خارج قسم الشرطة، وقف رييد إلى جانب السيارة الفاخرة، يتفقد هاتفه بلا اهتمام حقيقي، ينتظر.
خرج كريستوفر بعد دقائق، يرافقه سيزار. مظهر سيزار كان صادمًا — آثار الكدمات والضرب تلطّخ وجهه، وجسده يئن بصمت. كل من ينظر إليه يفهم أن هذا ليس مجرد توقيف... بل إذلال ممنهج.
اقترب كريستوفر منه محاولًا أن يسنده، فمدّ ذراعه نحوه بلطف، لكنه قوبل بدفعة قاسية، ونظرة حارقة.
قال سيزار بصوت بارد، قاطع، خالٍ من أي شعور:
"حل عني... ولا تقترب مني." كانت كلماته كالسياط، لا مجال للجدال فيها.
نعم... المنصب له وزنه. خرج سيزار من السجن ليس لأن العدالة أنصفته، بل لأن رييد طلب ذلك. النفوذ، وليس الحق، هو الذي يفتح الأبواب في هذا العالم.
صعد الثلاثة إلى السيارة. سيزار جلس في الخلف، عينيه نحو النافذة، وظهره للجميع، كأنه يتعمّد نفي وجودهم.
تنهد كريستوفر وهو يدوّر المحرك، ناظرًا للطريق الطويل أمامهم:
"ماهذا الاسبوع....." تمتمها وكأنها رجاء أخير، ثم انطلقت السيارة، يغلفها صمت كثيف... لا أحد يرغب بالكلام، لا أحد يملك الشجاعة للبدء.
ترجلوا من السيارة، وعين سيزار تستقر على المنزل الذي ترعرع فيه. لا حنين. لا دفء. لا ذرة شوق. هو يكره هذا المنزل. يكرهه كما يكره الوجوه التي تسكنه، الجدران التي صمتت طويلاً على آلامه.
فتح كريستوفر الباب، ودخل سيزار دون أن ينتظر أحدًا. في الردهة، كان كبير الخدم واقفًا بوقاره المعتاد... لكن نظرته لم تكن خفية.
نظرة تقول كل شيء: "ماذا فعلت مجددًا؟"
كأن الألم الذي يكسو وجه سيزار لا يعني شيئًا، كأن جراحه ليست سوى نتيجة "مستحقة" لسلوكه.
الخدم الآخرون كانوا يراقبونه من الزوايا... أعينهم مليئة بالقلق، لكن تحته طبقة من الشماتة الرخيصة، تلك التي يتقنها المتفرجون.
الكل راضٍ عما حدث له.
في غرفة الجلوس، كان يوما يختلس النظر من خلف الكنبة. ذاك الفتى الذي تعرض للضرب ذات يوم على يد سيزار، لم يجرؤ على الاقتراب. لكنه رأى وجهه... رأى الكدمات الأرجوانية التي رسمها التعذيب، القميص الأبيض الذي أفسدته الدماء، الحذاء الجلدي الممزق، وتلك الهالة الثقيلة التي كانت تسير أمامه لا خلفه.
ثم...
خطوات خفيفة تندفع من أعلى الدرج.
رفع سيزار رأسه، ليجد ميشيل يقفز نحوه ويضمه بشدة:
"لقد كنت قلقًا عليك!" قالها بصوت مرتجف.
ربما لو قالها قبل هذا اليوم... قبل هذه اللحظة... ربما كانت لتغير شيئًا. لكن الآن؟ الوقت تأخر كثيرًا.
أبعده سيزار عنه بهدوء بارد، دون حتى أن ينظر إليه، ثم تابع صعوده للدرج بخطى مرهقة.
كريستوفر وقف في مكانه، يشاهد ظهر شقيقه يبتعد.
حين اختُطف، كانوا يظنون أنهم فقدوه. لكنهم لم يدركوا أنهم فقدوه الآن... تمامًا. الذي صعد الدرج ليس نفس الفتى الذي كان قبل اسبوع. سيزار لم يعد بعيدًا فقط... بل إن اتصالهم به انقطع كليًا.
...........................................
بعد اربعة ايام.
عادت المدينة للحياة.
الشوارع امتلأت مجددًا، الطلاب في طريقهم للمدارس، الموظفون إلى أعمالهم، الضجيج المعتاد يتسلل من النوافذ.
الأسبوع الأبيض انتهى... بما فيه من خيرٍ وشرّ، من أحداثٍ لن تُنسى.
في سيارة تتحرك بهدوء بين الزحام، جلس زاك في المقعد الأمامي يتثاءب، بينما يقود آرثر المركبة بابتسامة هادئة.
قال آرثر وهو يغير اتجاه المقود، وعيناه تلمعان في المرآة: "كيف كان سفرك إلى نورثلاند؟"
رد زاك بملل وهو يسند رأسه بيده: "أولًا: توبيخ. ثانيًا: توبيخ. وثالثًا: المزيد من التوبيخ. أما آيو؟ لا طبعا. والباقي لا يهم."
ضحك آرثر قليلًا، ثم نظر في المرآة من جديد. أخوه الصغير، جالس في المقعد الخلفي فوق كرسي الأطفال، منغمس في معركة مصيرية بين ديناصوراته البلاستيكية.
عاد آرثر يسأل، بنبرةٍ تميل إلى الجدية: "تظن أن السماح ل آلفاسانو بالعودة إلى منزل الدوق كان قرارًا جيدًا؟"
زفر زاك وهو يعيد يده إلى خده، وقال بتذمر: "ذاك الفتى أحمق... دعهم يفعلون به ما يشاؤون، أنا انتهيت من قصته."
وقفت السيارة في مواقف السيارات القريبة من بوابة المدرسة الضخمة. نزل منها زاك أولًا، تمتم بملل وهو يتمطط:
"عدنا مجددًا لتدريس في هذه المدرسة النتنة..." نزع نظارته الشمسية، وضع قطرة العين في عينيه، ثم رماها داخل السيارة دون اهتمام.
آرثر فتح الباب الخلفي، حمل حقيبة الكتف، ثم فك حزام أمان أخيه الصغير، ورفعه بين ذراعيه. سار برفقة صديقه الكسول نحو البوابة.
عند المدخل، وقف كازوما بين الطلاب، يرحب بعودتهم بابتسامة لطيفة. على خده لصقة طبية تخفي جرحًا، لكن لا تخفي ما مرّ به.
رغم الألم، ما زال يؤدي واجبه بابتسامة تُخفي الكثير.
دخلت روزا المدرسة بشغب وشغف، وضمت ميموري بقوة. البعض ممن يعرف الحقيقة اشمأزّ من المشهد، لكن لم يتجرأ أحد على الكلام، خاصة بعد خطاب آرثر الذي توعّد بالإعدام من يكشف سر عائلة آلفاهايم.
لاحقًا، التقت كايرو، وميشيل، ويوما، وركضوا معًا نحو صفهم، وسط نظرات كازوما المليئة بالعطف والحنان.
أكاني كانت هناك، تختلس النظر إلى كازوما. لا تعرف ما الذي ينبغي عليها فعله أو قوله. كل ما استطاعت فعله هو السير نحو صفها، بصمت، دون أن تلتقي عيناهما.
في تلك اللحظة، رييد صفق كفّه بكف صديقه كايتو، ودخلا سويًا إلى المدرسة. حين لمح كايتو كازوما، ربت على كتفه مازحًا:
"أراك في الصف... لا تتأخر، وإلا ستطاردك الأشباح!" لوّح له ومضى. أما كازوما، فابتسم بخفة، وكأن شيئًا بسيطًا وسط هذا الزحام أعاد إليه بعض الدفء.
"لطيف..." قالتها إحدى المعلمات بابتسامة وهي تنظر إلى شقيق آرثر الصغير، الذي ما يزال ممسكًا بديناصوراته، غارقًا في عالمه الصغير البريء.
في الجهة الأخرى من الممر، كان زاك يسير بخطى بطيئة، يتثاءب بحرارة وهو يقول بفتور: "والآن عليّ أن أتحمل وجوه مجانين السنة الأولى مجددًا..."
قالها وهو يمسح دموع التثاؤب من عينه دون اكتراث. الطلاب والمعلمون على حد سواء كانوا يبتعدون عن طريق زاك، يفسحون له المجال بصمت.
الخوف كان يسبق خطاه، إذ لم ينسَ أحد ما حدث لـ سيزار. لكن زاك، كالعادة، لم يهتم بنظراتهم ولا بلغطهم، فقط واصل السير للأمام... دون أدنى ذرة مبالاة.
دخل زاك إلى شعبة B وأغلق الباب خلفه بصوت خافت. في الشعبة المجاورة، كان الدرس قد بدأ بالفعل.
على اللوح الإلكتروني، خطّت المعلمة اسمًا بالقلم الذكي:"يونازوكي"
الاسم وحده يكفي ليُحدث رجفة في الأعماق... يحمل هيبةً لا تفسَّر، ودفئًا لا يُنسى، وشعورًا بالجوع إلى معرفة المزيد.
عائلة تُحيط بها هالة من الرهبة، من القداسة، ومن الأساطير القديمة.
اتسعت عينا ألفاسانو فور أن رآه. كأن الكون أشار إليه بلحظة خاصة، همس في أذنه: انتبه، هذا لك...
ابتسمت المعلمة بهدوء ورفعت صوتها قليلاً: "درسنا اليوم عن أقوى العائلات وأنقاها تاريخيًا على مرّ العصور."
ساد الصمت المشحون في الصف، الكل كان يستمع بشوق ولهفة. فاسم يونازوكي يتكرر كثيرًا، لكن لا أحد يملك معلومات حقيقية. لا صور، لا منشورات، لا وجود واضح على الإنترنت... كأنهم موجودون خارج العالم.
تابعت المعلمة: "عائلة يونازوكي، ذات الأصول الليويامية، عقدت عهدًا قديماً مع عائلة كالان الملكية. وبسبب هذا العهد، رحلت إلى نورثلاند، وهناك بدأت تبث حضارتها في قلب المملكة البيضاء، تاركة هويتها السابقة خلفها."
أسند ألفاسانو رأسه إلى راحة يده، يتابع بصمت ولهفة.
قلبه يخفق بشدة... هل ستقول شيئًا عن الأفراد؟ عن أسمائهم؟ عن أعمارهم؟
قالت المعلمة بصوت ناعم: "أنا شخصيًا لم ألتقِ بأحد منهم. لكن يقال إن جمالهم... فريد. كالبلور النقي، كالأحجار الكريمة الخالية من الشوائب. ومن بين مئة شخص، إن صادفت أحدهم، فستعرفه فورًا... ستقول: هذا من يونازوكي."
وضعت المعلمة أماناي يدها على اللوح، وبدت ملامحها أكثر جدية: "رئيس عائلة يونازوكي عبر العصور يُلقب باللورد السابع."
سكتت لحظة ثم أضافت بصوت منخفض: "يُقال إنه معمر... رجل حيّ منذ قرون، لكنه لغز لا تملكه كتب التاريخ. كل ما يتعلق به — وبالعائلة — سري للغاية. والإيند نايت وحدهم من سُمح لهم بالاحتكاك المباشر بعائلة يونازوكي."
في الصف، كاد آلفاسانو أن ينهض فجأة ويصرخ:"ماذا عن رييد؟" لكنّه أمسك نفسه.
قرر أن يصغي حتى النهاية، لعلّه يفهم ما يدور حوله قبل أن يُكشف سره دون قصد.
أكملت المعلمة، وعيناها تشعّان بالغموض: "أسلوبهم القتالي... شيء لا يمكن تقليده. هم لا يستخدمون السيوف، بل البلور."
رفعت قطعة صغيرة شفافة بحجم الكف، قالت:
"كل فرد في العائلة له بلور يرمز إليه. يُقال إن اللورد السابع يستخدم بلورًا ذهبيًا، وبطريقة مهيبة يسيطر به على معاركه."
ميموري كانت تتابع بصمت، لكنها لاحظت أن تركيز روزا على المعلمة كان غير مسبوق. عين روزا كانت حادة... كأنها تسمع عن شيء سبق لها ان عرفته.
تابعت أماناي: "علاوة على ذلك، فإنهم يستدعون وحوشًا بلورية، كائنات لا يُمكن لأي أحد غيرهم السيطرة عليها. هذه الوحوش لا تطيع إلا أمر سيدها. ولا تنسوا... هم بارعون بالفطرة في التعقب، لا يضيع منهم هدف."
رفع ميشيل يده بسرعة، مستعجلًا الإجابة التي كانت تحرق لسانه: "آنسه أماناي! إذا كانت هذه عائلة خفية وغامضة... لماذا تحكم نورثلاند؟"
ابتسمت المعلمة برفق، وأجابت بصوت يحمل شيئًا من الحزن:
"عائلة كالان الملكية، التي حكمت نورثلاند لقرون، فقدت معظم أفرادها في حادث غامض. الحكومة رفضت التصريح بالتفاصيل... لكن بعد المأساة، كان لا بد من شخص يملأ الفراغ."
نظرت لعيني ميشيل مباشرة وأردفت: "فتولى اللورد السابع الحكم مؤقتًا، حتى يبلغ وريث العرش، رييد كالان، سن العشرين... وعندها، يُفترض أن تُسلَّم له مقاليد المملكة."
"لا نملك معلومات دقيقة عن بقية أفراد العائلة." قالتها المعلمة وهي تنظر للطلاب بجدية، ثم أضافت: "هل هم معمرون أيضًا؟ لا نعلم. كم عددهم؟ لا أحد يعرف."
وضعت يدها على ذقنها، كأنها تفكر بصوت مرتفع، ثم رفعت يدها وقالت: "سألنا السيد آرثر والسيد زاك عنهم سابقًا، لكن..."
توقفت لوهلة، ثم ابتسمت بنصف ابتسامة وأضافت: "السيد زاك رفض التحدث، ليس لأن الأمر سري... بل لأنه بكل بساطة لا يريد."
ساد التذمر وجوه الطلاب بوضوح، البعض تنهد، والآخر تمتم بكلمات منزعجة. لكن ماذا كانوا يتوقعون؟ إنه زاك... الأستاذ الذي لا يشرح الدروس أصلًا، والذي أصبح الطلاب مقتنعين تمامًا أن راتبه حرام وليس حلال.
"لا داعي للاكتئاب." قالتها المعلمة بنبرة متفائلة وهي تنقل بصرها بين الطلاب، "بصراحة، أنا واثقة أننا قد نرى أحد أفراد هذه العائلة، طالما أن الأمير رييد يدرس هنا في مدرستنا."
نظرات الحيرة بدأت تظهر على وجوه بعض الطلاب، فثقتها كانت غريبة... بل مريبة بعض الشيء. لماذا هي متأكدة إلى هذا الحد؟ وما الذي تعرفه ولا نعرفه نحن؟
أراد ألفاسانو أن يرفع يده، أن يسأل، أن يصرّ على فهم ما تقصده. لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة. فقط تذكّر حديثه القديم مع البروفيسور هاياتو...
انتهت الحصة، وبدأت الفوضى المعتادة. الطلاب يتجمّعون، يتهامسون، يخترعون نظريات غريبة عجيبة عن عائلة "يونازوكي".
"روزا، أريد أن أقول لك شيئًا..." نظرت روزا إلى ميموري وقالت بشرود: "آه؟ آسفة، ما الأمر؟"
لكن قاطعتهما صيحة عالية ."طفل!"
كان ميشيل من صرخ بها، مشيرًا بأصبعه نحو الباب.استدار الجميع نحو ما أشار إليه. طفل أشقر صغير، يدور بناظريه في القاعة وكأنه تاه في عالم الكبار.
"إنه الشقيق الأصغر للأستاذ آرثر!" قالها ألفاسانو بسرعة، وقد تعرف عليه من ملامحه.
انطلقت روزا كالسهم، انحنت أمام الطفل كفارس، ثم فجأة... "انه لطيف! إنه لطيف!" صرخت وهي تحمله وتضمه بجنون.
يوما، وقد شعر بالحرج، تقدّم سريعًا وسحب الطفل من بين ذراعيها. "شباب، هذا يكفي. دعونا نعيده للأستاذ قبل أن يكتشف اختفاءه ويقطع عنا الكهرباء."
قالها بنبرة جادة وهو يحتضن الطفل برفق.
"لحظة..." قالها كايرو، وقد بدت الحيرة واضحة في صوته: "ما علاقة الكهرباء بإعادة الطفل؟"
نظر الجميع إلى يوما، الذي لم يكن يعرف أساسًا ما الصلة، أدار وجهه للجهة الأخرى محرجًا، متظاهرًا بأنه لم يسمع شيئًا.
لكزت روزا كف يدها بحماس وقالت: "دعونا نذهب إلى طلاب الصف الثالث ونعيد شقيق الأستاذ... ونجعلهم يبدون بلا فائدة!"
صاح ميشيل وهو يمسك رأسه كما لو أن الألم داهمه فجأة: "ألم تتعلمي الدرس بعد؟! لقد كاد سيزار يدفنك حيّة!"
هزت رأسها بلا مبالاة، ثم انطلقوا جميعًا نحو صفوف الصف الثالث، تعلو وجوههم خليط من الترقب والحماسة والتهوّر المعتاد.
في الصف الثالث...
كالعادة، كانت الحصة مشتركة بين طلاب الشعبة A من الصفين الثالث والثاني. كان الأستاذ آرثر يشرح لهم آلية إخراج الأسلحة من المخزن، وكيفية خلق التوافق بين السلاح وقوة المستخدم لضمان التوازن في أثناء القتال.
رييد، الجالس أمام الاستاذ مباشرة، بدا عليه الملل، في حين أن كايتو استسلم كليًا للنوم. بهدوء... رفع آرثر القلم الذكي من على الطاولة، أدار القلم بين أصابعه بخفة، ثم ألقاه بدقة نحو رأس كايتو.
"أنت هناك... انهض." رفع كايتو رأسه ببطء، وكأن الجاذبية تثقله، ثم وقف كما لو كان مجرمًا في محكمة عسكرية.
"تجيد النوم في الحصة؟ إذًا أعد ما كنت أقوله الآن."
كايتو نظر له بفتور: "لم أكن أسمع."
لوّح له آرثر بالجلوس، ثم سار أمام السبورة قائلاً بنبرة مزيج بين التوبيخ والخيبة: "أنتم لا تأخذون شيئًا بجديّة... أتمنى أن تنضجوا قليلًا."
كان كازوما يجلس في الصف خلف سيزار، يختلس النظر إليه بين الحين والآخر. أراد أن يحدثه... أن يسأله: "كم يومًا قضيت في السجن؟ ماذا حدث؟ هل أنت بخير؟"
لكن الكلمات علقت في صدره. القلق كان واضحًا في عينيه، لكن شفتيه بقيتا صامتتين "كازوما."
صوت آرثر الحازم اخترق الصمت، جعل بدنه يقشعر فورًا، فنهض واقفًا وقال: "نعم... أستاذ."
نظر إليه آرثر بثبات وقال: "ماذا كنت أقول قبل قليل؟"
شبك كازوما يديه ببعضهما، ولم يُجب. أعين الطلبة كلها تحوّلت نحوه، الصمت خيم، والارتباك بدا جليًا على وجهه.
دون أن ينبس ببنت شفة، صعد آرثر بين المدرجات، أمسك بكازوما من ذراعه وسحبه بهدوء إلى الأسفل، ليُجلسه بجوار كايتو في المقدمة.
فتح ملف الدرجات أمامهم، نبرته هذه المرة تحمل شيئًا من السخرية الممتزجة بالصرامة: "حين كنت طالبًا... كنت أكره اللحظة التي يفتح فيها الأستاذ سجل الدرجات هذا. لكن الآن... أظن أنني بدأت أفهم لماذا كان يفعل ذلك."
أمسك السجل بإحدى يديه، ورفع الأخرى عاليًا قائلًا: "أي شخص لا يركّز في الحصة... سيحصل على درجة تليق تمامًا بتركيزه."
انزعج بعض الطلاب من الأسلوب الديكتاتوري الذي بدأ آرثر ينتهجه معهم. فجأة، فُتح باب الصف بصوت خفيف، وبدون أي خجل قالت روزا بنبرة طفولية مستفزة: "لماذا هم يجلسون على كراسي بنمط المدرجات... ونحن على كراسي قديمة عفا عليها الزمن؟"
توجهت الأنظار نحو الباب، ورأى الجميع يوما وهو ينزل الطفل الصغير "أكيهيتو" برفق، ليبدأ الأخير يتجه نحو أخيه بخطى سريعة ووجه يملؤه الفرح.
جثا آرثر على ركبته فورًا وفتح ذراعيه، فأرتمى أكيهيتو في حضنه وهو يضحك.
"ماذا أخرجك من مكتب المعلمين؟" سأل آرثر بنبرة هادئة.
ضحك الطفل الصغير وقال ببراءة: "أبحث عنك... ووجدتك!"
تنهد آرثر، ثم حمله برفق وأجلسه على كرسي المعلم، مسح على رأسه بحنان قبل أن يلتفت نحو يوما والآخرين عند الباب.
"شكرًا لكم لأنكم أعدتموه لي." قالها بابتسامة خفيفة، ثم نظر لروزا وأكمل بصوت حازم:
"وروزا... المدرسة توفّر الأفضل للجميع، لا داعي لمثل هذه التعليقات. لا فرق بين كراسٍ عادية أو كراسي مدرّجات، الفرق فقط هو في من يجلس عليها."
ساد الصمت، وكأن كلماته أعادت ترتيب أفكار البعض. الطفل أكيهيتو كان قد بدأ يرسم شيئًا ما على ورقة الأستاذ، في لحظة هدوء نادرة وسط زخم الصف الثالث.
رفع ميشيل ناظره، التقت عينه بعين أخيه سيزار. للحظة، توتر قلبه... مدّ يده بخفة ولوّح بابتسامة صغيرة لا يكاد يراها أحد.
لكن سيزار لم يتجاوب. لم يبتسم، لم يرمش حتى، كأن ميشيل لم يكن هناك.
أخفض ميشيل يده ببطء. "ما زال لا يراني..."همسها في داخله، وابتلع الشعور كما اعتاد.
ميموري كانت وسط جو من الذهول. هي لم تتوقع حقًا أن الصفوف العليا كبيرة وواسعة للغاية، وفيها العديد من الخدمات، وحتى الكراسي والطاولات على نمط المدرجات كما في الجامعات.
"حسنًا، عودوا الآن صفكم." قالها آرثر، لكن روزا، وبشغبها المعتاد، قفزت قائلة: "ولكن أستاذ، أرجوك عد إلينا، نحن لا نريد الأستاذ زاك!"
عبث آرثر بشعره وهو يتنهد، يتفهم تمامًا سبب تفضيلهم له على زاك، رغم غرابة السبب. لكن طلاب السنة الثانية والثالثة لهم الأولوية في التعليم.
في الصف، كان هناك ذلك الفتى ذو الشعر البني، هانزو، يجلس قرب سيزار، عيناه تتقدان غضبًا وهو يراقب يوما و روزا، الفتى الأرعن، والفتاة الخرقاء، من جعلاه أضحوكة في اليوم الأول.
انتبه يوما له، عبس قليلاً... هناك شيء مألوف في وجهه، كأنهما التقيا من قبل، لكن ذاكرته العجوز خانته كعادتها.
ودّعوا الأستاذ آرثر وغادروا. خيمت عليهم سحابة خفيفة من الاكتئاب، فالدردشة انتهت، والجد عاد... ومعه الدراسة الثقيلة.
عاود آرثر النظر إليهم بحزم، وسجل الدرجات بين يديه: "لنعد لموضوعنا."
خارج الصف، كانت استراحة طلاب السنة الأولى قد بدأت بالفعل. سابقًا، كانت استراحة جميع الطلاب في وقت واحد، لكن بعد شجار سيزار وروزا، ولأسباب مجهولة، قررت إدارة المدرسة فصل استراحة طلاب السنة الأولى عن بقية المراحل.
هذا الأمر لم يزعجهم، بل على العكس، جعل المكان أوسع لهم.
في الفناء الخارجي، كان يوما وأصدقاؤه يتمشون. أمسكت ميموري بكم قميص روزا، وقبل أن تتكلم، قاطعهم يوما قائلاً:
"شباب، أريد أن أصارحكم بشيء."
توقّف آلفاسانو عن السير، واستدار إليهم وعلى وجهه علامات التوتر وكأنه على وشك أن يعترف بجريمة خطيرة. وضع يده على صدره، وأغمض عينيه قليلًا، ثم فتحهما وقال: "أنا لست يوما."
ساد صمت غريب، تخلله صوت غراب ما في البعيد.
أمالت روزا رأسها قليلاً وقالت:"عجبًا... إذن من تكون؟ شبح يوما؟ أم يوما من المستقبل؟"
هزّ رأسه بعصبية وقال:
"لا، أنا... اسمي آلفاسانو. لقد دخلتُ إلى جسده بسبب ختم عبثي، ويوما الحقيقي الآن في غيبوبة. أنا أعيش داخله مؤقتًا وسأعود إلى جسدي الحقيقي حالما يتم كسر الختم."
تبادلوا النظرات.
قال كايرو وهو يومئ بتأنٍّ: "آه... فهمت تمامًا... إنه مثل... خرافة الأرنب الذي تحوّل إلى إناء شاي، أليس كذلك؟"
هز الاخر رأسه نافيا: "لا، لا علاقة للأرانب أو الشاي بالأمر!"
ردّ ميشيل وهو يضع يده على رأسه في حيرة:"هل يعني هذا أنك نوع من... الأرواح المستأجرة؟ هل تدفع إيجارًا شهريًا؟"
صاحت روزا فجأة، وقد اتّسعت عيناها: "انتظر! هل هذا يعني أننا كنّا نتحدّث مع يوما... لكنك كنت أنت؟ أو أنك لست هو؟ أو أنكما كلاكما؟ أنا مشوّشة!"
قالت ميموري بهدوء غريب: "آه، فهمت. إنه مثل تلك الأفلام التي يستيقظ فيها البطل ليجد نفسه داخل جسد ضفدع."
صاح آلفاسانو من شدّة التوتر: "أنا لست ضفدعًا! ولست متجسدا انما جسمنا فقط اندمج"
قال ميشيل وهو يضع يده على ذقنه بعمق مصطنع: "إذًا... أنت آلفاسانو... داخل يوما... بسبب ختم... عبثي... فهمنا."
رمشت روزا عدّة مرات، ثم قالت بجدية شديدة:
"صراحةً لم أفهم شيئًا... لكن يبدو الأمر خطيرًا."
قال كايرو وهو يربت على كتفه:
"نحن نصدقك. لا تقلق. أحيانًا أفضل ما يمكننا فعله هو أن نصدق فقط... كي لا نضطر للفهم."
ابتسم آلفاسانو بحذر وقال:"أنتم... تصدقونني؟"
أومأ الجميع بحماس، بينما همس ميشيل لروزا بصوت خافت:"إنه يهذي، أليس كذلك؟"
قالت روزا بابتسامة واسعة:"بلى، لكن دعينا نسايره. يبدو لطيفًا."
قال كايرو أخيرًا وهو يربت على كتفه: "أيًّا يكن ما تكون، طالما أنك لا تحاول أكلنا أو استدعاء جيش من الماعز الطائر، فأنت صديقنا."
ابتسم آلفاسانو قليلاً، لكنه لاحظ نظرات ميموري التي بدت مصدومة، رغم محاولتها إخفاء ذلك خلف دهشة بسيطة.
ما قاله آلفاسانو بدا لها مجرد كذبة؛ لا يوجد ختم يجعل أحدهم يتقمص جسد شخص في غيبوبة. قررت ميموري أن تبقى صامتة، وتخطط لإخبار الأستاذ آرثر بما سمعته.
لكن تذكرها أنه عاش مع الأستاذ آرثر لفترة، وبدأت تتردد... هل تتحدث؟ أم تلتزم الصمت؟.
رنّ الجرس. دقّة ثقيلة كأنها تفتح بابًا لمشهد غير متوقع. تحرّكوا معًا عبر الممر، خطواتهم متراصّة، خفيفة، لا تحمل نوايا كبيرة... فقط العودة للصف.
لمحت ميموري حذاء على الارض. الحذاء كان حذاء رياضي زهري اللون ،لم تبالي لأمره .تابعت السير خلف رفاقها.
لكن على السلالم، كان القدر ينتظرهم. سيزار.
وقف هناك، كأن المكان يخصه، كأن المدرسة تنكمش تحت ظله. رأته روزا أولاً. توقف الزمن في عينيها، ثم اشتعلت نارٌ قديمة في صدرها.
"ما الذي تفعله هنا؟" بصوتٍ منخفض، مشحون، خرجت الكلمات كرصاصة باردة. "يفترض أن تكون في السجن."
يد ميموري أمسكت بها. خفيفة، لكنها تعني: "توقفي."
ضحك سيزار، ضحكة جافة تخرّش الهواء. "أويا... ما زلتِ على قيد الحياة؟"
كلماته لم تكن تهديدًا... كانت سخرية من العدالة، من النجاة، من كل شيء.
تقدّم آلفاسانو، صوته كان هادئًا، لكنه محشو بغضب صامت: "إنه مختل. دعينا نغادر قبل أن يرسلك هذه المرة إلى المقبرة."
تكررت الكلمة في فم سيزار، ببطء، كأنها إهانة يتذوقها: "... مختل؟"
لم يكن هناك تحذير. رفع قدمه فجأة، بسرعة مفاجئة، هدفها وجه آلفاسانو مباشرة.
لكنه لم يصب.
يدٌ أمسكت بساقه في اللحظة الأخيرة.
رييد.
لا أحد رآه يقترب، لكنه كان هناك. واقفًا بين الاثنين. عيناه لا تلمعان. بل مظلمتان كهاوية.
دفع ساق سيزار بعيدًا عنه بلا عنف، بلا تردد. "رييد، أيها..." صك سيزار على أسنانه. كان يحاول أن يستوعب، لكن الظل كان قد سبق الفهم.
اقترب رييد. خطواته ثقيلة، الهواء من حوله تغيّر. كأن الظلام خرج من صدره وتمدّد على الأرض، على الجدران، على الأرواح.
قالها بصوت لا يُرفع، لكنه يهزّ:
"سيزار... لم أرهق نفسي كل هذه المدة كي تمنعني أنت الآن من لقاء يوما."
لم يكن تهديدًا. كان إعلانًا... عن نهاية صبر، عن بداية شيء آخر.
رأى الجميع الحقيقة. رييد... صدّق ما قاله آلفاسانو.
وآلفاسانو؟ لم يعد يوما.رييد أكد الان للجميع ان هذا الشخص المتواجد بينهم،ليس يوما.
"قف عندك، ماذا تفعل؟" الصوت جاء حادًا، حاسمًا... لا يحمل ذرة تردد.
كايتو. كان واقفًا أعلى السلالم، كأن صوته شقّ المكان شقًا، ليوقف الزمن نفسه. مظهره هادئ كعادته، لكن عينيه كانتا تشعّان بنفور لا يخفى.
لم يكن كايتو يحب طلاب السنة الأولى. لا بسبب الغرور، بل بسبب الفوضى التي حملوها معهم. منذ دخلوا هذه المدرسة... بدأ كل شيء يتفكك. النظام، الانضباط، حتى الهدوء في النفوس... تبخر.
نزل بخطوات مدروسة وهو يردف بنبرة غاضبة مكبوتة: "رييد، منذ متى وأنت تتشاجر مع سيزار؟ كبر عقلك... وأنت، سيزار، نعلم جميعًا أنك عود نار، لكن أحقًا تضايقك مجموعة حمقى؟"
وصل إلى رييد ومدّ يده إلى كتفه، يريد تهدئته، إعادته إلى رصانته المعتادة.لكن رييد لم يكن كما كان سابقا.
أبعد يده بسرعة، كأنها لسعت، ونظر إليه بعينين لا تنتميان لذلك الوجه الهادئ المعروف. قالها بصوت منخفض، لكنه كالخنجر:
"كايتو... لا تتدخل فيما لا يعنيك."
وقف كايتو مصعوقًا للحظة. هذا لم يكن رييد الذي يعرفه. أخفض نظره، زفر بحدة، وكأن كل هذا العالم بدأ يفقد توازنه أمامه.
"لمَ تهيننا؟!" صرخ ميشيل فجأة، عيناه تتوهجان، لا يفهم لِمَ يتحمّلون كل هذا الغضب من النخبة بينما هم لا يملكون حتى حق الرد.
لكن كايتو لم يتأخر في الرد. حدّق في ميشيل كما يحدق أحدهم في شخص غارق في الوهم. "أصبحت أحمقًا بجدارة؟ سيزار... أخوك."
تجمّد ميشيل. الكلمات كانت كصفعة، ليست على الوجه... بل على القلب.
ميموري شعرت بقلبها يضيق. كان هناك شيء في الجو، شيء ثقيل، مرعب... تشم فيه رائحة العنف قبل أن يقع. عدالة روزا — كما تسميها — تلك التي لا تنتهي أبدًا إلا بمصيبة... تكاد تظهر الآن، في أوضح صورها.
آلفاسانو؟ كان في المنتصف... بين ثلاثة وحوش.
سيزار، ابن دوقٍ جحيمي، لا يرحم.
كايتو، الأمير الذي سئم كل شيء.
ورييد... ورييد، الذي لم يعد مجرد وريث مملكة، بل ظلٌّ يتحرك على حافة الانفجار. يتمنى لو تبلعه الأرض الآن كي لا يشهد على ماقد يحدث.
"وأنتم..." ارتفع الصوت، ثابتًا، مشبعًا بالاحتقار. "... لا تعرفون معنى التوبة."
رفعت الرؤوس تلقائيًا، كأن الجاذبية نفسها خضعت للكلمات. أعلى الدرج، كان واقفًا... الأستاذ زاك.
بنفس تلك النظرة الجامدة، التي لا تحمل لا رحمة ولا اهتمام، بل فقط ميزان قاسٍ لا يُخطئ في الحكم.
رُؤيتُه وحدها كانت كفيلة بإخماد الشرارة. تراجعت روزا خطوة للوراء، ذلك الخوف القديم عاد ينهش أعصابها... آثار الحادث الأخير ما زالت تسكن جلدها.
أما سيزار، فكان مختلفًا. رمقه بنظرة قاتلة، نظرة لا يخطئها أحد. لا رهبة فيها، بل احتقار محض... كما لو أنه يتوق لجولة ثانية، أكثر وحشية، أكثر حسمًا.
رييد لم يلتفت. بدلًا من ذلك، التفت إلى آلفاسانو. عيناه غارقتان في سواد ناصع، صوته حين خرج لم يكن إلا همسًا، لكنّه اخترق كيانه كطعنة.
"اسمع..."نبرته لم تكن غاضبة، بل قاتلة. "... لقد طفح الكيل. ابتعد عن المشاكل. لا تؤذِ جسد يوما أكثر...حين تستعيد جسدك، افعل ما تشاء. لكن الآن؟ توقف."
تجمّد آلفاسانو. كأن العالم انكمش فجأة، وضاقت المسافة بينه وبين الهاوية. ثم... رحل رييد. خطواته كانت هادئة، لكن الغضب يتصاعد من حوله كدخان أسود. ولحق به كايتو، صامتًا، كأنّه لا يثق بما قد يقوله إن تكلم.
في الأعلى، لمح كازوما الأستاذ زاك. كان يريد أن يحييه، حركة بسيطة، لكنّه توقف حين شعر بنظرة سيزار، نظرة مليئة بازدراءٍ لا يتجزأ، لا يفسح لأحد.
نزل الدرج بخفة، أسرع الخطى كأنه يهرب من شيء ما، ثم... اقترب من سيزار، تمسك يده بخوف خفيف، محاولة صادقة لإعادة شيء قديم.
"سيزار، مالذي—"
لكن لم يُكمل. دُفعت يده بعيدًا بقسوة، وصاح به سيزار بصوت مرتجف من الغضب: "من أنت حتى تلمس يدي؟!"
كلماته كانت سيفًا بلا غمد. وغادر... كأن الأرض نفسها لا تستحق أن يشاركه أحدٌ فيها.
وقف كازوما مصعوقًا، باردًا كتمثال... لا يفهم. أراد فقط أن يساعد، أن يعود كما كان، لكنه وجد نفسه... في العدم من جديد.
لم يمضِ لحظة حتى دوّى صوت كايرو، غاضبًا كعادته، صادقًا كعادته: "يا حثالة! احترم وجهك، لا تعامل أخي هكذا!"
لكن لم يكن هناك من يرد. سيزار كان قد اختفى.
كازوما. وضع يده على رأسه، كأنه يعتصر وجعه بأصابعه. كل شيء كان يسير على ما يرام...حتى عاد إلى نقطة الصفر.بل تحت الصفر.
"ذلك السيزار... وذلك الرييد."
قالها الأستاذ زاك بنبرة متعبة، وهو ينزل السلالم بخطى ثقيلة. يده تمرّ على عنقه ببطء كما لو أنه يمسح أثر شيء لم يُمحَ بعد. لم يكن يتحدث لأحد بعينه، بل يبوح لنفسه.
"يذكرانني بنفسي حين كنت مراهقًا..." همسها وكأنها اعتراف متأخر. ثم توقف عند كازوما، وضع يده على كتفه، ضغط عليه ضغطًا خفيفًا فيه من الثقل ما لا يُقال بالكلمات، وقال:
"من الصعب... أن تكون شخصًا صالحًا." قالها بصوت كأنما يُواسي به نفسه، لا كازوما، ثم أكمل طريقه وغادر... دون أن ينظر للخلف.
زفرت روزا بعمق، كأنها أفرغت صدرها من كل ما كان يحتقن فيه، ثم هوت على الأرض، جالسة بارتباك. لم يكن التعب جسديًا، بل توترًا جمعيًا بعد ما حدث في مكتب الوكيل. من يجرؤ الآن على استفزاز الأستاذ زاك؟ لا أحد.
كازوما ابتعد عنهم، خطواته ثقيلة، مترددة، كأن الصدمة لا تزال تحاصر صدره. كايرو لحق به، بصمت شقيق يعرف أن لا كلمات تصلح الآن.
لم يبقَ سوى آلفاسانو، ميشيل، وروزا التي جلست على الأرض بلا اهتمام للمكان، وخلفها كانت ميموري تقف قرب باب معمل الكيمياء، جسدها ساكن كتمثال، عيناها مراقبتان.
ثم... صوت. ضوضاء خفيفة آتية من خلف باب المعمل.
نظرت المجموعة نحو الباب. تردد خفيف. فضول فاق الحذر. تحرك آلفاسانو أولًا، دفع الباب ببطء... وظهر المشهد.
الوكيل، منحنٍ بين صناديق قديمة، يبحث عن شيء ما بتركيز غريب.
رفع رأسه عندما سمع صوت الباب، نظر إليهم بتلك النظرة المعتادة التي لا تميّز بين الاستقبال والملل، وقال بنبرة عفوية:
"آه... أنتم مجددًا. عصابة المشاكل."
تجمّدوا في أماكنهم. نظراتهم كانت تقول: حقًا؟ عصابة؟ لماذا؟
ابتسم الوكيل ابتسامة صغيرة، وقف، نفض الغبار عن ملابسه، وقال بنبرة أقرب إلى التوبيخ اللطيف:
"سماكم بها مدير المدرسة، بعد ما سمع عنكم من الأستاذ آرثر. على مرّ تاريخ هذه المدرسة... لم يسبب أحد هذا الكمّ من الفوضى في صفوف العليا كما فعلتم أنتم."
تقدّم آلفاسانو، حاجباه مرتفعان، وفضوله في ذروته: "هل أنت... قديم في هذه المدرسة؟"
قطرات عرق ظهرت على جبين الوكيل، لكنه أجاب وهو يعدّل وضع نظارته:
"نعم... أعمل هنا منذ عشرين سنة. درّست هاياتو هاماساكي، كريستوفر جينسونر... وكنت حاضرًا عندما تولى المدير منصبه.
ثم، بعد سنوات، تمت ترقيتي إلى وكيل المدرسة."
اقتربت ميموري بخطوة، وكأن شيئًا ما يحركها من الداخل. بصوت خافت لكنه مباشر، سألت: "هل درست شخصًا يُدعى شين سوكسي؟"
كانت المرة الأولى التي تسأل فيها ميموري سؤالًا واضحًا، بلا تردد، بلا لف أو دوران. حتى روزا حدّقت بها بدهشة، وكأنها لا تعرف من تقف بجانبها.
الوكيل تجمد للحظة، كأن الاسم أعاده عشر سنوات للوراء، ثم ابتسم بشغف صادق، وقال بنبرة دافئة:
"ومن ينساه؟ شين سوكسي... كان تلميذًا متفوقًا، تخرج بمرتبة الشرف.شخص خلوق، ذو مبادئ عالية. لم يكن مجرد طالب... بل قدوة."
سادت لحظة صمت. صمت يحمل في طيّاته احترامًا غير معلن، ودهشة غير مفسَّرة. كأن الجميع أدركوا أن ذكرى هذا الاسم لا تمرّ مرور الكرام.
"لقد كان فارسًا قويًا، يتحكّم في قوى الضباب، ويُمزجها مع الضوء الأخضر ليصنع شكلًا جديدًا لفِريا..." قالها الوكيل بصوت كأنه يستحضر ماضٍ بعيد، نبرته تتلوّن بإعجاب لم يُخفه.
وضع يده على ذقنه، غارقًا في الذكرى، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة، صادقة: "ابتكر ختم سليل الضباب، حتى إن نورثلاند نفسها طلبته كي يُكمل دراسته هناك. شين... كان قدوة لنا جميعًا. صغير عمر، لكن... كبير عقل."
كلماته سقطت ثقيلة على مسامع الحاضرين. "كبير عقل؟" شعر أفراد العصابة – كما أصبح يُطلق عليهم – أن هناك شيئًا من الإهانة الضمنية في الوصف، مقارنةً بهم. كأن الماضي يُلوّح لهم بأنهم لا يشبهونه.
لكن، وسط كل شيء، كانت ميموري صامتة. وضعت يدها على صدرها بخفة، كأن الذكرى تلك، أو ذلك الاسم... لمس شيئًا عزيزًا فيها. ابتسامة خافتة لم يلاحظها إلا روزا التي رمقتها بطرف عينها، والفضول يتنامى داخلها كشرارة خفيفة.
ما علاقة ميموري بشين؟ كان سؤالًا يطفو في الهواء، ولم يحتج لأحد أن يعبّر عنه بالكلام. حتى آلفاسانو شعر بتلك الدهشة الخفية، لكنه لم يعلّق.
تقدّم ميشيل، كعادته عندما لا يتحمّل الصمت، وسأل بنبرة مباشرة: "وماذا تفعل هنا؟"
أعاد السؤال الوكيل إلى الواقع، رمش بعينيه، ثم تنهد وكأن عقله كان في زمن آخر.استدار نحو صناديق متراكمة، تابع تقليبها، وقال:
"سيأتينا زائر مهم قريبًا، وأحتاج لبعض التجهيزات. زينة ترحيبيّة بسيطة. هذا الملتقى... سيجعل نورثلاند ترسل طلابها إلينا.
فرصة نادرة لتوسيع العلاقات."
آلفاسانو أمال رأسه باستغراب، وقال بنبرة مليئة بالحيرة: "زينة؟ في معمل الكيمياء؟"
ابتسم الوكيل ونظر إليهم، متحمسًا وكأن الضوء عاد لعينيه:"أجل! أحتاج لمساعدتكم!"
لم يُطل في الشرح. بدا وكأنه سعيد فقط لأن أحدًا لن يتركه يجهّز وحده. توزعوا حول الصناديق، يبحثون في الفوضى عن قطع الزينة القديمة، شرائط، بالونات، لوحات متهالكة، وأوراق ملونة اختنق لونها بالغبار.
روزا، بتململها المعتاد، قالت وهي تحرك شريطًا مهترئًا:"من يضع الزينة في معمل الكيمياء؟!"
ضحك الوكيل، وهو ينفض الغبار عن صندوق آخر:"أستاذ الكيمياء كان مسؤولًا عن الأنشطة الطلابيّة... سابقا."
بينما كانوا يتفحصون، انتقلت ميموري نحو أحد الرفوف الجانبية، عيناها تتفقدان كل قنينة بتركيز يشبه الحذر. وفجأة... توقفت.
أنبوب اختبار صغير، مُغلق بإحكام، في داخله سائل أخضر، لزج، يتصاعد منه بخار خافت، له رائحة كريهة حادة وصلت لأنفها، جعلتها ترتد قليلًا إلى الخلف.
"هذا ليس مجرد ماء ملون..." همستها لنفسها، لكن ملامحها تغيّرت للحظة، كأنها تعرف هذا السائل... أو تذكرته من مكان ما.
"ما الأمر، يا صغيرة؟" تجمّدت ميموري. استدارت ببطء، لتلقي بعينيها نحو مصدر الصوت.
كان هناك... رجل يقف بهدوء غير طبيعي، كأنه خرج من فراغ الزمن نفسه. وجه نحيل، بذقن يعلوه بعض الشعيرات السوداء المتفرقة. ملامحه هادئة لكنها مقلقة بطريقة لا يمكن تحديدها. عيناه داكنتان، ساكنتان، فيهما نوع من الهدوء المريب.
يرتدي سترة المعمل البيضاء، نظيفة أكثر مما يجب، وشعره القصير مُصفف بعناية، كأن فوضى المكان لا تمسه.
لم تسمع خطواته. لم تشعر بوجوده. لكنه كان واقفًا هناك، خلفها مباشرة، كأنه انبثق من الظل ذاته. "أنت هنا؟ أين وضعت باقي صناديق الزينة، يا أستاذ ساودا؟"
قالها الوكيل وهو ينفض غبارًا عالقًا على كمّه، وكأنه لم يلحظ أبدًا كم كان دخوله غريبًا. ابتسم الأستاذ ساودا بلطف وهو يتقدم، خطواته بطيئة وثابتة كمن يحذر من كسر الصمت.
لكن شيئًا في تلك الابتسامة جعل جسد ميموري ينتفض داخليًا، كأنها رأت شبحًا ، أو شيئًا لا تعرفه ولم تكن مستعدة لمواجهته بعد.
اقترب ساودا من إحدى الخزائن، وفتحها بحركة هادئة. أخرج منها أربعة صناديق ضخمة، وبتأنٍ وضع يده عليها، كمن يُقدّم شيئًا مقدسًا.
"أعتذر، سيدي الوكيل، على التأخير..." قالها بصوت منخفض، يكاد يُهمس، لكن فيه وضوحًا لا يُقاوم.
ميشيل، بفضوله الذي لا يعرف الخوف، تقدّم وسأل، وهو يراقب ملامحه بشيء من التحدي الطفولي: "أنت لا تدرّسنا، صحيح؟"
ابتسامة ساودا لم تتغير، لكن نظرته تحوّلت قليلًا، كأنها صارت أعمق، أو أخفَت شيئًا في جوفها: "أجل... أنا أدرّس فقط طلاب السنة الثالثة."
بدا صوته كنسمة هواء تمر على صفحة ماء راكد... لكن في عمقها تموّج خفيف، يكشف أن ما يظهر ليس كل ما في الداخل.
روزا، التي جلست تراقب الموقف عن بعد، شعرت بشيء ثقيل في الجو. ميموري... تلك الهادئة دائمًا، تلك التي لا يظهر عليها الانفعال، وقفت متيبسة.
وكأن الأستاذ ساودا كان أكثر من مجرد معلم كيمياء... وكأن بينهم وبينه تاريخ لم يُكتب بعد.
تعاون آلفاسانو وميشيل على حمل أحد الصناديق، يترنح بين أيديهما بين الحين والآخر، يتبادلان نظرات تملؤها المزاح الخفي والتعب الطفيف. أما الصندوق الثاني، فقد تولّت حمله كل من ميموري وروزا؛ الأخيرة كانت تتذمر بصوت خافت، في حين ظلت ميموري صامتة، كعادتها، تحمل دون أن تعلّق.
الصندوق الثالث حمله الوكيل بنفسه، رغم سنّه. رفعه كمن يحاول إثبات أن الخبرة لا تزال أثقل من العمر. أما الأستاذ ساودا، فقد أمسك بالصندوق الأخير وكأنه لا يزن شيئًا، خطواته صامتة كما كانت دائمًا، وصورته تبتعد عنهم شيئًا فشيئًا حين ودّعهم وانصرف في صمت.
وصل الأربعة إلى أسفل السلم المتحرك، حيث وضعوا الصناديق بعناية. ثم أخرج الوكيل دفتر ملاحظاته الجلدي، ودوّن شيئًا سريعًا بقلمه الأزرق الأنيق، خطوطه دقيقة، وكأن كل كلمة تُقاس قبل أن تُكتب. مزّق الورقة بخفة، وناولها لميموري بابتسامة دافئة وهو يقول وهو يعدّل نظارته بإصبعيه:
"شكرًا لمساعدتكم. هذه هدية بسيطة منّي... يمكنكم شراء ما ترغبون به من الكافيتيريا اليوم، على حسابي."
شكرته المجموعة بأدب ممزوج بالحماسة، وكان في أعينهم بريق نادر—ذاك البريق الذي يظهر حين يشعر الطالب بأن أحدًا قدّر جهده حقًا.
انطلقوا بعدها عائدين إلى صفهم، قلوبهم أخف، وكأن العمل الجماعي غسل عنهم بعض ما تركته الصراعات السابقة من توتر.
لكن الفرحة لم تدم طويلًا.
فور وصولهم إلى باب صف الفنون، اصطدموا بنظرة صارمة، تنتظرهم منذ نصف ساعة. الأستاذة، بذراعيها المتشابكتين ووجهها الجامد، لم تكن بحاجة للكلمات. كانت الهزّة الخفيفة في حاجبها تكفي ليدركوا أنهم تأخروا كثيرًا.
"خارج الصف... الآن."
قالتها بنبرة لا تحتمل نقاشًا، فأطاعوا، ووقفوا بجوار كايرو، الذي كان قد عاد متأخرًا أيضًا، وعلى وجهه نفس النظرة المستسلمة.
لكن أحدًا لم يهتم كثيرًا. كان يومًا طويلًا، مليئًا بالمفاجآت، والتوبيخ لم يكن سوى تفصيل صغير. هم الآن يعرفون أن الوكيل شخص يمكن الاعتماد عليه، وأن هناك أستاذ كيمياء غريب... لكن رائع بطريقته. وهم، دون أن يلاحظوا، بدؤوا يصبحون شيئًا واحدًا: فريقًا... وإن كان من نوع فوضوي جدًا.
كان رييد يتمشى بمفرده في الخارج، والغضب لا يزال يغلي في داخله. رفع يده إلى شعره، فركه بشدة كما لو أنه يحاول إخراج التوتر من رأسه.
هل بالغت؟ سأل نفسه بينما يتكئ على جذع شجرة. الحقيقة أن ما قاله لسيزار وآلفاسانو كان قاسيًا. ربما لم يكن الأمر يستحق كل ذلك الانفعال. تنفّس بعمق محاولًا تهدئة نفسه.
لكن سكون اللحظة تحطم فجأة.
رنّ جرس الإنذار عاليًا، فاقشعرّ جسده فورًا. "تنبيه... تنبيه إلى جميع الطلاب والطاقم التعليمي. هناك مقتحمون في المدرسة وهم مسلحون. ابقوا في صفوفكم. لا تفتحوا الأبواب أو تغادروا. نكرّر، هذا ليس تدريبًا."
صوت الإدارة ارتجف في الأرجاء، وبثّ الرعب في القلوب. في مكان آخر، ارتبكت "عصابة المشاكل" وعمّ الذهول وجوههم، بينما الأستاذ آرثر كان في مكتبه يحمل أخاه الصغير بين ذراعيه، وكايتو كان يبحث عن رييد بلا جدوى.
كازوما، وقد اعتراه فزع مباغت، أسرع لإغلاق باب مجلس الطلبة. أما سيزار، فبكل لا مبالاة، واصل مشيته وكأن شيئًا لم يحدث. زاك بالمقابل، ركض فورًا نحو بوابة المدرسة، وجهه متجهم، وعيناه تشتعلان قلقًا.
في الخارج، سُمع صوت استغاثة أنثوي: "النجدة!!"
ركض رييد نحو الصوت، وهناك التقى بزاك، الذي وقف بلا حراك، وفي يده خنجر بلون أحمر داكن ينبعث منه وهج كأن الدم يتبخر من نصله.
قال زاك بامتعاض وهو يشد على مقبض الخنجر:"هذه المدرسة مغناطيس مشاكل..."
أمامهم كان الوحش. مخلوق بشع ضخم الجسد، رأسه تكتظ بأفاعٍ تتلوى وتبصق السم، قدماه نحيلة طويلة خضراء تشبه أقدام العناكب، ويمسك بين مخالبه فتاة ترتدي زي السنة الثانية، تبدو مغشيًا عليها. كان أشبه بكابوس متجسد، داموترفير، ولكن بشكل مشوّه أكثر مما تتحدث عنه الكتب.
ومن خلف ذلك الكائن، وقف رجل غامض، يحمل قلادة تتوهج بالرموز. رفعها في الهواء، وأطلق منها موجة طاقة محكمة، أحاطت بالمدرسة كاملة، وأغلقتها عن العالم الخارجي كأنها الآن تحت قبة مظلمة.
في تلك اللحظة، داخل الصف، شعر آلفاسانو بحرارة حادة تحت عنقه. رفع يده بانفعال وفكّ ياقة قميصه... اتسعت عيناه. الرقم المشؤوم ظهر مجددًا، بوضوح تام فوق جلده. 152 نبضه تسارع.كان يعرف معنى هذا الرقم. ليس مجرد رقم. بل نذير شؤم قوي.
زاك ظل يحدق في القادم الجديد، وهو يفكر بقلق. يداه ترتجفان قليلًا. يمكنهم أن يقيّدوني الآن... هنا، أمام هذا العدد من الناس...
الزجاج، لو تحطم...
. قصة "هيبكي" قد تتحقق الآن — ذلك الكابوس الذي حاول أن يُبقيه تحت السيطرة طوال هذه السنين، لو انكسرت اي قطعة زجاجيه فأمام أكيهيتو هيبكي سينهار .
اختفى زاك من أمام الوحش لحظة واحدة فقط، لكنها كانت كافية ليظهر خلفه ويكاد خنجره يمزّق الهواء. رفع الوحش ذراعه بتوترٍ ليتفادى الضربة المباغتة. وفي اللحظة ذاتها، أطلق رييد هالته المظلمة التي أحاطت بالرجل الغامض خلف "الداموتوفير"، هالة قاتمة باردة تشبه سُباتًا أزليًا.
بحركة خاطفة، مزّق خنجر زاك مخالب الوحش، فحرّر الفتاة التي كانت بين قبضته. سقطت الفتاة على الأرض بلا حراك، بينما زاك انحنى، وانقسم خنجره في حركة عجيبة إلى سلاحين، ثم مزّق بهما أقدام الوحش ذات المظهر العنكبوتي. بصق الداموتوفير سُمًا قاتلًا نحو زاك، فتفادى الهجوم برشاقة، وارتطم السم بالأرض لتتشقق وتتبخر من شدّة حرارته.
أما رييد، فاستدعى مجاله الأرجواني الداكن الذي كبّل حركة الرجل الغامض، ثم جرحه بسيفه البنفسجي بسحب واحد شرس مزّق جانب صدره.
استدار، لكنه فوجئ بالداموتوفير ينهار فوقه من الخلف. قفز رييد في اللحظة المناسبة، وارتفع في الهواء متفاديًا الوحش المنهار.
المشهد كان مهيبًا... كل من في المدرسة يراقب من النوافذ، والكل بدأ يصفق لهم كما لو كانوا أبطالًا خارقين خرجوا من صفحات الأساطير.
انحنى زاك وسط التصفيق، ثم التفت إلى الفتاة التي أنقذها وسألها بنبرة مختنقة:
"من أنتِ؟" لكن... قبل أن تنطق بكلمة، طُعنت من الخلف.
وسط ذهول الجميع، تفجّر جسدها وتحطّم إلى غبار ماسي أبيض، كأنها وهمٌ انكشف.
ظهرت الطاعنة خلفها بوضوح.
رييد عرفها فورًا. كانت تلك الفتاة التي رآها في الليلة الأولى من الأسبوع الأبيض.
في تلك اللحظة، اشتعل الرقم 152 على عنق آلفاسانو بحرارة لافحة. وضع يده عليه وهو يتألم، حدق فيه بعينين متسعتين.
ابتسم زاك بهدوء وقال باستخفاف:
"أزيلي هذا القناع المقزز عن وجهك."
وبلحظة، ظهر خلفها موجّهًا طعنة دقيقة إلى منتصف ظهرها. انفجرت النسخة المزيّفة لشظايا ألماسية واختفت بالكامل.
ثم قفزت تلك الفتاة في الهواء، وظهرت تحت قدميها قاعدة بلورية بيضاء ثبتتها في السماء. لفّت جسدها شرنقة بلورية ناصعة، وانفجرت الشرنقة لتُخرج منها فتاة تشبه فراشة مقدسة خرجت لتوّها من قلب الضوء.
جمالها كان مدهشًا.
شعرٌ أبيض طويل مربوط بعناية بشريطة أرجوانية. بشرة بيضاء خالية من الشوائب، ورموش ناصعة البياض كأنها من خيوط الثلج. سترة زرقاء طويلة مفتوحة من الأمام بلا أكمام، وقميص أسود يغطّي ذراعيها وعنقها. قفّازات بيضاء، وحذاء جلدي طويل يصل إلى الركبتين. لا يظهر من جسدها شيء سوى ذلك الوجه الذي يعجز اللسان عن وصفه.
"مرّ وقتٌ طويل، ميرا..." قالها زاك بصوت غريب، لم يُسمع منه من قبل. أما هي، فاكتفت بابتسامة هادئة.
في تلك اللحظة، أدرك آلفاسانوما يحدث كل ما حدث تقريبا. لقد التقى بمفتاح قيده... إبنة يونازوكي هنا، على أرض مدرسته
في كل خطوة كانت تخطوها نحو الأرض، كانت قاعدة بلورية بيضاء تتكوّن تحت قدميها، كأنها تمشي على الضوء نفسه.
فتحت عينها الزرقاء اللامعة، ووجهها هادئ كمرآة صافية لا تكشف ما في أعماقها.
حك زاك شعره قليلًا ثم قال بنبرة ساخرة: "مبروك التخرج... وبالمناسبة، رأيت ذئبك قبل فترة عند باب مكتب البروفيسور."
أدرك آلفاسانو فجأة ما يقصده زاك. ذلك الذئب الذي رآه سابقًا... كان تابعًا لها.
لكنها، بنبرة باردة وقاطعة، قالت: "لم يتخرج أحد."ثم وضعت قدمها الأخيرة على الأرض، بثبات.
في تلك اللحظة، لمح رييد بوضوح شعر أفراد الطليعة المطرّز على ظهر سترتها، وعلى كتفها شارة صغيرة تحمل الرقم V، خمسة، بالحروف اللاتينية.
وضع زاك يده على رأسه، وكأنه فهم الأمر: "فعلها اللورد مجددًا؟"
هزّت رأسها بهدوء، وأجابت: "كنت أتعقّب بقايا المافيا... صباح اليوم رأيتهم يتسلّلون إلى المدرسة."
ثم نظرت إلى الرجل الذي جرحه رييد سابقًا، وقالت: "انتشرت تقنية غريبة مؤخرًا... تتيح للهيرون السيطرة على أنوبيس والداموتوفير. هذا يفسّر ظهور الوحش."
وضعت يدها على ذقنها، تفكّر بتركيز، وأكملت:
"أما تلك الفتاة التي طعنتها... لم تكن طالبة. كانت من المافيا، انتحلت هوية فتاة محبوسة في مبنى البستنة داخل المدرسة. لا نعرف بعد سبب اقتحامهم."
ثم تراجعت خطوتين إلى الوراء بخفة راقصة، وابتسمت: "سأكمل التحقيق و أرسل لك باقي الاخبار..أراك لاحقًا... وأوصل سلامي إلى هيبكي."
فجأة، بدأ جسدها يتوهّج، ثم تفتّت إلى غبار أبيض ناعم. ارتفعت منه فراشة بلورية بيضاء، طارت واختفت في السماء الواسعة.
آلفاسانو وقف بجانب زاك، يحدق في الساحة التي هدأ صخبها مؤقتًا، عينيه تبحثان في الأفق كأن شيئًا لم ينتهِ بعد.
مد زاك إصبعه، وبحركة مفاجئة، نقر جبين آلفاسانو بخفة، ثم قال وهو يبتسم يمزاحه المعتاد:
"يا أحمق... لم ينسك أحد. اليوم ستفكك عن يوما أخيرًا." أطلق آلفاسانو تأوّهًا قصيرًا، واضعًا يده على جبينه.
رييد وقف قريبًا منهما، لكن عينيه كانتا على الأرض، وصوته جافًا كأنه يختبر الحقيقة: "هل الطريقة مضمونة؟"
رد زاك دون أن يطرف له جفن، نبرته واثقة كصخر لا يتزحزح: "إنها ميرا... وحين تقول، تفعل."
مد يديه، ووضعهما على كتفي الصبيين، كمن يجمع بين قوتين شابت بينهما الخلافات:
"حسنًا الآن... لنقم بجولة سريعة، نرى إن كان الوضع آمنًا."
في الأعلى، خلف الزجاج المشروخ بفعل الانفجار، كانت روزا ما تزال عند النافذة. مذهولة، جامدة، عيناها لا تفارقان السماء التي اختفت فيها الفراشة البيضاء. تدور الأسئلة في ذهنها بسرعة البرق: من تكون تلك؟ ما قصتها؟ ولماذا بدا زاك واثقًا منها لهذا الحد؟
هي لا تعلم... لكن شيئًا في داخلها، أراد أن يعرف ميرا أكثر من أي شخص آخر.
.................
كان خلف فناء المدرسة، كل شيء ساكن، إلا النبض في صدر سيزار. أمامه وقف بيتر، أحد الرؤساء التنفيذيين للمافيا، رجل بملامح باردة وقامة منتصبة كأنه اعتاد استقبال القرارات المصيرية.
في عقل سيزار، مرّ شريط طويل... أمه وهي تضحك في المطبخ.أخوه الأكبر كريستوفر، بابتسامته المرهقة.ميشيل حين لوّح له من بعيد.
طفولته مع رييد وكايتو، الألعاب، الشغب، الولاء. وجه كازوما، كما في الأمس، كما هو اليوم.
أغمض عينه للحظة، ثم فتح تلك العين التي تزينها الندبة القديمة — شاهدة على كل شيء فقده وكل شيء لم يستطع إنقاذه.
هبت نسمة ريح باردة، كأنها تهمس له أن لا عودة بعد الآن. نطق بصوت لا يحمل ذرة من تردّد، ولا بقايا من سيزار القديم:
"سأنضم للمافيا. خذني إلى كاوس."
................................٠٠٠..............
الفصل القادم : الظهور الرسمي لبطل الروايه يوما.
التغير الجذري في مسار الاحداث.
يتبع.....
RIRI