وذهبا معًا بعيدًا عن المكان.
بعد دقائق قليلة من مغادرة آلفاسانو ورييد، خرج كايرو، ميموري، وميشيل من الباب المحطم. السيارات الإسعاف كانت تصل، تحمل شخصين مصابين، والحالة لم تكن واضحة بعد.
"روزا!" صرخت ميموري، واندفعت نحو ناقلة الإسعاف التي تحمل روزا بحذر، لكنها لم تستطع الاقتراب أكثر؛ أحد المسعفين وقف في طريقها بحزم، وبدأوا برفع الناقلة إلى السيارة بسرعة.
كايرو وميشيل تقدما بهدوء ليتفقدا وضع روزا، لكن منظر سيزار كان أكثر فاجعة. ميشيل نظر حوله بصدمة؛ سيزار كان مصابًا بشكل أسوأ، رأسه ينزف بشدة، والمسعفون وضعوا قناع الأوكسجين على وجهه ليحافظوا على تنفسه.
داخل ميشيل، مشاعر متضاربة: طوال حياته لم يملك لحظة سعادة حقيقية مع سيزار إلا طفولتهم معًا، أيام كانت العائلة بخير، عندما كانت الأم لا تزال حية في ذكرياته.
تردد، ماذا عليه أن يفعل؟ هل يذهب ليطمئن على سيزار؟ أم يتجاهل الأمر كما لو أنه لا يعرفه؟ بدأت عيناه تتحركان يمينًا ويسارًا بحثًا عن كريستوفر، لكنه لم يجده، فأدرك أن كريستوفر لم يعد يعمل في المدرسة، بل أصبح يعمل في المختبر العسكري.
الحيرة تخنقه، لا يعرف من يلجأ إليه، وهو بحاجة لتوجيه، ولسبب ما، لاحظ قلق كازوما على سيزار وسؤاله المستمر عن حالته، سواء كانت حرجة أم تحت السيطرة.
بحزن دفن مشاعره كأخ، وتراجع ببطء، متجهًا نحو روزا، محاولًا أن يكون قويًا.
بعد فترة قصيرة، تحركت سيارات الإسعاف وخرجت من حدود المدرسة، بينما كان المعلمون يعيدون الطلاب إلى داخل الصفوف، محاولين منع انتشار الفوضى أو وقوع كارثة جديدة.
ميموري، رغم كل ذلك، رفضت الدخول، أرادت فقط أن تطمئن على روزا، لكن محاولتها لم تنجح. دفعها المعلمون إلى الداخل بعناية، وسط صرخاتها وتوسلاتها، تحاول إقناعهم بالسماح لها بالخروج.
تم إغلاق الأبواب، وأُعيد الطلاب إلى صفوفهم، في محاولة لاحتواء الشائعات ومنع الذعر من الانتشار.
جلست ميموري على الأرض، وضربت الجدار بيدها بشدة، تغمرها مشاعر الاستياء والغضب من نفسها لأنها لم تستطع فعل المزيد.
الفترة القصيرة التي قضتها ميموري مع روزا كانت مليئة بالمشاعر المختلطة؛ شعرت لأول مرة منذ زمن طويل بأنها تستطيع أن تُفرغ ما بداخلها دون مراقبة الكلمات أو الخوف من الأحكام. لكنها حين رفعت يدها لتغطي أذنها، كتمت دموعها وحزنها العميق على صديقتها، كأنها تحاول حماية نفسها من الألم.
صوت ميشيل قطع الصمت: "شباب، أين يوما؟" التفت الجميع إليه، متسائلين عن غياب يوما الغامض. كان يوما قد خرج قبلهم، ولا أحد يعرف مكانه.
ميشيل توجه إلى الباب وأخذ يطرق بقوة: "افتحوا الباب! هناك شخص هنا!" لكنه لم يتلق أي رد، والباب بقي مغلقًا بإحكام، لم يستطع كسره.
في الفناء الخلفي الهادئ، كان رييد واقفًا مقابل آلفاسانو، متجهّمًا. قال رييد بمرارة: "ماذا تريد؟" رد آلفاسانو بسرعة: "مساعدتك، هذا الجسد لعنه حياتي، لم أعد أطيق مشاكله. أنا تعبت."
رفع آلفاسانو رأسه والتقى بعيني رييد، وشعر بصدق كلمات رييد، مؤلمًا لكنه صحيح. حاول رييد أن يكمل كلامه، لكنه لم يستطع، وذرفت عيناه دموعًا لم يرهما أحد من قبله.
"أنا فقط... أريد أن أعيش." قالها بصوت مرتعش، ومسح دموعه، قبل أن يكمل: "أعلم أن الأمر لا يعنيك، ولكن لو لم تكن أنت فقط من بقي لديّ، لكنت طلبت المساعدة من شخص آخر. يوما يخاف من المختبرات، وأنا يجب أن أكون هناك لأجله."
رد رييد ببرود: "ألم تكن أنت من جلب هذه المشاكل؟" صوت رييد البارد أربك آلفاسانو، فهو لم يتوقع هذه القسوة، خاصة من رييد الذي كان أكثر لطفًا سابقًا.
صوت حفيف الأشجار خفت، وعين رييد كانت خالية من الشفقة أو الرحمة، باردة كثلج، داكنة وخالية من المشاعر، تمامًا مثل ابن نورثلاند الذي سيتولى الحكم.
هالة رييد المرعبة بدأت تثير الرعب في قلب آلفاسانو. هل كان رييد دائمًا بهذا الخوف؟ أم أن شيئًا ما تغيّر فيه؟ كانت نظراته تشع قشعريرة، ولا يمكن لأي شخص في الديار أن يواجهه بهذه الطريقة دون أن يتراجع.
قال رييد بحزم: "بعد المدرسة، ستأتي معي إلى المجمع السكني الذي كنت تعيش فيه." اتسعت عينا آلفاسانو بدهشة؛ كيف عرف عن المجمع؟ فهو نفسه كاد ينسى أمره.
المجمع كان الآن مجرد خرائب، حجارة متراكمة، مكان مهجور كان من المفترض أن يُزال، لكن السلطات المحلية في ليويامي تلقت أوامر صارمة من "أفراد الطليعة" بعدم تحريك أي حجر من هناك.
لم يناقش آلفاسانو الأمر، ليس لأنه لا يملك أسئلة، بل لأنه خائف من رييد، ولا يريد المزيد من الأعداء. أعداؤه الحاليون يكفيه ويزيد.
"ربما قد يقبل بمساعدتي لو ذهبت معه، لا اعرف ما الربط لكن علي أن أذهب الى هناك"تمتم بها و تنفس الصعداء و غادر المكان .
"أحيانا قد يكون سؤال البالغين عن بعض الأشياء منجيا من هلاك قريب أليس كذلك كلاود !"
" غريب أنت لا تتفق معي ؟ إنها أول مره نختلف فيها يا كلاود"
............
قمرٌ احمر اللون و مكان ذا طابع لوني غريب كل بين الاحمر و الاسود ، ستة أبراج ضخمه عملاقه ذات لون احمر يتوسطها برج ذا لون أسود و أضخم منهم حجما تتصل الابراج ببعضها البعض عن طرق جسور تدخل و تخرج من كل برج.
في داخل البرج الثاني و المكتوب عليه رقم ثلاثه بالرومانيه ، أفعى سوداء ذو عينٍ حمراء تزحف على الأرض و دخلت إحدى الممرات الفارغه .
داخل أحدى الغرف كانت هناك الكثير من الأجهزه الطبيه ، بجانب إحدى الأسِرَة كان يقف ذات الرجل الذي رأه آلفاسانو فوق عامود الاناره.
عينه كانت ذات لونٍ شاذ أحمر و رمادي ، زوجٌ غريب من الألوان قد يظهر في العين وضع يده علي خده و بتذمر قال" آه كلاود لقد تعبت و أنت حضرتك ما زالت نائم " وضع يده على صدره و دار حول نفسه وقال " لو لم أكتب ملحوظه في يدي عن كون اليوم هو يوم فحصك لنسيت الأمر تمامًا "إبتسم بخبث شديد و استدار وعينه متجه نحو السرير الذي يقع بجانب جهاز تخطيط القلب.
على السرير رجل غائب عن الوعي بطابع يشبهه تمامًا لكن الشرايين في كلتا يديه وتغطي كذلك وجهه، مع ذلك هي غير متصله ببعضها البعض لانها لم تغطي جسر أنفه.
" أعلم أنك تسمعني لكنك لا يمكنك أن ترد ، وي لا تقلق أنا حاليا أبحث عن حل لمشكلتك تذكر أن تشكرني حين تستيقظ فقد قمت بحرق العالم كله... كله ...خلال ثلاثة قرونٍ الماضيه!" إرتفعت نبرة صوته و أخذ يضحك بشكل هستيري كالمجانين .
أمسك بمشرط و مسح بيده على وجه كلاود، تحديدا عند نقطه الشريانين الغير متصلين " سرعان ما سينمو الجذع و سيتصل عندها يمكنني أن أقف و أقول وداعا لنورثلاند و ستتم تجربتي المذهله "
فتح الباب و نظر نحو من فتحه ، قد كانت تلك الأفعى التي اخفضت رأسها إحتراما له وقالت " دكتور إليتوس السيد لقد تم ما طلبته و زرعنا عينة الدم التي طلبتها في المشروع"
ابتسم بلطف، أغلق عينيه بحنية، وقال بصوت غزلي: "آه، أحسنتِ صنعا، لكن..."
رمى المشرط الذي كان بيده على إحدى عيني الأفعى، مسبّبًا لها نزيفًا. شيئًا فشيئًا، تحولت ملامح وجهه اللطيفة إلى وجه خالٍ من المشاعر، مما تسبب في ذعر الأفعى.
قال ببرود: "أناكوندا، من سمح لكِ بالدخول إلى مختبري؟"
لم تتجرأ الأفعى على تبرير نفسها أو الدفاع، بل بدأت تنسحب ببطء إلى الوراء وأغلقت الباب خلفها.
سحب كرسيًا وجلس عليه، وفتح حاسوبه الشخصي وقال: "اسمع يا كلاود، خلال الفترة التي كنت نائمًا فيها أنجزنا الكثير، لكن يا سيد العالم القديم، ينبغي عليك أن تستيقظ سريعًا لأنني أشعر بملل ساحق."
بدأ يثرثر بتراهات لا داعي لها، وبنبرة سخيفة يسب نورثلاند ويلعن ذاك، كأنه يجهز لقب "السيد نميمة" له.
تابع بنبرة حزينة مصطنعة: "بالمناسبة، لقد سرق أحد الهابطين عينتي الفريدة من نوعها." ثم غطى عينيه بيده ليكمل تمثيله الدرامي.
ضحك خفيفًا وقال: "زامنهوف، كلبك الوفي، خمن ماذا فعل بالغبي جوناس."
وضع يده على جبينه: "لقد خطط هو الآخر، تظن أنه متعاون مع أحد ضدي."
أضاف مبتسمًا بخبث: "لكن سبق وأن وضعت خطةً لهذا."
ختم حواره، متحدثًا إلى نفسه وجالس أمام سامع نائم، وبعد ثوانٍ، لمعت عيناه الرماديتان... وأكمل عمله على الحاسوب.
.................
ليويامي – الخميس، الساعة 8 مساءً.
حلّ الليل، وامتدت الظلال على وجه المدينة كغلالة سوداء. جلَس آلفاسانو في المقعد الخلفي لسيارة أجرة، يحدّق بصمت إلى الشوارع الخالية. المدينة بدت أشبه بجسدٍ نائم، كل شيء ساكن، الأرصفة خاوية، والنوافذ مغلقة، وكأن الحياة غادرت المكان مع غروب الشمس.
توقفت السيارة قرب مجمع سكني مدمر، تتناثر حوله مئات اللافتات التحذيرية المتأرجحة بفعل الرياح. نزل الفتى من السيارة، ووقف أمام الركام، يحدق فيه بقلق، ثم بلع ريقه.
تمتم: "ربما كان يمزح معي... لما أتيت لهذا المكان؟ كان يجب أن أختلق عذرًا لهروبي من المدرسة."
كان قد تسلل خارج المدرسة وسط الفوضى التي اجتاحت أروقتها. لم يعد إلى منزله لتبديل ملابسه، لم يكن هناك وقت، أو ربما لم تكن هناك رغبة.
دفع إحدى اللافتات جانبًا، وعبر إلى داخل نطاق الخراب. منذ أسبوعين فقط، كان هذا المكان حيًا، يضج بالحياة، بيوت، شرفات، ضحكات أطفال.
الآن، مجرد أنقاض صامتة، كأن كارثة سقطت عليه من السماء.
قال بصوت خافت: "لا بد أن فرد الطليعة الذي هزم ذلك الداموتوفير كان قويًا جدًا."
تلك الأخبار اجتاحت وسائل التواصل، بين المبالغات والأساطير، وبين الحقائق المدفونة.
وحش ناطق، دمار شامل، وبطل غامض.
دخل أعمق في المجمع، قلبه ينبض أسرع، ثم ارتخت عضلاته حين رأى رييد واقفًا هناك، وسط الظلال.
"لقد تأخرت." قالها رييد دون أن يلتفت أو يحرك رأسه.
رد آلفاسانو وهو يتقدم نحوه: "أنت لم تحدد وقت اللقاء... جئت معتمدًا على حدسي فقط."
وقف إلى جانبه، نظر إلى الأمام. أمامه حفرة. عميقة جدًا. كأنها هوة بلا نهاية، ثقب في الأرض، يبتلع الضوء والصوت.
"ما هذا؟" همس بها آلفاسانو، كأن صوته قد يسقط داخله لو ارتفع.
"الوحوش دخلت للمجمع من هذه الحفره" وضع آلفاسانو يده على صدره ونظر لمن بجانبه"أتقصد أن الأمر كان مدبرًا؟" هز رييد رأسه ليأكد على كلامه.
"أنت لا تنوي أن أنزل معك إلى هناك، صحيح؟" قالها آلفاسانو بتوتر، وهو ينظر إلى الحفرة.
أجابه رييد، دون تردد، بعينين ثابتتين: "بل هذا هو السبب الذي من أجلك أحضرتك."
ثبت آلفاسانو نظراته فيه، متراجعًا خطوة إلى الوراء. "قل إنك تمزح... أنا ضعيف، مجرد عائق."
أزاح رييد بصره، متأففًا من كلامه، ثم اتجه نحو الحفرة. "أنت عابر، يفترض أن تكون قويًا. لكنك فقط... أحمق كبير."
توقف لحظة، ثم أضاف وهو يحدق في الظلام: "اقفز، إن أردت أن تعرف ما يحدث من حولك. لن يحميك أحد."
وبدون كلمة أخرى، ألقى رييد بنفسه في الحفرة، تاركًا آلفاسانو في صمته، وحيرته.
وقف هناك، ينظر إلى الفراغ الأسود أسفل قدميه، ثم همس لنفسه: "حياتي منذ أن أتيت إلى هنا مدمّرة... لن يشكّل الأمر فرقًا إن رميت بنفسي في حفرة."
قفز.
الحفرة كانت أعمق مما تصور، جدرانها ملساء، مصقولة بعناية، وكأنها صُممت لتسمح للوحوش بالصعود دون عائق.
في اللحظة الأخيرة، أمسك رييد بطرف سترته، وجرّه بعيدًا عن الاصطدام بالأرض، ثم تركه يسقط على الأرض برفق نسبي.
"تبًا لك... أكرهك." قالها آلفاسانو وهو يتألم، لكن رييد تجاهله، وأخرج هاتفه. أضاء الكشاف، فانبسط المشهد أمامهما.
أنفاق صخرية، أعمدتها الحديدية تثبتها بإتقان. لا مصابيح، لا إشارات... فقط ممرات محفورة بعناية خفية.
اتجه رييد نحو أقصى ممر على اليسار، فلحق به آلفاسانو، يسير بجانبه بتردد. "ألم يكتشف أفراد الطليعة هذا المكان؟"
أجابه رييد بسخرية دون أن يلتفت إليه: "تبقّى فقط أن ينظّفوا ليويامي كي يجعلوك سعيدًا."
غضب آلفاسانو من لهجته، وقال محتدًا: "الطليعة مسؤولة فقط عن قتل وحوش الجذع في العالم... من المفترض أن تكون ليويامي مسؤولة عن أرضها!"
رغم وقاحة رييد، إلا أن كلماته أصابت الحقيقة. الطليعة من نورثلاند، ومسؤوليتها، حسب الاتحاد الدولي، لا تتعدى التعامل مع الوحوش الجذرية.
"هل اكتشفت هذا المكان بنفسك؟" أجاب رييد بهزة رأس مقتضبة.
وصلا إلى نهاية النفق، فأطفأ رييد ضوء الكشاف. أمامهما حفرة صغيرة تؤدي إلى سلسلة من الأنفاق، يربطها سلم حديدي قديم. الصناديق تملأ المكان، مكدسة على الجوانب.
تقدّم آلفاسانو ببطء، ووضع يده على الدرابزين البارد.
في الأسفل، كان يقف عدد من الرجال. ملامحهم قاتمة، حضورهم مرعب. وشم سيفٍ ذهبي تحيط به هالة برقٍ رعديّ، مغروس في حجر كريم أزرق، يغطّي ذراع كلٍّ منهم.
تجمّد آلفاسانو، عينيه تحدّقان في المشهد الغريب. "إنهم من المافيا..." همس لنفسه، ثم التفت نحو رييد. "لكن ما الذي يفعلونه هنا، في ليويامي؟"
نظر مجددًا إلى الأسفل. أسئلة كثيرة تتزاحم في رأسه. هل لهم علاقة بأسياد بيراست؟ هل هذا النفق من صنعهم؟ أم من صنع أولئك القابعين في الظلال؟
الشائعات تؤكد أن المافيا والقراصنة لا يتبعون أيّ دولة، لا ولاء لهم سوى للربح والخفاء. لكن نشاطهم المعروف يتركز في بيونيري... لا هنا.
فجأة، شدّت عين رييد شخصًا آخر على الجانب المقابل.
كانت هناك فتاة.
جالسة على الأرض، تراقب المشهد بصمت. شعرها الأسود القصير يلامس وجنتيها، وعين زرقاء تلمع في العتمة. تخفي يديها بقفازات، وجسدها بسترة محكمة لا تُظهر سوى وجهها الصارم.
نهضت.
وضعت قدمها على الدرابزين، أخرجت مسدسًا أبيض لامع، وقبل أن يفهم آلفاسانو ما يحدث... قفزت.
خلال لحظة سقوطها، أطلقت سبع رصاصات متتالية، كل واحدة منها أصابت رأسًا بدقة لا تُصدَّق. هبطت فوق أحد الصناديق الخشبية، تفادت وهجًا ناريًا أحرَق خصلة من شعرها، ثم قفزت من جديد. رصاصة فضية انطلقت من مسدسها، لتستقر في جبهة أحد حرّاس النار، هيرون، فسقط من فوق الدرج جثة هامدة.
هبطت على الأرض بخفة، كأنها تعرف كل حجر في المكان.
ومن خلفها، ظهر رجل فجأة، أراد الإمساك بها.
استدارت.
ركلة واحدة، سريعة وحاسمة، ارتطمت بجبينه، دفعته ليرتطم بأحد الأعمدة الحديدية. الدم تناثر من رأسه، وسقط دون حراك.
لكن اللحظة التالية كانت مختلفة.
"ارمي سلاحك! ارفعي يديك!" صوتٌ حاد صدح من بين الظلال.
نظرت حولها.
من كل الجهات... الطابق الأرضي، الأول، الثاني... كانوا يطوقونها. عشرات من رجال المافيا، يشدّون بأصابعهم على الزناد، عيونهم متأهبة، ينتظرون الأمر بالإطلاق.
محاصَرة.
لكن وجهها لم يتغير. لا خوف. فقط سكون... كعاصفة في انتظار الانفجار.
ترسّمت ابتسامة باردة على شفتي الفتاة. قالت بصوت ساخر وخافت، كمن يتحدث إلى ظلال في العدم: "أعتقد أن الفأر الملك ليس هنا، أليس كذلك؟"
تقدّم أحد رجال المافيا، جسده الضخم يحجب الضوء، حتى أصبح قبالتها مباشرة. نظر إليها بازدراء، وقال: "لديكِ لسان طويل... هل هذه إشـارة إلى أنكِ تعملين مع القراصنة؟"
ملامحها لم تتغيّر. لا انفعال، لا خوف. ساكنة كتمثال حجري، لكن عينيها تبرقان بخطر وشيك.
بالكاد تحركت، وإذ بجوهرة حمراء صغيرة، موضوعة أعلى زناد المسدس، تبدأ بالدوران... 270 درجة كاملة.
وفجأة — كما لو أن العالم حولنا توقف للحظة — تحوّل المسدس الفضي إلى منجل أبيض طويل، يشعّ بطاقة غريبة.
قبل أن يدرك الرجل ما حدث، انفجرت أحشاؤه أمام عيني، تمزقت أطرافه، وسقط متهاويًا عند قدميها... صامتًا إلى الأبد.
كانت تلك الإشارة.
"انطلقت من حولها عاصفة من الرصاص والنيران. وضعتُ يديّ على أذنيّ، وقلبي يخفق بجنون. ظننت أنني سأموت في تلك اللحظة."
"لو كنت أقوى... لما اضطررت لأعيش كجبانٍ بائس، بلا نفع."
"رصاصة طائشة كادت تخترق رأسي، لكنها توقفت فجأة، على بُعد ملمترات من جبيني. ثم سقطت على الأرض."
"نظرتُ إلى رييد — هالته البنفسجية كانت تحيط بنا، تشكّل درعًا من الطاقة. حتى مع نزقه وغموضه، لا يزال يحميني...
أم أنه فقط لا يريد خسارتي، كوني "عابرا" سيستفيد منه لاحقًا؟"
رفعت بصري مجددًا... وما رأيته كان مستحيلًا.
بمنجل فقط، كانت تهزمهم. قفزات، هبوط، مراوغة. كل ضربة دقيقة. كل خطوة محسوبة. عينها تتحرّك بسرعة مخيفة، تلتقط كل تهديد، كل حركة.
هل هو سلاحها الذي جعلها بهذه الرشاقة؟ هل هي هيرون تستخدم تقنية نادرة؟ أم أنها أحد النخب، من فئة المحظور الاقتراب منهم؟
لا يمكن أن تكون مبتدئة... هذا مستحيل.هذه الافكار كانت تتردد في رأسه
وسط هذه المعركة التي بدت وكأنها مسرحية بممثلة واحدة... هي الوحيدة التي تهاجم. الآخرون — وجودهم من عدمهم واحد.
خنجر طائش وجد طريقه إليها، خدشًا صغيرًا فقط، لكنه كان أول وأوحد إصابة تنال منها.
تمزّق جزء من قناعها، كاشفًا جلدها الحقيقي تحته.
استدارت ببطء، أمسكت برقبة الرجل الذي وجّه إليها الخنجر، رفعت جسده كدمية فارغة، وقالت بصوت هادئ جدًا:
"سأدعك تعيش... بل سأضمن لك حياة هادئة، إن أخبرتني عن كاوس."
الرجل هزّ رأسه رفضًا، ورجف.
لكنها لم تكن في مزاج للتفاوض. أحكمت قبضتها — وصمت إلى الأبد.
ألقت جثته أرضًا، بينما أنا بلعت ريقي بقلق متزايد. هل أنا التالي؟ هل رأتني؟ هل تعتبر وجودي تهديدًا؟
رفعت يدها إلى الجزء الممزق من قناعها، وأخذت تمسح برفق حتى لامست الخدش. هناك... ظهر بلور أبيض ناصع، متشقق، يتلاشى ببطء كقطع زجاجية تتحطم.
نظرت إلى رييد — كانت عيناه متسعتين، جامدتين.
مندهش؟ بل مصدوم.
لم أفهم لماذا، لكني علمت أن ما يراه ليس عاديًا.
هل هي هيرون معالجة؟
لا تبدو كذلك. قواها لا تُشبه قوى أيّ من أصناف المقاتلين التي أعرفها. المؤكّد الوحيد: هي ليست سيافا
ما تستخدمه... يتجاوز قوانين الطبيعة. وضعت يدها على أذنها، فوق جهاز التواصل اللاسلكي، وقالت بانزعاج: "دوروثي؟ ما الأمر الآن؟ أنا مشغولة!"
لم أستطع سماع الجانب الآخر من الحوار، لكن من نبرة صوتها وحدها، بدت وكأنها تتلقى توبيخًا حادًا. توبيخ على ماذا؟
على المجزرة؟ أم على أنها كشفت وجهها؟ أم لأنها ببساطة... ظهرت حيث لا ينبغي لها الظهور؟
بجانبها، مدّ رييد يده للأسفل — وفي لحظة، استُدعي سيفه من العدم. أقسم أنني لم أحتج إلى شرحٍ لأدرك ما ينوي فعله هذا المجنون.
"لحظة—!" لكن صوته تلاشى وسط صوت التصادم بين سيفه ومنجلها.
انفجار غباريٌّ دقيق تلا الضربة، تشكّلت منه حلقة هوائية تباعدت شيئًا فشيئًا عن مركز الاصطدام.
"من أنت؟!" سألها رييد، وصوته لا يخلو من الجدية. قوة الضربة كانت تتزايد بين سيفه ومنجلها، لكنها كانت تبذل جهدًا أكبر منه — تمسك سلاحها بكلتا يديها، بينما هو بيدٍ واحدة فقط.
شكوك آلفاسانو... كلها تلاشت. رييد يأخذ الأمر على محمل الجد.
قال، بصوت منخفض وحاد: "أنا من يسأل هنا... من تكونين؟"
بسرعة قطعت اتصال منجلها بسيفه وتراجعت، ثم قفزت بخفة فوق الدرابزين المؤدي للطابق الثاني.
رفعت يدها مجددًا إلى جهازها، وقالت: "لا أعتقد أنك عدوي... وأنا كذلك، لست عدوك."
الرسالة واضحة حتى للأغبياء.
لا تهاجمني، لا أهاجمك — وقتي ثمين.
لكن...
لِمَ هاجمها رييد من الأصل؟ هل هو ملبوس فعلًا؟ أم أنه فقط... لا يثق بأحد؟
"التفتت أخيرًا نحوي — وكأنها للتو تذكّرت وجودي. نظرت إلي نظرة سريعة، قلّصت بصرها قليلاً... ثم استدارت وغادرت، كأنني غير موجود."
تركتهم خلفها مثل ابن البطة السوداء، الغبي الوحيد الذي لم يفهم شيئًا من كل ما حدث.
نزل آلفاسانو من الدرج بخطوات محسوبة، وتوجه نحو أمير نورثلاند — ذلك الذي تصرف للتو وكأن السيف امتدادٌ ليده.
"هل هاجمتها... ثم تركتها تمضي؟ كالتفاحة التي تذوقت منها قضمة ثم رميتها؟"
توقف قبل أن يقترب منه تمامًا. ثلاث خطوات فصلته عنه. خطوات أحتفظ بها كحاجز... من نوعٍ ما. ليس احترامًا... بل احتياطًا.
"كنت أشك أنها تعمل مع القراصنه"قالها و قفز متوجهًا نحو نفس البوابه التي قصدتها الفتاه " مالذي تفعله عندك أستبقى عندك حائرا ؟" استيقظ مغيب العقل من شروده و بخطوات سريعه صعد الدرج حتى و صلت إليه و سرنا معا .
هذا الممر فيه مصابيح عكس الممر الذي دخلنا منه من بنى هذا المكان ، لكن كيف لم تنتبه الشرطه أين عقلهم هل ذهب الى إجازه لأن هناك ثلاثة من أقوى أفراد الطليعه هنا؟
"الآن..." قالها آلفاسانو بصوت خالٍ من المزاح لأول مرة، نبرة جادة أثقلت الجو من حوله. "ما رأيك أن تخبرني... لماذا أنا هنا؟"
لم يرد رييد على الفور. لكن آلفاسانو تابع، بنبرة لا تقل إصرارًا: "قيل لي من أحد أعرفه... أن العابرين فقط هم من يستطيعون تمييز بعضهم البعض."
مخي — البطيء كالعادة — بدأ أخيرًا يستوعب. هم هنا... لأن هناك من قال إن عابرًا آخر موجود في هذا المكان.
لكن... ماذا يفعل هابطٌ تحت مجمّع سكني متهدم، تحوم حوله المافيا؟ والحادثة التي دمرت المجمع... هل كانت من تدبير بيراست؟ أم كان ذلك خطأ؟ أم أنهم... يعملون مع المافيا؟
"هذه الأنفاق من صنع بيراست." قالها رييد فجأة، وكأنه قرأ أفكاري.
نظرت إليه، فأكمل:
"بيراست حاليًا تواجه مشاكل مع بيونيري — أو لأكون أكثر دقة: مع السوق السوداء هناك. أحد مخبري الطليعة أكد أن هناك اشتباكات متكررة بين نبلاء بيراست وأفراد المافيا."
فركت وجهي بانزعاج، ثم قلت بصوت لا يخلو من التذمر: "من أين لك أن عابرًا موجود هنا أصلاً؟! ثم... لماذا أنت هنا أصلًا؟ أنت طالب، مثلنا!"
نظر إلي، عينيه خاليتين من العطف. "الرادار التقط إشارة قوية — شبيهة بالإشارة التي كشفتك بها زاك. هذا ما قاله البروفيسور هاياتو."
ثم أضاف، بصوت هادئ، لكن فيه شيء من المرارة: "أما لماذا أنا هنا...؟ لأنني أريد التخلص من القيد."
لم أسأله ما معنى القيد. لا أدري لماذا، لكنني شعرت أن السؤال نفسه سيكون عبثيًا. هو على الأقل... أشفق عليّ بما فيه الكفاية ليمنحني هذه المعلومات، ولو كانت ناقصة.
الخطر... يتزايد، إحساسي به يكبر في داخلي مثل ظلام لا يمكن طرده.
وضعت قطعة العلكة في فمي — تلك التي أعطاني إياها كايرو ذات مرة. سدّدت بها خوفي. وصمتي. لأن رأيي، كما يبدو... لا يهم.
من منظور رييد
يمتلك هذا الأحمق ثقةً عمياء بنفسه. أنا متوتر، ومتيقظ لكل صوت في هذا الممر المظلم، أفكر في الاحتمالات الأسوأ، أما هو... فـ"يأكل العلكة".
بلا أدنى ذرة مبالاة.
إما أنه يكذب بشأن قوته... أو أنه باع حياته منذ زمن. "اسمع..." بدأت الحديث، فقط لأجده ينظر إليّ بينما ينفخ بالون العلكة.
انفجر البالون والتصق بوجهه.
يا إلهي.
"أنت لا تشجع المرء على الحديث معك." قلتها بيأس حقيقي، وأدركت الآن أن من بجانبي ليس ذكيًا يتغابى... بل أحمق أصيل، من النوع النادر. ها هو يحاول نزع العلكة عن وجهه، جاهدًا.
قررت أن أسترسل رغم عبثيته، ربما ستدخل بعض الحقيقة إلى جمجمته:
"العالم مقلوب رأسًا على عقب بسبب حرب الدول. ليويامي، ومعها أندر وواتر، اختارتا الحياد... لأن لا قدرة لهما على تغيير هذا الواقع المر."
رفع رأسه ببطء، وفي نبرته شيء غريب. "ماذا تقصد؟"
كان يبدو قلقًا... لا على نفسه، بل على يوما.
أجبته: "هناك حرب غير مرئية تدور خلف الكواليس — بين بيراست، بيونيري، نورثلاند، القراصنة، والمافيا."
،بيراست تريد استكمال استعمار بيونيري... احتلال ما تبقى من القارة الصحراوية... وإبادة المافيا والقراصنة تمامًا."
"أما القراصنة والمافيا، فهم لا يتحالفون، لكن هدفهم المشترك هو إسقاط نورثلاند أولًا، ثم بيراست، والسيطرة على القارة الصحراوية عبر بوابة بيونيري."
نورثلاند؟ تسعى لإبادة الجميع، ثم عقد تحالف نهائي مع بيونيري.
قال بتلعثم: "مـ-ماذا؟ ولم كل هذه الفوضى؟ ولماذا الجميع يركض خلف القارة الصحراوية؟"
تجمدت.أدرت وجهي نحوه ببطء، نظرت إليه... نظرة طويلة.
"أنت... لا تعرف شيئًا."
أخيرًا — بعد معركة ضروس مع العلكة — نزعها من وجهه، ثم قال ببراءة القاتل:
"ومن قال لك إني أعرف؟ أنا حتى لا أعرف كيف وصلت لهذا المكان ....!"
أغلق رييد عينيه وعضّ على شفته وقال: "صدق عنك البروفيسور هاياتو حين وصفك بالأحمق الكبير."
رمى آلفاسانو العلكة على الأرض وقال بتذمر: "وهل سُميت بنفسي بهذا اللقب؟ في وطني يلقبونني بالأحمق، لذا الأمر ليس جديدًا علي."
اسودّ وجه رييد من خيبة الظن، هو الذي كان يظن أن فيه أملًا. "أنتم تعرفون الكثير عنهم، أقصد العابرين، ما هو مصدركم؟" قالها الفتى.
تراجع رييد خطوة إلى الوراء، ورفع حاجبه وهو يقول: "هل أنت أحمق... عذرًا، نسيت فعلًا أنك كذلك. ألم يقل لك البروفيسور أننا نعرف موقع العابر الرابع؟"
على مسافة بعيدة أمامهم، لم تكن تُرى بالعين المجردة، تلك الفتاة ذات الشعر الأسود تقلصت قُزحية عينيها فور سماعها لعبارة "العابر الرابع"، ونظرت خلفها. الممر كان فارغًا... لكنها لم تشعر بالطمأنينة.
"تحسبني حاسوبًا كي أتذكر كل ما قاله لي هاياتو؟ ماذا؟!" صاح بها آلفاسانو واقترب من وجه رييد بانفعال.
اشتعل الغضب في صدر رييد. هذا الأحمق لا يكتفي بانعدام فائدته، بل يرفع صوته أيضًا. أمسك بكتف آلفاسانو وقال له بغضب:
"من أنت كي ترفع صوتك عليّ؟ أصغر أبنائك أنا؟ كنت أظنك مفيدًا، والآن تأكدت أنك لا تقدر على تمييز العابريين أصلًا!"
ثم دفعه نحو الجدار. لم تكن دفعة قوية، لكنها كانت كافية لتطرحه أرضًا متألمًا. نظر رييد إليه باشمئزاز... لم يكن يرى فيه سوى عبء، ثم أدار ظهره ومضى إلى الأمام.
لكن ما حدث بعد ذلك بدّل كل شيء.
شعر "يوما" الأسود بدأ يتلاشى تدريجيًا حتى صار أشقرَ نقيًا كأشعة شمسٍ مجمدة.
عينه الزهرية الداكنة، الفارغة من أي حياة، انقلب لونها إلى الذهبي.
وفجأة، انبعثت من منتصف تلك العين ساعةٌ غريبة، شديدة الدقة، تدور عقاربها بطريقة لا يفهمها عقل.
ومنها انطلق مدى أسود اللون، شق الهواء وكأن الزمن نفسه قد انكسر، أو على الأقل... بدأ يتباطأ بطريقة لا طبيعية.
كان الزمن يمر ببطء شديد، حركة الضوء، ارتجاجات الهواء، حتى صوت التنفس، كل شيء صار ثقيلاً... متثاقلاً.
ونهض يوما من على الأرض، دون أن يرف له جفن.
ظهرت في كفّ آلفاسانو خليةٌ دائرية من طاقةٍ ذهبية تتوهّج كاللهيب، لكن قبل أن يلوِّح بها قبض رييد على ساعده وثنّى ذراعه حتى انكسر العظم، فارتفع صراخ الفتى من شدّة الألم.
عاد شعره إلى لونه الطبيعي، وكذلك عينه، وحين أفلَت رييد ذراعه تهاوى أرضًا ممسكًا بها بقوة. قال رييد ببرود:
" حتى بقدرةٍ كهذه تبقى بلا فائدة ما دمت ضعيفًا. أظننت أنّي لن أشعر بحركتك؟"
دوّى صوت أنثوي ثابت: "أصدقاني القول، من أنتما؟"
التفتا فرأيا الفتاة نفسها. قال آلفاسانو محتجًّا: ـ" يا للعجب، أجئتِ لتجهزي عليّ؟"
أجابته بنبرة صارمة خفيضة: ـ" اخفض صوتك، إنه أعلى مما ينبغي، أتريد لِمَن حولنا أن يكتشف مكاننا؟"
اشتد غضب الفتى حين شعر بأنها تضعه في كفة واحدة مع رييد. أما الاخر فتمالك نفسه وقال متهكمًا:
ـ" وأنتِ؟ هل جئتِ لتشاركي في الشجار؟ ما غايتك؟"
بدأ يندم على مجيئه بصحبة هذا الأحمق، وتمنّى لو كان في بيته نائمًا بدل هذه الفوضى. التقت نظرات رييد والفتاة، حادّة تتطاير منها رائحة الخطر، في حين ظلّ آلفاسانو بينهما كأنه ظلّ لا وزن له.
قالت الفتاة بنبرة باردة:
ـ" إنّ الضجة التي تُحدثانها تعرقل عملي."
رفع آلقصير حاجبه وتنهد، ثم تَشكّلت خلية ذهبية أخرى عند ذراعه المكسورة، فأخذت تلتئم ببطء وصمت.
قال الاخر ساخرًا وهو ينظر إلى الفتاة:
ـ"أتظنين أن العابر الأول موجود هنا؟ وإن وُجد، فهل هو أحمق بما يكفي ليبقى في هذا المكان بعد كل هذا الصراخ؟"
أما أنا، فقد بدأت أظن أنّهما زوجان مطلقان يتشاجران على النفقة. لا ألومها، فأنا أيضًا أكره رييد المتغطرس، لكن لِمَ الصراخ؟
اتسعت عينا آلفاسانو فجأة، ثم صاح:
ـ"اخرسا!" نهض من على الأرض، وقد عادت يده التي كانت مكسورة إلى حالتها الطبيعية، ووضع راحة كفه قرب أذنه:
ــ" تسمعان الصوت؟"
تبادل الطرفان النظرات، ثم ركّزا السمع. صوتٌ ناعم يتسلل من خلفهم، يرافقه عبير عذب، كأنه دعوة هادئة. قالت الفتاة وقد انحنى رأسها قليلاً:
ـ"أهو خرير ماء؟"
أجاب آلفاسانو دون أن يلتفت:" لنتبع مصدره."
وانطلق نحو أحد الممرات الجانبية، ليلحق به الآخران.
كان يركض بخفة، وكل خطوة تقرّبه من شيء يعرفه، شيء يسكن ذاكرته.
وما إن وصل، حتى انفتحت أمامه فسحة تحت الأرض، تتوسطها بحيرة من ماءٍ صافٍ، يتغذى من شلال تنحدر مياهه بهدوء وبهاء.
تجمّدت خطوات رييد حين رأى المشهد، تمتم بدهشة:
"شلال... تحت الأرض... في ليويامي؟"
دخل المكان متجاوزًا آلفاسانو، الذي خرّ على ركبتيه دون أن يرد.
في ذاكرته، انبثقت صورة شلال قديم، كان يزوره مع شقيقته الكبرى أليسيا. مدّ كفيه، ثم صفع وجنتيه بخفة، ونهض وابتسم لنفسه.
لا مجال للاستسلام.
ما دام هناك عمر مكتوب له، فسيعود إلى دياره... لا محالة
قالت الفتاة ذات الشعر الأسود بسؤال غريب: "أمرٌ غريب، هل هناك من صنع هذا الشلال؟ هل هو من فعل هيرون؟"
رد آلفاسانو مقتنعًا:" ولمَ تعتقدين أنها من صنع هيرون؟ قد يكون هذا الشلال من بقايا إحدى مدن العالم القديم."
نظر رييد إلى كلام آلفاسانو بتأمل.
قالت الفتاة بنبرة واثقة: " انظرا إلى المكان، نظيف جدًا، والصخور هنا بلا أطراف حادة. لا وجود للطحالب، ولو قلت لي إن المافيا أو أسياد بيراست هم من فعلوا هذا، فسأسألك: ما الفائدة من ذلك؟"
تقدمت الفتاة واقتربت من البحيرة. جلست على الأرض، وظهر على قفاز يدها بلور غطاه بالكامل. بهدوء، أدخلت يدها في الماء، وشربت بعضًا منه.
"الماء عذب ونظيف وخالٍ من الشوائب. محال أن يكون هذا المكان من صنع الطبيعة وحدها. إنه عمل خارق، من صنع هيرون الذي يتحكم بالماء."
اقترب القصير وجلس قربها، محافظًا على مسافة أمان. "مذهل. تعرفين الكثير. بالمناسبة، اسمي آلفاسانو، وهذا شخص معي"
"كانت تلك بداية تعارفنا، رغم كل شيء لم أكن أعرفه سابقًا. حدسي الأحمق الذي طالما خذلني، ساعدني هذه المرة في إيجاد صديقة بمقام أخت لي؛ صديقة ذات عزيمة من نار، وبلور من ألماس لا ينكسر. "
كان لدى رييد فكرة أولية عن هويتها، لكنه لم يرغب في استباق الأحداث.
"تشرفنا." نهضت، وتلاشى البلور عن يدها تاركًا وراءه غبارًا ألماسيًا. أضافت بعفوية: يمكنكم مناداتي بـ "يوهان".
ربما كانت لديها أسبابها الخاصة لعدم ذكر اسمها الحقيقي، أو ربما كان هذا هو اسمها الحقيقي، من يدري؟ أنا لا أعرف، ورييد كذلك.
فجأة، قطعت المرأة ذات الشعر البني المشدود على شكل كعكة، والتي ترتدي بدلة سوداء عليها شعار المافيا، الحوار.
قالت بنبرة حادة: "جميلة... الدخيلة التي سببت هذه الضجة، ومراهقان من الثانوية."
رد أحد أفراد المافيا وهو يتفحص المكان بتعجب:"هل يعقل أن العابر كان هنا؟"
كانت هذه تساؤلاتها الداخلية؛ هل فشلت في مهمتها؟ ماذا سيكون مصيرها؟ كاوس لا يرحم أحدًا عند الفشل.
"سأجعلك تتمنين لو أنك لم تظهري أمامنا" قالها رييد، وظهر سيفه الداكن من العدم. خرجت من سرحانها، وتلقت ضربة قوية على خاصرتها جعلتها تتراجع إلى الوراء وتصدم بالجدار، ليهتز ويسقط فوقها كمٌ لا بأس به من الحجارة.
أدخل سيفه في ظهرها، فانفجر جسدها على شكل تراب تناثر في المكان. هذه السيدة هي هيرون إذًا. على يد يوهان تشكلت شظايا بلورية، وظهر مسدسها الأبيض. أغلق آلفاسانو عينيه وبدأ يجمع كل حواسه في أذنيه.
كان المكان ساكنًا وهادئًا، من أي جهة ستهاجم؟ فتح عينيه واستدار إلى الوراء ليواجه وجهها. تبلّت عيناه باللون الذهبي وظهرت عقارب الساعة فيهما.
انعكست العقارب في عين تابعة المافيا، ولم تستطع تحريك إصبعها. قال لها آلفاسانو بصوت ثقيل: "تحدثي، ماذا يفعل المافيا هنا؟"
قشعر جسدها، فقد كان الهابط الذي كانت تبحث عنه يقف أمامها. بدأ العرق يتصبب منها، وأخذت أنفاسها تصبح ثقيلة. قالت بصعوبة: "لقد أمرني سيدي بتدمير هذا المجمع السكني... ثم تم تدمير مخططنا بسبب الأسياد، وبعد ذلك قيل بأن العابر الأول هنا."
قالت يوهان، التي كانت تضرب دومًا في مكان الأسئلة الصحيحة: "ومن قال لك أن العابر الأول هنا؟"
"تمنيت آنذاك لو أنها كانت صادقة معنا بشأن اسمها."
قام رييد، عديم الرحمة، بشد شعرها ووضع رقبتها على سيفه كتهديد واضح لما سيحدث لها إن لم تفتح فمها وتتحدث.
قالت ودموعها تنهمر خوفًا على حياتها، عجيبة هي الطبيعة حتى المجرمون يخافون الموت: "سياف الذهب هو من أرسل لي الرسالة التي طلبت مني أن أحضر لهذا المكان بحثًا عنه، أقسم لكم."
: "ومن يكون سياف الذهب؟" حسنًا، كان علي بالفعل أن أسأل لكنه هو من سبقني.
أجابت: "سياف الذهب هو سياف مدرع يظهر من فجوة تشبه الثقوب السوداء، لا يتكلم ولا يتفاعل مع أحد، فقط يرسل لنا المعلومات من حضرة الرئيس كاوس."
"أهو رجل؟" نبرة رييد تحتد مع جملة يقولها
أجابت: "لا أعرف، أقسم لكم لا أعرف. إنه فقط يقابل عضوين من المافيا، وأنا لست منهم. فقط أطلقوا سراحي رجاءً." بدت صادقة ومثيرة للشفقة..
فعلاً، تركناها تذهب وغادرت بالفعل. قمنا أنا ورييد ويوهان بتفتيش الأنفاق، ووصلنا إلى عدد من الأماكن الغريبة التي تحتوي على خطط تخص هجوم المجمع السكني. حصلوا عليها من أحد المقيمين، لا أعرف لماذا ترسمت في ذهني صورة ربوبي.
كانت يوهان تمسك برسالة نصها غريب، نرجسي ومقرف نوعًا ما، تقول:
"مر وقت طويل أيها الكلب.
متى كانت آخر مرة رأينا فيها بعضنا البعض؟ قبل قرن ونصف، أعتقد. حسنًا، أنت تعرف أنني لست بارعًا في التذكر، خصوصًا أنني لم أسجل هذا في دفتر الملاحظات. أردت فقط أن أذكرك بأنه يجب عليك أن تجمع لي جثث الداموتوفير، ويفضل أن يكون عددها فوق العشرين ألف جثة؛ ضعها في صناديق خشبية واشحنها لي عن طريق البحر، وسيوافيك أتباعي في أندر واتر. إلى أن تجمع كل هذا، سأذهب إلى نقطة اللقاء عما قريب. أتمنى أن تكون مطيعًا وتستجيب للأوامر، ليس لأنك كلبي، بل لأنك كلبه.
البطارية! أنبهك عليها، لا تنسَ البطارية، لن يعمل أبداً دون وجود بطارية تحتوي على خلايا حية سريعة التجدد.
مع تحيات إليتوس لاوس دي إميبرس."
إقشعر بدني. هذا الاسم كابوس حي بالنسبة لي. لم أقابله قط وجهًا لوجه، لكني أعلم أنه سبب كل ما يحدث ليوما. أنا خائف مما سيفعله لو اكتشف أن يوما اختفى وظهرت أنا مكانه.
لم نتحدث نحن الثلاثة فقط، استمرينا بالبحث في الأنفاق ولم نجد شخصًا أو أي دليل آخر. المكان فارغ، لا يوجد سوى صدى صوت الرياح.
قرابة الساعة الثانية فجراً عدنا إلى المدخل الذي دخلنا منه. لكن الغريب أن كل الجثث التي تعود لأفراد المافيا الذين قتلتهم يوهان قد اختفت، المكان نظيفٌ جداً، لا أثر لدماء أو غبار.
شخص ما قام بتنظيف الفوضى حتى لا تترك السلطات المحلية في ليويامي دليلاً يؤكد تواجد المافيا هنا.
كان هناك مصعد يدوي قرب الحفرة، سحب رييد المقبض، وصعدنا منه تلقائياً إلى الأعلى. خرجت يوهان أولاً، ثم أنا، وأخيراً رييد.
سمعت صوت شيء يتحرك، استدرت إلى الوراء والتفت رييد معي نحو مصدر الصوت. كان فقط قطاً ضالاً. أشفقت عليه، لأكون صادقة مع نفسي، شعرت أنني مثله: قطٌ شارد بلا مأوى.
قال رييد متحركاً: "لنغادر، تأخر الوقت." وتوجه نحو القط.
قلت له: "اسمعني، أين ذهبت يوهان؟" لكن لم يجبني. منذ متى وهو يطبق علي الصمت العقابي؟ يجيب فقط متى شاء. أكره هذا الاستعباد من الكبار.
عملياً أنا أكبر منه، أليس كذلك؟ لا أعلم. أريد فقط أن أعود إلى المنزل وأنام. رأسي يؤلمني بسبب كثرة المشاكل.
..............
في أحد الطرق الرعوية، دخل شخصٌ ما إلى زقاق شارع ضيق وقديم، خالٍ من الناس. كانت تابعة المافيا تركض ممسكة بكتفها النازف، رصاصة أصابتها في الظهر جعلتها تصرخ ألماً وتسقط أرضاً.
ضغطت على نفسها ونهضت رغم الألم، تريد فقط أن تنجو وتعيش. لكن أمامها مباشرة، التصق مسدس بجبهتها. رأت بعينيها ما ينتظرها، وذرفت دموعها، بدأت تتوسل، تترجى الرحمة والعفو عن إفشائها سر "سياف الذهب".
"الرئيس كاوس قال: لا نحتاج للخونة بيننا. لتذهبي إلى مكان يليق بأمثالك من القمامة." هذا آخر ما سمعت قبل صوت الإطلاق الناري. رصاصة دخلت منتصف جبينها، جعلتها تسقط أرضاً.
نور بلون ماء الذهب ظهر فجأة. الزقاق أصبح فارغاً من أثر جثتها أو الدماء، نظيفاً بشكلٍ يخبر كل من يدخله برائحة الخطر.
قرب إحدى المنازل الفخمة، وقفت يوهان وتنهدت. فتح الباب الحديدي مستقبلاً أحد أهم ساكني المنزل. سحبت القناع الذي يغطي وجهها، ليظهر شكلها الحقيقي.
رمت القناع أرضاً أمام المدخل ودخلت إلى فناء المنزل. كانت تلك الفتاة تملك نصيباً هائلاً من الجمال، كأنها مصباح أبيض ينير وسط الظلام.
شعرها الأبيض الطويل يصل إلى ظهرها، مربوط بشريطة أرجوانية تميل إلى الزهري. رموشها البيضاء الكثيفة، وبشرتها الخالية من الشوائب، وعيناها الزرقاوان تبدوان كقطع مجوهرات متلألئة.
ها هو ذا أول أيام "الأسبوع الأبيض" قد بدأ، ليكشف عن عدد من الحقائق ورغبات الناس.
منهم من يظن أنه قاضٍ يحق له تغيير ما في الأرض، لأنه كان ضحية لجبروت العالم.
ومنهم من يعتقد أنه سيصل إلى راحة سلبت منه بالخروج عن القانون.
ومنهم من يعتقد أنه سيستعيد ما خسره، وهو يؤنب نفسه على الماضي.
ومنهم من يظن أنه سيصل إلى الخلود بقتل البشر وسفك دماء الأبرياء.
----------------&&&///********////&&&---------------
سبحان الله ،سبحان الله ،سبحان .
لا حول ولا قوة إلا بالله .لا حول ولا قوة إلا بالله .لا حول ولا قوة إلا بالله .
عدنا قبل الموعد كيف حالكم أتمنى آنكم بخير لطفا أخبروني إن كان أسلوب السرد الجديد جيدا أو يحتاج لتعديل ، أنا أحب حقا ما يسمى بالنقد البناء أتطلع لقراءة أرائكم.
°''''°'''''°''''°'''''''°'''''°
حساب الانتسغرام الجديد : rir_i152
RIRI